Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:33–40
13:33–35Page 253
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤
For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾
(p-٣٩٤)”مَن“ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها ما بَعْدَها، وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَيَئْسُ كَذَلِكَ مِن شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي قَلْبُهُ الَّذِي هو في ظُلْمَةٍ. ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَما دَلَّ عَلى القاسِي ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٢] ويُحَسِّنُ حَذْفَ هَذا الخَبَرِ كَوْنُ المُبْتَدَأِ يَكُونُ مُقابِلُهُ الخَبَرَ المَحْذُوفَ، وقَدْ جاءَ مُثْبَتًا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ١٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] . والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وكَوْنِهِمْ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ ما لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ. نَعى عَلَيْهِمْ هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ، هَذا والبارِي تَعالى هو المُحِيطُ بِأحْوالِ النُّفُوسِ جَلَيِّها وخَفِيِّها. ونَبَّهَ عَلى بَعْضِ حالاتِها وهو الكَسْبُ، لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ فِيما يَكْسِبُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى الكَسْبِ في الجَزاءِ، وعَبَّرَ بِقائِمٍ عَنِ الإحاطَةِ والمُراقَبَةِ الَّتِي لا يَغْفُلُ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ويُعْطَفُ عَلَيْهِ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وجَعَلُوا وتَمْثِيلُهُ ﴿أفَمَن هُوَ﴾ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، وهو اللَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وحْدَهُ، انْتَهى. وفي هَذا التَّوْجِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وجَعَلُوا لَهُ، وفِيهِ حَذْفُ الخَبَرِ عَنِ المُقابِلِ، وأكْثَرُ ما جاءَ هَذا الخَبَرُ مُقابِلًا. وفي تَفْسِيرِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ قالَ: الشَّدِيدُ صاحِبُ العَقْدِ: الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: (وجَعَلُوا) واوُ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ وهو لِلَّهِ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْدِيرًا لِأُلُوهِيَّتِهِ وتَصْرِيحًا بِها، كَما تَقُولُ: مُعْطِي النّاسِ ومُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ، ويُحْرَمُ مِثْلِي ؟ انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ؟ هَذا تَأْوِيلٌ. ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ، هَلْ يَنْتَقِمُ ويُعاقِبُ أمْ لا ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ المُرادُ بِهِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ. والخَبَرُ أيْضًا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ. وأبْعَدَ أيْضًا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (وجَعَلُوا) مَعْطُوفًا عَلى (اسْتُهْزِئَ) أيْ: اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم: (سَمُّوهم) أيْ: اذْكُرُوهم بِأسْمائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ ويُسَمّى، إنَّما يُذْكَرُ ويُسَمّى مَن هو يَنْفَعُ ويَضُرُّ، وهَذا مِثْلُ مَن يَذْكُرُ لَكَ أنَّ شَخْصًا يُوَقَّرُ ويُعَظَّمُ وهو عِنْدَكَ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَذاكِرِهِ: سَمِّهِ حَتّى أُبَيِّنَ لَكَ زَيْفَهُ وأنَّهُ لَيْسَ كَما تَذْكُرُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي يَبْلُغُ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ؛ أيْ: هو أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرَ ويُسَمّى. ولَكِنْ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ. والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أمْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَلْفِتَ العاقِلُ إلَيْها. وقِيلَ: سَمُّوهم إذا صَنَعُوا وأماتُوا وأحْيَوْا لِتَصِحَّ الشَّرِكَةُ. وقِيلَ: طالِبُوهم بِالحُجَّةِ عَلى أنَّها آلِهَةٌ. وقِيلَ: صِفُوهم وانْظُرُوا هَلْ يَسْتَحِقُّونَ الإلَهِيَّةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم لَهُ مَن هم، وبَيِّنُوهم بِأسْمائِهِمْ ؟ وقِيلَ: هَذا تَهْدِيدٌ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ: سَمِّ الخَمْرَ بَعْدَ هَذا ! و(أمْ) في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ مُنْقَطِعَةٌ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ بِشُرَكاءَ لا (p-٣٩٥)يَعْلَمُهم في الأرْضِ وهو العالِمُ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا لَمْ يَعْلَمْهم عُلِمَ أنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ، ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [يونس: ١٨] انْتَهى. فَجُعِلَ الفاعِلُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والعائِدُ عَلى (بِما) مَحْذُوفٌ أيْ: بِما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وكُنّا قَدْ خَرَّجْنا تِلْكَ الآيَةَ عَلى الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ عائِدٌ عَلى (ما) وقَرَّرْنا ذَلِكَ هُناكَ، وهو يَتَقَرَّرُ هُنا أيْضًا؛ أيْ: أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِشَرِكَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَتَّصِفُ بِعِلْمٍ البَتَّةَ. وذَكَرَ نَفْيَ العِلْمِ في الأرْضِ؛ إذِ الأرْضُ هي مَقَرُّ تِلْكَ الأصْنامِ، فَإذا انْتَفى عِلْمُها في المَقَرِّ الَّتِي هي فِيهِ، فانْتِفاؤُهُ في السَّماواتِ أحْرى. وقَرَأ الحَسَنُ: (تُنْبِئُونَهُ مِن أنْبَأ) وقِيلَ: المُرادُ تُقَدِّرُونَ أنْ تُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ وهو لا يَعْلَمُهُ، وخَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الأرْضِ لا في غَيْرِها. والظّاهِرُ في (أمْ) في قَوْلِهِ: (أمْ بِظاهِرٍ) أنَّها مُنْقَطِعَةٌ أيْضًا أيْ: بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ؛ أيْ: إنَّكم تَنْطِقُونَ بِتِلْكَ الأسْماءِ وتُسَمُّونَها آلِهَةً ولا حَقِيقَةَ لَها، إذْ أنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِن أوْصافِ الأُلُوهِيَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠] وقالَ مُجاهِدٌ: أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ. وقالَ قَتادَةُ: بِباطِلٍ مِنَ القَوْلِ لا باطِنَ لَهُ في الحَقِيقَةِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
أيْ: باطِلٌ. وقِيلَ: (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ .
وقالَ الواحِدِيُّ: لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ وقالَ: دَعْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ؛ لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم. وقَرَأ مُجاهِدٌ: (بَلْ زَيَّنَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ (مَكْرَهم) بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: (زُيِّنَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (مَكْرُهم) بِالرَّفْعِ أيْ: كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ، وما قَصَدُوا بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ مِن مُناقَضَةِ الشَّرْعِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (وصُدُّوا) هُنا، وفي (غافِرٍ) بِضَمِّ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فالفِعْلُ مُتَعَدٍّ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، فاحْتَمَلَ التَّعَدِّيَ واللُّزُومَ؛ أيْ: صَدُّوا أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: (وصِدُّوا) بِكَسْرِ الصّادِ، وهي كَقِراءَةِ ﴿رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] بِكَسْرِ الرّاءِ. وفي اللَوامِحِ الكِسائِيُّ لِابْنِ يَعْمَرَ (وصِدُّوا) بِالكَسْرِ لُغَةً، وفي الضَّمِّ أجْراهُ بِحَرْفِ الجَرِّ نَحْوَ قَبْلُ، فَأمّا في المُؤْمِنِ فَبِالكَسْرِ لِابْنِ وثّابٍ، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: وصَدٌّ بِالتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَكْرُهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ومَن يَخْذُلْهُ يَعْلَمْهُ أنَّهُ لا يَهْتَدِي.
﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ فَما لَهُ مِن واحِدٍ يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والعَذابُ في الدُّنْيا هو ما يُصِيبُهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والذِّلَّةِ والحُرُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُمْتَحَنُ بِهِ الكُفّارُ، وكانَ عَذابُ الآخِرَةِ أشَقَّ عَلى النُّفُوسِ؛ لِأنَّهُ إحْراقٌ بِالنّارِ دائِمًا ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] (ومِن واقٍ) مِن ساتِرٍ يَحْفَظُهم مِنَ العَذابِ ويَحْمِيهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ:
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: صِفَتُها الَّتِي هي في غَرابَةِ المَثَلِ، وارْتَفَعَ ”مَثَلُ“ عَلى الِابْتِداءِ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ. و﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ المَثَلِ. تَقُولُ: مَثَّلْتُ الشَّيْءَ إذا وصَفْتَهُ وقَرَّبْتَهُ لِلْفَهْمِ، ولَيْسَ هُنا ضَرْبُ مَثَلٍ لَها فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الصِّفَةُ العُلْيا، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (مَثَلُ) بِمَعْنى صِفَةٍ، قالَ: إنَّما مَعْناهُ التَّنْبِيهُ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ صِفَتُها أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، انْتَهى. ولا يُمْكِنُ حَذْفُ أنْها، وإنَّما فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يَذْكُرِ (p-٣٩٦)الإعْرابَ. وتَأوَّلَ قَوْمٌ عَلى القُرْآنِ (مَثَلٌ مُقْحَمٌ)، وأنَّ التَّقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي، وإقْحامُ الأسْماءِ لا يَجُوزُ. وحَكَوْا عَنِ الفَرّاءِ أنَّ العَرَبَ تُقْحِمُ كَثِيرًا المَثَلَ والمِثْلَ، وخَرَجَ عَلى ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أيْ: كَهو شَيْءٌ. فَقالَ غَيْرُهُما: الخَبَرُ: تَجْرِي، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ، وهَذا أيْضًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَجْرِي خَبَرًا عَنِ الصِّفَةِ، وإنَّما يُتَأوَّلُ تَجْرِي عَلى إسْقاطِ ”أنْ“ ورَفْعِ الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ تَجْرِيَ - خَبَرٌ ثانٍ - الأنْهارُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي، عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ تَمْثِيلًا لِما غابَ عَنّا بِما نُشاهِدُ، انْتَهى.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَصِحُّ ما قالَ الزَّجّاجُ، لا عَلى مَعْنى الصِّفَةِ، ولا عَلى مَعْنى الشَّبَهِ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي قَدَّرَها جَنَّةٌ، ولا تَكُونُ الصِّفَةَ، ولِأنَّ الشَّبَهَ عِبارَةٌ عَنِ المُماثَلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ وهو حَدَثٌ، والجَنَّةُ جَنَّةٌ فَلا تَكُونُ المُماثَلَةُ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: (مِثالُ الجَنَّةِ) عَلى الجَمْعِ أيْ: صِفاتُها. وفي اللَوامِحِ عَلى السُّلَمِيِّ أمْثالُ الجَنَّةِ: جَمْعٌ ومَعْناهُ: صِفاتُ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها صِفاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِذَلِكَ جُمِعَ نَحْوَ الحُلْقُومِ والإسْعالِ. والأُكُلُ ما يُؤْكَلُ فِيها، ومَعْنى دَوامُهُ: أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: أيْ لَذّاتُهُ دائِمَةٌ لا تُزادُ بِجُوعٍ ولا تُمَلُّ مِن شِبَعٍ. وظِلُّها أيْ: دائِمُ البَقاءِ والرّاحَةِ، لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ولا يَمِيلُ لِبَرْدٍ كَما في الدُّنْيا؛ أيْ: تِلْكَ الجَنَّةُ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوْا؛ أيْ: اجْتَنَبُوا الشِّرْكَ.
13:36–37Page 254
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦
And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧
And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.
﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾
نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابَيْنِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَن أسَلَمَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأصْحابِهِما، ومَن أسْلَمَ مِنَ النَّصارى وهم ثَمانُونَ رَجُلًا: أرْبَعُونَ مِن نَجْرانَ، وثَمانِيَةٌ مِنَ اليَمَنِ، واثْنانِ وثَلاثُونَ مِنَ الحَبَشَةِ.
﴿ومِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي: ومِن أحْزابِهِمْ وهم كَفَرَتُهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعَداوَةِ نَحْوُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ، والسَّيِّدِ والعاقِبِ أُسْقُفَّيْ نَجْرانَ وأشْياعِهِما.
﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ لِأنَّهم كانُوا لا يُنْكِرُونَ الأقاصِيصَ وبَعْضَ الأحْكامِ والمَعانِي مِمّا هو ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ غَيْرُ مُحَرَّفٍ، وكانُوا يُنْكِرُونَ ما هو نَعْتُ الإسْلامِ، ونَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ: في مُؤْمِنِي اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم يُسِرُّونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن أمْرِ الدِّينِ. وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ جَمِيعُهم يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ، إذْ فِيهِ تَصْدِيقُ كُتُبِهِمْ، وثَناءٌ عَلى أنْبِيائِهِمْ وأحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمُ الَّذِينَ هم عَلى دِينِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وضَعُفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ هَمَّهم بِهِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِمْ، فَلا يُعْتَدُّ بِفَرَحِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ، وقَدْ قَذَفَ تَعالى بَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ. و(الأحْزابِ) قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأحْزابُ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ وآلُ أبِي طَلْحَةَ. ولَمّا كانَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ اللَّهِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ، أمَرَ بِجَوابِ المُنْكِرِينَ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ فَإنْكارُكم لِبَعْضِ القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وأنْتُمْ تَدْعُونَ (p-٣٩٧)وُجُوبَ العِبادَةِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ إلَيْهِ، أدْعُو إلى شَرْعِهِ ودِينِهِ، وإلَيْهِ مَرْجِعِي عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ في جَمِيعِ أحْوالِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَرَأ أبُو جُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ: ﴿ولا أُشْرِكَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ؛ أيْ: وأنا لا أُشْرِكُ بِهِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: أنْ أعْبُدَ اللَّهَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِهِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إنْزالِنا الكِتابَ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَتَضَمَّنُ إنْزالَهُ الكِتابَ، وهَذا الَّذِي أنْزَلْناهُ هو بِلِسانِ العَرَبِ، كَما أنَّ الكُتُبَ السّابِقَةَ بِلِسانِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وأرادَ بِالحُكْمِ أنَّهُ يُفَصِّلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ويَحْكُمُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) المَعْنى كَما يَسَرَّنا لِهَؤُلاءِ الفَرَحَ ولِهَؤُلاءِ الإنْكارَ لِبَعْضٍ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا، انْتَهى. وانْتَصَبَ (حُكْمًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (أنْزَلْناهُ) والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والحُكْمُ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي. ولَمّا كانَتِ العِبارَةُ عَنْهُ بِلِسانِ العَرَبِ نَسَبَهُ إلَيْها.
﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخُطّابُ لِغَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ مَعْصُومٌ مِنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مِن بابِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ والبَعْثِ لِلسّامِعِينَ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ والتَّصَلُّبِ فِيهِ. أنْ لا يَزِلَّ زالٌّ عِنْدَ الشُّبَهِ بَعْدَ اسْتِمْساكِهِ بِالحُجَّةِ، وإلّا فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ بِمَكانٍ.
13:38–40Page 254
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨
And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.
يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩
Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠
And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾
قالَ الكَلْبِيُّ: عَيَّرَتِ اليَهُودُ الرَّسُولَ ﷺ وقالُوا: ما تَرى لِهَذا الرَّجُلِ هِمَّةً إلّا النِّساءَ والنِّكاحَ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا كَما زَعَمَ لَشَغَلَهُ أمْرُ النُّبُوَّةِ عَنِ النِّساءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قِيلَ: وكانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ويُنْكِرُونَ النَّسْخَ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ كانُوا مِثْلَهُ ذَوِي أزْواجٍ وذُرِّيَّةٍ، وما كانَ لَهم أنْ يَأْتُوا بِآياتٍ بِرَأْيِهِمْ، ولا يَأْتُونَ بِما يُقْتَرَحُ عَلَيْهِمْ. ومِنَ الشَّرائِعِ مَصالِحُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ والأوْقاتِ، فَلِكُلِّ وقْتٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ فِيهِ عَلى العِبادِ؛ أيْ: يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ ما يُرِيدُهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في الأشْياءِ الَّتِي لَها آجالٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ إلّا ولَهُ أجَلٌ في بَدْئِهِ وفي خاتِمَتِهِ، وذَلِكَ الأجَلُ مَكْتُوبٌ مَحْصُورٌ. وقالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ: المَعْنى لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ، ولا يَجُوزُ ادِّعاءُ القَلْبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأمّا هُنا فالمَعْنى في غايَةِ الصِّحَّةِ بِلا عَكْسٍ ولا قَلْبٍ بَلِ ادِّعاءُ القَلْبِ هُنا لا يَصِحُّ المَعْنى عَلَيْهِ، إذْ ثَمَّ أشْياءُ كَتَبَها اللَّهُ تَعالى أزَلِيَّةً كالجَنَّةِ ونَعِيمِ أهْلِها لا أجَلَ لَها. والظّاهِرُ أنَّ المَحْوَ عِبارَةٌ عَنِ النَّسْخِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، والإثْباتَ عِبارَةٌ عَنْ دَوامِها وتَقْرِيرِها وبَقائِها؛ أيْ: (p-٣٩٨)يَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ. وقِيلَ: هَذا عامٌّ في الرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ونُسِبَ هَذا إلى عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي وائِلٍ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والكَلْبِيِّ.
ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي وائِلٍ في دُعائِهِمْ ما مَعْناهُ: إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي في السُّعَداءِ فَأثْبِتْنِي فِيهِمْ أوْ في الأشْقِياءِ فامْحُنِي مِنهم، وإنْ صَحَّ عَنْهم فَيَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتَ أشْقَيْتِنا بِالمَعْصِيَةِ فامْحُها عَنّا بِالمَغْفِرَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ والرِّزْقَ والخَلْقَ والأجَلَ لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ إلّا السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والآجالَ، فَإنَّهُ لا مَحْوَ فِيها. وقالَ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ: هي آجالُ بَنِي آدَمَ تُكْتَبُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: في لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبانَ آجالُ المَوْتى، فَتُمْحى ناسٌ مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبَتُونَ في دِيوانِ الأمْواتِ. وقالَ قَيْسُ بْنُ عَبّادٍ: في العاشِرِ مِن رَجَبٍ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَةٍ؛ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ، ويُثْبِتُ غَيْرَهُ. وقِيلَ: يَمْحُو كُفْرَ التّائِبِينَ ومَعاصِيَهم بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتُ إيمانَهم وطاعَتَهم. وقِيلَ: يَمْحُو بَعْضَ الخَلائِقِ ويُثْبِتُ بَعْضًا مِنَ الأناسِيِّ وسائِرِ الحَيَوانِ والنَّباتِ والأشْجارِ وصِفاتِها وأحْوالِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ، يَنْسَخُ ما يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ، ويُثْبِتُ بِهِ لَهُ ما يَرى المَصْلَحَةَ في اتِّباعِهِ، أوْ يَتْرُكُهُ غَيْرَ مَنسُوخٍ، والكَلامُ في نَحْوِ هَذا واسِعُ المَجالِ، انْتَهى. وهو وقَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ قالُوا: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الشَّرائِعِ والفَرائِضِ فَيَنْسَخُهُ ويُبَدِّلُهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَنْسَخُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُحْكِمُ اللَّهُ أمْرَ السَّنَةِ في رَمَضانَ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إلّا الحَياةَ والمَوْتَ والشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: يَغْفِرُ ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ، ويَتْرُكُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، ويُثْبِتُ بَدَلَ الذُّنُوبِ حَسَناتٍ. قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيَّآتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وقِيلَ: يُنْسِي الحَفَظَةَ مِنَ الذُّنُوبِ ولا يَنْسى. وقالَ الحَسَنُ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ أجَلَهُ، ويُثْبِتُ مَن يَأْتِي أجَلَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: (يَمْحُو اللَّهُ) يَعْنِي القَمَرَ، (ويُثْبِتُ) يَعْنِي الشَّمْسَ؛ بَيانُهُ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] الآيَةَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا وذَكَرَ وصْفَهُ في كِتابِ التَّحْبِيرِ، ثُمَّ قالَ: لِلَّهِ تَعالى فِيهِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ نَظْرَةً، يُثْبِتُ ما يَشاءُ ويَمْحُو ما يَشاءُ. وقالَ الرَّبِيعُ: هَذا في الأرْواحِ حالَةَ النَّوْمِ يَقْبِضُها عِنْدَ النَّوْمِ إذا أرادَ مَوْتَهُ فَجْأةً أمْسَكَهُ، ومَن أرادَ بَقاءَهُ أثْبَتَهُ ورَدَّهُ إلى صاحِبِهِ؛ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ القُرُونِ لِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١] ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] فَيَمْحُو قَرْنًا ويُثْبِتُ قَرْنًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (يَمْحُو) يُمِيتُ الرَّجُلَ عَلى ضَلالَةٍ وقَدْ عَمِلَ بِالطّاعَةِ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، يَخْتِمُهُ بِالمَعْصِيَةِ ويُثْبِتُ عَكْسَهُ. وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ. وفي الحَدِيثِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”أنَّهُ تَعالى يَفْتَحُ الذِّكْرَ في ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَنْظُرُ ما في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرَهُ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ“ وقالَ الغَزْنَوِيُّ: ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ خَرَجَ عَنِ الغَيْبِ لِإحاطَةِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، فَيَحْتَمَلُ التَّبْدِيلَ وإحاطَتَهُ الخَلْقَ بِجَمِيعِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وما في عِلْمِهِ تَعالى مِن تَقْدِيرِ الأشْياءِ لا يُبَدَّلُ، انْتَهى. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ نَقْلُهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ الرّافِضَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ عَلى أنَّ البَدْءَ جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَعْتَقِدَ شَيْئًا ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ أنَّ الأمْرَ خِلافُ ما اعْتَقَدَهُ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى مِن لَوازِمِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ دُخُولُ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ (p-٣٩٩)فِيهِ مُحالًا، وأمّا الآيَةُ فَقَدِ احْتَمَلَتْ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةَ، فَلَيْسَتْ نَصًّا فِيما ادَّعَوْهُ، ولَوْ كانَتْ نَصًّا وجَبَ تَأْوِيلُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: (ويُثْبِتُ) مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ، وباقِي السَّبْعَةِ مُثَقَّلًا مِن ثَبَّتَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ الذِّكْرُ. وقالَ أيْضًا هو وكَعْبٌ: هو عِلْمُ ما هو خالِقٌ وما خَلْقُهُ عامِلُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَلالُ والحَرامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُ كُلِّ كِتابٍ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّ كُلَّ كائِنٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ، انْتَهى. وما جَرى مَجْرى الأصْلِ لِلشَّيْءِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ، أمّا كَقَوْلِهِمْ: أُمُّ الرَّأْسِ لِلدِّماغِ، وأُمُّ القُرى مَكَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصْوَبُ ما يُفَسَّرُ بِهِ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ أنَّهُ دِيوانُ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ أنْ تُبَدَّلَ وتُمْحى أوْ تُثْبَتَ. وقالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ، وكَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ في ”ما، ونُونِ التَّوْكِيدِ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإمّا نُرِيَنَّكَ، وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ مَصارِعَهم، وما وعَدْناهم مِن إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَما يَجِبُ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ، وعَلَيْنا لا عَلَيْكَ حِسابُهم وجَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَلا يُهِمَّنَّكَ إعْراضَهم، ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والَّذِي تَقَدَّمَ شَرْطانِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الشَّرْطِ شَرْطٌ. فَأمّا كَوْنُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ فَلَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ما نَعِدُهم مِنَ العَذابِ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وأمّا كَوْنُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ الثّانِي هو أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إنَّ ما نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، ولا يَتَرَتَّبُ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ عَلَيْهِ عَلى وفاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِأنَّ التَّكْلِيفَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ الوَفاةِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ وهو: أنْ يَتَقَدَّرَ لِكُلِّ شَرْطٍ مِنهُما ما يُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَزاءً مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ. وذَلِكَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وإنَّ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم بِهِ مِنَ العَذابِ فَذَلِكَ شافِيكَ مِن أعْدائِكَ، ودَلِيلٌ عَلى صِدْقِكَ، إذا أخْبَرْتَ بِما يَحُلُّ بِهِمْ. ولَمْ يُعَيِّنْ زَمانَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ في حَياتِكَ، واحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ بِهِمْ بَعْدَ وفاتِكَ.
﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ: أوْ أنْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ ولا عَتْبَ، إذْ قَدْ حَلَّ بِهِمْ بَعْضُ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِكَ مِن عَذابِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، لا حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ؛ إذْ ذاكَ راجِعٌ إلَيَّ، وعَلَيْنا جَزاؤُهم في تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، وكَفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences