Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:9–21
14:9–10Page 256
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٩
Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and ʿAad and Thamūd and those after them? No one knows them [i.e., their number] but Allāh. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths1 and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."
۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠
Their messengers said, "Can there be doubt about Allāh, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays you [i.e., your death] for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority [i.e., evidence]."
﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾
(p-٤٠٨)الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن خِطابِ مُوسى لِقَوْمِهِ. وقِيلَ: ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وخَبَرُ ﴿قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ قَدْ قَصَّهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ وهُودٍ، والهَمْزَةُ في (ألَمْ) لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. والظّاهِرُ أنَّ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ إمّا عَلى (الَّذِينَ) وإمّا عَلى ﴿قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ اعْتِراضٌ والمَعْنى: أنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ الِاعْتِراضِ تَكُونُ بَيْنَ جُزْأيْنِ، يَطْلُبُ أحَدُهُما الآخَرَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾، فَإنْ عَنى مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (بَعْدِهِمْ) فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ حالٌ مِمّا جُرَّ بِالإضافَةِ، ولَيْسَ لَهُ مَحَلُّ إعْرابٍ مِن رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ، وإنْ عَنى مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ النّائِبِ عَنِ العامِلِ أمْكَنَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وكَذَلِكَ جاءَتْهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وقَعَتِ اعْتِراضًا، انْتَهى. ولَيْسَتْ بِاعْتِراضٍ؛ لِأنَّها لَمْ تَقَعْ بَيْنَ جُزْأيْنِ أحَدُهُما يَطْلُبُ الآخَرَ. والضَّمِيرُ في (جاءَتْهم) عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، والجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِلنَّبَأِ. والظّاهِرُ أنَّ الأيْدِيَ هي الجَوارِحُ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (أيْدِيهِمْ) وفي (أفْواهِهِمْ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ زَيْدٍ: أيْ جَعَلُوا؛ أيْ: أيْدِي أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ لِيَعَضُّوها غَيْظًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] والعَضُّ بِسَبَبٍ مَشْهُورٍ مِنَ البَشَرِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهْ وأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا
(وقالَ آخَرُ)
:
؎لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ∗∗∗ ودَقَّةً في عَظْمِ ساقِي ويَدِي
؎وبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عُوَّدِي ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ عَجِبُوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ. وقالَ أبُو صالِحٍ: لَمّا قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِهِمْ أنِ اسْكُتْ تَكْذِيبًا لَهُ، ورَدًّا لِقَوْلِهِ، واسْتِبْشاعًا لِما جاءَ بِهِ. وقِيلَ: رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ضَحِكًا واسْتِهْزاءً كَمَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ. وقِيلَ: أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: هَذا جَوابٌ لَكم لَيْسَ عِنْدَنا غَيْرُهُ إقْناطًا لَهم مِنَ التَّصْدِيقِ. وقِيلَ: الضَّمِيرانِ عائِدانِ عَلى الرُّسُلِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، قالَ: أخَذُوا أيْدِيَ الرُّسُلِ ووَضَعُوها عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ لِيُسْكِتُوهم ويَقْطَعُوا كَلامَهم. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: جَعَلُوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ الرُّسُلِ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ، وهَذا أشْنَعُ في الرَّدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُّسُلِ والنَّيْلِ مِنهم، فَعَلى هَذا الضَّمِيرِ في (أيْدِيهِمْ) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأيْدِي هُنا النِّعَمُ، جَمْعُ يَدٍ المُرادُ بِها النِّعْمَةُ؛ أيْ: رَدُّوا نِعَمَ الأنْبِياءِ الَّتِي هي أجَلُّ النِّعَمِ مِن مَواعِظِهِمْ ونَصائِحِهِمْ، وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّرائِعِ والآياتِ في أفْواهِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّهم إذا كَذَّبُوها ولَمْ يَقْبَلُوها فَكَأنَّهم رَدُّوها في أفْواهِهِمْ، ورَجَعُوها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المِثْلِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أفْواهِهِمْ) عَلى هَذا القَوْلِ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، وفي بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ: بِأفْواهِهِمْ، والمَعْنى: كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ. وفي بِمَعْنى الباءِ يُقالُ: جَلَسْتُ في البَيْتِ، وبِالبَيْتِ. (p-٤٠٩)وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ ”في“ مَوْضِعَ ”الباءِ“ فَتَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ الجَنَّةَ، وفي الجَنَّةِ. وأنْشَدَ:
؎وأرْغَبُ فِيها مِن لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنِّي عَنْ شِنْبِسٍ لَسْتُ أرْغَبُ
يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ أيْ: لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يُجِيبُوا. والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا سَكَتَ عَنِ الجَوابِ وأمْسَكَ: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ، وقالَهُ الأخْفَشُ أيْضًا. وقالَ القُتَبِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ إذا تَرَكَ ما أمَرَ بِهِ، انْتَهى. ومَن سَمِعَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَسْمَعْ، هَذاأبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ نَقَلا ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، فَعَلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّ المُمْسِكَ عَنِ الجَوابِ السّاكِتَ عَنْهُ وضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ. وقَدْ رَدَّ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ وقالَ: إنَّهم قَدْ أجابُوا بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم قالُوا: إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ، ولا يَرُدُّ ما قالَهُ الطَّبَرِيُّ، لِأنَّهُ يُرِيدُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهم أمْسَكُوا وسَكَتُوا عَنِ الجَوابِ المُرْضِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، وهو الِاعْتِرافُ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِلرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَجَوَّزَ في لَفْظَةِ الأيْدِي أيْ: أنَّهم رَدُّوا قُوَّتَهم ومُدافَعَتَهم ومُكافَحَتَهم فِيما قالُوا بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَكانَ المَعْنى: رَدُّوا جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ؛ أيْ: في أقْوالِهِمْ، وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي، إذِ الأيْدِي مَوْضِعُ أشَدِّ المُدافَعَةِ والمَرادَّةِ، انْتَهى. بادَرُوا أوَّلًا إلى الكُفْرِ وهو التَّكْذِيبُ المَحْضُ، ثُمَّ أخْبَرُوا بِأنَّهم في شَكٍّ وهو التَّرَدُّدُ، كَأنَّهم نَظَرُوا بَعْضَ نَظَرٍ اقْتَضى أنِ انْتَقَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ المَحْضِ إلى التَّرَدُّدِ، أوْ هُما قَوْلانِ مِن طائِفَتَيْنِ: طائِفَةٍ بادَرَتْ بِالتَّكْذِيبِ والكُفْرِ، وطائِفَةٍ شَكَّتْ، والشَّكُّ في مِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ كُفْرٌ. وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِمّا تَدْعُونا) بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في الضَّمِيرِ، كَما تُدْغَمُ في نُونِ الوِقايَةِ في مِثْلِ: (أتُحاجُّونِّي) والمَعْنى: مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ. و(مُرِيبٍ) صِفَةٌ تَوْكِيدِيَّةٌ، ودَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ عَلى الظَّرْفِ الَّذِي هو خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في الشَّكِّ إنَّما هو في المَشْكُوكِ فِيهِ، وأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ لِظُهُورِ الأدِلَّةِ وشَهادَتِها عَلَيْهِ. وقُدِّرَ مُضافٌ فَقِيلَ: أفِي إلاهِيَّةِ اللَّهِ. وقِيلَ: أفِي وحْدانِيَّتِهِ، ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَقْتَضِي أنْ لا يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ البَتَّةَ وهو كَوْنُهُ مُنْشِئَ العالَمِ ومُوجِدَهُ، فَقالَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . و(فاطِرِ) صِفَةٌ لِلَّهِ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِمِثْلِ هَذا المُبْتَدَأِ، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: في الدّارِ زِيدٌ الحَسَنَةِ، وإنْ كانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في الدّارِ الحَسَنَةِ زَيْدٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”فاطِرَ“ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ فِيهِ شَكٌّ ذَكَرَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ أيْ: يَدْعُوكم إلى الإيمانِ كَما قالَ: ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ [غافر: ١٠]، أوْ يَدْعُوكم لِأجْلِ المَغْفِرَةِ، نَحْوَ: دَعَوْتُهُ لِيَنْصُرَنِي. وقالَ الشّاعِرُ:
؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ∗∗∗ فَلَبّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ
و﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ إلى زِيادَةِ (مِن) أيْ: لِيَغْفِرَ لَكم ذُنُوبَكم. وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُ زِيادَتَها في الواجِبِ، ولا إذا جُرَّتِ المَعْرِفَةُ، والتَّبْعِيضُ يُصْبِحُ فِيها إذِ المَغْفُورُ هو ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، بِخِلافِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ مِنَ المَظالِمِ. وبِطَرِيقٍ آخَرَ يَصِحُّ التَّبْعِيضُ وهو أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ويَبْقى ما يُسْتَأْنَفُ بَعْدَ الإيمانِ مِنَ الذُّنُوبِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، هو في المَشِيئَةِ والوَعْدُ إنَّما هو بِغُفْرانِ ما تَقَدَّمَ، لا بِغُفْرانِ ما يُسْتَأْنَفُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ الِاسْتِقْراءَ في الكافِرِينَ أنْ يَأْتِيَ مِن ذُنُوبِكم، وفي المُؤْمِنِينَ ذُنُوبَكم، وكانَ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ، ولِأنْ لا يُسَوِّيَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، انْتَهى. ويُقالُ: ما فائِدَةُ الفَرْقِ في الخِطابِ والمَعْنى مُشْتَرَكٌ، إذِ الكافِرُ إذا آمَنَ، والمُؤْمِنُ إذا تابَ مُشْتَرِكانِ في الغُفْرانِ، (p-٤١٠)وما تَخَيَّلْتَ فِيهِ مَغْفِرَةَ بَعْضِ الذُّنُوبِ في الكافِرِ الَّذِي آمَنَ هو مَوْجُودٌ في المُؤْمِنِ الَّذِي تابَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: المُرادُ تَمْيِيزُ خِطابِ المُؤْمِنِ مِن خِطابِ الكافِرِ، فَهو مِن بابِ الطّامّاتِ؛ لِأنَّ هَذا التَّبْعِيضَ إنْ حَصَلَ فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الجَوابِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ كانَ هَذا الكَلامُ فاسِدًا.
وقالَ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى وقْتٍ قَدْ بَيَّنّاهُ، أوْ بَيَّنّا مِقْدارَهُ إنْ آمَنتُمْ، وإلّا عاجَلَكم بِالهَلاكِ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ، انْتَهى. وهَذا بِناءً عَلى القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في طَرْفٍ مِن هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [الأعراف: ٣٤] وقِيلَ هُنا: ويُؤَخِّرُكم إلى أجَلٍ مُسَمّى قَبْلَ المَوْتِ فَلا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ، إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ بَيْنَنا وبَيْنَكم، ولا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَلِمَ تُخَصُّونَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَنا ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى البَشَرِ رُسَلًا لَجَعَلَهم مِن جِنْسٍ أفْضَلَ مِنهم وهُمُ المَلائِكَةُ، انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى مَن سِواهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِهِمُ اسْتِبْعادُ بِعْثَةِ البَشَرِ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: بَلْ أرادُوا إحالَتَهُ، وذَهَبُوا مَذْهَبَ البَراهِمَةِ، أوْ مَن يَقُولُ مِنَ الفَلاسِفَةِ أنَّ الأجْناسَ لا يَقَعُ فِيها هَذا القِياسُ. فَظاهِرُ كَلامِهِمْ لا يَقْتَضِي أنَّهم أغْمَضُوا هَذا الإغْماضَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْتُ أنَّهم طَلَبُوا مِنهم حُجَّةً، ويُحْتَمَلُ أنَّ طَلَبَهم مِنهُمُ السُّلْطانَ إنَّما هو عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ؛ أيْ: بَعْثَتُكم مُحالٌ، وإلّا فَأتُوا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ؛ أيْ: إنَّكم لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ أبَدًا، فَتَقْوى بِهَذا الِاحْتِمالِ مَنَحاهم إلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ، انْتَهى.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ طَلَبَهُمُ السُّلْطانَ المُبِينَ وقَدْ أتَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالبَيِّناتِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ، وإلّا فَما أُتُوا بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ كافٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، ولَكِنَّهم قَلَّدُوا آباءَهم فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، ألا تَرى إلى أنَّهم لَمّا ذَكَرُوا أنَّهم مُماثِلُوهم قالُوا: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ: لَيْسَ مَقْصُودُكم إلّا أنْ نَكُونَ لَكم تَبَعًا، ونَتْرُكُ ما نَشَأْنا عَلَيْهِ مِن دِينِ آبائِنا. وقَرَأ طَلْحَةُ: ﴿أنْ تَصُدُّونا﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، جَعَلَ ”أنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَدَّرَ فَصْلًا بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ، وكانَ الأصْلُ أنَّهُ تَصُدُّونَنا، فَأدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في الضَّمِيرِ، والأوْلى أنْ تَكُونَ ”أنْ“ الثُّنائِيَّةَ الَّتِي تَنْصِبُ المُضارِعَ، لَكِنَّهُ هُنا لَمْ يُعْمِلْها بَلْ ألْغاها، كَما ألْغاها مَن قَرَأ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِرَفْعِ (يُتِمُّ) حَمَلًا عَلى ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ أُخْتِها.
14:11–21Page 257
قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allāh confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢
And why should we not rely upon Allāh while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allāh let those who would rely [indeed] rely."
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣
And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.
وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤
And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position1 and fears My threat."
وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥
And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.
مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦
Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2
يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧
He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨
The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩
Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ٢٠
And that is not difficult for Allāh.
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١
And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾
(p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ.
﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ.
﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى.
﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ:
؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ
وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا
وقالَ آخَرُ:
؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ
ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences