Abu HayyanAl‑Hijr · 15:1–25

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:1–25, continued

وقالَ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعْ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] والضَّمِيرُ في نَسْلُكُهُ عائِدٌ عَلى (p-٤٤٨)الذِّكْرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: والضَّمِيرُ لِلذِّكْرِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السِّلْكِ. ونَحْوُهُ: نَسْلُكُ الذِّكْرَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، عَلى مَعْنى: أنَّهُ يُلْقِيهِ في قُلُوبِهِمْ مُكَذَّبًا مُسْتَهْزَأً بِهِ غَيْرَ مَقْبُولٍ، كَما لَوْ أنْزَلْتَ بِلَئِيمٍ حاجَةً فَلَمْ يُجِبْكَ إلَيْها فَقُلْتَ: كَذَلِكَ أُنْزِلُها بِاللِّئامِ، يَعْنِي: مِثْلَ هَذا الإنْزالِ أُنْزِلُها بِهِمْ، مَرْدُودَةً غَيْرَ مُقْصِيَةٍ. ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِهِ، أوْ هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾؛ انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الذِّكْرِ، ذَكَرَهُ الغَرْنَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ نَسْلُكُ الذِّكْرَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في (نَسْلُكُهُ) عائِدٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ والشِّرْكِ ونَحْوِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (بِهِ) يَعُودُ أيْضًا عَلى ذَلِكَ نَفْسِهِ، وتَكُونُ باءَ السَّبَبِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في نَسْلُكُهُ عائِدًا عَلى الذِّكْرِ المَحْفُوظِ المُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، أيْ: مُكَذَّبًا بِهِ مَرْدُودًا مُسْتَهْزَأً بِهِ، يُدْخِلُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدًا عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في نَسْلُكُهُ عائِدًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والشِّرْكِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، فَيَخْتَلِفُ عَلى هَذا عَوْدُ الضَّمِيرَيْنِ؛ انْتَهى. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ، نَسْلُكُ التَّكْذِيبَ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الباءُ في بِهِ لِلسَّبَبِ. والَّذِي يَظْهَرُ عَوْدُهُ عَلى الِاسْتِهْزاءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: يَسْتَهْزِئُونَ، والباءُ في بِهِ لِلسَّبَبِ. والمُجْرِمُونَ هُنا كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَن دَعاهُمُ الرَّسُولُ إلى الإيمانِ. ولا يُؤْمِنُونَ إنْ كانَ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا فَهو مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن خَتَمَ عَلَيْهِ، إذْ قَدْ آمَنَ عالَمٌ مِمَّنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ. وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ في تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم، أوْ في إهْلاكِهِمْ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، واسْتَهْزَءُوا بِهِمْ، وهو تَهْدِيدٌ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ لِفَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ حَتّى يُنْكِرُوا ما هو مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ بِالأعْيُنِ مُماسٌّ بِالأجْسادِ بِالحَرَكَةِ والِانْتِقالِ، وهَذا بِحَسَبِ المُبالَغَةِ التّامَّةِ في إنْكارِ الحَقِّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَظَلُّوا) عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ، أيْ: لَوْ فُتِحَ لَهم بابٌ مِنَ السَّماءِ، وجُعِلَ لَهم مِعْراجٌ يَصْعَدُونَ فِيهِ لَقالُوا: هو شَيْءٌ نَتَخَيَّلُهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وقَدْ سُحِرْنا بِذَلِكَ. وجاءَ لَفْظُ (فَظَلُّوا) مُشْعِرًا بِحُصُولِ ذَلِكَ في النَّهارِ لِيَكُونُوا مُسْتَوْضِحِينَ لِما عايَنُوا، عَلى أنَّ (ظَلَّ) يَأْتِي بِمَعْنى (صارَ) أيْضًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَظَلُّوا) يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ أيْ: ولَوْ رَأوُا المَلائِكَةَ تَصْعَدُ وتَنْصَرِفُ في بابٍ مَفْتُوحٍ في السَّماءِ لَما آمَنُوا.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: يَعْرِجُونَ، بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ في العُرُوجِ، بِمَعْنى الصُّعُودِ. وجاءَ لَفْظُ (إنَّما) مُشْعِرًا بِالحَصْرِ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إلّا تَسْكِيرًا لِلْأبْصارِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: سُكِرَتْ، بِتَخْفِيفِ الكافِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِشَدِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الكافِ مُخَفَّفَةً مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، شَبَّهُوا رُؤْيَةَ أبْصارِهِمْ بِرُؤْيَةِ السَّكْرانِ لِقِلَّةِ تَصَوُّرِهِ ما يَراهُ. فَأمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: مُنِعْتُ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِيقَةِ مِنَ السِّكْرِ، بِكَسْرِ السِّينِ، وهو الشَّدُّ والحَبْسُ. وعَنِ الضَّحّاكِ شُدَّتْ، وعَنْ جَوْهَرٍ: جُدِعَتْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: حُبِسَتْ، وعَنِ الكَلْبِيِّ: عَمِيَتْ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: غُطِّيَتْ، وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: أُخِذَتْ، وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: غُشِيَتْ. وأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَقِيلَ: بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ، والتَّخْفِيفُ يُؤَدِّي عَنْ مَعْناهُ. وقِيلَ: مَعْنى التَّشْدِيدِ أُخِذَتْ، ومَعْنى التَّخْفِيف: سُحِرَتْ. والمَشْهُورُ أنَّ سَكِرَ لا يَتَعَدّى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا في البَصْرَةِ. وحَكى أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ يُقالُ: سُكِّرَتْ أبْصارُهم إذا غَشِيَها سُهادٌ حَتّى لا يُبْصِرُوا. وقِيلَ: التَّشْدِيدُ مِن سُكِّرَ الماءُ، والتَّخْفِيفُ مِن سُكِرَ الشَّرابُ، وتَقُولُ العَرَبُ: سَكَرَتِ الرِّيحُ تَسْكُرُ سَكَرًا إذا رَكَدَتْ ولَمْ تَنْفَذْ لِما كانَتْ بِسَبِيلِهِ أوَّلًا، وسَكِرَ الرَّجُلُ مِنَ الشَّرابِ سُكْرًا إذا تَغَيَّرَتْ (p-٤٤٩)حالُهُ ورَكَدَ ولَمْ يَنْفُذْ فِيما كانَ لِلْإنْسانِ أنْ يَنْفُذَ فِيهِ. ومِن هَذا المَعْنى سَكْرانُ يَبِتُّ، أيْ: لا يَقْطَعُ أمْرًا. وتَقُولُ العَرَبُ: سُكِرَتْ في مَجارِي الماءِ إذا طُمِسَتْ، وصَرَفَتِ الماءَ فَلَمْ يَنْفُذْ لِوَجْهِهِ. فَإنْ كانَ مِن سُكِّرَ الشَّرابُ، أوْ مِن سُكِّرَ الرِّيحُ، فالتَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ. أوْ مِن سَكَّرَ مَجارِيَ الماءِ فَلِلتَّكْثِيرِ، لِأنَّ مُخَفَّفَهُ مُتَعَدٍّ. وأمّا سَكَرَتْ، بِالتَّخْفِيفِ، فَإنْ كانَ مِن سَكَرَ الماءُ فَفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ، أوْ مِن سَكَرَ الشَّرابُ أوِ الرِّيحُ فَيَكُونُ مِن بابِ وجَعَ زَيْدٌ ووَجَّعَهُ غَيْرُهُ، فَتَقُولُ: سَكِرَ الرَّجُلُ وسَكَّرَهُ غَيْرُهُ، وسَكَرَتِ الرِّيحُ وسَكَّرَها غَيْرُها، كَما جاءَ سَعِدَ زَيْدٌ وسَعَّدَهُ غَيْرُهُ. ولَخَّصَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا فَقالَ: وسُكِّرَتْ: حُيِّرَتْ أوْ حُبِسَتْ مِنَ السُّكْرِ، أوِ السَّكَرِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: حُبِسَتْ كَما يُحْبَسُ النَّهْرُ عَنِ الجَرْيِ؛ انْتَهى. وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ: سُحِرَتْ أبْصارُنا. ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾، انْتِقالًا إلى دَرَجَةٍ عُظْمى مِن سِحْرِ العَقْلِ. ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ القِراءَةُ تَفْسِيرَ مَعْنًى لا تِلاوَةٍ، لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ. وجاءَ جَوابُ ولَوْ، قَوْلُهُ: لَقالُوا، أيْ أنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُشاهِدُونَ، ولا يَشُكُّونَ في رُؤْيَةِ المَحْسُوسِ، ولَكِنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَعْتَقِدُونَ مُواطَأةً عَلى العِنادِ، ودَفْعِ الحُجَّةِ، ومُكابَرَةً وإيثارًا لِلْغَلَبَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .

﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وكانَتْ مُفَرَّعَةً عَلى التَّوْحِيدِ، ذَكَرَ دَلائِلَهُ السَّماوِيَّةَ، وبَدَأ بِها ثُمَّ أتْبَعَها بِالدَّلائِلِ الأرْضِيَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَوْ رَأوُا الآيَةَ المَذْكُورَةَ في السَّماءِ لَعانَدُوا فِيها، عَقِبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: وإنَّ في السَّماءِ لِعِبَرًا، مَنصُوبَةً، عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ المَذْكُورَةِ، وكُفْرِهِمْ بِها، وإعْراضِهِمْ عَنْها إصْرارٌ مِنهم وعُتُوٌّ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ (جَعَلْنا) بِمَعْنى خَلَقْنا، و﴿فِي السَّماءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلْنا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى صَيَّرْنا، و﴿فِي السَّماءِ﴾ المَفْعُولُ الثّانِي، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ لُغَةً. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هي النُّجُومُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: الكَواكِبُ السَّيّارَةُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: اثْنا عَشَرَ بُرْجًا (الحَمَلُ، والثَّوْرُ، والجَوْزاءُ، والسَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ، والمِيزانُ، والعَقْرَبُ، والقَوْسُ، والجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ)، وهي مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قُصُورٌ في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] وقِيلَ: الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، كُلُّ بُرْجٍ مِيلانِ ونِصْفٌ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (وزَيَّنّاها) عائِدٌ عَلى البُرُوجِ لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها، والأقْرَبُ في اللَّفْظِ. وقِيلَ: عَلى السَّماءِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وخُصَّ بِالنّاظِرِينَ لِأنَّها مِنَ المَحْسُوساتِ الَّتِي لا تُدْرَكُ إلّا بِنَظَرِ العَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَظَرِ القَلْبِ لِما فِيها مِنَ الزِّينَةِ المَعْنَوِيَّةِ، وهو ما فِيها مَن حُسْنِ الحُكْمِ وبَدائِعِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ القُدْرَةِ. والضَّمِيرُ في حَفِظْناها عائِدٌ عَلى السَّماءِ، ولِذَلِكَ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الضَّمِيرَ في (وزَيَّنّاها) عائِدٌ عَلى السَّماءِ حَتّى لا تَخْتَلِفَ الضَّمائِرُ، وحِفْظُ السَّماءِ هو بِالرَّجْمِ بِالشُّهُبِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الأحادِيثُ الصِّحاحُ؛ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الشَّياطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَّماءِ أفْواجًا فَيَنْفَرِدُ المارِدُ مِنها فَيَسْتَمِعُ، فَيَرْمِي بِالشِّهابِ فَيَقُولُ لِأصْحابِهِ. وهو يَلْتَهِبُ: إنَّهُ الأمْرُ كَذا وكَذا، فَتَزِيدُ الشَّياطِينُ في ذَلِكَ، ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ فَيَزِيدُونَ عَلى الكَلِمَةِ مِائَةَ كَلِمَةٍ» ونَحْوَ هَذا الحَدِيثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الشُّهُبَ تَخْرُجُ وتُؤْذِي، ولا تَقْتُلُ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْتُلُ. وفي الأحادِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجْمَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ ولَكِنَّهُ اشْتَدَّ في وقْتِ الإسْلامِ. وحُفِظَتِ السَّماءُ حِفْظًا تامًّا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّماواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَماواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ كُلِّها. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ﴾، اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: فَإنَّها لَمْ تُحْفَظْ مِنهُ، ذَكَرَهُ الزَّهْراوِيُّ وغَيْرُهُ (p-٤٥٠)والمَعْنى: أنَّهُ سَمِعَ مِن خَبَرِها شَيْئًا وألْقاهُ إلى الشَّياطِينِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: أنَّها حُفِظَتْ مِنهُ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَـ (مَن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) بَدَلٌ مِن كُلِّ شَيْطانٍ، وكَذا قالَ أبُو البَقاءِ: جُرَّ عَلى البَدَلِ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ. وهَذا الإعْرابُ غَيْرُ سائِغٍ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مُوجَبٌ، فَلا يُمْكِنُ التَّفْرِيغُ، فَلا يَكُونُ بَدَلًا، لَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ﴾ نَعْتًا عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وفَأتْبَعَهُ الخَبَرُ. وجازَ دُخُولُ الفاءِ مِن أجْلِ أنَّ (مَن) بِمَعْنى الَّذِي، أوْ شَرْطٌ؛ انْتَهى. والِاسْتِراقُ افْتِعالٌ مِنَ السَّرِقَةِ، وهي أخْذُ الشَّيْءِ بِخُفْيَةٍ، وهو أنْ يَخْطِفَ الكَلامَ خَطْفَةً يَسِيرَةً. والسَّمْعُ: المَسْمُوعُ، ومَعْنى مُبِينٍ: ظاهِرٌ لِلْمُبْصِرِينَ.

﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: مَدَدْناها: بَسَطْناها، لِيَحْصُلَ بِها الِانْتِفاعُ لِمَن حَلَّها. قالَ الحَسَنُ: أخَذَ اللَّهُ طِينَةً فَقالَ لَها: انْبَسِطِي فانْبَسَطَتْ. وقِيلَ: بُسِطَتْ مِن تَحْتِ الكَعْبَةِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَعْدَها جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، كانَ النَّصْبُ عَلى الِاشْتِغالِ أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، فَلِذَلِكَ نَصَبَ (والأرْضَ) . والرَّواسِي: الجِبالُ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الأرْضَ كانَتْ تَتَكَفَّأُ بِأهْلِها كَما تَتَكَفَّأُ السَّفِينَةُ فَثَبَّتَها اللَّهُ بِالجِبالِ» و(مِن) في ﴿مِن كُلِّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وعِنْدَ الأخْفَشِ: هي زائِدَةٌ، أيْ كُلِّ شَيْءٍ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فِيها) يَعُودُ عَلى الأرْضِ المَمْدُودَةِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجِبالِ، وقِيلَ: عَلَيْها وعَلى الأرْضِ مَعًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: مَوْزُونٍ مُقَدَّرٌ بِقَدْرٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَرِيبًا مِنهُ، قالَ: وُزِنَ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، وقُدِّرَ بِمِقْدارٍ يَقْتَضِيهِ لا يَصْلُحُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ مُقَدَّرٌ مُحَرَّرٌ بِقَصْدٍ وإرادَةٍ، فالوَزْنُ عَلى هَذا مُسْتَعارٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ ما يُوزَنُ حَقِيقَةً كالذَّهَبِ والفِضَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُوزَنُ. وقالَ قَتادَةُ: مَوْزُونٍ مَقْسُومٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْدُودٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ لَهُ وزْنٌ وقَدْرٌ في أبْوابِ النِّعْمَةِ والمَنفَعَةِ. وبَسَطَهُ غَيْرُهُ فَقالَ: ما لَهُ مَنزِلَةٌ، كَما تَقُولُ: لَيْسَ لَهُ وزْنٌ، أيْ: قَدْرٌ ومَنزِلَةٌ. ويُقالُ: هَذا كَلامٌ مَوْزُونٌ، أيْ مَنظُومٌ غَيْرُ مُنْتَثِرٍ. فَعَلى هَذا، أيْ: أنْبَتْنا فِيها، ما يُوزَنُ مِنَ الجَواهِرِ والمَعادِنِ والحَيَوانِ. وقالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] والمَقْصُودُ بِالإنْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ. وقَرَأ الأعْرَجُ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: مَعائِشَ، بِالهَمْزِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَجْهُ تَرْكُ الهَمْزِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِما هو مَعْرُوفٌ في النَّحْوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعايِشُ، بِياءٍ صَرِيحَةٍ، بِخِلافِ الشَّمائِلِ والخَبائِثِ، فَإنَّ تَصْرِيحَ الياءِ فِيها خَطَأٌ، والصَّوابُ الهَمْزَةُ، أوْ إخْراجُ الياءِ بَيْنَ بَيْنَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَعايِشِ أوَّلَ الأعْرافِ، والظّاهِرُ أنَّ مَن لِمَن يَعْقِلُ، ويُرادُ بِهِ العِيالُ والمَمالِيكُ والخَدَمُ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَرْزُقُونَهم ويُخْطِئُونَ، فَإنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ يَرْزُقُكم وإيّاهم. وقالَ مَعْناهُ الفَرّاءُ، ويَدْخُلُ مَعَهم ما لا يَعْقِلُ بِحُكْمِ التَّغْلِيبِ كالأنْعامِ والدَّوابِّ، و(ما) بِتِلْكَ المَثابَةِ مِمّا اللَّهُ رازِقُهُ، وقَدْ سَبَقَ إلى ظَنِّهِمْ أنَّهُمُ الرّازِقُونَ، وقالَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ: الدَّوابُّ والأنْعامُ والبَهائِمُ. وقِيلَ: الوُحُوشُ والسِّباعُ والطَّيْرُ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ (مَن) لِما لا يَعْقِلُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) في مَوْضِعِ جَرٍّ (p-٤٥١)عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في لَكم، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ويُونُسَ والأخْفَشِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ القائِلُ عَلى صِحَّةِ هَذا المَذْهَبِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقالَ الزَّجّاجُ: (مَن) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأعَشْنا مَن لَسْتُمْ، أيْ: أُمَمًا غَيْرَكم، لِأنَّ المَعْنى أعَشْناكم. وقِيلَ: عَطْفًا عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ مِنَ العَبِيدِ والصُّنّاعِ. وقِيلَ: والحَيَوانُ. وقِيلَ: عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لَكم. وقِيلَ: (مَن) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ جَعَلْنا لَهُ فِيها مَعايِشَ. وهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ أجازُوا: ضَرَبْتُ زَيْدًا وعَمْرٌو بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: وعَمْرٌو ضَرَبْتُهُ، فَحَذَفَ الخَبَرَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَزائِنِ. وإنْ نافِيَةٌ، ومِن زائِدَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: وما مِن شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ العِبادُ إلّا ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ والإنْعامِ بِهِ، فَتَكُونُ الخَزائِنُ - وهي ما يُحْفَظُ فِيهِ الأشْياءُ - مُسْتَعارَةً مِنَ المَحْسُوسِ الَّذِي هو الجِسْمُ إلى المَعْقُولِ. وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ: الخَزائِنُ حَقِيقَةً، وهي الَّتِي تُحْفَظُ فِيها الأشْياءُ، وأنَّ لِلرِّيحِ مَكانًا، ولِلْمَطَرِ مَكانًا، ولِكُلِّ مَكانٍ مَلَكٌ وحَفَظَةٌ، فَإذا أمَرَ اللَّهُ بِإخْراجِ شَيْءٍ مِنهُ أخْرَجَتْهُ الحَفَظَةُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّيْءِ هُنا المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: (وما نُرْسِلُهُ) مَكانَ ﴿وما نَنَزِّلُهُ﴾، والإرْسالُ أعَمُّ، وهي قِراءَةُ تَفْسِيرِ مَعْنًى لا أنَّها لَفْظُ قُرْآنٍ، لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ لَيْسَ عامٌ أكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يُنَزِّلُهُ في مَواضِعَ دُونَ مَواضِعَ. ولَواقِحُ جَمْعُ لاقِحٍ، يُقالُ: رِيحٌ لاقِحٌ: جائِياتٌ بِخَيْرٍ مِن إنْشاءِ سَحابٍ ماطِرٍ، كَما قِيلَ لِلَّتِي لا تَأْتِي بِخَيْرٍ بَلْ بِشَرٍّ: رِيحٌ عَقِيمٌ، أوْ مَلاقِحُ؛ أيْ: حامِلاتٌ لِلْمَطَرِ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ: لَواقِحُ: مَلاقِحُ مُلَقَّحَةٌ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُرْسِلُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ تَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا، ثُمَّ المُثِيرَةَ، فَتُثِيرُ السَّحابَ. ثُمَّ المُؤَلَّفَةَ فَتُؤَلِّفُهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُ الشَّجَرَ. ومَن قَرَأ بِإفْرادِ الرِّيحِ فَعَلى تَأْوِيلِ الجِنْسِ كَما قالُوا: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ، وسَقى وأسْقى قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن سَقى الشَّفَةَ سَقى فَقَطْ، أوِ الأرْضَ والثِّمارَ أسْقى، ولِلدّاعِي لِأرْضٍ وغَيْرِها بِالسُّقْيا أسْقى فَقَطْ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ ما كانَ مِن بُطُونِ الأنْعامِ، ومِنَ السَّماءِ، أوْ نَهْرٍ يَجْرِي: أسْقَيْتُهُ، أيْ: جَعَلْتُهُ شُرْبًا لَهُ، وجَعَلْتُ لَهُ مِنهُ مَسْقًى. فَإذا كانَ لِلشَّفَةِ قالُوا: سَقى، ولَمْ يَقُولُوا أسْقى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: سَقَيْتُهُ حَتّى رُوِيَ، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا جَعَلْتُهُ شُرْبًا لَهُ. وجاءَ الضَّمِيرُ هُنا مُتَّصِلًا بَعْدَ ضَمِيرٍ مُتَّصِلٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ [هود: ٢٨] وتَقَدَّمَ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ فِيهِ وُجُوبُ الِاتِّصالِ. وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ؛ أيْ: بِقادِرِينَ عَلى إيجادِهِ، تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وإظْهارِ العَجْزِ. هم؛ أيْ: لَسْتُمْ بِقادِرِينَ عَلَيْهِ حِينَ احْتِياجِكم إلَيْهِ وقالَ سُفْيانُ: بِخازِنِينَ؛ أيْ: بِمانِعِينَ المَطَرَ. نُحْيِـي: نُخْرِجُهُ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ إلى الحَياةِ. ونُمِيتُ: نُزِيلُ حَياتَهُ. ونَحْنُ الوارِثُونَ: الباقُونَ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ. والمُسْتَقْدِمِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: الأمْواتُ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الأحْياءُ. وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما: المُسْتَقْدِمِينَ في الخَلْقِ والمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلَقُوا بَعْدُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُسْتَقْدِمِينَ مِنَ الأُمَمِ والمُسْتَأْخِرِينَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ أيْضًا: في الطّاعَةِ والخَبَرِ، والمُسْتَأْخِرِينَ بِالمَعْصِيَةِ والشَّرِّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: في صُفُوفِ الحَرْبِ، والمُسْتَأْخِرِينَ فِيهِ. وقِيلَ: مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرِينَ: مَن لَمْ يُقْتَلْ. وقِيلَ: في صُفُوفِ الصَّلاةِ، والمُسْتَأْخِرِينَ بِسَبَبِ النِّساءِ لِيَنْظُرُوا إلَيْهِنَّ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: السّابِقِينَ إلى الإسْلامِ والمُتَقاعِسِينَ عَنْهُ. والأوْلى حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِمَن تَقَدَّمَ وبِمَن تَأخَّرَ وبِأحْوالِهِمْ، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّهُ يَحْشُرُهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَحْشِرُهم، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو الحَوْراءِ: كانَتْ تُصَلِّي وراءَ الرَّسُولِ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ، فَبَعْضٌ يَتَقَدَّمُ لِئَلّا تَفْتِنَهُ (p-٤٥٢)وبَعْضٌ يَتَأخَّرُ لِيَسْرِقَ النَّظَرَ إلَيْها في الصَّلاةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وفَصَلَ هَذِهِ الآيَةَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِنَ الحِكْمَةِ والعِلْمِ في غايَةِ المُناسَبَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском