Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:67–99
15:67–99Page 265
وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧
And the people of the city came rejoicing.1
قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨
[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.
وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ ٦٩
And fear Allāh and do not disgrace me."
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠
They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"
قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١
[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."
لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢
By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ ٧٣
So the shriek1 seized them at sunrise.
فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤
And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥
Indeed in that are signs for those who discern.
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦
And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
Indeed in that is a sign for the believers.
وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨
And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩
So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.
وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠
And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.
وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١
And We gave them Our signs, but from them they were turning away.
وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢
And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ ٨٣
But the shriek seized them at early morning,
فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤
So nothing availed them [from] what they used to earn.
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥
And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦
Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧
And We have certainly given you, [O Muḥammad], seven of the often repeated [verses]1 and the great Qur’ān.
لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of them [i.e., the disbelievers], and do not grieve over them. And lower your wing [i.e., show kindness] to the believers.
وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩
And say, "Indeed, I am the clear warner" -
كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠
Just as We had revealed [scriptures] to the separators1
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١
Who have made the Qur’ān into portions.1
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
So by your Lord, We will surely question them all
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣
About what they used to do.
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Then declare what you are commanded1 and turn away from the polytheists.2
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Indeed, We are sufficient for you against the mockers
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
Who make [equal] with Allāh another deity. But they are going to know.
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
And We already know that your breast is constrained by what they say.
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
So exalt [Allāh] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
And worship your Lord until there comes to you the certainty [i.e., death].
(p-٤٦٢)﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اسْتِبْشارُهم: فَرَحُهم بِالأضْيافِ الَّذِينَ ورَدُوا عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا المَجِيءَ ومُحاوَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ في حَقِّ أضْيافِهِ، وعَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ إعْلامِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهم ضِيفانًا خَوْفَ الفَضِيحَةِ، لِأجْلِ تَعاطِيهِمْ ما لا يَجُوزُ مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا هَكَذا في هُودٍ، والواوُ لا تُرَتَّبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ والمُحاوَرَةُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وحاوَرَ تِلْكَ المُحاوَرَةَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم، والإمْلاءِ لَهم، والتَّرَبُّصِ بِهِمْ؛ انْتَهى. ونَهاهم عَنْ فَضْحِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ مَن أساءَ إلى ضَيْفِهِ أوْ جارِهِ فَقَدْ أساءَ إلَيْهِ. ولا تُخْزُونِ: مِنَ الخِزْيِ وهو الإذْلالُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو الِاسْتِحْياءُ. وفي قَوْلِهِمْ: أوْ لَمْ نَنْهَكَ، دَلِيلٌ عَلى تَقَدُّمَ نَهْيِهِمْ إيّاهُ عَنْ أنْ يَضِيفَ، أوْ يُجِيرَ أحَدًا، أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ، أوْ يَمْنَعَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ هو - صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ - يَقُومُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والحَجْزِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن تَعَرَّضُوا لَهُ، فَأوْعَدُوهُ بِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ أخْرَجُوهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: بَناتِي، ومَعْنى الإضافَةِ في هُودٍ. و﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَكَّ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ إنْ فَعَلْتُمْ ما أقُولُ، ولَكم ما أظُنُّكم تَفْعَلُونَ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ فِيما أحَلَّ اللَّهُ دُونَ ما حَرَّمَ. واللّامُ في لَعَمْرُكَ لامُ الِابْتِداءِ، والكافُ خِطابٌ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتِ المَلائِكَة لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، وكَنّى عَنِ الضَّلالَةِ والغَفْلَةِ بِالسَّكْرَةِ، أيْ: تَحَبُّرُهم في غَفْلَتِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ مَنَعَهم عَنْ إدْراكِ الصَّوابِ الَّذِي يُشِيرُ بِهِ مِن تَرْكِ البَنِينَ إلى البَناتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الحَوْراءِ، وغَيْرُهُما. أقْسَمَ تَعالى بِحَياتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ. والعَمْرُ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها، البَقاءُ، وألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ، ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَمْرُكَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: لَعَمْرُكَ: لَدِينُكَ الَّذِي يَعْمُرُ، وأنْشَدَ:
؎أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
أيْ: عِبادَتُكَ اللَّهَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: عَمَرْتُ رَبِّي أيْ: عَبَدْتُهُ، وفُلانٌ عامِرٌ لِرَبِّهِ أيْ: عابِدٌ. قالَ: ويُقالُ: تَرَكْتُ فُلانًا يَعْمُرُ رَبَّهُ أيْ يَعْبُدُهُ، فَعَلى هَذا، لَعَمْرُكَ: لَعِبادَتُكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ لِأنَّهُ أخَفُّ عَلَيْهِمْ، وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ، فَلَزِمُوا الأخَفَّ، وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أقْسَمَ بِهِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلَّهِ تَعالى عَمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: هو أزَلِيٌّ، وكَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ العَمْرَ يُقالُ إلّا فِيما لَهُ انْقِطاعٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَمْرُ، والعَمْرُ: البَقاءُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللَّهُ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ولَعَمْرُ مَن جَعَلَ الشُّهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ فَبَيَّنَ مِنها نَقْصَها وكَمالَها
وكَرِهَ النَّخَعِيُّ أنْ يُقالَ: لَعَمْرِي، لِأنَّهُ حَلِفٌ بِحَياةِ المُقْسِمِ. وقالَ النّابِغَةُ:
؎لَعَمْـرِي ومَـا عَمْـرِي عَلَـيَّ بِهَيِّـنٍ
والضَّمِيرُ في سَكْرَتِهِمْ عائِدٌ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لِقُرَيْشٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ نَفْسًا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِن مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: وحَياتِكَ إنَّهم أيْ: قَوْمَكَ مِن قُرَيْشٍ لَفي سَكْرَتِهِمْ أيْ ضَلالِهِمْ، وجَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ يَتَرَدَّدْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا بَعِيدٌ لِانْقِطاعِهِ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وقَرَأ الأشْهَبُ: سُكْرَتِهِمْ، بِضَمِّ السِّينِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَكَراتِهِمْ، بِالجَمْعِ، والأعْمَشُ: سُكْرِهِمْ، بِغَيْرِ تاءٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَة الجَهْضَمِيِّ: (أنَّهم) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم. والصَّيْحَةُ: صَيْحَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: صَوْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صَيْحَةُ الوَحْشَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ (p-٤٦٣)مُشْرِقِينَ: داخِلِينَ في الشُّرُوقِ، وهو بُزُوغُ الشَّمْسِ. وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، وامْتَدَّ إلى شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَكَأنَّهُ تَمامُ الهَلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في عالِيَها سافِلَها عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقُرى قَوْمِ لُوطٍ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ القُرى. وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ: لِلْمُتَفَكِّرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لِلنّاظِرِينَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أوَ كُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلى عَرِيفِهِمْ يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. ورُوِيَ نَهْشَلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قالَ: لِأهْلِ الصَّلاحِ والخَيْرِ، والضَّمِيرُ في (وإنَّها) عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها لِبِطْرِيقٍ ظاهِرٍ بَيِّنٍ لِلْمُعْتَبِرِ؛ قالَهُ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ. وقَوْلُهُ: لَبِسَبِيلٍ، أيْ: مَمَرٍّ ثابِتٍ، وهي بِحَيْثُ يَراها النّاسُ ويَعْتَبِرُونَ بِها لَمْ تَنْدَرِسْ. وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الصَّيْحَةِ؛ أيْ: وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] . وقِيلَ: مُقِيمٌ: مَعْلُومٌ. وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلاكٌ دائِمُ السُّلُوكِ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في صُنْعِنا بِقَوْمِ لُوطٍ لَعَلامَةً ودَلِيلًا لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ.
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، والأيْكَةُ الَّتِي أُضِيفُوا إلَيْها كانَتْ شَجَرَ الدَّوْمِ. وقِيلَ: المُقْلُ. وقِيلَ: السِّدْرُ. وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ النّاحِيَةِ، فَيَكُونُ عَلَمًا. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ في الشُّعَراءِ وص: (لَيْكَةَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. كَفَرُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ، وأُهْلِكُوا بِعَذابِ الظُّلَّةِ. ويَأْتِي ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. و(إنْ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي لِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعِنْدَ الفَرّاءِ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا. وتَقَدَّمُ نَظِيرُ ذَلِكَ في: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في (وإنَّهُما) عائِدٌ عَلى قَرْيَتَيْ: قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ. أيْ: عَلى أنَّهُما مَمَرُّ السّائِلَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى شُعَيْبٍ ولُوطٍ؛، أيْ: وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ،، أيْ بِطَرِيقٍ مِنَ الحَقِّ واضِحٍ، والإمامُ: الطَّرِيقُ. وقِيلَ: وإنَّهُما؛ أيْ: الحَرُّ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ، لَفي مَكْتُوبٍ مُبِينٍ؛ أيِ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ مُؤَرِّجٌ: والإمامُ: الكِتابُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ ومَدْيَنَ، لِأنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِما، فَدَلَّ ذِكْرُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما.
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أصْحابُ الحِجْرِ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحِجْرُ: أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الأعْرافِ مُسْتَوْفاةً. والمُرْسَلِينَ يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا، لِأنَّ مِن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَكَأنَّما كَذَّبَهم جَمِيعًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: الخُبَيْبِيُّونَ في ابْنِ الزُّبَيْرِ وأصْحابِهِ. وعَنْ جابِرٍ قالَ: «مَرَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِجْرِ فَقالَ لَنا: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ حَذَرَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ“ ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَأسْرَعَ حَتّى خَلَّفَها» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ ثُمَّ قالَ: «هَؤُلاءِ قَوْمُ صالِحٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ ”قِيلَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ أبُو رِغالٍ» وإلَيْهِ تُنْسَبُ ثَقِيفٌ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾: قِيلَ: أُنْزِلَ إلَيْهِمْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وقِيلَ: يُرادُ نَصْبُ الأدِلَّةِ فَأعْرَضُوا عَنْها. وقِيلَ: كانَ في النّاقَةِ آياتٌ خَمْسٌ. خُرُوجُها مِنَ الصَّخْرَةِ، ودُنُوُّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمُها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةُ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا. وقِيلَ: كانَتْ لَهُ آياتٌ غَيْرُ النّاقَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَنْحِتُونَ، بِكَسْرِ الحاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو (p-٤٦٤)حَيْوَةَ بِفَتْحِها وصَفَهم بِشِدَّةِ النَّظَرِ لِلدُّنْيا والتَّكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا وهو نَقْرُهم بِالمَعاوِلِ ونَحْوِها في الحِجارَةِ، وآمِنِينَ؛ قِيلَ: مِنَ الِانْهِدامِ. وقِيلَ: مِن حَوادِثِ الدُّنْيا. وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمارِ. وقِيلَ: مِن نَقَبِ اللُّصُوصِ، ومِنَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مِن عَذابِ اللَّهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ الجِبالَ تَحْمِيهِمْ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَة، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها. ومُصْبِحِينَ: داخِلِينَ في الصَّباحِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ فَما أغْنى نافِيَةٌ، وتَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامَ المُرادَ مِنهُ التَّعَجُّبُ. و(ما) في ﴿ما كانُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَكْسِبُونَهُ مِنَ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ والأمْوالِ والعُدَدِ، بَلْ خَرُّوا جاثِمِينَ هَلْكى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾: (p-٤٦٥)إلّا بِالحَقِّ: أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. لَمْ يُخْلَقْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَبَثًا ولا هَمَلًا، بَلْ لِيُطِيعَ مَن أطاعَ بِالتَّفَكُّرِ في ذَلِكَ الخَلْقِ العَظِيمِ، ولِيَتَذَكَّرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى. ولِذَلِكَ نَبَّهَ مَن يَتَنَبَّهُ بِقَوْلِهِ: وأنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ، فَيُجازِي مَن أطاعَ ومَن عَصى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّفْحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُهادَنَةَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إظْهارِ الحُكْمِ عَنْهم والإغْضاءِ لَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences