Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:111–119
16:111–115Page 280
۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١
On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢
And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.
وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣
And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.
فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤
Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٤٢)يَوْمَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وناصِبُهُ رَحِيمٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وناصِبُهُ: اذْكُرْ. والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ نَفْسٍ، فَيُجادِلُ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وجِدالُهُ بِالكَذِبِ والجَحَدِ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والجَوارِحُ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجِدالُ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ، ورَكَّبَ مَعَهُ ما قَبْلَهُ فَقالَ: كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ، كُلٌّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي. ومَعْنى المُجادَلَةِ: الِاعْتِذارُ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ: يُقالُ لَعِينِ الشَّيْءِ وذاتِهِ: نَفْسُهُ، وفي نَقِيضِهِ: غَيْرُهُ، والنَّفْسُ: الجُمْلَةُ كَما هي، فالنَّفْسُ الأُولى هي الجُمْلَةُ، والثّانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ، ثُمَّ أُجْرِيَ الفِعْلُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ، فَأثْبَتَ العَلامَةَ. ونَفْسٌ الأُولى هي: النَّفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثّانِيَةُ هي: بِمَعْنى البَدَنِ كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَّيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ: ذاتُهُ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الإنْسانُ يُسَمّى نَفْسًا، تَقُولُ العَرَبُ: ما جاءَنِي إلّا نَفْسٌ واحِدَةٌ، أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ. والنَّفْسُ في الحَقِيقَةِ لا تَأْتِي، لِأنَّها هي الشَّيْءُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ؛ انْتَهى.
(فَإنْ قُلْتَ): لِمَ لَمْ يَتَعَدَّ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، لا إلى لَفْظِ النَّفْسِ ؟ (قُلْتُ): مَنَعَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن بابِ ظَنَّ، وفَقَدَ لا يَتَعَدّى فِعْلُ ظاهِرِ فاعِلِهِ، ولا مُضْمَرِهِ إلى مُضْمَرِهِ المُتَّصِلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُجادِلُ عَنْها، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: ضَرَبَتْها هِنْدٌ ولا هِنْدٌ ضَرَبَتْها، وإنَّما تَقُولُ: ضَرَبَتْ نَفْسَها هِنْدٌ، وضَرَبَتْ هِنْدٌ نَفْسَها، ما عَمِلَتْ، أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ في تَأْتِي، والضَّمِيرَ في تُجادِلُ، وفي عَنْ نَفْسِهِ، وفي تُوُفّى، وفي عَمِلَتْ، حَمْلًا عَلى مَعْنى ”كُلُّ“، ولَوْ رُوعِيَ اللَّفْظُ لَذُكِّرَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ
فَأنَّثَ عَلى المَعْنى. وما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الجِدالَ هُنا هو جِدالُ الجَسَدِ لِلرُّوحِ، والرُّوحِ لِلْجَسَدِ لا يَظْهَرُ قالَ: يَقُولُ الجَسَدُ: رَبِّ جاءَ الرُّوحُ بِأمْرِكَ بِهِ نَطَقَ لِسانِي وأبْصَرَتْ عَيْنِي ومَشَتْ رِجْلِي، فَتَقُولُ الرُّوحُ: أنْتَ كَسَبْتَ وعَصَيْتَ لا أنا، وأنْتَ كُنْتَ الحامِلَ وأنا المَحْمُولُ، فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أضْرِبُ لَكُما مَثَلَ أعْمى حَمَلَ مُقْعَدًا إلى بُسْتانٍ فَأصابا مِن ثِمارِهِ، فالعَذابُ عَلَيْكُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ: أنَّ القَرْيَةَ المَضْرُوبَ بِها المَثَلُ مَكَّةُ، كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغارُ عَلَيْها، والأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِالرَّسُولِ ﷺ فَكَفَرَتْ، فَأصابَها السُّنُونَ والخَوْفُ. وسَرايا الرَّسُولِ وغَزَواتُهُ ضُرِبَتْ مَثَلًا لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها. وهَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً: فَجُوعُ السِّنِينَ وخَوْفُ العَذابِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَها مَكِّيَّةً قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَرْيَةً) مِن قُرى الأوَّلِينَ. وعَنْ حَفْصَةَ: أنَّها المَدِينَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، جُعِلَتْ مَثَلًا لِمَكَّةَ عَلى مَعْنى التَّحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةً مُقَدَّرَةً عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنْ يَكُونَ في قُرى الأوَّلِينَ قَرْيَةٌ كانَتْ هَذِهِ حالَها، فَضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِمَكَّةَ إنْذارًا مِن مِثْلِ عاقِبَتِها؛ انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِن وُجُودِها لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ . كانَتْ آمِنَةً: ابْتَدَأ بِصِفَةِ الأمْنِ، لِأنَّهُ لا يُقِيمُ لِخائِفٍ. والِاطْمِئْنانُ زِيادَةٌ في الأمْنِ، فَلا يُزْعِجُها خَوْفٌ. يَأْتِيها رِزْقُها: أقْواتُها واسِعَةٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِها، لا يَتَعَذَّرُ مِنها جِهَةٌ. وأنْعُمٌ: جَمْعُ نَعْمَةٍ، كَشَدَّةٍ وأشُدٍّ. وقالَ قُطْرُبٌ: جَمْعُ نِعَمٍ بِمَعْنى النَّعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ طُعْمٍ ونَعْمٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَبُؤْسٍ (p-٥٤٣)وأبْؤُسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعَ نِعْمَةً عَلى تَرْكِ التّاءِ، والِاعْتِدادِ بِالتّاءِ، كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ. وقالَ العُقَلاءُ: ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ، والصِّحَّةُ، والكِفايَةُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: آمِنَةً: إشارَةٌ إلى الأمْنِ، مُطَمْئِنَّةً: إشارَةٌ إلى الصِّحَّةِ، لِأنَّ هَواءَ ذَلِكَ لَمّا كانَ مُلازِمًا لِأمْزِجَتِهِمُ اطْمَأنُّوا إلَيْها واسْتَقَرُّوا، يَأْتِيها رِزْقُها: السَّبَبُ في ذَلِكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقالَ: الأنْعُمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ وجَمْعُ قِلَّةٍ، ولَمْ يَأْتِ بِنِعَمِ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى بِمَعْنى أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ القَلِيلَةِ أوْجَبَ العَذابَ، فَكُفْرانُ الكَثِيرَةِ أوْلى بِإيجابِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِّباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى:
؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا
ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُّبَيْرِ مُجاشِعُ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَّما
كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم ولَصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ونَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاحْسُ وذُقْ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإذاقَةُ واللِّباسُ اسْتِعارَتانِ، فَما وجْهُ صِحَّتِهِما ؟ والإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ مُوقَعَةٌ عَلى اللِّباسِ؛ فَما وجْهُ صِحَّةِ إيقاعِها ؟ (قُلْتُ): أمّا الإذاقَةُ فَقَدْ جَرَتْ عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِشُيُوعِها في البَلايا والشَّدائِدِ وما يَمَسُّ النّاسَ مِنها فَيَقُولُونَ: ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ، وإذاقَةُ العَذابِ: شَبَّهَ ما يُدْرَكُ مِن أثَرِ الضَّرَرِ والألَمِ بِما يُدْرَكُ مِن طَعْمِ المُرِّ والبَشِعِ. وأمّا اللِّباسُ فَقَدْ شُبِّهَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى اللّابِسِ ما غَشِيَ الإنْسانَ والتَبَسَ بِهِ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ. وأمّا إيقاعُ الإذاقَةِ عَلى لِباسِ الجُوعِ والخَوْفِ فَلِأنَّهُ لَمّا وقَعَ عِبارَةُ: عَمّا يُغْشى مِنهُما ويُلابَسُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأذاقَهم ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَهم في نَحْوِ هَذا طَرِيقانِ: أحَدُهُما: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ لَهُ، كَما نُظِرَ إلَيْهِ هَهُنا، ونَحْوُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غُلِقَتْ لِضُحْكَتِهِ رِقابُ المالِ
اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ، لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبِهِ، صَوْنَ الرِّداءِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ. ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ، لا صِفَةُ الرِّداءِ، نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ لَهُ. والثّانِي: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ كَقَوْلِهِ:
؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا عَمْرِو بْنِ بَكْرِ
؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ
أرادَ بِرِدائِهِ سَيْفَهُ، ثُمَّ قالَ: فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرٍ، فَنُظِرَ إلى المُسْتَعارِ في لَفْظِ: الِاعْتِجارِ، ولَوْ نُظِرَ إلَيْهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ لَقِيلَ: فَكَساهم لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَقالَ كُثَيِّرٌ: ضافِي الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْنِ وإتْيانِ الرِّزْقِ، قابَلَهُما بِالجُوعِ النّاشِئِ عَنِ انْقِطاعِ الرِّزْقِ وبِالخَوْفِ. وقَدَّمَ الجُوعَ لَيَلِيَ المُتَأخِّرَ وهو إتْيانُ الرِّزْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ فَقَدَّمَ ما بُدِئَ بِهِ وهُما طَرِيقانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَوْفِ، بِالجَرِّ، عَطْفًا عَلى الجُوعِ. ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والخَوْفَ، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لِباسٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أصْلُهُ: ولِباسَ الخَوْفِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَأذاقَها اللَّهُ الخَوْفَ والجُوعَ، ولا يُذْكَرُ ”لِباسَ“ . والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا قِراءَةٌ، لِأنَّ المَنقُولَ عَنْهُ مُسْتَفِيضًا مِثْلُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ. وفي مُصْحَفِ (p-٥٤٤)أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ، بَدَأ بِمُقابِلِ ما بَدَأ بِهِ في قَوْلِهِ: كانَتْ آمِنَةً، وهَذا عِنْدِي إنَّما كانَ في مُصْحَفِهِ قَبْلَ أنْ يَجْمَعُوا ما في سَوادِ المُصْحَفِ المَوْجُودِ الآنَ شَرْقًا وغَرْبًا، ولِذَلِكَ المُسْتَفِيضِ عَنْ أُبَيٍّ في القِراءَةِ إنَّما هو كَقِراءَةِ الجَماعَةِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ مِن كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ، ومِنها تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي جاءَهم. والضَّمِيرُ في (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، أيْ: قِصَّةَ أهْلِ قَرْيَةٍ، أعادَ الضَّمِيرَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ قَرْيَةٍ، ثُمَّ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ولَقَدْ جاءَهم)، عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (جاءَهم) لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، يَكُونُ هَذا بِما جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ قالَ: ولَقَدْ جاءَهم - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ - رَسُولٌ مِنهم - يَعْنِي مِن أنْفُسِهِمْ - يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ولَمّا وعَظَ تَعالى بِضَرْبِ ذَلِكَ المَثَلِ وصَلَ هَذا الأمْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفاءِ، فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما رَزَقَهم وشُكْرِ نِعْمَتِهِ لِيُبايِنُوا تِلْكَ القَرْيَةَ الَّتِي كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللَّهِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ جاءَ هُنا: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ . وفي البَقَرَةِ جاءَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] لَمْ يَذْكُرْ مَن كَفَرَ نِعْمَتَهُ فَقالَ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] ولَمّا أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا رَزَقَهم، عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ تَعالى ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِهِمْ وتَحْلِيلِهِمْ بِأهْوائِهِمْ دُونَ اتِّباعِ ما شَرَعَ اللَّهُ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. وكَذا جاءَ في البَقَرَةِ ذِكْرُ ما حَرَّمَ إثْرَ قَوْلِهِ: كُلُوا مِمّا رَزَقْناكم. وقَوْلِهِ: (إنَّما حَرَّمَ) الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في البَقَرَةِ.
16:116–119Page 280
وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦
And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧
[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨
And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩
Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى ما حَرَّمَ، بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ فِيما حَرَّمَ كالبَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، وفِيما أحَلَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ الأرْبَعِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذِهِ السُّورَةِ - وهُما مَكِّيَّتانِ - بِأداةِ الحَصْرِ، ثُمَّ كَذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١] الآيَةَ؛ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ: (مِمّا يُتْلى عَلَيْكم) هو قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكم) الآيَةَ؛ وهُما مَدَنِيَّتانِ، فَكانَ هَذا التَّحْرِيمُ لِهَذِهِ الأرْبَعِ مُشَرَّعًا ثانِيًا في أوَّلِ مَكَّةَ وآخِرِها، وأوَّلِ المَدِينَةِ وآخِرِها. فَنَهى تَعالى أنْ يُحَرِّمُوا ويُحِلُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَفْتَرُونَ بِذَلِكَ عَلى اللَّهِ حَيْثُ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الكَذِبَ) بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذّالِ، وجَوَّزُوا في ما في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم. وانْتَصَبَ (الكَذِبَ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِتَقُولُوا، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ (p-٥٤٥)إلى الوَحْيِ. وهَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: فَتَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وأجازالحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ الكَذِبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الَّذِي ضَرَبْتَ أخاكَ، أي ضَرَبْتَهُ أخاكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي. وقالَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. ومَعْمُولُ: ولا تَقُولُوا الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، والمَعْنى: ولا تُحَلِّلُوا ولا تُحَرِّمُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم كَذِبًا، لا بِحُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ. وهَذا مَعْنًى بَدِيعٌ، جَعَلَ قَوْلَهم: كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ ومَحْضُهُ، فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ حَلَّتِ الكَذِبَ بِحِلْيَتِهِ وصُورَتَهُ بِصُورَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: وجْهُهُ يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ عُبَيْدٍ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: بِكَسْرِ الباءِ، وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، والمَعْنى: الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الكَذِبُ بِالجَرِّ صِفَةً لِـ (ما) المَصْدَرِيَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ: لِوَصْفِها الكَذِبَ بِمَعْنى الكاذِبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] والمُرادُ بِالوَصْفِ: وصْفُها البَهائِمَ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ؛ انْتَهى. وهَذا عِنْدِي لا يَجُوزُ، وذَلِكَ أنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةِ لا يُنْعَتُ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها ومِنَ الفِعْلِ، ولا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ: يُعْجِبُنِي أنْ قُمْتَ السَّرِيعَ، يُرِيدُ قِيامَكَ السَّرِيعَ، ولا عَجِبْتُ مِن أنْ تَخْرُجَ السَّرِيعَ، أيْ: مِن خُرُوجِكَ السَّرِيعِ. وحُكْمُ باقِي الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ حُكْمُ أنْ فَلا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ وصْفُ المَصْدَرِ المُنْسَبِك مِن (أنْ) ولا مِن (ما) ولا مِن (كَيْ)، بِخِلافٍ صَرِيحِ المَصْدَرِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ، ولَيْسَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ حُكْمُ المَنطُوقِ بِهِ وإنَّما يُتَّبَعُ في ذَلِكَ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ.
وقَرَأ مُعاذٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ: الكُذُبُ، بِضَمِّ الثَّلاثَةِ صِفَةً لِلْألْسِنَةِ، جَمْعُ كَذُوبٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: أوْ جَمْعُ كاذِبٍ أوْ كَذّابٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَشارِفٍ وشُرُفٍ، أوْ مِثْلُ كِتابٍ وكُتُبٍ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ صاحِبُ اللَّوامِحِ لِمَسْلَمَةَ بْنِ مُحارِبٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ الكُذُبَ، بِفَتْحِ الباءِ؛ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ، كَكُتُبٍ في جَمْعِ كِتابٍ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وجاءَ عَنْ يَعْقُوبَ (الكُذُبَ) بِضَمَّتَيْنِ والنَّصْبِ، فَأمّا الضَّمَّتانِ فَلِأنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ وهو مَصْدَرٌ، ومِثْلُهُ كِتابٌ وكُتُبٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ، أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ، أوْ هو جَمْعُ الكِذابِ مِن قَوْلِكَ: كَذَبَ كِذابًا ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي؛ انْتَهى. والخِطابُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُوا، لِلْكُفّارِ في شَأْنِ ما أحَلُّوا وما حَرَّمُوا مِن أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُكَلَّفِينَ كُلِّهِمْ، أيْ: لا تُسَمُّوا ما لَمْ يَأْتِكم حَظْرُهُ ولا إباحَتُهُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ حَلالًا ولا حَرامًا، فَتَكُونُوا كاذِبِينَ عَلى اللَّهِ في إخْبارِكم بِأنَّهُ حَلَّلَهُ وحَرَّمَهُ؛ انْتَهى. وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ خِطابٌ مَعْطُوفٌ عَلى خِطابٍ وهو: فَكُلُوا إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم، فَهو شامِلٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الغَرَضِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهي الَّتِي تُسَمّى لامَ العاقِبَةِ ولامَ الصَّيْرُورَةِ. قِيلَ: ذَلِكَ الِافْتِراءُ ما كانَ غَرَضًا لَهم، والظّاهِرُ أنَّها لامُ التَّعْلِيلِ وأنَّهم قَصَدُوا الِافْتِراءَ كَما قالُوا: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] واللَّهُ أمَرَنا بِها، ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ لِتَضَمُّنِهِ الكَذِبَ، لِأنَّ هَذا التَّعْلِيلَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى مَنِ افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. وقالَ الواحِدِيُّ: لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ، لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، فَفَسَّرَ وصْفَهم بِالِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى تَقْدِيرِ ما مَصْدَرِيَّةً، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فاللّامُ في (لِما) لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ، فَيُبْدَلُ مِنها ما يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ، بَلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (لا تَقُولُوا) عَلى حَدِّ تَعَلُّقِها في قَوْلِكَ: لا تَقُولُوا، لِما أحَلَّ اللَّهُ هَذا حَرامٌ، (p-٥٤٦)أيْ: لا تُسَمُّوا الحَلالَ حَرامًا، وكَما تَقُولُ لِزَيْدٍ عَمْرٌو، أيْ: لا تُطْلِقُ عَلى زَيْدٍ هَذا الِاسْمَ. والظّاهِرُ أنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو ظاهِرُ الِافْتِراءِ الوارِدِ في آيِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِأتْباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللَّهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِتابِعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللَّهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِانْتِفاءِ الفَلاحِ. والفَلاحُ: الظَّفَرُ بِما يُؤَمَّلُ، فَتارَةً يَكُونُ في البَقاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎والمِسى والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهُ
وتارَةً في نُجْحِ المَساعِي
كَما قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدَ يُبْ ∗∗∗ لَغُ بِالضَّعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ
وارْتِفاعُ مَتاعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَنفَعَتَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ مَنفَعَةً قَلِيلَةً وعِقابُها عَظِيمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَيْشُهم في الدُّنْيا. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَتاعُ هُنا ما حَلَّلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو البَقاءِ: بَقاؤُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: مَتاعٌ قَلِيلٌ: ابْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ إلّا بِتَقْدِيرِ الإضافَةِ، أيْ: مَتاعُهم قَلِيلٌ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ لِأهْلِ الإسْلامِ أتْبَعَهُ بِما كانَ خَصَّ بِهِ اليَهُودَ مُحالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، إذْ لا تَصِحُّ الحَوالَةُ إلّا بِذَلِكَ. ويَتَعَلَّقُ مِن قَبْلُ بِقَصَصْنا، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: بِحَرَمِنا، والمَحْذُوفُ الَّذِي في (مِن قَبْلُ) تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ تَحْرِيمِنا عَلى أهْلِ مِلَّتِكَ. والسُّوءُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّرْكُ قَبْلَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ؛ انْتَهى. ما يَسُوءُ صاحِبَهُ مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ غَيْرِهِ. والكَلامُ في ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا﴾ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقالَ قَوْمٌ: بِجَهالَةٍ: تَعَمُّدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَيْسَتْ هُنا ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ تَعَدّى الطَّوْرَ ورُكُوبَ الرَّأْسِ، مِنهُ: أوْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
والَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ، تَصْحَبُ هَذِهِ كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمِّدُ وهو الأكْثَرُ. وقَلَّ ما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِخَطَرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي يُواقِعُ؛ انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِجَهالَةٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: عَمِلُوا السُّوءَ جاهِلِينَ غَيْرَ عارِفِينَ بِاللَّهِ وبِعِقابِهِ، أوْ غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لِلْعاقِبَةِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ سُفْيانُ: جَهالَتُهُ: أنْ يَلْتَذَّ بِهَواهُ، ولا يُبالِيَ بِمَعْصِيَةِ مَوْلاهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِاغْتِرارِ الحالِ عَنِ المَآلِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ولا يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَهُ بِغَيْرِ جَهالَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ مَن تابَ فَهَذا سَبِيلُهُ، وإنَّما خَصَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، لِأنَّ أكْثَرَ مَن يَأْتِي الذُّنُوبَ يَأْتِيها بِقِلَّةِ فِكْرٍ في عاقِبَةٍ، أوْ عِنْدَ غَلَبَةِ شَهْوَةٍ، أوْ في جَهالَةِ شَبابٍ، فَذَكَرَ الأثَرَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى عَمَلِ السُّوءِ، وأصْلَحُوا: اسْتَمَرُّوا عَلى الإقْلاعِ عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: أصْلَحُوا: آمَنُوا وأطاعُوا، والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِها) عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ والتَّوْبَةِ والإصْلاحِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَهالَةِ. وقِيلَ: عَلى السُّوءِ عَلى مَعْنى المَعْصِيَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences