Abu HayyanAn‑Nahl · 16:30–42

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:30–42, continued

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском