Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:51–65
16:51–65Page 272
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥
So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.
وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦
And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧
And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨
And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.
يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩
He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.
لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠
For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.
وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١
And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢
And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1
تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣
By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.
وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤
And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥
And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.
﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧] ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠] ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] ) (p-٥٠٠)وصَبَ الشَّيْءُ دامَ، قالَ أبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ:
؎لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أجْمَعَ واصِبًا
وقالَ حَسّانُ:
؎غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ يُسْفى بِهِ ∗∗∗ وهَزِيمُ رَعْدِهِ واصِبُ
والعَلِيلُ: وصِيبٌ، لَكِنَّ المَرَضَ لازِمٌ لَهُ. وقِيلَ: الوَصَبُ: التَّعَبُ، وصَبَ الشَّيْءُ: شُقَّ، ومَفازَةٌ واصِبَةٌ: بَعِيدَةٌ لا غايَةَ لَها. والجَوازُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ، وقالَ الأعْشى يَصِفُ راهِبًا:
؎يُداوِمُ مِن صَلَواتِ المَلِي ∗∗∗ كِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا
ويُرْوى: يُراوِحُ. دَسَّ الشَّيْءَ في الشَّيْءِ أخْفاهُ فِيهِ. الفَرْثُ: كَثِيفٌ ما يَبْقى مِنَ المَأْكُولِ في الكَرِشِ أوِ المِعى. النَّحْلُ: حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ. الحَفَدَةُ: الأعْوانُ والخَدَمُ، ومَن يُسارِعُ في الطّاعَةِ؛ حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْدًا وحُفُودًا وحَفَدانًا، ومِنهُ: وإلَيْك نَسْعى ونَحْفِدُ، أيْ: نُسْرِعُ في الطّاعَةِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎حَفَدَ الوَلائِدُ حَوَّلَهُنَّ وأسْلَمَتْ ∗∗∗ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ
وقالَ الأعْشى:
؎كَلَّفَتْ مَجْهُودَها نُوقًا يَمانِيَةً ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا
وتَتَعَدّى فَيُقالُ: حَفَدَنِي فَهو حافِدِي. قالَ الشّاعِرُ:
؎يَحْفِدُونَ الضَّيْفَ في أبْياتِهِمْ ∗∗∗ كَرَمًا ذَلِكَ مِنهم غَيْرَ ذُلِّ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى، أحْفَدَ إحْفادًا، وقالَ: الحَفَدُ العَمَلُ والخِدْمَةُ. وقالَ الخَلِيلُ: الحَفَدَةُ عِنْدَ العَرَبِ: الخَدَمُ. وقالالأزْهَرِيُّ: الحَفَدَةُ: أوْلادُ الأوْلادِ، وقِيلَ: الأخْتانُ. وأنْشَدَ:
؎فَلَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ ∗∗∗ لَها حَفَدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ
؎ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْحابِ اللِّئامِ قَذُورُ
﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماوات والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ اللَّهِ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ (p-٥٠١)﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ انْقِيادَ ما في السَّماوات وما في الأرْضِ لِما يُرِيدُهُ تَعالى مِنها، فَكانَ هو المُتَفَرِّدَ بِذَلِكَ. نَهى أنْ يُشْرَكَ بِهِ، ودَلَّ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ إلَهَيْنِ: عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ آلِهَةٍ. ولَمّا كانَ الِاسْمُ المَوْضُوعُ لِلْإفْرادِ والتَّثْنِيَةِ قَدْ يُتَجَوَّزُ فِيهِ فَيُرادُ بِهِ الجِنْسُ نَحْوَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، ونِعْمَ الرَّجُلانِ الزَّيْدانِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّ النّارَ بِالعُودَيْنِ تُذْكى ∗∗∗ وإنَّ الحَرْبَ أوَّلُها الكَلامُ
أكَّدَ المَوْضُوعَ لَهُما بِالوَصْفِ، فَقِيلَ: إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، وقِيلَ: إلَهٌ واحِدٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْمُ الحامِلُ لِمَعْنى الإفْرادِ أوِ التَّثْنِيَة دالٌّ عَلى شَيْئَيْنِ: عَلى الجِنْسِيَّةِ، والعَدَدِ المَخْصُوصِ. فَإذا أرَدْتَ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ المَعْنى بِهِ مُبْهَمٌ. والَّذِي يُساقُ بِهِ الحَدِيثُ هو العَدَدُ، شَفَعَ بِما يُؤَكِّدُهُ، فَدَلَّ بِهِ عَلى القَصْدِ إلَيْهِ والعِنايَةِ بِهِ. ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّما هو إلَهٌ، ولَمْ تُؤَكِّدْهُ بِواحِدٍ، لَمْ يَحْسُنْ، وخُيِّلَ: أنَّك تُثْبِتُ الإلَهِيَّةَ لا الوَحْدانِيَّةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنْ لا تَتَّخِذُوا، تُعَدّى إلى واحِدٍ واثْنَيْنِ كَما تَقَدَّمَ تَأْكِيدٌ. وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، فَقِيلَ: تَقَدَّمَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ وذَلِكَ جائِزٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ. وقِيلَ: حَذَفَ الثّانِيَ لِلدَّلالَةِ تَقْدِيرُهُ: مَعْبُودًا، واثْنَيْنِ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْكِيدٌ، وتَقْرِيرُ مُنافاةِ الاثْنَيْنِيَّةِ لِلْإلَهِيَّةِ مِن وُجُوهٍ ذُكِرَتْ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. ولَمّا نَهى عَنِ اتِّخاذِ الإلَهَيْنِ، واسْتَلْزَمَ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ آلِهَةٍ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ كَما قالَ: ﴿وإلَهكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] بِأداةِ الحَصْرِ، وبِالتَّأْكِيدِ بِالوَحْدَةِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَرْهَبُوهُ، والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الرَّهْبَةِ، وانْتَصَبَ (وإيّايَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرِ التَّأْخِيرِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ (فارْهَبُونِ)، وتَقْدِيرُهُ: وإيّايَ ارْهَبُوا. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: فَإيّايَ، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، ذُهُولٌ عَنِ القاعِدَةِ في النَّحْوِ، أنَّهُ إذا كانَ المَفْعُولُ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا والفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ هو الضَّمِيرُ، وجَبَ تَأْخِيرُ الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ إلّا في ضَرُورَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎إلَيْكَ حِينَ بَلَغْتَ إيّاكا
ثُمَّ التَفَتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَأخْبَرَ تَعالى: أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ هو الإلَهَ الواحِدَ الواجِبَ لِذاتِهِ كانَ ما سِواهُ مَوْجُودًا بِإيجادِهِ وخَلْقِهِ، وأخْبَرَ أنَّ لَهُ الدِّينَ واصِبًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الدِّينُ: الإخْلاصُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: العِبادَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإقامَةُ الحُدُودِ والفَرائِضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: الطّاعَةُ، زادَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُلْكُ. وأنْشَدَ:
؎فِي دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
أيْ: في طاعَتِهِ ومُلْكِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوَّلُهُ الحَدّادُ، أيْ: دائِمًا ثابِتًا سَرْمَدًا لا يَزُولُ، يَعْنِي: الثَّوابَ والعِقابَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والثَّوْرِيُّ: واصِبًا: دائِمًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواصِبُ: الواجِبُ الثّابِتُ، لِأنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنهُ بِالطّاعَةِ واجِبَةٌ لَهُ عَلى كُلِّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ مِنَ الوَصَبِ وهو التَّعَبُ، وهو عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذا وصَبٍ، كَما قالَ: أضْحى فُؤادِي بِهِ فاتِنًا،، أيْ: ذا فُتُونٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ولَهُ الدِّينُ ذا كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ تَكْلِيفًا؛ انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَهُ الدِّينُ والطّاعَةُ رَضِيَ العَبْدُ بِما يُؤْمَرُ بِهِ وسَهُلَ عَلَيْهِ أمْ لا يَسْهُلُ فَلَهُ الدِّينُ، وإنْ كانَ فِيهِ الوَصَبُ. والوَصَبُ: شِدَّةُ التَّعَبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: واصِبًا: خالِصًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والواوُ في ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ؛ انْتَهى. ولا يُقالُ واوُ ابْتِداءٍ إلّا لِواوِ الحالِ، ولا يَظْهَرُ هُنا الحالُ، وإنَّما هي عاطِفَةٌ: فَإمّا عَلى الخَبَرِ، كَما ذَكَرَ أوْلا فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في (p-٥٠٢)تَقْدِيرِ المُفْرَدِ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الخَبَرِ، وإمّا عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها الَّتِي هي: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ (واصِبًا) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ.
﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾: اسْتِفْهامٌ تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ والتَّعَجُّبَ، أيْ: بَعْدَما عَرَفْتُمْ وحْدانِيَّتَهُ، وأنَّ ما سِواهُ لَهُ ومُحْتاجٌ إلَيْهِ، كَيْفَ تَتَّقُونَ وتَخافُونَ غَيْرَهُ ولا نَفْعَ ولا ضُرَّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ المُكْتَسَبَةِ مِنّا إنَّما هي مِن إيجادِهِ واخْتِراعِهِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ الشُّكْرِ عَلى ما أسْدى مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ونِعَمُهُ تَعالى لا تُحْصى كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] . و(ما) مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها بِكم، والعامِلُ فِعْلُ الِاسْتِقْرارِ، أيْ: وما اسْتَقَرَّ بِكم، و﴿مِن نِعْمَةٍ﴾، تَفْسِيرٌ لِما، والخَبَرُ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾، أيْ: فَهي مِن قِبَلِ اللَّهِ، وتَقْدِيرُ الفِعْلِ العامِلِ (بِكم) خاصًّا؛ كَحَلَّ أوْ نَزَلَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ. وأجازَ الفَرّاءُ والحَوْفِيُّ: أنْ تَكُونَ ما شَرْطِيَّةً، وحُذِفَ فِعْلُ الشَّرْطِ. قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ. وما يَكُنْ بِكم مِن نِعْمَةٍ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا بَعْدَ أنْ وحَّدَها في باب الِاشْتِغالِ، أوْ مَتْلُوَّةً بِما النّافِيَةِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما قَبْلَهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ
أيْ: وإلّا تُطَلِّقْها، حَذَفَ تُطَلِّقْها لِدَلالَةِ طَلِّقْها عَلَيْهِ، وحَذْفُهُ بَعْدَ أنْ مَتْلُوَّةً بِلا مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قالَتْ وإنْ
أيْ: وإنْ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا، وأمّا غَيْرُ (إنْ) مِن أدَواتِ الشَّرْطِ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا مَدْلُولًا عَلَيْهِ في بابِ الِاشْتِغالِ مَخْصُوصًا بِالضَّرُورَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أيْنَما الرِّيحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ. التَّقْدِيرُ: أيْنَما تُمَيِّلْها الرِّيحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنهُ ذَكَرَ حالَةَ افْتِقارِ العَبْدِ إلَيْهِ وحْدَهُ، حَيْثُ لا يَدْعُو ولا يَتَضَرَّعُ لِسِواهُ، وهي حالَةُ الضُّرِّ، والضُّرُّ يَشْمَلُ كُلَّ ما يُتَضَرَّرُ بِهِ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ حَبْسٍ أوْ نَهْبِ مالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تَجَرُونَ، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الجِيمِ. وقَرَأ قَتادَةُ: كاشَفَ، وفاعِلٌ هُنا بِمَعْنى فَعَلَ، وإذا الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَ العامِلُ فِيها الجَوابُ، لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ إذا الفُجائِيَّةِ فِيما قَبْلَها. ومِنكم: خِطابٌ لِلَّذِينِ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: وما بِكم مِن نِعْمَةٍ، إذْ بِكم خِطابٌ عامٌّ. والفَرِيقُ هُنا هُمُ المُشْرِكُونَ المُعْتَقِدُونَ حالَةَ الرَّجاءِ أنَّ آلِهَتَهم تَنْفَعُ وتَضُرُّ وتُشْقِي. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ. وعَنِ ابْنِ السّائِبِ: الكُفّارُ. و(مِنكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلْبَيانِ لا لِلتَّبْعِيضِ، قالَ: كَأنَّهُ قالَ: فَإذا فَرِيقٌ كافِرٌ وهم أنْتُمْ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِيهِمْ مَنِ اعْتَبَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]؛ انْتَهى. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا)، إنْ كانَتْ لِلتَّعْلِيلِ كانَ المَعْنى: أنَّ إشْراكَهم بِاللَّهِ سَبَبُهُ كُفْرُهم بِهِ، أيْ: جُحُودُهم أوْ كُفْرانُ نِعْمَتِهِ، وبِما آتَيْناهم مِنَ النِّعَمِ، أوْ مِن كَشْفِ الضُّرِّ، أوْ مِنَ القُرْآنِ المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ. وإنْ كانَتْ لِلصَّيْرُورَةِ فالمَعْنى: صارَ أمْرُهم لِيَكْفُرُوا وهم لَمْ يَقْصِدُوا بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ أنْ يَكْفُرُوا، بَلْ آلَ أمْرُ ذَلِكِ الجُؤارِ والرَّغْبَةِ إلى الكُفْرِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، أوْ إلى الكُفْرِ الَّذِي هو جُحُودُهُ والشِّرْكُ بِهِ. وإنْ كانَتْ لِلْأمْرِ فَمَعْناهُ: التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَكْفُرُوا: فَتَمَتَّعُوا، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الأمْرِ الوارِدِ في مَعْنى الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، واللّامُ لامُ الأمْرِ؛ انْتَهى. ولَمْ يَخْلُ كَلامُهُ مِن ألْفاظِ المُعْتَزِلَةِ، وهي قَوْلُهُ: في مَعْنى الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: فَيُمَتَّعُوا، بِالياءِ، بِاثْنَتَيْنِ مِن تَحْتِها مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ساكِنَ المِيمِ وهو مُضارِعُ مَتَعَ مُخَفَّفًا، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، وحُذِفَتِ النُّونُ إمّا لِلنَّصْبِ عَطْفًا إنْ كانَ (يَكْفُرُوا) مَنصُوبًا، وإمّا لِلْجَزْمِ إنْ كانَ مَجْزُومًا إنْ كانَ عَطْفًا، وأنْ لِلنَّصْبِ إنْ كانَ جَوابَ الأمْرِ. وعَنْهُ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَدْ رَواهُما مَكْحُولٌ الشّامِيُّ عَنْ أبِي رافِعٍ مَوْلى النَّبِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ الدُّنْيا (p-٥٠٣)ومَآلُها إلى الزَّوالِ.
﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾: الضَّمِيرُ في: ويَجْعَلُونَ، عائِدٌ عَلى الكُفّارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلَيْهِمْ. و(ما): هي الأصْنامُ، أيْ: لِلْأصْنامِ الَّتِي لا يَعْلَمُ الكُفّارُ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، أوْ لا يَعْلَمُونَ في اتِّخاذِها آلِهَةً حُجَّةً ولا بُرْهانًا. وحَقِيقَتُها أنَّها جَمادٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَشْفَعُ، فَهم جاهِلُونَ بِها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ لِلْأصْنامِ، أيْ: لِلْأصْنامِ الَّتِي لا تَعْلَمُ شَيْئًا ولا تَشْعُرُ بِهِ، إذْ هي جَمادٌ لَمْ يَقُمْ بِها عَلى البَتَّةِ. والنَّصِيبُ: هو ما جَعَلُوهُ لَها مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، قَبَّحَ تَعالى فِعْلَهم ذَلِكَ، وهو أنْ يُفْرِدُوا نَصِيبًا مِمّا أنْعَمَ بِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِجَماداتٍ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَنْتَفِعُ هي بِجَعْلِ ذَلِكَ النَّصِيبِ لَها، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى عَلى أنَّهُ يَسْألُهم عَنِ افْتِرائِهِمْ واخْتِلاقِهِمْ في إشْراكِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً، وأنَّها أهْلٌ لِلتَّقَرُّبِ إلَيْها بِجَعْلِ النَّصِيبِ لَها، والسُّؤالِ في الآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ، أوْ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ أقْوالًا. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَسْألُهم عَنِ افْتِرائِهِمْ، ذَكَرَ أنَّهم مَعَ اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً نَسَبُوا إلى اللَّهِ تَعالى التَّوالُدَ وهو مُسْتَحِيلٌ، ونَسَبُوا ذَلِكَ إلَيْهِ فِيما لَمْ يَرْتَضُوهُ، وتَرْبَدُّ وُجُوهُهم مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ ويَكْرَهُونَهُ أشَدَّ الكَراهَةِ. وكانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى عَنْ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾: وهُمُ الذُّكُورُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيما يَشْتَهُونَ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والنَّصْبُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى البَناتِ، أيْ: وجَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الذُّكُورِ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِنَ النَّصْبِ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ والحَوْفِيَّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقَدْ حَكاهُ، وفِيهِ نَظَرٌ. وذَهِلَ هَؤُلاءِ عَنْ قاعِدَةٍ في النَّحْوِ: وهو أنَّ الفِعْلَ الرّافِعَ لِضَمِيرِ الِاسْمِ المُتَّصِلِ لا يَتَعَدّى إلى ضَمِيرِهِ (p-٥٠٤)المُتَّصِلِ المَنصُوبِ، فَلا يَجُوزُ زَيْدٌ ضَرَبَهُ زَيْدٌ، تُرِيدُ ضَرْبَ نَفْسِهِ، إلّا في بابِ ظَنَّ وأخَواتِها مِنَ الأفْعالِ القَلْبِيَّةِ، أوْ فَقْدٍ، وعَدَمٍ، فَيَجُوزُ: زَيْدٌ ظَنَّهُ قائِمًا وزَيْدٌ فَقَدَهُ، وزَيْدٌ عَدِمَهُ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالحَرْفِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، فَلا يَجُوزُ زَيْدٌ غَضِبَ عَلَيْهِ، تُرِيدُ غَضِبَ عَلى نَفْسِهِ، فَعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ لا يَجُوزُ النَّصْبُ إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَجْعَلُونَ لَهم ما يَشْتَهُونَ. قالُوا: وضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، ولَهم: مَجْرُورٌ بِاللّامِ، فَهو نَظِيرُ: زَيْدٌ غَضِبَ عَلَيْهِ.
﴿وإذا بُشِّرَ﴾، المَشْهُورُ أنَّ البِشارَةَ أوَّلُ خَبَرِ يَسُرُّ، وهُنا قَدْ يُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الإخْبارِ، أوْ تَغَيُّرُ البَشَرَةِ، وهو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الخَبَرِ السّارِّ أوِ المُخْبِرِينَ، وفي هَذا تَقْبِيحٌ لِنِسْبَتِهِمْ إلى اللَّهِ المُنَزَّهِ عَنِ الوَلَدِ، البَناتِ واحِدُهم أكْرَهُ النّاسِ فِيهِنَّ، وأنْفَرُهم طَبْعًا عَنْهُنَّ. وظَلَّ: تَكُونُ بِمَعْنى صارَ، وبِمَعْنى: أقامَ نَهارًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي تُسْنَدُ إلى اسْمِها تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى صارَ، لِأنَّ التَّبْشِيرَ قَدْ يَكُونُ في لَيْلٍ ونَهارٍ، وقَدْ تُلْحَظُ الحالَةُ الغالِبَةُ. وأنَّ أكْثَرَ الوِلاداتِ تَكُونُ بِاللَّيْلِ، وتَتَأخَّرُ أخْبارُ المَوْلُودِ لَهُ إلى النَّهارِ وخُصُوصًا بِالأُنْثى، فَيَكُونُ ظُلُولُهُ عَلى ذَلِكَ طُولَ النَّهارِ. واسْوِدادُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنِ العُبُوسِ والغَمِّ والتَّكَرُّهِ والنَّفْرَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُ بِوِلادَةِ الأُنْثى. قِيلَ: إذا قَوِيَ الفَرَحُ انْبَسَطَ رَوْحُ القَلْبِ مِن داخِلِهِ ووَصَلَ إلى الأطْرافِ، ولا سِيَّما إلى الوَجْهِ لِما بَيْنَ القَلْبِ والدِّماغِ مِنَ التَّعَلُّقِ الشَّدِيدِ، فَتَرى الوَجْهَ مُشْرِقًا مُتَلَأْلِئًا. وإذا قَوِيَ الغَمُّ انْحَصَرَ الرُّوحُ إلى باطِنِ القَلْبِ ولَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ قَوِيٌّ في ظاهِرِ الوَجْهِ، فَيَرْبَدُّ الوَجْهُ ويَصْفَرُّ ويَسْوَدُّ، ويَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الأرْضِيَّةِ، فَمِن لَوازِمِ الفَرَحِ اسْتِنارَةُ الوَجْهِ وإشْراقُهُ، ومِن لَوازِمَ الغَمِّ والحُزْنِ ارْبِدادُهُ واسْوِدادُهُ، فَلِذَلِكَ كَنّى عَنِ الفَرَحِ بِالِاسْتِنارَةِ، وعَنِ الغَمِّ بِالِاسْوِدادِ.
﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾، أيْ: مُمْتَلِئُ القَلْبِ حُزْنًا وغَمًّا. أخْبَرَ عَمّا يَظْهَرُ في وجْهِهِ وعَنْ ما يُجِنُّهُ في قَلْبِهِ. وكَظِيمٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] ويُقالُ: سِقاءٌ مَكْظُومٌ، أيْ مَمْلُوءٌ مَشْدُودُ الفَمِ. ورَوى الأصْمَعِيُّ أنَّ امْرَأةً ولَدَتْ بِنْتًا سَمَّتْها الذَّلْفاءَ، فَهَجَرَها زَوْجُها فَقالَتْ:
؎ما لِأبِي الذَّلْفاءِ لا يَأْتِينا ∗∗∗ يَظَلُّ في البَيْتُ الَّذِي يَلِينا
؎غَضْبانَ أنْ لا نَلِدَ البَنِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما يُعْطِينا
يَتَوارى: يَخْتَفِي مِنَ النّاسِ، ومِن سُوءِ، لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: الحامِلُ لَهُ عَلى التَّوارِي هو سُوءُ ما أُخْبِرَ بِهِ، وقَدْ كانَ بَعْضُهم في الجاهِلِيَّةِ يَتَوارى حالَةَ الطَّلْقِ، فَإنْ أُخْبِرَ بِذَكَرٍ ابْتَهَجَ، أوْ أُنْثى حَزِنَ. وتَوارى أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها ما يَصْنَعُ. أيُمْسِكُهُ: قَبْلَهُ حالٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: مُفَكِّرًا أوْ مُدَبِّرًا أيُمْسِكُهُ ؟ وذَكَرَ الضَّمِيرُ مُلاحَظَةً لِلَّفْظِ ما في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ . وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: أيُمْسِكُها عَلى هَوانٍ، أمْ يَدُسُّها، بِالتَّأْنِيثِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: بِالأُنْثى، أوْ عَلى مَعْنى ما بُشِّرَ بِهِ، وافَقَهُ عِيسى عَلى قِراءَةِ هَوانٍ عَلى وزْنٍ فَعالٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أيُمْسِكُهُ: بِضَمِيرِ التَّذْكِيرِ، أمْ يَدُسُّها: بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: عَلى هَوْنٍ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: عَلى سُوءٍ، وهي عِنْدِي تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ، لِمُخالَفَتِها السَّوادَ المُجْمَعَ عَلَيْهِ. ومَعْنى الإمْساكِ حَبْسُهُ وتَرْبِيَتُهُ، والهُونُ: الهَوانُ كَما قالَ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] والهَوْنُ، بِالفَتْحِ: الرِّفْقُ واللِّينُ، ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿عَلى هُونٍ﴾، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ صِفَةٌ لِلْأبِ، والمَعْنى: أيُمْسِكُها مَعَ رِضاهُ بِهَوانِ نَفْسِهِ، وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ ؟ وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: أيُمْسِكُها مُهانَةً ذَلِيلَةً، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾، أنَّهُ يَئِدُها: وهو دَفْنُها حَيَّةً حَتّى تَمُوتَ. وقِيلَ: دَسُّها: إخْفاؤُها عَنِ النّاسِ حَتّى لا تُعْرَفَ كالمَدْسُوسِ في التُّرابِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾، رُجُوعُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ الآيَةَ، أيْ: ساءَ ما يَحْكُمُونَ في نِسْبَتِهِمْ إلى اللَّهِ ما هو مُسْتَكْرَهٌ عِنْدَهم، نافِرٌ عَنْهُنَّ طَبْعُهم، بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُونَ نِسْبَتَهُنَّ إلَيْهِنَّ، ويَئِدُونَهُنَّ اسْتِنْكافًا مِنهُنَّ، ويَنْسُبُونَ إلَيْهِمْ (p-٥٠٥)الذَّكَرَ كَما قالَ: ﴿ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى الآيَةِ، يُدَبِّرُ: أيُمْسِكُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى هَوانٍ يَتَجَلَّدُ لَهُ، أمْ يَئِدُها فَيَدْفِنُها حَيَّةً، فَهو الدَّسُّ في التُّرابِ ؟ ثُمَّ اسْتَقْبَحَ اللَّهُ سُوءَ فِعْلِهِمْ وحُكْمِهِمْ بِهَذا في بَناتِهِمْ ورِزْقُ الجَمِيعِ عَلى اللَّهِ؛ انْتَهى. فَعَلَّقَ ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ بِصُنْعِهِمْ في بَناتِهِمْ مَثَلَ السَّوْءِ. قِيلَ: مَثَلُ: بِمَعْنى صِفَةٍ، أيْ: صِفَةُ السُّوءِ، وهي الحاجَةُ إلى الأوْلادِ الذُّكُورِ وكَراهَةُ الإناثِ، ووَأْدُهُنَّ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وإقْرارُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالشُّحِّ البالِغِ.
﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾، أيْ: الصِّفَةُ العُلْيا، وهي الغِنى عَنِ العالَمِينَ، والنَّزاهَةُ عَنْ سِماتِ المُحْدَثِينَ. وقِيلَ: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: هو وصْفُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِأنَّ لَهُ البَناتِ، وسَمّاهُ مَثَلَ السَّوْءِ لِنِسْبَتِهِمُ الوَلَدَ إلى اللَّهِ، وخُصُوصًا عَلى طَرِيقِ الأُنُوثَةِ الَّتِي هم يَسْتَنْكِفُونَ مِنها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: النّارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَتْ فِرْقَةٌ مَثَلُ: بِمَعْنى صِفَةٍ، أيْ: لِهَؤُلاءِ صِفَةُ السَّوْءِ، ولِلَّهِ الوَصْفُ الأعْلى، وهَذا لا نَضْطَرُّ إلَيْهِ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ اللَّفْظِ، بَلْ قَوْلُهُ: مَثَلُ، عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قالُوا: إنَّ البَناتِ لِلَّهِ فَقَدْ جَعَلُوا لِلَّهِ مَثَلًا، فالبَناتُ مِنَ البَشَرِ، وكَثْرَةُ البَناتِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهم ذَمِيمٌ فَهو المَثَلُ السُّوءُ. والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَهم ولَيْسَ في البَناتِ فَقَطْ، بَلْ لَمّا جَعَلُوهُ هُمُ البَناتُ جَعَلَهُ هو لَهم عَلى الإطْلاقِ في كُلِّ سَوْءٍ، ولا غايَةَ أبْعَدُ مِن عَذابِ النّارِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾، عَلى الإطْلاقِ، أيِ: الكَمالُ المُسْتَغْنى. وقالَ قَتادَةُ: المَثَلُ الأعْلى: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ انْتَهى. وقَوْلُ قَتادَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ ما نَسَبُوا إلى اللَّهِ، وأتى ثانِيًا ما كانَ مَنسُوبًا لِأنْفُسِهِمْ، وبَدَأ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾، وأتى بَعْدَ ذَلِكَ بِما يُقابِلُ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى﴾ [النحل: ١] مِنَ التَّنْزِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾، وهو الوَصْفُ المُنَزَّهُ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ والتَّوالُدِ، وهو الوَصْفُ الأعْلى الَّذِي لَيْسَ يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وناسَبَ الخَتْمَ بِالعَزِيزِ، وهو الَّذِي لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ، الحَكِيمُ: الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences