Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:80–89
16:80–83Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠
And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن خَلْقِهِمْ، وما خَلَقَ لَهم مِن مَدارِكِ العِلْمِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في حَياتِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ عَنْ دَوابِّهِمْ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ والأخْشابِ وغَيْرِها. والسَّكَنُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَنْصِ، والنَّقْصِ. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذْ سَكَنًا يا ويْحَ نَفْسِيَ مِن حَفْرِ القَرامِيصِ
ولَيْسَ السَّكَنُ بِمَصْدَرٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا ما غالَبَ البُيُوتِ عَلَيْهِ مِن كَوْنِها لا تَنْتَقِلُ، بَلْ يَنْتَقِلُ النّاسُ إلَيْها. ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا ما مَنَّ بِهِ عَلَيْنا مِنَ المُتَّخَذِ مِن جُلُودِ الأنْعامِ، وهو ما يَنْتَقِلُ مِنَ القِبابِ والخِيامِ والفَساطِيطِ الَّتِي مِنَ الأدَمِ، أوْ ذَكَرَ أوَّلًا البُيُوتَ عَلى طَرِيقِ العُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ بُيُوتَ الجُلُودِ خُصُوصًا تَنْبِيهًا عَلى حالِ أكْثَرِ العَرَبِ، فَإنَّهم لِانْتِجاعِهِمْ إنَّما بُيُوتُهم مِنَ الجُلُودِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في البُيُوتِ الَّتِي مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتُ الشَّعَرِ، وبُيُوتُ الصُّوفِ والوَبَرِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: تَنْدَرِجُ لِأنَّها ثابِتَةٌ فِيها، فَهي مِنها. ومَعْنى ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾: تَجِدُونَها خَفِيفَةَ المَحْمَلِ في الضَّرْبِ والنَّقْضِ والنَّقْلِ.
﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: يَوْمَ تَرْحَلُونَ خَفَّ عَلَيْكم حَمْلُها ونَقْلُها، ويَوْمَ تَنْزِلُونَ وتُقِيمُونَ في مَكانٍ لَمْ يَثْقُلْ عَلَيْكم ضَرْبُها. وقَدْ يُرادُ بِالِاسْتِخْفافِ في وقْتَيِ السَّفَرِ والحَضَرِ، أيْ: مُدَّةَ النُّجْعَةِ والإقامَةِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: ظَعَنِكِمْ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِها، وهُما لُغَتانِ. ولَيْسَ السُّكُونُ بِتَخْفِيفٍ كَما جاءَ في نَحْوِ: الشَّعَرُ والشَّعْرُ لِمَكانِ حَرْفِ الحَلْقِ، والظّاهِرُ أنَّ أثاثًا مَفْعُولٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا. وقِيلَ: أثاثًا، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى أنَّ المَعْنى: جَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها بُيُوتًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾، كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ مِنَ الماءِ شَرابًا ومِنَ اللَّبَنِ، وفي التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ قَدْ عَطَفَ مَجْرُورًا عَلى مَجْرُورٍ، ومَنصُوبًا عَلى مَنصُوبٍ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ في الدّارِ زَيْدًا وفي القَصْرِ عَمْرًا، ولَمّا لَمْ تَكُنْ بِلادُهم بِلادَ قُطْنٍ وكَتّانٍ وحَرِيرٍ اقْتُصِرَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ هُنا، وانْدَرَجَتْ في قَوْلِهِ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ . والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ، أيْ: يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الزِّينَةُ. وقالَ المُفَضَّلُ: المَتْجَرُ والمَعاشُ. وقالَ الخَلِيلُ: الأثاثُ والمَتاعُ: واحِدٌ وجَمَعَ (p-٥٢٤)بَيْنَهُما لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ؛ كَقَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا. وغَيّا تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلى حِينٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى المَوْتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى بِلى ذَلِكَ الشَّيْءِ. وقِيلَ: إلى انْقِضاءِ حاجَتِكم مِنهُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وكانَتْ بِلادُهم غالِبًا عَلَيْها الحَرُّ، ذَكَرَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِما يَقِيهِمُ الحَرَّ مِن خَلْقِ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلٌّ كالشَّجَرِ وغَيْرِهِ مِمّا يَمْنَعُ مِن أذى الشَّمْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ظِلالُ الغَمامِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ظِلالُ البُيُوتِ. وقالَ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ: ظِلالُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ظِلالُ الشَّجَرِ والجِبالِ؛ والأكْنانُ مِنَ الجِبالِ هي الغِيرانُ، والكُهُوفُ، والبُيُوتُ المَنحُوتَةُ مِنها. والسِّرْبالُ: ما لُبِسَ عَلى البَدَنِ مِن: قَمِيصٍ، وقَرْقَلٍ، ومِجْوَلٍ، ودِرْعٍ، وجَوْشَنٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن صُوفٍ وكَتّانٍ وقُطْنِ وغَيْرِها. واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ الحَرِّ إمّا لِأنَّ ما يَقِي الحَرَّ يَقِي البَرْدَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ حَذَفَ البَرْدَ لِدَلالَةِ ضِدِّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، أوْ لِأنَّهُ أمَسُّ في تِلْكَ البِلادِ والبَرَدُ فِيها مَعْدُومٌ في الأكْثَرِ. وإذا جاءَ تَوَقّى بِالأثاثِ فَيَخْلُصُ السِّرْبالُ لِتَوَقِّي الحَرِّ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ. وهَذا في بِلادِ الحِجازِ، وأمّا غَيْرُها مِن بِلادِ العَرَبِ فَيُوجَدُ فِيها البَرْدُ الشَّدِيدُ كَما قالَ مُتَمِّمٌ:
؎إذا القَشْعُ مِن بَرْدِ الشِّتاءِ تَقَعْقَعا
وقالَ آخَرُ:
؎فِي ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنْدِيَةِ ∗∗∗ والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي النّاسَ هي الدُّرُوعُ
قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎شُمُّ العِرانَيْنِ أبْطالٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ
والسِّرْبالُ عامٌّ، يَقَعُ عَلى ما كانَ مِن حَدِيدٍ وغَيْرِهِ. والبَأْسُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ، وهُنا الحَرْبُ. وفي الحَدِيثِ: «كُنّا إذا اشْتَدَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللَّهِ» ﷺ والمَعْنى: تَقِيكم أذى الحَرْبِ، وهو ما يَعْرِضُ فِيها مِنَ الجِراحِ النّاشِئَةِ مِن ضَرْبِ السَّيْفِ، والدَّبُّوسِ، والرُّمْحِ، والسَّهْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ لِلْحَدِيثِ. كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ لِلنِّعْمَةِ فِيما سَبَقَ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَتِمُّ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، نِعْمَتُهُ، بِالرَّفْعِ، أسْنَدَ التَّمامَ إلَيْها اتِّساعًا، وعَنْهُ نِعَمُهُ جَمْعًا. وقَرَأ: لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ: بِفَتْحِ التّاءِ، واللّامِ مِنَ السَّلامَةِ والخَلاصِ، فَكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِوِقايَةِ السَّرابِيلِ مِن أذى الحَرْبِ، أوْ تُسْلِمُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وأمّا تُسْلِمُونَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالمَعْنى: تُؤْمِنُونَ، أوْ تَنْقادُونَ إلى النَّظَرِ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مُفْضٍ إلى الإيمانِ والِانْقِيادِ. رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَقالَ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَلَمّا سَمِعَ: ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾، قالَ: اللَّهُمَّ هَذا فَلا فَنَزَلَتْ فَإنْ تَوَلَّوْا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، وحُذِفَتِ التّاءُ، ويَكُونُ جارِيًا عَلى الخِطابِ السّابِقِ والماضِي عَلى الِالتِفاتِ، والفاءُ وما بَعْدَها جَوابُ الشَّرْطِ صُورَةً، والجَوابُ حَقِيقَةً مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأنْتَ مَعْذُورٌ إذْ أدَّيْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ، فَأُقِيمَ سَبَبُ العُذْرِ وهو البَلاغُ مَقامَ المُسَبَّبِ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى حَقِّ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ؛ انْتَهى. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بِأنَّهم ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾، وعِرْفانُهم لِلنِّعَمِ الَّتِي عُدَّتْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يَعْتَرِفُونَ بِها، وأنَّها مِنهُ تَعالى، وإنْكارُهم لَها حَيْثُ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ إنْكارًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذْ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلى مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ تَعالى مُقْتَضاها مِن عِبادَتِهِ، وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ، قالَ قَرِيبًا مِن هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَنا مُحَمَّدٌ ﷺ والمَعْنى: يَعْرِفُونَ بِمُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ، ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَّكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: إنْكارُهم قَوْلَهم ورِثْناها مِن آبائِنا. وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ: إضافَتُها إلى الأسْبابِ لا إلى مُسَبِّبِها، وحَكى صاحِبُ الغَنِيّان: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ. وقِيلَ: إنْكارُهم هي بِشَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ. وقِيلَ: (p-٥٢٥)يَعْرِفُونَها بِقُلُوبِهِمْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها بِألْسِنَتِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن (وأكْثَرُهم) مَوْضُوعُهُ الأصْلِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وكُلُّهم: ما مِن أحَدٍ يَقُومُ بِواجِبِ حَقِّ الشُّكْرِ، فَجَعَلَهُ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكُفْرَ هُنا هو مُقابِلُ الإيمانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّ مِنهم مَن أبى. وقِيلَ: مَعْنى الكافِرُونَ: الجاحِدُونَ المُعانِدُونَ، لِأنَّ فِيهِمْ مَن كانَ جاهِلًا لَمْ يَعْرِفْ فَيُعانِدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ ؟ (قُلْتُ): الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم مُسْتَبْعَدٌ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ.
16:84–89Page 276
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤
And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥
And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦
And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."
وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧
And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨
Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩
And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهم لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ الإنْكارُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ لَهم بِذَلِكَ اليَوْمِ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ) بِإضْمارِ (اذْكُرْ) قالَهُ: الحَوْفِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]، أيْ: يُنْكِرُونَها اليَوْمَ. ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، والشَّهِيدُ: نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في الكَلامِ والِاعْتِذارِ، كَما قالَ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وجاءَ كَلامُهم في ذَلِكَ، ولَكِنَّها مَواطِنُ يَتَكَلَّمُونَ في بَعْضِها ولا يَنْطِقُونَ في بَعْضِها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: مُزالٌ عَنْهُمُ العَتَبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبُ عُتْباهم، ونَحْوُهُ قَوْلُ مَن قالَ: ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةٌ وعَمَلٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى (ثُمَّ) هَذِهِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناها أنَّهم يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهادَةِ الأنْبِياءِ بِما هو أطَمُّ مِنهُ، وأنَّهم يُمْنَعُونَ الكَلامَ فَلا (p-٥٢٦)يُؤْذَنُ لَهم في إلْقاءِ مَعْذِرَةٍ، ولا إدْلاءٍ بِحُجَّةٍ؛ انْتَهى. ولَمّا كانَتْ حالَةُ العَذابِ في الدُّنْيا مُخالِفَةً لِحالِ الآخِرَةِ، إذْ مَن رَأى العَذابَ في الدُّنْيا رَجا أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وإنْ وقْعَ فِيهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ ولا نَظِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ (إذا) قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ، وهو عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو لا يُخَفَّفُ، لِأنَّهُ لَوْلا تَقْدِيرُ الإضْمارِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، لِأنَّ جَوابَ (إذا) إذا كانَ مُضارِعًا لا يَحْتاجُ إلى دُخُولِ الفاءِ، سَواءٌ كانَ مُوجَبًا أمْ مَنفِيًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ [الحج: ٧٢] وتَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ لا يَجِيءُ عَمْرٌو. قالَ الحَوْفِيُّ: فَلا يُخَفَّفُ، جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا)، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ (أمّا) لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وبَيَّنا أنَّ العامِلَ في إذا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابَ إذا مَحْذُوفًا؛ فَقالَ: وقَدْ قُدِّرَ العامِلُ في يَوْمَ نَبْعَثُ مَجْزُومًا، قالَ: ويَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ، وإذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] الآيَةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: شُرَكاءَهم، عامٌّ في كُلِّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وآدَمِيٍّ وشَيْطانٍ ومَلَكٍ، فَيُكَذِّبُهم مَن لَهُ مِنهم عَقْلٌ، فَيَكُونُ: فَألْقَوْا عائِدًا عَلى مَن لَهُ الكَلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا يُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ الأوْثانَ والأصْنامَ. وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلَيْهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهم: الشَّياطِينُ، شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (شُرَكاؤُهم) في (أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوهم)، أوْ (شُرَكاؤُهم) في أنْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى جَوارِحِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الإشْراكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أصْمَتَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وأنْطَقَ جَوارِحَهم. ومَعْنى نَدْعُو: نَعْبُدُ، قالُوا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُشْرَكُوا مَعَهم في العَذابِ، إذْ يَحْصُلُ التَّأسِّي، أوِ اعْتِذارًا عَنْ كُفْرِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، إنْ كانَ الشُّرَكاءُ هُمُ الشَّياطِينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ. قالُوا: ذَلِكَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى تِلْكَ الأصْنامِ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الله أوْ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامَ. وقالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، ولا نُصْرَةَ، ولا فِدْيَةَ، ولا شَفاعَةَ. وتَقَدَّمُ الإخْبارُ بِأنَّهم شُرَكاءُ، والإخْبارُ أنَّهم كانُوا يَدْعُونَهم: أيْ يَعْبُدُونَهم، فاحْتَمَلَ التَّكْذِيبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، ولا آلِهَةً نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لَهُ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الإخْبارِ الثّانِي وهو العِبادَةُ، لَمّا لَمْ يَكُونُوا راضِينَ بِالعِبادَةِ جَعَلُوا عِبادَتَهم كَلا عِبادَةٍ، أوْ لَمّا لَمْ يَدْعُوهم إلى العِبادَةِ. ألا تَرى أنَّ الأصْنامَ والأوْثانَ لا شُعُورَ لَها بِالعِبادَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْعُوَ، وإنَّ مَن عُبِدَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ، لَمْ يَدْعُ إلى عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ الشُّرَكاءُ الشَّياطِينَ جازَ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم، كَما كَذَبَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والضَّمِيرُ في (فَألْقَوْا إلى اللَّهِ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والسَّلَمُ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ. ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: السَّلْمَ بِإسْكانِ (p-٥٢٧)اللّامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، وشُرَكائِهِمْ كُلِّهِمْ. قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، والضَّمِيرُ في (وضَلُّوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً، أيْ: وبَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّأُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ): مُبْتَدَأٌ، و(زِدْناهم): الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ، بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَفْتَرُونَ) . وزِدْناهم: فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ.
﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: غَيْرَهم زِدْناهم عَذابًا بِسَبَبِ الصَّدِّ فَوْقَ العَذابِ، أيِ: الَّذِي تَرَتَّبَ لَهم عَلى الكُفْرِ ضاعَفُوا كُفْرَهم، فَضاعَفَ اللَّهُ عِقابَهم. وهَذا المَزِيدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، وعَنْهُ: حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبُ كَأمْثالِ البِغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ، وعَلَّلَ تِلْكَ الزِّيادَةَ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ غَيْرَهم، وحامِلِينَ عَلى الكُفْرِ. وفي كُلِّ أُمَّةٍ فِيها مِنها حَذْفٌ في السّابِقِ مِن أنْفُسِهِمْ وأثْبَتَهُ هُنا وحَذَفَ هُناكَ في وأثْبَتَهُ هُنا، والمَعْنى في كِلَيْهِما: أنَّهُ يَبْعَثُ اللَّهُ أنْبِياءَ الأُمَمِ فِيهِمْ مِنهم، والخِطابُ في ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ شُهَداءَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الرُّسُلِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيامَةِ؛ انْتَهى. وكانَ الشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ أبُو بَكْرٍ المُرادُ: الشَّهِيدُ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً مِن أجْزاءِ الإنْسانِ حَتّى تَشْهَدَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ، فَيَقْتَضِي المُقابَلَةَ أنَّ الشُّهَداءَ عَلى الأُمَمِ أنْبِياؤُهم كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَّلَنا: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ. لَمّا ذَكَرَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، ذَكَرَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، لِيُزِيحَ بِذَلِكَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا، فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ. والظّاهِرُ أنَّ تِبْيانًا مَصْدَرٌ جاءَ عَلى ”تِفْعالٍ“، وإنْ كانَ بابُ المَصادِرِ أنْ يَجِيءَ عَلى تَفْعالٍ بِالفَتْحِ، كالتَّرْدادِ والتَّطْوافِ، ونَظِيرُ تِبْيانٍ في كَسْرِ تائِهِ تِلْقاءَ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ فَتْحَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تِبْيانًا اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُّحاةِ. ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ ولِمَ يَجِئْ عَلى تِفْعالٍ مِنَ المَصادِرِ إلّا ضَرْبانِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ القُرْآنُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَيْثُ كانَ نَصًّا عَلى بَعْضِها وإحالَةً عَلى السُّنَّةِ، حَيْثُ أُمِرَ فِيهِ بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ. وقِيلَ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]، وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] (p-٥٢٨)وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ اتِّباعَ أصْحابِهِ، والِاقْتِداءَ بِآثارِهِمْ في قَوْلِهِ: (أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطَّئُوا طُرُقَ القِياسِ والِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ والِاجْتِهادُ مُسْتَنِدَةً إلى تَبْيِينِ الكِتابِ، فَمِن ثَمَّ كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ: اهْتَدَيْتُمْ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ في رِسالَتِهِ في إبْطالِ الرَّأْيِ، والقِياسِ، والِاسْتِحْسانِ، والتَّعْلِيلِ، والتَّقْلِيدِ ما نَصُّهُ: وهَذا خَبَرٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ باطِلٌ لَمْ يَصْلُحْ قَطُّ، وذَكَرَ إسْنادَهُ إلى البَزّازِ صاحِبِ المُسْنَدِ قالَ: سَألْتُمْ عَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا في أيْدِي العامَّةِ تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّما مَثَلُ أصْحابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ أوْ كالنُّجُومِ، بِأيِّها اقْتَدَوُا اهْتَدَوْا» . وهَذا كَلامٌ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ العَمِّيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما أتى ضَعْفُ هَذا الحَدِيثِ مِن قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ سَكَتُوا عَنِ الرِّوايَةِ لِحَدِيثِهِ. والكَلامُ أيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يُبِيحُ الِاخْتِلافَ بَعْدَهُ مِن أصْحابِهِ، هَذا نَصُّ كَلامِ البَزّارِ. قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ كَذّابٌ خَبِيثٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مَتْرُوكٌ، رَواهُ أيْضًا حَمْزَةُ الجَزَرِيُّ، وحَمْزَةُ هَذا ساقِطٌ مَتْرُوكٌ. ونَصَبُوا ﴿تِبْيانًا﴾ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. و(لِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وبُشْرى) ومِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”وهُدًى ورَحْمَةً“ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences