Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:23–31, continued
لَمّا أمَرَ تَعالى بِبِرِّ الوالِدَيْنِ أمَرَ بِصِلَةِ القَرابَةِ. قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ في قَرابَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ﴾ وألْحَقَ هُنا ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةِ عِنْدَ الحاجَةِ (p-٣٠)بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ. قالَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ فِيها: هم قُرابَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ، والظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ هُنا مُجْمَلٌ، وأنَّ ﴿ذا القُرْبى﴾ عامٌّ في ذِي القَرابَةِ، فَيُرْجَعُ في تَعْيِينِ الحَقِّ، وفي تَخْصِيصِ ذِي القَرابَةِ إلى السُّنَّةِ. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّ القَرابَةَ إذا كانُوا مَحارِمَ فُقَراءَ عاجِزِينَ عَنِ التَّكَسُّبِ وهو مُوسِرٌ، حَقُّهم أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: يُنْفِقُ عَلى الوَلَدِ والوالِدَيْنِ فَحَسْبُ عَلى ما تَقَرَّرَ في كُتُبِ الفِقْهِ. ونَهى تَعالى عَنِ التَّبْذِيرِ وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَنْحَرُ إبِلَها وتَتَياسَرُ عَلَيْها، وتُبَذِّرُ أمْوالَها في الفَخْرِ والسُّمْعَةِ وتَذْكُرُ ذَلِكَ في أشْعارِها، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنِ النَّفَقَةِ في غَيْرِ وُجُوهِ البِرِّ وما يُقَرِّبُ مِنهُ تَعالى. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ: التَّبْذِيرُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقٍّ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ ما كانَ مُبَذِّرًا. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ الإسْرافُ المُتْلِفُ لِلْمالِ، وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الحَجْرِ عَلى المُبَذِّرِ، فَيَجِبُ عَلى الإمامِ مَنعُهُ مِنهُ بِالحَجْرِ والحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مالِهِ إلّا بِمِقْدارِ نَفَقَةِ مِثْلِهِ، وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى الحَجْرَ لِلتَّبْذِيرِ وإنْ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: يُحْجَرُ عَلَيْهِ إنْ بَذَلَهُ في الشَّهَواتِ وخِيفَ عَلَيْهِ النَّفادُ، فَإنْ أنْفَقَ وحَفِظَ الأصْلَ فَلَيْسَ بِمُبَذِّرٍ، وأُخُوَّةُ الشَّياطِينِ كَوْنُهم قُرَناءَهم في الدُّنْيا وفي النّارِ في الآخِرَةِ، وتَدُلُّ هَذِهِ الأُخُوَّةُ عَلى أنَّ التَّبْذِيرَ هو في مَعْصِيَةِ اللَّهِ أوْ كَوْنِهِمْ يُطِيعُونَهم فِيما يَأْمُرُونَهم بِهِ مِنَ الإسْرافِ في الدُّنْيا. وقَرَأ الحَسَنُ والضَّحّاكُ ”إخْوانَ الشَّيْطانِ“ عَلى الإفْرادِ، وكَذا ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسٍ، وذُكِرَ كُفْرُ الشَّيْطانِ لِرَبِّهِ لِيُحْذَرَ ولا يُطاعَ؛ لِأنَّهُ لا يَدْعُو إلى خَيْرٍ كَما قالَ: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] .
﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ﴾ . قِيلَ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِن مُزَيْنَةَ اسْتَحْمَلُوا الرَّسُولَ فَقالَ: «لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ» . فَبَكَوْا. وقِيلَ: في بِلالٍ وصُهَيْبٍ وسالِمٍ وخَبّابٍ سَألُوهُ ما لا يَجِدُ فَأعْرَضَ عَنْهم. ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي وسُئِلَ قالَ: «يَرْزُقُنا اللَّهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ» فالرَّحْمَةُ عَلى هَذا الرِّزْقِ المُنْتَظَرِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّحْمَةُ: الأجْرُ والثَّوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهم؛ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عَنْهم وعَنْهُ في الأجْرِ في مَنعِهِمْ؛ لِئَلّا يُعِينَهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ يَتَضَمَّنُ الدُّعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحَ. انْتَهى مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ الرَّدِّ ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ ولا تَتْرُكْهم غَيْرَ مُجابِينَ إذا سَألُوكَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سُئِلَ شَيْئًا ولَيْسَ عِنْدَهُ أعْرَضَ عَنِ السّائِلِ وسَكَتَ حَياءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ وإنْ لَمْ تَنْفَعْهم وتَرْفَعْ خَصاصَتَهم لِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، ولا يُرِيدُ الإعْراضَ بِالوَجْهِ كِنايَةً بِالإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن أبى أنْ يُعْطِيَ أعْرَضَ بِوَجْهِهِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِإيتاءِ ذِي القُرْبى حَقَّهُ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ ونَهاهُ عَنِ التَّبْذِيرِ، قالَ: وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنكَ إعْراضٌ عَنْهم فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وعَلَّلَ الإعْراضَ بِطَلَبِ الرَّحْمَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ الرِّزْقِ والتَّوْسِعَةِ، وطَلَبُ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ فِقْدانِ ما يَجُودُ بِهِ ويُؤْتِيهِ مَن سَألَهُ، وكَأنَّ المَعْنى: وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم لِإعْسارِكَ فَوَضَعَ المُسَبَّبَ، وهو ابْتِغاءُ الرَّحْمَةِ مَوْضِعَ السَّبَبِ وهو الإعْسارُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ عِلَّةً لِجَوابِ الشَّرْطِ فَهو يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقُدِّمَ عَلَيْهِ، أيْ: فَقُلْ لَهم قَوْلًا سَهْلًا لَيِّنًا، وعِدْهم وعْدًا جَمِيلًا؛ رَحْمَةً لَهم وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ، أيِ: ابْتَغِ رَحْمَةَ اللَّهِ الَّتِي تَرْجُوها بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمُ. انْتَهى. وما أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ فاءِ الجَوابِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ لا يَجُوزُ في قَوْلِكَ: إنْ يَقُمْ فاضْرِبْ خالِدًا أنْ تَقُولَ: إنْ (p-٣١)يَقُمْ خالِدًا فاضْرِبْ، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، فَإنْ حَذَفْتَ الفاءَ في مِثْلِ: إنْ يَقُمْ يَضْرِبْ خالِدًا فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ الجَوازُ، فَتَقُولُ: إنْ يَقُمْ خالِدًا نَضْرِبْ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ المَنعُ، فَإنْ كانَ مَعْمُولُ الفِعْلِ مَرْفُوعًا نَحْوُ: إنْ تَفْعَلْ يَفْعَلْ زَيْدٌ، فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُ زِيدٍ عَلى أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِـ (يَفْعَلُ)، هَذا وأجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ يَفْعَلُ كَأنَّكَ قُلْتَ: إنْ تَفْعَلْ يَفْعَلْ زَيْدٌ يَفْعَلُ، ومَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الضَّمِيرُ في (عَنْهُمُ) عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ، والمَعْنى ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ أيْ: نَصْرٍ لَكَ عَلَيْهِمْ أوْ هِدايَةٍ مِنَ اللَّهِ لَهم، وعَلى هَذا القَوْلُ المَيْسُورُ: المُداراةُ لَهم بِاللِّسانِ قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ويَسَّرَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، فَمَيْسُورٌ مِنَ المُتَعَدِّي، تَقُولُ: يَسَّرْتُ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: يَسَرَ الأمْرُ وعَسَرَ مِثْلُ سَعَدَ ونَحَسَ، فَهو مَفْعُولٌ. انْتَهى. ولِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أشارَ الشّاعِرُ في القَصِيدَةِ الَّتِي تُسَمّى بِاليَتِيمَةِ في قَوْلِهِ:
؎لِيَكُنْ لَدَيْكَ لِسائِلٍ فَرَجٌ ∗∗∗ إنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَحْسُنِ الرَّدُّ
وقالَ آخَرُ
؎إنْ لَمْ يَكُنْ ورِقٌ يَوْمًا أجُودُ بِهِ ∗∗∗ لِلسّائِلِينَ فَإنِّي لَيِّنُ العُودِ
؎لا يَعْدِمُ السّائِلُونَ الخَيْرَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ إمّا نَوالِي وإمّا حُسْنُ مَرْدُودِي
﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في إعْطائِهِ ﷺ قَمِيصَهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ وبَقِيَ عُرْيانًا. وقِيلَ: أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وعُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، والعَبّاسَ بْنَ مِرْداسٍ خَمْسِينَ ثُمَّ كَمَّلَها مِائَةً فَنَزَلَتْ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ اسْتُعِيرَ فِيها المَحْسُوسُ لِلْمَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ البُخْلَ مَعْنًى قائِمٌ بِالإنْسانِ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ في مالِهِ فاسْتُعِيرَ لَهُ الغُلَّ، الَّذِي هو ضَمُّ اليَدِ إلى العُنُقِ فامْتَنَعَ مِن تَصَرُّفِ يَدِهِ وإجالَتِها حَيْثُ تُرِيدُ، وذَكَرَ اليَدَ؛ لِأنَّ بِها الأخْذَ والإعْطاءَ، واسْتُعِيرَ بَسْطَ اليَدِ لِإذْهابِ المالِ، وذَلِكَ أنَّ قَبْضَ اليَدِ يَحْبِسُ ما فِيها، وبَسْطَها يُذْهِبُ ما فِيها، وطابَقَ في الِاسْتِعارَةِ بَيْنَ بَسْطِ اليَدِ وقَبْضِها مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ جَعْلَ اليَدِ مَغْلُولَةً هو قَبْضُها، وغَلُّها أبْلَغُ في القَبْضِ، وقَدْ طابَقَ بَيْنَهُما أبُو تَمّامٍ. فَقالَ في المُعْتَصِمِ:
؎تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوَ أنَّهُ ∗∗∗ ثَناها لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أنامِلُهْ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَمْثِيلٌ لِمَنعِ الشَّحِيحِ وإعْطاءِ المُسْرِفِ، وأمْرٌ بِالِاقْتِصادِ الَّذِي هو بَيْنَ الإسْرافِ والإقْتارِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مُرادٌ بِالخِطابِ أُمَّةُ الرَّسُولِ ﷺ وإلّا فَهو ﷺ كانَ لا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ، وكَذَلِكَ مَن كانَ واثِقًا بِاللَّهِ حَقَّ الوُثُوقِ كَأبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مالِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى: لا تُمْسِكْ عَنِ النَّفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ ﴿ولا تَبْسُطْها﴾ فِيما نَهَيْتُكَ عَنْهُ. ورُوِيَ عَنْ قالُونَ: ”كُلَّ البَصْطِ“ بِالصّادِ فَتَقْعُدَ جَوابٌ لِلْهَيْئَتَيْنِ بِاعْتِبارِ الحالَيْنِ، فالمَلُومُ راجِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾ . كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ البَخِيلَ مَلُومٌ حَيْثُ كانَ ∗∗∗ ولَكِنَّ الجَوادَ عَلى عِلّاتِهِ هَرِمُ
والمَحْسُورُ راجِعٌ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَبْسُطْها﴾ وكَأنَّهُ قِيلَ: فَتُلامَ وتُحْسَرَ، ثُمَّ سَلّاهُ تَعالى عَمّا كانَ يَلْحَقُهُ مِنَ الإضافَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِهَوانٍ مِنكَ عَلَيْهِ ولا لِبُخْلٍ بِهِ عَلَيْكَ، ولَكِنْ؛ لِأنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ وتَضْيِيقَهُ إنَّما ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ لِما يَعْلَمُ في ذَلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ لِعِبادِهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: القَبْضُ والبَسْطُ مِن مَشِيئَةِ اللَّهِ، وأمّا أنْتُمْ فَعَلَيْكُمُ بِالِاقْتِصادِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (خَبِيرًا) وهو العِلْمُ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ و(بَصِيرًا) أيْ: بِمَصالِحِ عِبادِهِ حَيْثُ (p-٣٢)يَبْسُطُ لِقَوْمٍ ويُضَيِّقُ عَلى قَوْمٍ.
﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ .
لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو المُتَكَفِّلُ بِأرْزاقِ العِبادِ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ، وتَقَدَّمُ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ و﴿مِن إمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] وبَيْنَ قَوْلِهِ: (نَرْزُقُهم) ونَرْزُقُكم. وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ: ”ولا تُقَتِّلُوا“ بِالتَّضْعِيفِ. وقُرِئَ ”خِشْيَةَ“ بِكَسْرِ الخاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (خِطْأً) بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها وفَتْحِ الطّاءِ والمَدِّ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وشِبْلٍ والأعْمَشِ ويَحْيى وخالِدِ بْنِ إلْياسَ وقَتادَةَ والحَسَنِ والأعْرَجِ بِخِلافٍ عَنْهُما. وقالَ النَّحّاسُ: لا أعْرِفُ لِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهًا، ولِذَلِكَ جَعَلَها أبُو حاتِمٍ غَلَطًا. وقالَ الفارِسِيُّ: هي مَصْدَرٌ مِن خاطَأ يُخاطِئُ وإنْ كُنّا لَمْ نَجِدْ خاطَأ، ولَكِنْ وجَدْنا تَخاطَأ وهو مُطاوِعُ خاطَأ، فَدَلَّنا عَلَيْهِ فَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَخاطَأْتُ النَّبْلَ أخْشاهُ ∗∗∗ وأُخِّرَ يَوْمِي فَلَمْ يَعْجَلِ
وقَوْلُ الآخَرِ في كَمْأةٍ
؎تَخاطَأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ ∗∗∗ وخُرْطُومُهُ في مَنقَعِ الماءِ راسِبُ
فَكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ أوْلادَهم يُخاطِئُونَ الحَقَّ والعَدْلَ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ ”خَطَأً“ عَلى وزْنِ نَبَأٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ”خَطاءً“ بِفَتْحِهِما والمَدِّ، جَعَلَهُ اسْمَ مَصْدَرٍ مِن أخْطَأ كالعَطاءِ مِن أعْطى، قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي غَلَطٌ غَيْرُ جائِزٍ ولا يُعْرَفُ هَذا في اللُّغَةِ، وعَنْهُ أيْضًا خَطى كَهَوى خَفَّفَ الهَمْزَةَ فانْقَلَبَتْ ألِفًا وذَهَبَتْ لِالتِقائِهِما. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والزُّهْرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما كَسَرا الخاءَ فَصارَ مِثْلَ رِبًا وكِلاهُما مِن خَطِئَ في الدِّينِ، وأخْطَأ في الرَّأْيِ، لَكِنَّهُ قَدْ يُقامُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ، وجاءَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (خَطْأً) بِالفَتْحِ والقَصْرِ مَعَ إسْكانِ الطّاءِ وهو مَصْدَرٌ ثالِثٌ مِن خَطِئَ بِالكَسْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences