Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:55–59
17:55Page 287
وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥
And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].
﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣] ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤] ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ .
قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَتَمَهُ بَعْضُ الكَفَرَةِ، فَسَبَّهُ عُمَرُ وهَمَّ بِقَتْلِهِ فَكادَ يُثِيرُ فِتْنَةً، فَنَزَلَتِ الآيَةُ وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وارْتِباطُها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ما نَسَبَ الكُفّارُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الوَلَدِ، ونُفُورُهم عَنْ كِتابِ اللَّهِ إذا سَمِعُوهُ، وإيذاءُ الرَّسُولِ ﷺ ونِسْبَتُهُ إلى أنَّهُ مَسْحُورٌ، وإنْكارُ البَعْثِ كانَ ذَلِكَ مَدْعاةً لِإيذاءِ المُؤْمِنِينَ، ومَجْلَبَةً لِبُغْضِ المُؤْمِنِينَ إيّاهم ومُعامَلَتِهِمْ بِما عامَلُوهم، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُوصِيَ المُؤْمِنِينَ بِالرِّفْقِ بِالكُفّارِ واللُّطْفِ بِهِمْ في القَوْلِ، وأنْ لا يُعامِلُوهم بِمِثْلِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى ﴿قُلْ لِعِبادِي﴾ [إبراهيم: ٣١] المُؤْمِنِينَ ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] لِلْمُشْرِكِينَ الكَلِمَ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . وقِيلَ: المَعْنى ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] أيْ: يَقُولُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ الكَلِمَ الَّتِي هي أحْسَنُ، أيْ: يُجِلُّ بَعْضُهم بَعْضًا ويُعَظِّمُهُ، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا الكَلامُ الطَّيِّبُ والقَوْلُ الجَمِيلُ، فَلا يَكُونُوا مِثْلَ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالتَّهاجِي والسِّبابِ والحُرُوبِ والنَّهْبِ لِلْأمْوالِ والسَّبْيِ لِلنِّساءِ والذَّرارِيِّ.
وقِيلَ: عِبادِي هُنا: المُشْرِكُونَ؛ إذِ المَقْصُودُ هُنا الدُّعاءُ إلى الإسْلامِ، فَخُوطِبُوا بِالخِطابِ (p-٤٩)الحَسَنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إلى قَبُولِ الدِّينِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لِلَّذِينَ أقَرُّوا أنَّهم عِبادٌ لِي يَقُولُوا ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى، وتَنْزِيهُهُ عَنِ الوَلَدِ واتِّخاذِ المَلائِكَةِ بَناتٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ وتَحْسِينِهِ. وقِيلَ: عِبادِي: شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ عَلى ما يَأْتِي تَفْسِيرُ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَةَ عِبادِي مُضافَةٌ إلَيْهِ تَعالى كَثُرَ اسْتِعْمالُها في المُؤْمِنِينَ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
و(قُلِ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو أمْرٌ، ومَعْمُولُ القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وانْجَزَمَ ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ الَّذِي هو قُلْ. قالَهُ الأخْفَشُ، وهو صَحِيحُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عِبادِي يُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم لِمُسارَعَتِهِمْ لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِنَفْسِ ما يَقُولُ لَهم ذَلِكَ قالُوا ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . وعَنْ سِيبَوَيْهِ: أنَّهُ انْجَزَمَ عَلى جَوابٍ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْ يَقُلْ لَهم ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] فَيَكُونُ في قَوْلِهِ حَذْفُ مَعْمُولِ القَوْلِ، وحَذْفُ الشَّرْطِ الَّذِي ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] جَوابُهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: انْجَزَمَ جَوابًا لِلْأمْرِ الَّذِي هو مَعْمُولُ (قُلْ) أيْ: قُولُوا ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] . وقِيلَ: مَعْمُولُ (قُلْ) مَذْكُورٌ لا مَحْذُوفٌ وهو ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] عَلى تَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ، وهو مَجْزُومٌ بِها قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] مَبْنِيٌّ وهو مُضارِعٌ حَلَّ مَحَلَّ المَبْنِيِّ الَّذِي هو فِعْلُ الأمْرِ فَبُنِيَ، والمَعْنى ﴿قُلْ لِعِبادِي﴾ [إبراهيم: ٣١] قُولُوا. قالَهُ المازِنِيُّ، وهَذِهِ الأقْوالُ جَرَتْ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وتَرْجِيحُ ما يَنْبَغِي أنْ يُرَجَّحَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
و﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] قالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ: هي قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِعِبادِي﴾ [الإسراء: ٥٣] يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ الخَلْقِ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم مَدْعُوٌّ إلى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ويَجِيءُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] غَيْرَ مُناسِبٍ لِلْمَعْنى إلّا عَلى تَكَبُّرِهِ بِأنْ يُجْعَلَ (بَيْنَهم) بِمَعْنى خِلالِهِمْ وأثْناءِهِمْ، ويُجْعَلَ (النَّزْغُ) بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والإمْلالِ. وقالَ الحَسَنُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، وعَنْهُ أيْضًا: الأمْرُ بِامْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ المَناهِي. وقِيلَ: القَوْلُ لِلْمُؤْمِنِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ ولِلْكافِرِ هَداكَ اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وهي المُحاوَرَةُ الحُسْنى بِحَسَبِ مَعْنًى مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فُسِّرَ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] يَعْنِي: يَقُولُ لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ونَحْوَها ولا تَقُولُوا لَهم: أنَّكم مِن أهْلِ النّارِ وأنَّكم مُعَذَّبُونَ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا يَغِيظُهم ويُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] اعْتِراضٌ بِمَعْنى يُلْقِي بَيْنَهُمُ الفَسادَ، ويُغْرِي بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ؛ لِيَقَعَ بَيْنَهُمُ المُشارَّةُ والمُشاقَّةُ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: إذا أرَدْتُمُ الحُجَّةَ عَلى المُخالِفِ فاذْكُرُوها بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ، وهو أنْ لا يُخْلَطَ بِالسَّبِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وخَلْطُ الحُجَّةِ بِالسَّبِّ سَبَبٌ لِلْمُقابَلَةِ بِمِثْلِهِ، وتَنْفِيرٌ عَنْ حُصُولِ المَقْصُودِ مِن إظْهارِ الحُجَّةِ وتَأْثِيرِها، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى هَذا الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ: مَتى امْتَزَجَتِ الحُجَّةُ بِالإيذاءِ كانَتِ الفِتْنَةُ. انْتَهى. وقَرَأ طَلْحَةُ ”يَنْزِغُ“ بِكَسْرِ الزّايِ. قالَأبُو حاتِمٍ: لَعَلَّها لُغَةٌ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هي لُغَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُما لُغَتانِ نَحْوُ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ. انْتَهى. ولَوْ مَثَّلَ بِـ يَنْطَحُ ويَنْطِحُ كانَ أنْسَبَ، وبَيَّنَ تَعالى سَبَبَ النَّزْغِ، وهي العَداوَةُ القائِمَةُ لِأبِيهِمْ آدَمَ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] الآيَةَ. وغَيْرُها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَسَلُّطِهِ عَلى الإنْسانِ وابْتِغاءِ الغَوائِلِ المُهْلِكَةِ لَهُ. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] إنْ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ فالرَّحْمَةُ الإنْجاءُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ وأذاهم، والتَّعْذِيبُ تَسْلِيطُهم (p-٥٠)عَلَيْهِمْ.
﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] أيْ: عَلى الكُفّارِ حافِظًا وكَفِيلًا فاشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ، وإنَّما هِدايَتُهم إلى اللَّهِ. وقِيلَ: ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] بِالهِدايَةِ إلى التَّوْفِيقِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وإنْ شاءَ عَذَّبَكم بِالخِذْلانِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ فَقالَ: يُقابِلُ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ، و﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] يُمِيتُكم عَلى الكُفْرِ. وذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا نَزَلَ القَحْطُ بِالمُشْرِكِينَ قالُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فَقالَ اللَّهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] بِالَّذِي يُؤْمِنُ مِنَ الَّذِي لا يُؤْمِنُ ﴿إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] فَيَكْشِفُ القَحْطَ عَنْكم ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] فَيَتْرُكُهُ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها هي ما بَيْنَ العِبادِ المُؤْمِنِينَ وكُفّارِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] مُخاطِبَةٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤] فَكَأنَّهُ أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُخاشِنُوا الكُفّارَ في الدِّينِ، ثُمَّ قالَ: إنَّهُ أعْلَمُ بِهِمْ ورَجّاهم وخَوَّفَهم، ومَعْنى ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] بِالتَّوْبَةِ عَلَيْكم قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] هي مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لِلْكُفّارِ، وأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] .
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: (أوْ) دَخَلَتْ هُنا لِسَعَةِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ ولا يُرادُ عَنْهُما، فَكانَتْ مُلْحَقَةً بِأوِ المُبِيحَةِ في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ يَعْنُونَ: قَدْ وسَّعْنا لَكَ الأمْرَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: (أوْ) لِلْإضْرابِ، ولِهَذا كَرَّرَ (إنْ) ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أعْلَمُ بِمَن خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] انْتَقَلَ مِنَ الخُصُوصِ إلى العُمُومِ، فَقالَ مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِيُبَيِّنَ أنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْكم بَلْ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، بِأحْوالِهِمْ ومَقادِيرِهِمْ وما يَسْتَأْهِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، و(بِمَن) مُتَعَلِّقٌ بِأعْلَمَ كَما تَعَلَّقَ بِكم قَبْلَهُ بِأعْلَمَ، ولا يَدُلُّ تَعَلُّقُهُ بِهِ عَلى اخْتِصاصِ أعْلَمِيَّتِهِ تَعالى بِما تَعَلَّقَ بِهِ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أعْلَمُ بِالنَّحْوِ، لا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهُ لَيْسَ أعْلَمَ بِغَيْرِ النَّحْوِ مِنَ العُلُومِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الباءُ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ عَلِمَ (بِمَن) قالَ: لِأنَّهُ لَوْ عَلَّقَها بِأعْلَمَ لاقْتَضى أنَّهُ لَيْسَ بِأعْلَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وهَذا لا يَلْزَمُ، وأيْضًا فَإنَّ عَلِمَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ إنَّما يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ لا بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ أوْ لا يُبَيِّنُ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. ولَمّا كانَ الكُفّارُ قَدِ اسْتَبْعَدُوا تَنْبِئَةَ البَشَرِ إذْ فِيهِ تَفْضِيلُ الأنْبِياءِ عَلى غَيْرِهِمْ أخْبَرَ تَعالى بِتَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ تَفْضِيلُ الأنْبِياءِ عَلى غَيْرِهِمْ إذْ وقَعَ التَّفْضِيلُ في هَذا الجِنْسِ المُفَضَّلِ عَلى النّاسِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَزايا فَهو يُفَضِّلُ مَن شاءَ مِنهم عَلى مَن شاءَ إذْ هو الحَكِيمُ فَلا يَصْدُرُ شَيْءٌ إلّا عَنْ حِكْمَتِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُسْتَنْكَرُ تَفْضِيلُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ وخُصَّ داوُدُ بِالذِّكْرِ هُنا؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الزَّبُورِ أنَّ مُحَمَّدًا خاتَمُ الأنْبِياءِ وأنَّ أُمَّتَهُ خَيْرُ الأُمَمِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وهم مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ كَثِيرًا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ مِمّا في كُتُبِهِمْ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ زَبُورَ داوُدَ تَضَمَّنَ البِشارَةَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ذَلِكَ إشارَةُ رَدٍّ عَلى مُكابِرِي اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: لا نَبِيَّ بَعْدَ مُوسى، ولا كِتابَ بَعْدَ التَّوْراةِ، ونَصَّ تَعالى هُنا عَلى إيتاءِ داوُدَ الزَّبُورَ، وإنْ كانَ قَدْ آتاهُ مَعَ ذَلِكَ المُلْكَ إشارَةً إلى أنَّ التَّفْضِيلَ المَحْضَ هو بِالعِلْمِ الَّذِي آتاهُ، والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْهِ كَما فُضِّلَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِما آتاهُ مِنَ العِلْمِ والقُرْآنِ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ في أواخِرِ النِّساءِ، وذِكْرُ الخِلافِ في ضَمِّ الزّايِ وفَتْحِها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا عُرِّفَ الزَّبُورُ كَما عُرِّفَ في ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الزَّبُورُ وزَبُورٌ كالعَبّاسِ وعَبّاسٍ والفَضْلِ وفَضْلٍ، وأنْ يُرِيدَ ﴿وآتَيْنا داوُدَ﴾ بَعْضَ الزَّبُورِ، وهي الكُتُبُ وأنْ يُرِيدَ ما ذُكِرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ (p-٥١)عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الزَّبُورِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ زَبُورًا لِأنَّهُ بَعْضُ الزَّبُورِ كَما سُمِّيَ بَعْضُ القُرْآنِ قُرْآنًا.
17:56–59Page 287
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦
Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧
Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.
وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨
And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.
وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩
And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ .
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ في عَبَدَةِ الشَّياطِينِ، وهم خُزاعَةُ أسْلَمَتِ الشَّياطِينُ وبَقَوْا يَعْبُدُونَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ: في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَبَدَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ. انْتَهى. ويَكُونُ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ عامًّا غُلِّبَ فِيهِ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، والمَعْنى: ادْعُوهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ عَذابٍ، ولا أنْ يُحَوِّلُوهُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ أوْ يُبَدِّلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ بِتاءِ الخِطابِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِياءِ الغَيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى: يَدْعُونَهم آلِهَةً أوْ يَدْعُونَهم لِكَشْفِ ما حَلَّ بِكم مِنَ الضُّرِّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ أيِ: ادْعُوهم لِكَشْفِ الضُّرِّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿الَّذِينَ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . و﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبُ إلى اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَعْبُودِينَ، والواوُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ لِلْعابِدِينَ، والعائِدُ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُونَهم.
وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ (p-٥٢)﴿أُولَئِكَ﴾ إلى النَّبِيِّينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿يَبْتَغُونَ﴾ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: يَدْعُونَ النّاسَ إلى دِينِ اللَّهِ، والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّ الَّذِينَ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهم، وهُمُ الأنْبِياءُ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، ولا يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلّا إلَيْهِ، فَهم أحَقُّ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فَلا يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ إلى رَبِّكَ بِالكافِ خِطابًا لِلرَّسُولِ، واخْتَلَفُوا في إعْرابِ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وتَقْدِيرِهِ. فَقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والمَعْنى: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلًا مِنَ الواوِ في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ أضْمَرَ فِعْلَ التَّعْلِيقِ، و﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ نَظَرَ إنْ كانَ بِمَعْنى الفِكْرِ تَعَدّى بِـ في، وإنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِـ إلى، فالجُمْلَةُ المُعَلَّقُ عَنْها الفِعْلُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ [الكهف: ١٩] وفي إضْمارِ الفِعْلِ المُعَلَّقِ نَظَرٌ، والوَجْهُ الثّانِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وتَكُونُ أيْ مَوْصُولَةً، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم وأزْلَفُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. انْتَهى. فَعَلى الوَجْهِ يَكُونُ ﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتُمِلَ ﴿أيُّهُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا وهو الوَجْهُ، وأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِوُجُودِ مُسَوِّغِ البِناءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ ﴿الوَسِيلَةَ﴾ مَعْنى يَحْرِصُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ بِالطّاعَةِ وازْدِيادِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، فَيَكُونُ قَدْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ مَعْنى فِعْلٍ قَلْبِيٍّ وهو يَحْرِصُونَ حَتّى يَصِحَّ التَّعْلِيقُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ حَرَصَ يَتَعَدّى بِعَلى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿أيُّهُمْ﴾ ابْتِداءٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: نَظَرُهم ووَدَكُهم ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وهَذا كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَباتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها، أيْ: يَتَبارَوْنَ في طَلَبِ القُرْبِ. فَجَعَلَ المَحْذُوفَ نَظَرَهم ووَدَكَهم وهَذا مُبْتَدَأٌ، فَإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَظَرِهِمُ المَحْذُوفِ بَقِيَ المُبْتَدَأُ الَّذِي هو نَظَرُهم بِغَيْرِ خَبَرٍ مُحْتاجٌ إلى إضْمارِ الخَبَرِ، وإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ هو الخَبَرَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ نَظَرَهم لَيْسَ هو ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾، وإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ نَظَرَهم في ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ أيْ: كائِنٌ أوْ حاصِلٌ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كائِنًا وحاصِلًا لَيْسَ مِمّا تَعَلَّقَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿أيُّهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، وهو اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَدْعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهُمْ﴾ بِمَعْنى الَّذِي وهو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَدْعُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: الَّذِي هو أقْرَبُ. انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ عُلِّقَ ﴿يَدْعُونَ﴾ وهو لَيْسَ فِعْلًا قَلْبِيًّا، وفي الثّانِي فُصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، ولا يَضُرُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لِلصِّلَةِ ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَغَيْرِهِمْ مِن عِبادِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ يَحْذَرُهُ كُلُّ أحَدٍ.
و﴿إنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ (إنْ) نافِيَةٌ و(مِن) زائِدَةٌ في المُبْتَدَأِ تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الجِنْسِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ (إلّا) خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. والَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى قَوْلِ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى هو أنْ يَتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُفْهَمُ مِنهُ إبْهامٌ ما فَتَأْتِي (مِن) لِبَيانِ ما أُرِيدَ بِذَلِكَ الَّذِي فِيهِ إبْهامُ ما، كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] وهُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ مُبْهَمٌ تَكُونُ مِن فِيهِ بَيانًا لَهُ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ لِبَيانِ الجِنْسِ مِنَ النّاسِخِ، ويَكُونُ هو قَدْ قالَ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ جَمِيعَ القُرى تَهْلِكُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وإهْلاكُها تَخْرِيبُها وفَناؤُها، ويَتَضَمَّنُ تَخْرِيبُها هَلاكَ أهْلِها بِالِاسْتِئْصالِ أوْ شَيْئًا فشَيْئًا أوْ تُعَذَّبُ، والمَعْنى: هَلاكُ أهْلِها بِالقَتْلِ وأنْواعِ العَذابِ. وقِيلَ: الهَلاكُ لِلصّالِحَةِ، والعَذابُ لِلطّالِحَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: وجَدْتُ في كُتُبِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أمّا مَكَّةُ فَتُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا (p-٥٣)خُراسانَ فَعَذابُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَها بَلَدًا بَلَدًا، ونَحْوُ ذَلِكَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ هَلاكَ الأنْدَلُسِ وخَرابَها يَكُونُ بِسَنابِكِ الخَيْلِ، واخْتِلافِ الجُيُوشِ.
﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في سابِقِ القَضاءِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أيْ: مَكْتُوبًا أسْطارًا ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ﴾ بِالآياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُونَ، اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لَهم فَإنْ تَأخَّرُوا عاجَلْتُهم بِالعُقُوبَةِ، وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ عَسى أنْ أجْتَبِيَ مِنهم مُؤْمِنِينَ، فَقالَ: «بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ يا رَبِّ» . فَنَزَلَتْ، واسْتُعِيرَ المَنعُ لِلتَّرْكِ أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا لِتَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، وتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ لَيْسَ عِلَّةً في إرْسالِ الآياتِ لِقُرَيْشٍ، فالمَعْنى: إلّا اتِّباعُهم طَرِيقَةَ تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، فَتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ فاعِلٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ، فَإذا كَذَّبُوا بِها كَما كَذَّبَ الأوَّلُونَ عاجَلْتُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ لا أسْتَأْصِلَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالمَعْنى وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ ما تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الَّذِينَ هم أمْثالُهم مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَعادٍ وثَمُودَ، وإنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ كَما يَقُولُونَ في غَيْرِها، واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُسْتَأْصِلَ، وقَدْ عَزَمْنا أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الأوَّلُونَ ثُمَّ كَذَّبُوا بِها لَمّا أُرْسِلَتْ إلَيْهِمْ فَأُهْلِكُوا واحِدَةً، وهي ناقَةُ صالِحٍ؛ لِأنَّ آثارَ هَلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن حُدُودِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهُمُ. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثَمُودَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ (ثَمُودَ) في كُلِّ وجْهٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ والعُلَماءُ بِالقُرْآنِ (ثَمُودَ) في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي أرْبَعَةِ مَواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ، ونَحْنُ نَقْرَأُها بِغَيْرِ ألِفٍ. انْتَهى. وانْتُصِبَ ﴿مُبْصِرَةً﴾ عَلى الحالِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ﴿مُبْصِرَةً﴾ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هي مُبْصِرَةٌ، وأضافَ الإبْصارَ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ لَمّا كانَتْ يُبْصِرُها النّاسُ، والتَّقْدِيرُ: آيَةٌ مُبْصِرَةٌ. وقَرَأ قَوْمٌ: بِفَتْحِ الصّادِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ: يُبْصِرُها النّاسُ ويُشاهِدُونَها. وقَرَأ قَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ مَفْعَلَةً مِنَ البَصَرِ أيْ: مَحَلَّ إبْصارٍ كَقَوْلِهِ:
؎والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعَمِ
أجْراها مَجْرى صِفاتِ الأمْكِنَةِ نَحْوُ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وقالُوا: الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: بِعَقْرِها بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] الآيَةَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم جَحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: جَعَلُوا التَّكْذِيبَ بِها مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ وهو مَعْنى القَوْلِ قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ الأخِيرَةَ غَيْرُ الآياتِ الأُولى، لُوحِظَ في ذَلِكَ وصْفُ الِاقْتِراحِ، وفي هَذِهِ وصْفُ غَيْرِ المُقْتَرَحَةِ، وهي آياتٌ مَعَها إمْهالٌ لا مُعاجَلَةٌ كالكُسُوفِ والرَّعْدِ والزَّلْزَلَةِ. وقالَ الحَسَنُ: والمَوْتُ الذَّرِيعُ، وفي حَدِيثِ الكُسُوفِ: «فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وآياتُ اللَّهِ المُعْتَبَرُ بِها ثَلاثَةُ أقْسامِ: قِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ إذْ حَيْثُما وضَعْتَ نَظَرَكَ وجَدْتَ آيَةً. وهُنا فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ كالرَّعْدِ والكُسُوفِ ونَحْوِهِ، وهُنا فِكْرَةُ الجَهَلَةِ فَقَطْ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ وإنَّما يُعْتَبَرُ تَوَهُّمًا لِما سَلَفَ مِنهُ. انْتَهى. وهَذا القِسْمُ الأخِيرُ قالَ فِيهِ: وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُثْبِتُ هَذا القِسْمَ لِغَيْرِ الأنْبِياءِ ويُسَمِّيهِ كَرامَةً.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ أرادَ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فالمَعْنى: لا نُرْسِلُها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ كالطَّلِيعَةِ، والمُقَدِّمَةِ لَهُ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ، وإنْ أرادَ غَيْرَها فالمَعْنى ﴿وما نُرْسِلُ﴾ ما نُرْسِلُ مِنَ الآياتِ كَآياتِ القُرْآنِ وغَيْرِها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ وإنْذارًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الآياتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَخْوِيفًا لِعِبادِهِ سَماوِيَّةٌ: كُسُوفُ الشَّمْسِ، وخُسُوفُ القَمَرِ، والرَّعْدُ، والبَرْقُ، والصَّواعِقُ، والرُّجُومُ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ. وأرْضِيَّةٌ زَلازِلُ، وخَسْفٌ، ومُحُولٌ (p-٥٤)ونِيرانٌ تَظْهَرُ في بَعْضِ البِلادِ، وغَوْرُ ماءِ العُيُونِ وزِيادَتُها عَلى الحَدِّ حَتّى تُغْرِقَ بَعْضَ الأرَضِينَ، ولا سَماوِيَّةٌ ولا أرْضِيَّةٌ: الرِّياحُ العَواصِفُ، وما يَحْدُثُ عَنْها مِن قَلْعِ الأشْجارِ وتَدْمِيرِ الدِّيارِ، وما تَسُوقُهُ مِنَ السَّواقِي والرِّياحِ السَّمُومِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences