Abu HayyanAl‑Isra · 17:66–72

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:66–72

17:66–70Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ .

لَمّا ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُشْرِكِينَ في اعْتِقادِهِمْ آلِهَتَهم وأنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ مَعَ (p-٦٠)آدَمَ، وتَمْكِينِهِ مِن وسْوَسَةِ ذُرِّيَّتِهِ وتَسْوِيلِهِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ مِن أفْعالِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ هو النّافِعُ الضّارُّ المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، فَذَكَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ بَحْرًا وبَرًّا، وأنَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنٌ بِقُدْرَتِهِ مِمّا يُرِيدُهُ. وإزْجاءُ الفُلْكِ سَوْقُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ بِالرِّيحِ اللَّيِّنَةِ والمَجادِيفِ، وذَلِكَ مِن رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ، وابْتِغاءُ الفَضْلِ طَلَبُ التِّجارَةِ أوِ الحَجُّ فِيهِ أوِ الغَزْوُ. والضُّرُّ في البَحْرِ الخَوْفُ مِنَ الغَرَقِ بِاضْطِرابِهِ وعَصْفِ الرِّيحِ، ومَعْنى (ضَلَّ) ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم مَن تَدْعُونَهُ إلَهًا فَيَشْفَعُ أوْ يَنْفَعُ، أوْ (ضَلَّ) مَن تَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ فَتُفْرِدُونَهُ إذْ ذاكَ بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ والِاعْتِقادِ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو ولا يَرْجُونَ لِكَشْفِ الضُّرِّ غَيْرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم إذْ كُشِفَ عَنْهم مِن إعْراضِهِمْ عَنْهُ وكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، وجاءَتْ صِفَةُ (كَفُورًا) دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ، ثُمَّ لَمْ يُخاطِبْهم بِذَلِكَ بَلْ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى الإنْسانِ لُطْفًا بِهِمْ وإحالَةً عَلى الجِنْسِ إذْ كُلُّ أحَدٍ لا يَكادُ يُؤَدِّي شُكْرَ نِعَمِ اللَّهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكُفّارُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا إيّاهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن تَدْعُونَ﴾ إذِ المَعْنى ضَلَّتْ آلِهَتُهم أيْ: مَعْبُوداتُهم وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ وهَذا عَلى مَعْنى ضَلَّ مَن يَلْجَئُونَ إلَيْهِ، وهم كانُوا يَلْجَئُونَ في بَعْضِ أُمُورِهِمْ إلى مَعْبُوداتِهِمْ، وفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَلْجَئُونَ إلّا إلى اللَّهِ والهَمْزَةُ في ﴿أفَأمِنتُمْ﴾ لِلْإنْكارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في دَعْواهُ أنَّ الفاءَ والواوَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ، وأنَّ مَذْهَبَ الجَماعَةِ أنْ لا مَحْذُوفَ هُناكَ، وأنَّ الفاءَ والواوَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها وأنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِكَوْنِها لَها صَدْرُ الكَلامِ فَقُدِّمَتْ والنِّيَّةُ التَّأْخِيرُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ فَأمِنتُمْ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، والخِطابُ لِلسّابِقِ ذِكْرُهم أيْ أفَأمِنتُمْ أيُّها النّاجُونَ المُعْرِضُونَ عَنْ صُنْعِ اللَّهِ الَّذِي نَجّاكم، وانْتَصَبَ ﴿جانِبَ﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِنَخْسِفَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] والمَعْنى أنْ نُغَيِّرَهُ بِكم فَتَهْلَكُونَ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ نَقْلِبَهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَ الخَسْفُ تَغْيِيبًا في التُّرابِ قالَ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ و﴿بِكُمْ﴾ حالٌ أيْ: نَخْسِفُ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَصْحُوبًا بِكم. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ أيْ: بِسَبَبِكم، ويَكُونُ المَعْنى ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَيَحْصُلُ بِخَسْفِهِ إهْلاكُهم وإلّا فَلا يَلْزَمُ مِن خَسْفِ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ بِسَبَبِهِمْ إهْلاكُهم.

قالَ قَتادَةُ: الحاصِبُ الحِجارَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: رامٍ يَرْمِيكم بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلِ، والمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى بالِغَةٌ، فَإنْ كانَ نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ وكَفَرْتُمْ نِعْمَتَهُ فَلا تَأْمَنُوا إهْلاكَهُ إيّاكم وأنْتُمْ في البَرِّ، إمّا بِأمْرٍ يَكُونُ مِن تَحْتِكم وهو تَغْوِيرُ الأرْضِ بِكم، أوْ مِن فَوْقِكم بِإرْسالِ حاصِبٍ عَلَيْكم، وهَذِهِ الغايَةُ في تَمَكُّنِ القُدْرَةِ ثُمَّ ﴿لا تَجِدُوا﴾ عِنْدَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ بِكم مَن تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ فَيَتَوَكَّلُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْكم. و﴿أمْ﴾ في ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ ﴿أمِنتُمْ﴾ والضَّمِيرُ في ﴿فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى البَحْرِ، وانْتَصَبَ تارَةً عَلى الظَّرْفِ أيْ: وقْتًا غَيْرَ الوَقْتِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ السّابِقِ مِنكم، والوَقْتُ الأوَّلُ الَّذِي نَجّاكم فِيهِ أوْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الَّذِي هو دَأْبُكم دائِمًا.

والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ فَنُغْرِقَكم، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ وهو نَتِيجَةُ الإرْسالِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإرْسالِ، وقِيلَ: عَلَيْهِما فَيَكُونُ كاسْمِ الإشارَةِ، والمَعْنى بِما وقَعَ مِنَ الإرْسالِ والإغْراقِ. والتَّبِيعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّصِيرُ، وقالَ الفَرّاءُ: طالِبُ الثَّأْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُطالِبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن يُتْبِعُ بِالإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاها ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٤] وفي الحَدِيثِ: «إذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وقالَ الشَّمّاخُ:

؎كَما لاذَ الغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ

ويُقالُ: فُلانٌ عَلى فُلانٍ تَبِيعٌ، أيْ: مُسَيْطِرٌ بِحَقِّهِ مُطالِبٌ بِهِ. وأنْشَدَ (p-٦١)ابْنُ عَطِيَّةَ:

؎غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فَكَأنَّها ∗∗∗ ضَوامِنُ غُرْمٍ لِرَهْنٍ تَبِيعُ

أيْ: مُطالِبٌ بِحَقِّهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ونَخْسِفُ وأوْ نُرْسِلُ وأنْ نُعِيدَكم وفَنُرْسِلُ وفَنُغْرِقُكم خَمْسَتُها بِالنُّونِ، وباقِي القُرّاءِ بِياءِ الغَيْبَةِ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ فَتُغْرِقُكم بِتاءِ الخِطابِ مُسْنَدًا إلى الرِّيحِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ﴿فَيُغَرِّقَكُمْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الغَيْنَ وشَدِّ الرّاءِ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، والمُقْرِي لِأبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءِ الخِطابِ، وحُمَيْدٌ بِالنُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ مُحَيْصِنٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ بِالإفْرادِ وأبُو جَعْفَرٍ (مِنَ الرِّياحِ) جَمْعًا.

17:71–72Page 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .

لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إزْجاءِ الفُلْكِ في البَحْرِ ومِن تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، تَمَّمَ ذِكْرَ المِنَّةِ بِذِكْرِ تَكْرِمَتِهِمْ ورِزْقِهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ، أوْ لَمّا هَدَّدَهم بِما هَدَّدَ مِنَ الخَسْفِ والغَرَقِ وأنَّهم كافِرُو نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَتَذَكَّرُوا فَيَشْكُرُوا نِعَمَهُ، ويُقْلِعُوا عَنْ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ ويُطِيعُوهُ تَعالى، وفي ذِكْرِ النِّعَمِ وتَعْدادِها هَزٌّ لِشُكْرِها. وكَرَّمَ مُعَدًّى بِالتَّضْعِيفِ مِن كَرُمَ أيْ: جَعَلْناهم ذَوِي كَرَمٍ بِمَعْنى الشَّرَفِ والمَحاسِنِ الجَمَّةِ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وفَرَسٌ كَرِيمٌ أيْ: جامِعٌ لِلْمَحاسِنِ ولَيْسَ مِن كَرَمِ المالِ. وما جاءَ عَنْ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن تَكْرِيمِهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ بِأشْياءَ ذَكَرَها هو عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ في ذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّفْضِيلَ بِالعَقْلِ وعَنِ الضَّحّاكِ بِالنُّطْقِ، وعَنْ عَطاءٍ بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ، وعَنْ يَمانٍ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِجَعْلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنهم، وعَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِالتَّسْلِيطِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِهِ لَهُ. وقِيلَ: بِالخَطِّ، وقِيلَ: بِاللِّحْيَةِ لِلرَّجُلِ والذُّؤابَةِ لِلْمَرْأةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِأكْلِهِ بِيَدِهِ وغَيْرِهِ بِفَمِهِ. وقِيلَ: بِتَدْبِيرِ المَعاشِ والمَعادِ، وقِيلَ: بِخَلْقِ اللَّهِ آدَمَ بِيَدِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذُكِرَ أنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما يَفْضُلُ بِنَوْعٍ ما ابْنَ آدَمَ كَجَرْيِ الفَرَسِ وسَمْعِهِ وإبْصارِهِ، وقُوَّةِ الفِيلِ، وشَجاعَةِ الأسَدِ، وكَرَمِ الدِّيكِ. قالَ: وإنَّما التَّكْرِيمُ والتَّفْضِيلُ بِالعَقْلِ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ الحَيَوانُ كُلُّهُ وبِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ، ويُفْهَمُ كَلامُهُ ويُوصَلُ إلى نَعِيمِهِ. انْتَهى.

﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠] وهَذا أيْضًا مِن تَكْرِيمِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في البَرِّ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والإبِلِ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ. وقالَ غَيْرُهُ: عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ وأعْوادٍ يابِسَةٍ. (والطَّيِّباتِ) كَما تَقَدَّمَ الحَلالُ أوِ المُسْتَلَذُّ، ولا يَتَّسِعُ غَيْرُهُ مِنَ الحَيَوانِ في الرِّزْقِ اتِّساعَهُ؛ لِأنَّهُ يَكْتَسِبُ المالَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ ويَأْكُلُ المُرَكَّبَ مِنَ الأطْعِمَةِ بِخِلافِ الحَيَوانِ، فَإنَّهُ لا يَكْتَسِبُ ولا يَلْبَسُ ولا يَأْكُلُ غالِبًا إلّا لَحْمًا نَيِّئًا وطَعامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ، والظّاهِرُ أنُّ كَثِيرًا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: فُضِّلُوا عَلى الخَلائِقِ كُلِّهِمْ غَيْرَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ وأشْباهِهِمْ وهَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْهُ إنَّ الإنْسانَ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ المَلَكِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَيَوانُ والجِنُّ هو الكَثِيرُ المَفْضُولُ، والمَلائِكَةُ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ الكَثِيرِ المَفْضُولِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ المَلائِكَةِ عَلى الإنْسِ مِن حَيْثُ هم (p-٦٢)المُسْتَثْنَوْنَ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] وهَذا غَيْرُ لازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلِ التَّفْضِيلُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الآيَةُ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ ويُحْتَمَلُ التَّساوِي، وإنَّما يَصِحُّ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ مِن مَواضِعَ أُخَرَ مِنَ الشَّرْعِ. انْتَهى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ [الإسراء: ٧٠] هو ما سِوى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَسْبُ بَنِي آدَمَ (تَفْضِيلًا) أنْ تُرْفَعَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وهم هم ومَنزِلَتُهم عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَتُهم، والعَجَبُ مِنَ المُجْبِرَةِ كَيْفَ عَكَسُوا في كُلِّ شَيْءٍ وكابَرُوا حَتّى جَسَرَتْهُمُ المُكابَرَةُ عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي تَفْضِيلُ الإنْسانِ عَلى المَلَكِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَشْنِيعًا أقْذَعَ فِيهِ يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ. وقِيلَ: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ﴾ [الإسراء: ٧٠] بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ. وقِيلَ: بِالثَّوابِ والجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِلتَّفْضِيلِ المُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِكَثِيرٍ مَجازُهُ وهو إطْلاقُهُ عَلى الجَمِيعِ، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وهو القَوْلُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ هُنا؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ جَمِيعًا كانَ بِكَثِيرٍ، فَقُلْتُ: عَلى جَمِيعٍ مِمَّنْ خَلَقَنا لَكانَ نائِيًا عَنِ الفَصاحَةِ، ولا يَلِيقُ أنْ يُحْمَلَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو أفْصَحُ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في تَكْرِيمِ ابْنِ آدَمَ وتَفْضِيلِهِ مُسْتَمَدٌّ مِن كَلامِ الَّذِينَ يُسَمُّونَهم حُكَماءَ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، إذْ هو جارٍ عَلى غَيْرِ طَرِيقَةِ العَرَبِ في كَلامِها.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنْواعًا مِن كَراماتِ الإنْسانِ في الدُّنْيا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ واخْتَلَفُوا في العامِلِ في (يَوْمَ) . فَقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مَتى هو. وقِيلَ: فَتَسْتَجِيبُونَ. وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَدْعُوكم، وهَذِهِ أقْوالٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، ولَوْلا أنَّهم ذَكَرُوها لَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا وهو في هَذِهِ الأقْوالِ ظَرْفٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: انْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ اذْكُرْ وعَلى تَقْدِيرِ اذْكُرْ لا يَكُونُ ظَرْفًا بَلْ هو مَفْعُولٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا بَعْدَ قَوْلِهِ هو ظَرْفٌ: والعامِلُ فِيهِ اذْكُرْ أوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ وحَكاهُ أبُو البَقاءِ وقَدَّرَهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ يَوْمَ نَدْعُو. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] وذَلِكَ أنَّ فَضْلَ البَشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ بَيِّنٌ؛ لِأنَّهُمُ المُنَعَّمُونَ المُكَلَّفُونَ المُحاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ القَدْرُ إلّا أنَّ هَذا يَرُدُّهُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَئِذٍ أخْسَرُ مَن كُلِّ حَيَوانٍ، إذْ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَنصُوبًا عَلى البِناءِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في التَّقْسِيمِ الَّذِي أتى بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ﴾ . انْتَهى. وقَوْلُهُ مَنصُوبًا عَلى البِناءِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، وقَوْلُهُ: لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَنْقَسِمُ إلى مُتَمَكِّنٍ وغَيْرِ مُتَمَكِّنٍ هو الِاسْمُ لا الفِعْلُ، وهَذا أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُضارِعٍ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ إذا أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُضارِعٍ مُعْرَبٍ لا يَجُوزُ بِناؤُهُ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ هو عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا قَوْلُهُ: والخَبَرُ في التَّقْسِيمِ عارٍ مِن رابِطٍ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ التَّقْسِيمِيَّةِ بِالمُبْتَدَأِ إلّا إنْ قَدَّرَ مَحْذُوفًا، فَقَدْ يُمْكِنُ أيْ: مِمَّنْ ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ فِيهِ (بِيَمِينِهِ) وهو بَعْدَ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَخْرِيجٌ مُتَكَلَّفٌ.

وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] عَلى تَقْدِيرِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] بِالثَّوابِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْهُ قَبْلُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ لا تَجِدُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: نُعِيدُكم مُضْمَرَةٌ أيْ: نُعِيدُكم ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِاذْكُرْ مُضْمَرَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَدْعُو) بِنُونِ العَظَمَةِ، ومُجاهِدٌ يَدْعُو بِياءِ الغَيْبَةِ أيْ: يَدْعُو اللَّهَ، والحَسَنُ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ يُدْعى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كُلُّ) مَرْفُوعٌ بِهِ، وفِيما ذَكَرَ غَيْرُهُ يَدْعُو بِالواوِ وخُرِّجَ عَلى إبْدالِ الألِفِ واوًا عَلى لُغَةِ مَن (p-٦٣)يَقُولُ: أفْعُو في الوَقْفِ عَلى أفْعى، وإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وكُلُّ مَرْفُوعٌ بِهِ، وعَلى أنْ تَكُونَ الواوُ ضَمِيرًا مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وأصْلُهُ يَدْعُونَ فَحُذِفَتِ النُّونُ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ:

؎أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدْلُكِي وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الزَّكِيِّ

أيْ: تَبِيتِينَ تَدْلُكِينَ، وكُلُّ بَدَلٌ مِن واوِ الضَّمِيرِ. و(أُناسٍ) اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، والباءُ في ﴿بِإمامِهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِنَدْعُو، أيْ: بِاسْمِ إمامِهِمْ. وقِيلَ: هي باءُ الحالِ أيْ: مَصْحُوبِينَ ﴿بِإمامِهِمْ﴾ . والإمامُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهم. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَبِيُّهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والإمامُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُؤْتَمُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمامُهم مَنِ ائْتَمُّوا بِهِ نَبِيٌّ أوْ مُقَدَّمٌ في الدِّينِ أوْ كِتابٌ أوْ دِينٌ، فَيُقالُ: يا أهْلَ دِينِ كَذا وكِتابِ كَذا. وقِيلَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ يا أصْحابَ كِتابِ الخَيْرِ ويا أصْحابَ كِتابِ الشَّرِّ. وفي قِراءَةِ الحَسَنِ بِكِتابِهِمْ ومِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ أنَّ الإمامَ جَمْعُ أُمٍّ وأنَّ النّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ الحِكْمَةَ في الدُّعاءِ بِالأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ رِعايَةَ حَقِّ عِيسى وشَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا ولَيْتَ شِعْرِي أيُّهُما أبْدَعُ أصِحَّةُ لَفْظِهِ أمْ بَهاءُ حِكْمَتِهِ. انْتَهى. وإيتاءُ الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى ما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي يُؤْتاها المُؤْمِنُ والكافِرُ، وإيتاؤُهُ بِاليَمِينِ دَلِيلٌ عَلى نَجاةِ الطّائِعِ وخَلاصِ الفاسِقِ مِنَ النّارِ إنْ دَخَلَها وبِشارَتِهِ أنَّهُ لا يُخَلَّدُ فِيها (فَأُولَئِكَ) جاءَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن إذْ قَدْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا فَأُفْرِدَ في قَوْلِهِ: ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وقِراءَتُهم كُتُبَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ بِالِاطِّلاعِ عَلى ما تَضَمَّنَتْها مِنَ البِشارَةِ، وإلّا فَقَدْ عَلِمُوا مِن حَيْثُ إيِتاؤُهم إيّاها بِاليَمِينِ أنَّهم مَن أهْلِ السَّعادَةِ، ومِن فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ يَقُولُ البارِي لِأهْلِ المَحْشَرِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ولَمْ يَأْتِ هُنا قَسِيمُ مَن ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وهو مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ، وإنْ كانَ قَدْ أتى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بَلْ جاءَ قَسِيمُهُ قَوْلُهُ.

﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ وذَلِكَ مِن حَيْثُ المَعْنى مُقابِلُهُ؛ لِأنَّ مَن ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ هم أهْلُ السَّعادَةِ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ هم أهْلُ الشَّقاوَةِ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: لا يَنْقُصُونَ أدْنى شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الفَتِيلِ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ) إلى الدُّنْيا، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ أيْ: مَن كانَ في هَذِهِ الدّارِ أعْمى عَنِ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ وعِبَرِهِ والإيمانِ بِأنْبِيائِهِ، فَهو في الآخِرَةِ أعْمى إمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: في شَأْنِ الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَهو يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، مَعْنى أنَّهُ خَبَرانِ لا يَتَوَجَّهَ لَهُ صَوابٌ ولا يَلُوحَ لَهُ نُجْحٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أعْمى في الآخِرَةِ عَنْ حُجَجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ﴾ النِّعَمُ يُشِيرُ إلى نِعَمِ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ فَهو في الآخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ ولَمْ تُعايِنْ (أعْمى) . وقِيلَ: ومَن كانَ في الدُّنْيا ضالًّا كافِرًا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ وفي الآخِرَةِ لا تُقْبَلُ، وفي الدُّنْيا يَهْتَدِي إلى التَّخَلُّصِ مِنَ الآفاتِ، وفي الآخِرَةِ لا يَهْتَدِي إلى ذَلِكَ ألْبَتَّةَ. وقِيلَ: فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: أعْمى البَصَرِ كَما قالَ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤] . وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ إبْصارِ الحَقِّ والِاعْتِبارِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنِ الِاعْتِذارِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ إلى الدُّنْيا أيْ مَن كانَ في دُنْياهُ هَذِهِ وقْتَ إدْراكِهِ وفَهْمِهِ أعْمى عَنِ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ فَهو في يَوْمِ القِيامَةِ أشَدُّ حَيْرَةً وعَمًى؛ لِأنَّهُ قَدْ باشَرَ الخَيْبَةَ ورَأى مَخائِلَ العَذابِ، وبِهَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ مُعادِلَةً الَّتِي قَبْلَها مِن ذِكْرِ مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ بِمَعْنى في شَأْنِ الآخِرَةِ لَمْ تَطَّرِدِ المُعادَلَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٦٤)والأعْمى مُسْتَعارٌ مِمَّنْ لا يُدْرِكُ المُبْصَراتِ لِفَسادِ حاسَّتِهِ لِمَن لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ النَّجاةِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِفَقْدِ النَّظَرِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ الِاهْتِداءُ إلَيْهِ، وقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ. ومِن ثَمَّ قَرَأ أبُو عُمَرَ، والأوَّلُ مُمالًا والثّانِي مُفَخَّمًا؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَمامُهُ بِمِن فَكانَتْ ألِفُهُ في حُكْمِ الواقِعَةِ في وسَطِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ: (أعْمالُكم) وأمّا الأوَّلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ فَكانَتْ ألِفُهُ واقِعَةً في الطَّرَفِ مُعَرَّضَةً لِلْإمالَةِ. انْتَهى. وتَعْلِيلُهُ تَرْكُ إمالَةِ أعْمى الثّانِي أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أبِي عَلِيٍّ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لِأنَّ الإمالَةَ إنَّما تَحْسُنُ في الأواخِرِ، و(أعْمى) لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ (أعْمى) مِن كَذا فَلَيْسَ يَتِمُّ إلّا في قَوْلِنا مِن كَذا فَهو إذَنْ لَيْسَ بِآخِرٍ، ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ عَطْفُ ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُوَ وهو في الآخِرَةِ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَهو ﴿أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢] وأشَدُّ حَيْرَةً وأقْرَبُ إلى العَذابِ، و(أعْمى) هُنا مِن عَمى القَلْبِ لا مِن عَمى البَصَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِيهِ التَّفاضُلُ لا هَذا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском