Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:15–23
18:15–16Page 294
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ .
ولَمّا وحَّدُوا اللَّهَ تَعالى، ورَفَضُوا ما دُونَهُ مِنَ الآلِهَةِ أخَذُوا في ذَمِّ قَوْمِهِمْ وسُوءِ فِعْلِهِمْ، وأنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ عَظَّمُوا جُرْمَ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهَذِهِ المَقالَةُ يُحْتَمَلُ أنْ قالُوها في مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ تَقْبِيحًا لِما هو وقَوْمُهم عَلَيْهِ وذَلِكَ أبْلَغُ في التَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وأفَتُّ في عَضُدِ المَلِكِ إذا اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ بِذَمِّ ما هو عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ و(هَؤُلاءِ) مُبْتَدَأٌ.
و(قَوْمُنا) قالَ الحَوْفِيُّ: خَبَرٌ و(اتَّخَذُوا) في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: (قَوْمُنا) عَطْفُ بَيانٍ و(اتَّخَذُوا) في مَوْضِعِ الخَبَرِ. والضَّمِيرُ في ﴿مِن دُونِهِ﴾ [الكهف: ١٤] عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ولَوْلا تَحْضِيضٌ صَحِبَهُ الإنْكارُ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ سُلْطانٍ بَيِّنٍ عَلى ذَلِكَ فَلا يُمْكِنُ فِيهِ التَّحْضِيضُ الصِّرْفُ، فَحَضُّوهم عَلى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لَهم، ومَعْنى (عَلَيْهِمْ) عَلى اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً و(اتَّخَذُوا) هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَمِلُوا؛ لِأنَّها أصْنامٌ هم نَحَتُوها، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى صَيَّرُوا، وفي ما ذَكَرُوهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِالحُجَّةِ والدَّعْوى إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها دَلِيلٌ فاسِدَةٌ وهي ظُلْمٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ وكَذِبٌ بِنِسْبَةِ شُرَكاءِ اللَّهِ.
﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خِطابٌ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ والِاعْتِزالُ يَشْمَلُ مُفارَقَةَ أوْطانِ قَوْمِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فَهو اعْتِزالٌ جُسْمانِيٌّ وقَلْبِيٌّ، وما مَعْطُوفٌ عَلى المَفْعُولِ في (اعْتَزَلْتُمُوهم) أيْ: واعْتَزَلْتُمْ مَعْبُودَهم و(إلّا اللَّهَ) اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ قَوْمُهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ مَعَ آلِهَتِهِمْ لِانْدِراجِ لَفْظِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ .
وذَكَرَ أبُو نُعَيْمٍ الحافِظُ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ مَعَهُ آلِهَةً فاعْتَزَلَتِ الفِتْيَةُ عِبادَةَ تِلْكَ الآلِهَةِ ولَمْ يَعْتَزِلُوا عِبادَةَ اللَّهِ. وقالَ هَذا أيْضًا الفَرّاءُ، ومُنْقَطِعٌ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يَعْبُدُونَهُ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَعْبُوداتِهِمْ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿وما يَعْبُدُونَ﴾ مِن دُونِنا. انْتَهى وما في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ فِيما ذَكَرَ هارُونُ إنَّما أُرِيدَ بِهِ تَفْسِيرُ المَعْنى. وإنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ اعْتَزَلُوا قَوْمَهم ﴿وما يَعْبُدُونَ﴾ مِن دُونِ اللَّهِ ولَيْسَ ذَلِكَ قُرْآنًا لِمُخالَفَتِها لِسَوادِ المُصْحَفِ؛ ولِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَلْ هو مُتَواتِرٌ ما ثَبَتَ في السَّوادِ وهو (ما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ) . وقِيلَ: ﴿وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ كَلامٌ مُعْتَرَضٌ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ أنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا (ما) فِيهِ و(إلّا) اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ لَهُ العامِلُ.
﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ مَأْوًى لَكم تُقِيمُونَ فِيهِ وتَأْوُونَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ (يَنْشُرْ) فِيهِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَكُّلِ حَيْثُ أوَوْا إلى كَهْفٍ، ورَتَّبُوا عَلى مَأْواهم (p-١٠٧)إلَيْهِ نَشْرَ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وتَهْيِئَةَ رِفْقِهِ تَعالى بِهِمْ؛ لِأنَّ مَن أخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ لا يُضَيِّعُهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى سَيَبْسُطُ عَلَيْنا رَحْمَتَهُ ويُهَيِّئُ لَنا ما نَرْتَفِقُ بِهِ في أمْرِ عَيْشِنا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ويُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ يُسَهِّلْ عَلَيْكم ما تَخافُونَ مِنَ المَلِكِ وظُلْمِهِ، ويَأْتِيكم بِاليُسْرِ والرِّفْقِ واللُّطْفِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى ﴿ويُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ بَدَلًا مِن أمْرِكُمُ الصَّعْبِ (مِرْفَقًا) . قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمّا أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ وقُوَّةً في رَجائِهِمْ لِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ ونُصُوعِ يَقِينِهِمْ، وإمّا أنْ يُخْبِرَهم بِهِ نَبِيٌّ في عَصْرِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ بَعْضُهم نَبِيًّا. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ وابْنُ سَعْدانَ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ الأعْشى والبُرْجِيِّ والجُعْفِيِّ عَنْهُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ رِفْقًا؛ لِأنَّ جَمِيعًا في الأمْرِ الَّذِي يَرْتَفِقُ بِهِ وفي الجارِحَةِ حَكاهُ الزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ المَرْفِقُ مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ: المَرْفِقُ بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: هو مَصْدَرٌ كالرِّفْقِ جاءَ عَلى مَفْعِلٍ. وقِيلَ: هُما لُغَتانِ فِيما يُرْتَفَقُ بِهِ وإمّا مِنَ اليَدِ فَبِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ لا غَيْرُ، وعَنِ الفَرّاءِ أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ (مِرْفَقًا) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ فِيما ارْتَفَقْتَ بِهِ ويَكْسِرُونَ مَرْفِقَ الإنْسانِ، والعَرَبُ قَدْ يَكْسِرُونَ المِيمَ مِنهُما جَمِيعًا. انْتَهى. وأجازَ مُعاذٌ فَتْحَ المِيمِ والفاءِ.
18:17–18Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ .
هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ، واسْتَجابَ دُعاءَهم، وأرْفَقَهم في الكَهْفِ بِأشْياءَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو (تَزّاوَرُ) بِإدْغامِ تَتَزاوَرُ في الزّايِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مَناذِرَ وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ بِتَخْفِيفِ الزّايِ إذا حَذَفُوا التّاءَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ عامِرٍ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ عَنِ العُمَرِيِّ: تَزْوَرُّ عَلى وزْنِ تَحْمَرُّ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأيُّوبٌ السِّخْتِيانِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (p-١٠٨)وجابِرٌ، ووَرَدَ عَنْ أيُّوبَ (تَزْوارُّ) عَلى وزْنِ تَحْمارُّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: تَزْوَئِرُّ بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الرّاءِ عَلى قَوْلِهِمُ ادْهَأمَّ واشْعَألَّ فِرارًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والمَعْنى تَزُوغُ وتَمِيلُ.
و﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ جِهَةَ يَمِينِ الكَهْفِ، وحَقِيقَتُهُ الجِهَةُ المُسَمّاةُ بِاليَمِينِ يَعْنِي يَمِينَ الدّاخِلِ إلى الكَهْفِ أوْ يَمِينَ الفِتْيَةِ. و(تَقْرِضُهم) لا تَقْرَبُهم مِن مَعْنى القَطِيعَةِ ﴿وهم في فَجْوَةٍ﴾ أيْ: مُتَّسَعٌ مِنَ الكَهْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَقْرِضُهم) بِالتّاءِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ أيْ: يَقْرِضُهُمُ الكَهْفُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهُمُ الشَّمْسُ ألْبَتَّةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها كانَتِ الشَّمْسُ بِالعَشِيِّ تَنالُهم بِما في مَسِّها صَلاحٌ لِأجْسامِهِمْ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَعَ الشَّمْسِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ لَهم حاجِبٌ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وحاجِبٌ مِن جِهَةِ الدَّبُورِ، وهم في زاوِيَةٍ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ: كانَ بابُ الكَهْفِ يَنْظُرُ إلى بَناتِ نَعْشٍ وعَلى هَذا كانَ أعْلى الكَهْفِ مَسْتُورًا مِنَ المَطَرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَ كَهْفُهم مُسْتَقْبِلَ بَناتِ نَعْشٍ لا تَدْخُلُهُ الشَّمْسُ عِنْدَ الطُّلُوعِ ولا عِنْدَ الغُرُوبِ، اخْتارَ اللَّهُ لَهم مَضْجَعًا مُتَّسَعًا في مَقْناةٍ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَتُؤْذِيَهِمْ وتَدْفَعُ عَنْهم كُرْبَةَ الغارِ وغُمُومَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّهم في ظِلِّ نَهارِهِمْ كُلِّهِ لا تُصِيبُهُمُ الشَّمْسُ في طُلُوعِها ولا غُرُوبِها، مَعَ أنَّهم في مَكانٍ واسِعٍ مُنْفَتِحٍ مُعَرَّضٍ لِإصابَةِ الشَّمْسِ لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَحْجُبُها عَنْهُمُ. انْتَهى. وهو بَسْطُ قَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: فِعْلُ الشَّمْسِ آيَةٌ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ دُونَ أنْ يَكُونَ بابُ الكَهْفِ إلى جِهَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى (تَقْرِضُهم) تُعْطِيهِمْ مِن ضَوْئِها شَيْئًا ثُمَّ تَزُولُ سَرِيعًا كالقَرْضِ يُسْتَرَدُّ، والمَعْنى عِنْدَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَمِيلُ بِالغَدْوَةِ وتُصِيبُهُ بِالعَشِيِّ إصابَةً خَفِيفَةً. انْتَهى. ولَوْ كانَ مِنَ القَرْضِ الَّذِي يُعْطى، ثُمَّ يُسْتَرَدُّ لَكانَ الفِعْلُ رُباعِيًّا فَكانَ يَكُونُ تُقْرِضُهم بِالتّاءِ مَضْمُومَةً لَكِنَّهُ مِنَ القَطْعِ، وإنَّما التَّقْدِيرُ تُقْرِضُ لَهم، أيْ: تَقْطَعُ لَهم مِن ضَوْئِها شَيْئًا. قِيلَ: ولَوْ كانَتِ الشَّمْسُ لا تُصِيبُ مَكانَهم أصْلًا لَكانَ يَفْسُدُ هَواؤُهُ ويَتَعَفَّنُ ما فِيهِ فَيَهْلِكُوا، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى دَبَّرَ أمْرَهم فَأسْكَنَهم مَسْكَنًا لا يَكْثُرُ سُقُوطُ الشَّمْسِ فِيهِ فَيَحْمِي، ولا تَغِيبُ عَنْهُ غَيْبُوبَةً دائِمَةً فَيَعْفَنُ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما صَنَعَهُ تَعالى بِهِمْ مِنَ ازْوِرارِ الشَّمْسِ وقَرْضِها طالِعَةً وغارِبَةً آيَةٌ مِن آياتِهِ، يَعْنِي أنَّ ما كانَ في ذَلِكَ السَّمْتِ تُصِيبُهُ الشَّمْسُ ولا تُصِيبُهُمُ اخْتِصاصًا لَهم بِالكَرامَةِ، ومَن قالَ أنَّهُ كانَ مُسْتَقْبِلَ بَناتِ نَعْشٍ بِحَيْثُ كانَ لَهُ حاجِبٌ مِنَ الشَّمْسِ كانَ الإشارَةُ إلى أنَّ حَدِيثَهم ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ وهو هِدايَتُهم إلى تَوْحِيدِهِ وإخْراجُهم مِن بَيْنِ عَبَدَةِ الأوْثانِ وإيواؤُهم إلى ذَلِكَ الكَهْفِ، وحِمايَتُهم مِن عَدُوِّهِمْ وإلْقاءُ الهَيْبَةِ عَلَيْهِمْ، وصَرْفُ الشَّمْسِ عَنْهم يَمِينًا وشِمالًا لِئَلّا تَفْسَدَ أجْسامُهم، وإنامَتُهم هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وصَوْنُهم مِنَ البِلى، وثِيابُهم مِنَ التَّمَزُّقِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى الهِدايَةِ قَوْلُهُ: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ) وهو لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ ما سَبَقَ نِسْبَتُهم وهم أهْلُ الكَهْفِ ﴿ومَن يُضْلِلِ﴾ عامٌّ أيْضًا مِثْلَ دِقْيانُوسَ الكافِرِ وأصْحابِهِ، والخِطابُ في (وتَحْسَبُهم) وفي ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ لِمَن قُدِّرَ لَهُ أنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: كانُوا مُفَتَّحَةً أعْيُنُهم وهم نِيامٌ فَيَحْسَبُهُمُ النّاظِرُ مُنْتَبِهِينَ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرّائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ وقِلَّةِ التَّغْيِيرِ، وذَلِكَ أنَّ الغالِبَ عَلى النُّوّامِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ تَقْتَضِي النَّوْمَ، فَيَحْسَبُهُ الرّائِي يَقْظانَ وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنَيْنِ، ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في أنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِمُ التَّيَقُّظَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا﴾ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ ولَيْسَ عَلى تَقْدِيرٍ. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لَوْ رَأيْتَهم لَحَسِبْتَهم (أيْقاظًا) .
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ونُقَلِّبُهم) خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ. وقِيلَ: إنَّما وقَعَ الحُسْبانُ مِن جِهَةِ تَقَلُّبِهِمْ، ولا سِيَّما إذا كانَ مِنَ اليَمِينِ إلى الشِّمالِ ومِنَ الشِّمالِ إلى اليَمِينِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ (ونُقَلِّبُهم) بِالنُّونِ مَزِيدُ اعْتِناءِ اللَّهِ بِهِمْ حَيْثُ أسْنَدَ التَّقْلِيبَ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ هو (p-١٠٩)الفاعِلُ ذَلِكَ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ ويُقَلِّبُهم بِالياءِ مُشَدَّدًا أيْ: يُقَلِّبُهُمُ اللَّهُ. وقَرَأ الحَسَنُ فِيما حَكى الأهْوازِيُّ في الإقْناعِ: ويَقْلِبُهم بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ساكِنَةِ القافِ مُخَفَّفَةِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ فِيما حَكى ابْنُ جِنِّي: وتَقَلُّبَهم مَصْدَرُ تَقَلَّبَ مَنصُوبًا، وقالَ: هَذا نُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: وتَرى أوْ تُشاهِدُ تَقَلُّبَهم، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ الياءَ فَهو مَصْدَرٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وذَكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ اليَمانِيِّ. وذَكَرَ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ وتَقْلِبُهم بِالتّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقٍ مُضارِعُ قَلَبَ مُخَفَّفًا. قِيلَ: والفائِدَةُ في تَقْلِيبِهِمْ في الجِهَتَيْنِ لِئَلّا تُبْلِيَ الأرْضُ ثِيابَهم وتَأْكُلَ لُحُومَهم، فَيَعْتَقِدُوا أنَّهم ماتُوا وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، فَإنَّ اللَّهَ الَّذِي قَدَرَ عَلى أنْ يُبْقِيَهم أحْياءً تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ هو قادِرٌ عَلى حِفْظِ أجْسامِهِمْ وثِيابِهِمْ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ مَسَّتْهُمُ الشَّمْسُ لَأحْرَقَتْهم، ولَوْلا التَّقْلِيبُ لَأكَلَتْهُمُ الأرْضُ. انْتَهى. و(ذاتَ) بِمَعْنى صاحِبَةٍ أيْ: جِهَةً ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ . ونَقَلَ المُفَسِّرُونَ الخِلافَ في أوْقاتِ تَقْلِيبِهِمْ وفي عَدَدِ التَّقْلِيباتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ عِياضٍ بِأقْوالٍ مُتَعارِضَةٍ مُتَناقِضَةٍ ضَرَبْنا عَنْ نَقْلِها صَفْحًا، وكَذَلِكَ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِاسْمِ كَلْبِهِمْ ولا لِكَوْنِهِ كَلْبَ زَرْعٍ أوْ غَيْرَهُ؛ لِأنَّ مِثْلَ العَدَدِ والوَصْفِ والتَّسْمِيَةِ لا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ، وإنَّما يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ، والسَّمْعُ لا يَكُونُ في مِثْلِ هَذا إلّا عَنِ الأنْبِياءِ أوِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَسْتَحِيلُ وُرُودُ هَذا الِاخْتِلافِ عَنْها. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وكَلْبُهم) أُرِيدَ بِهِ الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ أسَدٌ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ رَجُلٌ طَبّاخٌ لَهم تَبِعَهم، أوْ أحَدُهم قَعَدَ عِنْدَ البابِ طَلِيعَةً لَهم. وحَكى أبُو عَمْرٍو الزّاهِدُ غُلامُ ثَعْلَبٍ أنَّهُ قُرِئَ وكالِئُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن كَلَأ إذا حَفِظَ، فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ الكَلْبُ لِحِفْظِهِ لِلْإنْسانِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكالِئِ الرَّجُلُ عَلى ما رُوِيَ إذْ بَسْطُ الذِّراعَيْنِ واللُّصُوقُ بِالأرْضِ مَعَ رَفْعِ الوَجْهِ لِلتَّطَلُّعِ هي هَيْئَةُ الرِّئْيِ المُسْتَخْفِي بِنَفْسِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الصّادِقُ: وكالِبُهم بِالباءِ بِواحِدَةٍ أيْ: صاحِبُ كَلْبِهِمْ، كَما تَقُولُ: لابِنٌ وتامِرٌ أيْ: صاحِبُ لَبَنٍ وتَمْرٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ لا يَعْمَلُ إذا كانَ في مَعْنى المُضِيِّ، وإضافَتُهُ إذا أُضِيفَ حَقِيقَةً مُعَرَّفَةً كَغُلامِ زَيْدٍ إلّا إذا نَوَيْتَ حِكايَةَ الحالِ الماضِيَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ لا يَعْمَلُ إذا كانَ في مَعْنى المُضِيِّ لَيْسَ إجْماعًا، بَلْ ذَهَبَ الكِسائِيُّ وهِشامٌ، ومِن أصْحابِنا أبُو جَعْفَرِ بْنُ مُضاءٍ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ، وحُجَجُ الفَرِيقَيْنِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
والوَصِيدُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البابُ، وعَنْهُ أيْضًا وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: الفِناءُ، وعَنْ قَتادَةَ: الصَّعِيدُ والتُّرابُ، وقِيلَ: العَتَبَةُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا التُّرابُ. والخِطابُ في ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ﴾ لِمَن هو في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا﴾ . وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (لَوُ اطَّلَعْتَ) بِضَمِّ الواوِ وصْلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، وقَدْ ذُكِرَ ضَمُّها عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ، وغَلَبَةُ الرُّعْبِ لِما ألْقى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ والجَلالِ، فَمَن رامَ الِاطِّلاعَ عَلَيْهِمْ أدْرَكَتْهُ تِلْكَ الهَيْبَةُ.
ومَعْنى ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهُمْ﴾ أعْرَضْتَ بِوَجْهِكَ عَنْهم. وأوْلَيْتَهم كَشْحَكَ، وانْتَصَبَ (فِرارًا) عَلى المَصْدَرِ إمّا لَفَرَرْتَ مَحْذُوفَةً، وإمّا (لَوَلَّيْتَ) لِأنَّهُ بِمَعْنى لَفَرَرْتَ، وإمّا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. وانْتَصَبَ (رُعْبًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مَنقُولٌ مِنَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ نَقْلَ التَّمْيِيزِ مِنَ المَفْعُولِ؛ لِأنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَ عَلَيْهِ الفِعْلَ ما تَعَدّى إلَيْهِ تَعَدِّي المَفْعُولِ بِهِ بِخِلافِ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] وقِيلَ: سَبَبُ الرُّعْبِ طُولُ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ وصُفْرَةُ وُجُوهِهِمْ وتَغْيِيرُ أطْمارِهِمْ، وقِيلَ: لِإظْلامِ المَكانِ وإيحاشِهِ، ولَيْسَ هَذانِ القَوْلانِ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ أنْكَرُوا أحْوالَهم ولَمْ يَقُولُوا ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ولِأنَّ الَّذِي بُعِثَ إلى المَدِينَةِ لَمْ يُنْكِرْ إلّا العالَمَ والبِناءَ لا حالَهُ في نَفْسِهِ، ولِأنَّهم بِحالَةٍ حَسَنَةٍ بِحَيْثُ (p-١١٠)لا يُفَرِّقُ الرّائِي بَيْنَهم وبَيْنَ الأيْقاظِ ﴿وهم في فَجْوَةٍ﴾ تَتَخَرَّقُهُ الرِّياحُ والمَكانُ الَّذِي بِهَذِهِ الصُّورَةِ لا يَكُونُ مُوحِشًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ والهَمْزَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِتَخْفِيفِ اللّامِ والهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِتَشْدِيدِ اللّامِ وإبْدالِ الياءِ مِنَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِتَخْفِيفِ اللّامِ والإبْدالِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في (رُعْبًا) في آلِ عِمْرانَ. وقَرَأ هُنا بِضَمِّ العَيْنِ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى.
18:19–23Page 295
وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩
And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.
إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠
Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."
وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١
And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ .
الكافُ لِلتَّشْبِيهِ والإشارَةِ بِذَلِكَ. قِيلَ: إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] أيْ: مِثْلُ جَعْلِنا إنامَتَهم هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ آيَةً، جَعَلْنا بَعْثَهم آيَةً. قالَهُ الزَّجّاجُ وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وكَما أنَمْناهم تِلْكَ النَّوْمَةَ (كَذَلِكَ بَعَثْناهم) إذْكارًا بِقُدْرَتِهِ عَلى الإماتَةِ والبَعْثِ جَمِيعًا، لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعَرَّفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ، فَيَعْتَبِرُوا ويَسْتَدِلُّوا عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ، ويَزْدادُوا يَقِينًا ويَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ وكُرِّمُوا بِهِ. انْتَهى. وناسَبَ هَذا التَّشْبِيهُ قَوْلَهُ تَعالى حِينَ أوْرَدَ قِصَّتَهم أوَّلًا مُخْتَصَرَةً ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ [الكهف: ١١] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الأمْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في جِهَتِهِمْ والعِبْرَةِ الَّتِي فَعَلَها فِيهِمْ، واللّامُ في (لِيَتَساءَلُوا) لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّ بَعْثَهم لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ تَساؤُلِهِمُ. انْتَهى. والقائِلُ. قِيلَ: كَبِيرُهم مُكَسْلِمِينا. وقِيلَ: صاحِبُ نَفَقَتِهِمْ تَمْلِيخا وكَمْ سُؤالٌ عَنِ العَدَدِ، والمَعْنى كَمْ يَوْمًا أقَمْتُمْ نائِمِينَ، والظّاهِرُ صُدُورُ الشَّكِّ مِنَ المَسْئُولِينَ. وقِيلَ: (أوْ) لِلتَّفْصِيلِ. قالَ بَعْضُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا﴾ . وقالَ بَعْضُهم: ﴿بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والسّائِلُ أحَسَّ في خاطِرِهِ طُولَ نَوْمِهِمْ، ولِذَلِكَ سَألَ. قِيلَ: نامُوا أوَّلَ النَّهارِ واسْتَيْقَظُوا آخِرَ النَّهارِ، وجَوابُهم هَذا مَبْنِيٌّ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ، والقَوْلُ بِالظَّنِّ الغالِبِ لا يُعَدَّ كَذِبًا، ولَمّا عَرَضَ لَهُمُ الشَّكُّ في الإخْبارِ رَدُّوا عِلْمَ لُبْثِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ مِن بَعْضِهِمْ وأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ بِمُدَّةٍ لُبْثِهِمْ كانَ هَؤُلاءِ قَدْ عَلِمُوا بِالأدِلَّةِ أوْ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ أنَّ المُدَّةَ مُتَطاوِلَةٌ، وأنَّ مِقْدارَها مُبْهَمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. انْتَهى. ولَمّا انْتَبَهُوا مِن نَوْمِهِمْ أخَذَهم ما يَأْخُذُ مَن نامَ طَوِيلًا مِنَ الحاجَةِ إلى الطَّعامِ، واتَّصَلَ (فابْعَثُوا) بِحَدِيثِ التَّساؤُلِ، كَأنَّهم قالُوا خُذُوا فِيما يَهُمُّكم، ودَعُوا عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. والمَبْعُوثُ قِيلَ: هو تَمْلِيخا، وكانُوا قَدِ اسْتَصْحَبُوا حِينَ خَرَجُوا فارِّينَ دَراهِمَ لِنَفَقَتِهِمْ وكانَتْ حاضِرَةً عِنْدَهم، فَلِهَذا أشارُوا إلَيْها بِقَوْلِهِمْ (هَذِهِ) .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ والأعْمَشُ واليَزِيدِيُّ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ (بِوَرْقِكم) بِإسْكانِ الرّاءِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِكَسْرِها، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ الواوِ وإسْكانِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وكَذا إسْماعِيلُ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا (p-١١١)كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الرّاءَ؛ لِيَصِحَّ الإدْغامُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (بِوَرِقِكم) بِكَسْرِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ. انْتَهى، وهو مُخالِفٌ لِما نَقَلَ النّاسُ عَنْهُ. وحَكى الزَّجّاجُ قِراءَةً بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الرّاءِ دُونَ إدْغامٍ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ بَوارِقِكم عَلى وزْنِ فاعِلٍ جَعَلَهُ اسْمَ جَمْعٍ كَباقِرٍ وجائِلٍ.
و(المَدِينَةِ) هي مَدِينَتُهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، وقِيلَ: وتُسَمّى الآنَ طَرْسُوسُ وكانَ اسْمُها عِنْدَ خُرُوجِهِمْ أفْسُوسَ. (فَلْيَنْظُرْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَظَرِ العَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَظَرِ القَلْبِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفَلْيَنْظُرْ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ. و(أيُّها) اسْتِفْهامٌ مُبْتَدَأٌ و(أزْكى) خَبَرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أيُّها) مَوْصُولًا مَبْنِيًّا مَفْعُولًا لِيَنْظُرَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، و(أزْكى) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. و(أزْكى) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: أحَلُّ ذَبِيحَةٍ وأطْهَرُ؛ لِأنَّ عامَّةَ بَلْدَتِهِمْ كانُوا كُفّارًا يَذْبَحُونَ لِلطَّواغِيتِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أحَلُّ طَعامًا. قالَ الضَّحّاكُ: وكانَ أكْثَرُ أمْوالِهِمْ غُصُوبًا. وقالَ مُجاهِدٌ: قالُوا لَهُ لا تَبْتَعْ طَعامًا فِيهِ ظُلْمٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أكْثَرُ. وقالَ قَتادَةُ: أجْوَدُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: أطْيَبُ. وقالَ يَمانُ بْنُ رَيّانَ: أرْخَصُ. وقِيلَ: أكْثَرُ بَرَكَةً ورِيعًا. وقِيلَ: هو الأُرْزُ. وقِيلَ: التَّمْرُ. وقِيلَ: الزَّبِيبُ. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: أيْ أهْلُها ﴿أزْكى طَعامًا﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ عائِدًا عَلى (المَدِينَةِ) وإذا لَمْ يَكُنْ حَذْفٌ فَيَكُونُ عائِدُهُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ المَآكِلِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَمْلَ النَّفَقَةِ وما يَصْلُحُ لِلْمُسافِرِ هو رَأْيُ المُتَوَكِّلِينَ عَلى اللَّهِ دُونَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى الإنْفاقاتِ وعَلى ما في أوْعِيَةِ النّاسِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما لِهَذا السَّفَرِ يَعْنِي سَفَرَ الحَجِّ إلّا شَيْئانِ شَدُّ الهِمْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى الرَّحْمَنِ. (ولْيَتَلَطَّفْ) في اخْتِفائِهِ وتَحَيُّلِهِ مَدْخَلًا ومَخْرَجًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ والنِّيقَةَ فِيما يُباشِرُهُ مِن أمْرِ المُبايَعَةِ حَتّى لا يُغْبَنَ، أوْ في أمْرِ التَّخَفِّي حَتّى لا يُعْرَفَ. انْتَهى. والوَجْهُ الثّانِي هو الظّاهِرُ. وقَرَأ الحَسَنُ: (ولِيَتَلَطَّفْ) بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ، وعَنْ قُتَيْبَةَ المَيّالِ (ولْيُتَلَطَّفْ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. (ولا يُشْعِرَنَّ) أيْ: لا يَفْعَلُ ما يُؤَدِّي مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنهُ إلى الشُّعُورِ بِنا، سُمِّيَ ذَلِكَ إشْعارًا مِنهُ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ. وقَرَأ أبُو صالِحٍ ويَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ وقُتَيْبَةُ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ﴾ أحَدٌ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، ورَفْعِ أحَدٍ.
والضَّمِيرُ في (إنَّهم) عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن كُفّارِ تِلْكَ المَدِينَةِ. وقِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى (أحَدًا) لِأنَّ لَفْظَهُ لِلْعُمُومِ فَيَجُوزُ أنْ يُجْمَعَ الضَّمِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] فَفي حاجِزِينَ ضَمِيرُ جَمْعٍ عائِدٌ عَلى أحَدٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ في (إنَّهم) راجِعٌ إلى الأهْلِ المُقَدَّرِ في (أيُّها) والظُّهُورُ هُنا الِاطِّلاعُ عَلَيْهِمْ، والعِلْمُ بِمَكانِهِمْ. وقِيلَ: العُلُوُّ والغَلَبَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يُظْهَرُوا) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ الرَّجْمُ بِالحِجارَةِ وكانَ المَلِكُ عازِمًا عَلى قَتْلِهِمْ لَوْ ظَفَرَ بِهِمْ، والرَّجْمُ كانَ عادَةً فِيما سَلَفَ لِمَن خالَفَ مِنَ النّاسِ إذْ هي أشَفى ولَهم فِيها مُشارَكَةٌ. وقالَ حَجّاجٌ: مَعْناهُ بِالقَوْلِ يُرِيدُ السَّبَّ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ﴿أوْ يُعِيدُوكُمْ﴾ يُدْخِلُوكم فِيها مُكْرَهِينَ، ولا يَلْزَمُ مِنَ العَوْدِ إلى الشَّيْءِ التَّلَبُّسُ بِهِ قَبْلَ إذْ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ الصَّيْرُورَةُ ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا﴾ إنْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِمْ و(إذًا) حَرْفُ جَزاءٍ وجَوابٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها وكَثِيرًا ما يَتَّضِحُ تَقْدِيرُ شَرْطٍ وجَزاءٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences