Abu HayyanAl‑Kahf · 18:50–59

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:50–59

18:50–53Page 299

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.

۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١

I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.

وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢

And [warn of] the Day when He will say, "Call My 'partners' whom you claimed," and they will invoke them, but they will not respond to them. And We will put between them [a valley of] destruction.

وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣

And the criminals will see the Fire and will be certain that they are to fall therein. And they will not find from it a way elsewhere.

﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ .

ذَكَرُوا في ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِمُجالَسَةِ الفُقَراءِ وكانَ أُولَئِكَ المُتَكَبِّرُونَ قَدْ تَأنَّفُوا عَنْ مُجالَسَتِهِمْ، وذَكَرُوا لِلرَّسُولِ ﷺ طَرْدَهم عَنْهُ وذَلِكَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّكَثُّرِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ وشَرَفِ الأصْلِ والنَّسَبِ، وكانَ أُولَئِكَ الفُقَراءُ بِخِلافِهِمْ في ذَلِكَ ناسَبَ ذِكْرُ قِصَّةِ إبْلِيسَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ التَّكَبُّرِ والِافْتِخارِ بِالأصْلِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ في الِارْتِباطِ هو ظاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْآياتِ السّابِقَةِ قَبْلَ ضَرْبِ المَثَلَيْنِ، وإمّا أنَّهُ واضِحٌ بِالنِّسْبَةِ لِما بَعْدَ المَثَلَيْنِ فَلا، والَّذِي يَظْهَرُ في ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ بِالآيَةِ الَّتِي قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ والحَشْرَ وذَكَرَ خَوْفَ المُشْرِكِينَ مِمّا سُطِّرَ في ذَلِكَ الكِتابِ، وكانَ إبْلِيسُ هو الَّذِي حَمَلَ المُجْرِمِينَ عَلى مَعاصِيهِمْ، واتِّخاذِ شُرَكاءَ مَعَ اللَّهِ، ناسَبَ ذِكْرَ إبْلِيسَ والنَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ ذُرِّيَّتِهِ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ تَبْعِيدًا عَنِ المَعاصِي، وعَنِ امْتِثالِ ما يُوَسْوِسُ بِهِ. وتَقَدَّمَ (p-١٣٦)الكَلامُ في اسْتِثْناءِ إبْلِيسَ أهُوَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ أمْ مُنْقَطِعٌ، وهَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لَيْسَ مِنهم في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما هو مِنَ الجِنِّ. قالَ قَتادَةُ: الجِنُّ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارِ السَّمُومِ. وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هو مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ ظَفِرَتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ فَأسَرَهُ بَعْضُ المَلائِكَةِ فَذَهَبَ بِهِ إلى السَّماءِ. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو أوَّلُ الجِنِّ وبِداءَتُهم كَآدَمَ في الإنْسِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ إبْلِيسُ وقَبِيلُهُ جِنًّا لَكِنَّ الشَّياطِينَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَهو كَنُوحٍ في الإنْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ مِنَ الجِنِّ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ بَعْدَ اسْتِثْناءِ إبْلِيسَ مِنَ السّاجِدِينَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ ؟ فَقِيلَ ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ والفاءُ لِلتَّسْبِيبِ أيْضًا، جَعَلَ كَوْنَهُ مِنَ الجِنِّ سَبَبًا في فِسْقِهِ، يَعْنِي إنَّهُ لَوْ كانَ مَلَكًا كَسائِرِ مَن سَجَدَ لِآدَمَ لَمْ يَفْسُقْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ ألْبَتَّةَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما يَجُوزُ عَلى الجِنِّ والإنْسِ كَما قالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وهَذا الكَلامُ المُعْتَرَضُ تَعَمُّدٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وعَلا - لِصِيانَةِ المَلائِكَةِ عَنْ وُقُوعِ شُبْهَةٍ في عِصْمَتِهِمْ، فَما أبْعَدَ البَوْنُ بَيْنَ ما تَعَمَّدَهُ اللَّهُ وبَيْنَ قَوْلِ مَن ضادَّهُ؛ فَزَعَمَ أنَّهُ كانَ مَلَكًا ورَئِيسًا عَلى المَلائِكَةِ فَعَصى فَلُعِنَ ومُسِخَ شَيْطانًا، ثُمَّ ورَّكَهُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ فَخَرَجَ عَمّا أمَرَهُ رَبُّهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ. قالَ رُؤْبَةُ:

؎يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائِرا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها حَوائِرا

وقِيلَ: (فَفَسَقَ) صارَ فاسِقًا كافِرًا بِسَبَبِ أمْرِ رَبِّهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ حَيْثُ لَمْ يَمْتَثِلْهُ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿فَفَسَقَ﴾ بِأمْرِ رَبِّهِ، أيْ: بِمَشِيئَتِهِ وقَضائِهِ لِأنَّ المَشِيئَةَ يُطْلَقُ عَلَيْها أمْرٌ كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عَنْ أمْرِكَ، أيْ: بِحَسَبِ مُرادِكَ، والهَمْزَةُ في ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، أيْ: أبَعْدَ ما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ الفِسْقِ والعِصْيانِ تَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي مَعَ ثُبُوتِ عَداوَتِهِ لَكم تَتَّخِذُونَهُ ولِيًّا. وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيادٍ عَلى المِنبَرِ وهو يَخْطُبُ (أفَتَتَّخِذُونَهُ وذَرِّيَّتَهُ) بِفَتْحِ الذّالِ، والظّاهِرُ أنَّ لِإبْلِيسَ ذُرِّيَّةً، وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنهم قَتادَةُ والشَّعْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ والأعْمَشُ.

قالَ قَتادَةُ: يَنْكِحُ ويَنْسُلُ كَما يَنْسُلُ بَنُو آدَمَ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: لا يَكُونُ ذُرِّيَّةٌ إلّا مِن زَوْجَةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْلِيسَ إنِّي لا أخْلُقُ لِآدَمَ ذُرِّيَّةً إلّا ذَرَأْتُ لَكَ مِثْلَها، فَلَيْسَ يُولَدُ لِوَلَدِ آدَمَ ولَدٌ إلّا وُلِدَ مَعَهُ شَيْطانٌ يُقْرَنُ بِهِ. «وقِيلَ لِلرَّسُولِ: ألَكَ شَيْطانٌ ؟ قالَ: ”نَعَمْ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ“» . وسَمّى الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ جَماعَةً، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ ذَكَرُوا كَيْفِيّاتٍ في وطْئِهِ وإنْسالِهِ اللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ لِإبْلِيسَ ولَدٌ وإنَّما الشَّياطِينُ هُمُ الَّذِينَ يُعِينُونَهُ عَلى بُلُوغِ مَقاصِدِهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ مِنَ اللَّهِ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وقالَ (لِلظّالِمِينَ) لِأنَّهُمُ اعْتاضُوا مِنَ الحَقِّ بِالباطِلِ وجَعَلُوا مَكانَ وِلايَتِهِمْ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ، وهَذا نَفْسُ الظُّلْمِ، لِأنَّهُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والسَّخْتِيانِيُّ وعَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ: ما أشْهَدْناهم بِنُونِ العَظَمَةِ، والظّاهِرُ عَوْدُ ضَمِيرِ المَفْعُولِ في ﴿أشْهَدْتُهُمْ﴾ عَلى إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، أيْ: لَمْ أُشاوِرْهم في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقِ أنْفُسِهِمْ، بَلْ خَلَقْتُهم عَلى ما أرَدْتُ؛ ولِهَذا قالَ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي إنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ شُرَكاءَ لِي في العِبادَةِ وإنَّما كانُوا يَكُونُونَ شُرَكاءَ فِيها لَوْ كانُوا شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ فَنَفى مُشارَكَتَهم في الإلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا أعْتَضِدُ بِهِمْ في خَلْقِها ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾، أيْ: ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم أعْوانًا فَوَضَعَ ﴿المُضِلِّينَ﴾ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم (p-١٣٧)بِالإضْلالِ فَإذا لَمْ يَكُونُوا لِي ﴿عَضُدًا﴾ في الخَلْقِ فَما لَكم تَتَّخِذُونَهم شُرَكاءَ في العِبادَةِ انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ، والمَعْنى أنَّهُ ما أشْهَدَهم ذَلِكَ ولا اسْتَعانَ بِهِمْ في خَلْقِها بَلْ خَلَقْتُهم لِيُطِيعُونِي ويَعْبُدُونِي فَكَيْفَ يَعْبُدُونَهم.

وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكُفّارِ. وقِيلَ: عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في ﴿أشْهَدْتُهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ وعَلى النّاسِ بِالجُمْلَةِ، فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ الرَّدَّ عَلى طَوائِفَ مِنَ المُنَجِّمِينَ وأهْلِ الطَّبائِعِ والمُتَحَكِّمِينَ والأطِبّاءِ، وسِواهم مِن كُلِّ مَن يَتَخَرَّصُ في هَذِهِ الأشْياءِ، وقالَهُ عَبْدُ الحَقِّ الصَّقَلِّيُّ وتَأوَّلَ هَذا التَّأْوِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ وأنَّها رادَّةٌ عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ، وذَكَرَ هَذا بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ انْتَهى.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وشَيْبَةُ (وما كُنْتَ) بِفَتْحِ التّاءِ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى وما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، وما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْتَزَّ بِهِمُ انْتَهى. والَّذِي أقُولُهُ أنَّ المَعْنى إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَبِيِّهِ، وخِطابٌ مِنهُ تَعالى لَهُ في انْتِفاءِ كَيْنُونَتِهِ مُتَّخِذَ عَضُدٍ مِنَ المُضِلِّينَ، بَلْ هو مُذْ كانَ ووُجِدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غايَةِ التَّبَرِّي مِنهم والبُعْدِ عَنْهم لِتَعْلَمَ أُمَّتُهُ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَحْفُوظًا مِن أوَّلِ نَشْأتِهِ لَمْ يَعْتَضِدْ بِمُضِلٍّ ولا مالَ إلَيْهِ ﷺ . وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ، أعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ. وقَرَأ عِيسى (عَضْدًا) بِسُكُونِ الضّادِ خَفَّفَ فَعْلًا كَما قالُوا: رَجْلٌ وسَبْعٌ في رَجُلٍ وسَبُعٍ وهي لُغَةٌ عَنْ تَمِيمٍ، وعَنْهُ أيْضًا بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ والخَفّافِ (عُضُدًا) بِضَمَّتَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ (عَضَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ وعَنْهُ أيْضًا بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ (عِضَدًا) بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَوْمَ يَقُولُ) بِالياءِ، أيِ: اللَّهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ ويَحْيى وابْنُ أبِي لَيْلى وحَمْزَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: (نَقُولُ) بِنُونِ العَظَمَةِ، أيْ: لِلَّذِينِ أشْرَكُوا بِهِ في الدُّنْيا ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم شُرَكاؤُهُ ولَكِنَّ ذَلِكَ عَلى زَعْمِكم، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ ومَفْعُولا (زَعَمْتُمْ) مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما إذِ التَّقْدِيرُ زَعَمْتُمُوهم شُرَكائِيَ والنِّداءُ بِمَعْنى الِاسْتِغاثَةِ، أيْ: اسْتَغِيثُوا بِشُرَكائِكم والمُرادُ نادُوهم لِدَفْعِ العَذابِ عَنْكم أوْ لِلشَّفاعَةِ لَكم، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بَيْنَهم) عائِدٌ عَلى الدّاعِينَ والمَدْعُوِّينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ والشُّرَكاءُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ، والظّاهِرُ وُقُوعُ الدُّعاءِ حَقِيقَةً، وانْتِفاءُ الإجابَةِ. وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً كَأنَّ فِكْرَةَ الكافِرِ ونَظَرَهُ في أنَّ تِلْكَ الجَماداتِ لا تُغْنِي شَيْئًا ولا تَنْفَعُ هي بِمَنزِلَةِ الدُّعاءِ وتَرْكِ الإجابَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (شُرَكائِيَ) مَمْدُودًا مُضافًا لِلْياءِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ مَقْصُورًا مُضافًا لَها أيْضًا، والظّاهِرُ انْتِصابُ (بَيْنَهم) عَلى الظَّرْفِ. وقالَ الفَرّاءُ: البَيْنُ هُنا الوَصْلُ، أيْ: (وجَعَلْنا) تَواصُلَهم في الدُّنْيا هَلاكًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولًا أوَّلَ لِجَعَلْنا، وعَلى الظَّرْفِ يَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: المَوْبِقُ المَهْلِكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَعَلْنا بَيْنَهم مِنَ العَذابِ ما يُوبِقُهم. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وأنَسٌ ومُجاهِدٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْرِي بِدَمٍ وصَدِيدٍ. وقالَ الحَسَنُ: عَداوَةً. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّهُ المَجْلِسُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْعِدُ.

﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ هي رُؤْيَةُ عَيْنٍ، أيْ: عايَنُوها، والظَّنُّ هُنا قِيلَ: عَلى مَوْضُوعِهِ مِن كَوْنِهِ تَرْجِيحَ أحَدِ الجانِبَيْنِ. وكَوْنُهم لَمْ يَجْزِمُوا بِدُخُولِها رَجاءً وطَمَعًا في رَحْمَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَظَنُّوا﴾ أيْقَنُوا قالَهُ أكْثَرُ النّاسِ، ومَعْنى ﴿مُواقِعُوها﴾ مُخالِطُوها واقِعُونَ فِيها كَقَوْلِهِ ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أطْلَقَ النّاسُ أنَّ الظَّنَّ هُنا بِمَعْنى التَّيَقُّنِ، ولَوْ قالَ بَدَلَ ظَنُّوا أيْقَنُوا لَكانَ الكَلامُ مُتَّسِقًا عَلى مُبالَغَةٍ فِيهِ، ولَكِنَّ العِبارَةَ بِالظَّنِّ لا تَجِيءُ أبَدًا في مَوْضِعِ يَقِينٍ تامٍّ قَدْ نالَهُ الحِسُّ بَلْ أعْظَمُ دَرَجاتِهِ أنْ يَجِيءَ في مَوْضِعِ عِلْمٍ مُتَحَقِّقٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَظْنُونُ وإلّا فَمَن يَقَعُ (p-١٣٨)ويُحَسُّ لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ العِبارَةُ عَنْهُ بِالظَّنِّ.

وتَأمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ وتَأمَّلْ قَوْلَ دُرَيْدٍ:

؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ

انْتَهى. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مُلاقُوها مَكانَ ﴿مُواقِعُوها﴾ وقَرَأهُ كَذَلِكَ الأعْمَشُ وابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ، والأوْلى جَعْلُهُ تَفْسِيرًا لِمُخالَفَةِ سَوادِ المُصْحَفِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَرَأ مُلافُّوها بِالفاءِ مُشَدَّدَةً مِن لَفَفْتُ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الكافِرَ لَيَرى جَهَنَّمَ ويَظُنُّ أنَّها مُواقِعَتُهُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً» . ومَعْنى ﴿مَصْرِفًا﴾ مَعْدِلًا ومَراعًا. ومِنهُ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ:

؎أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةَ مِن مَصْرِفِ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ

وأجازَ أبُو مُعاذٍ (مَصْرَفًا) بِفَتْحِ الرّاءِ وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ جَعَلَهُ مَصْدَرًا كالمَضْرَبِ لِأنَّ مُضارِعَهُ يَصْرِفُ عَلى يَفْعِلُ كَيَضْرِبُ.

18:54–59Page 300

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤

And We have certainly diversified in this Qur’ān for the people from every [kind of] example; but man has ever been, most of anything, [prone to] dispute.

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥

And nothing has prevented the people from believing when guidance came to them and from asking forgiveness of their Lord except that there [must] befall them the [accustomed] precedent of the former peoples1 or that the punishment should come [directly] before them.

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. And those who disbelieve dispute by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth and have taken My verses, and that of which they are warned, in ridicule.

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧

And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord but turns away from them and forgets what his hands have put forth? Indeed, We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if you invite them to guidance - they will never be guided, then - ever.

وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨

And your Lord is the Forgiving, the possessor of mercy. If He were to impose blame upon them for what they earned, He would have hastened for them the punishment. Rather, for them is an appointment from which they will never find an escape.

وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩

And those cities - We destroyed them when they wronged, and We made for their destruction an appointed time.

﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ .

تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ: و(شَيْءٍ) هُنا مُفْرَدٌ مَعْناهُ الجَمْعُ، أيْ: أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجِدالُ إنْ فَصَّلْتَها واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. (جَدَلًا) خُصُومَةً ومُماراةً يَعْنِي أنَّ جَدَلَ الإنْسانِ أكْثَرُ مِن جَدَلِ (p-١٣٩)كُلِّ شَيْءٍ، ونَحْوُهُ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] وانْتَصَبَ (جَدَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ. قِيلَ: (الإنْسانُ) هُنا النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ. وقِيلَ: ابْنُ الزِّبَعْرى. وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وكانَ جِدالُهُ في البَعْثِ حِينَ أتى بِعَظْمٍ فَذَرَّهُ، فَقالَ: أيَقْدِرُ اللَّهُ عَلى إعادَةِ هَذا ؟ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قِيلَ: كُلُّ مَن يَعْقِلُ مِن مَلَكٍ وجِنٍّ يُجادِلُ والإنْسانُ أكْثَرُ هَذِهِ الأشْياءِ جَدَلًا انْتَهى.

وكَثِيرًا ما يُذْكَرُ الإنْسانُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ «وقَدْ تَلا الرَّسُولُ ﷺ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ حِينَ عاتَبَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - عَلى النَّوْمِ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنَّما نَفْسِي بِيَدِ اللَّهِ»، فاسْتُعْمِلَ (الإنْسانُ) عَلى العُمُومِ. وفي قَوْلِهِ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ الآيَةَ تَأسُّفٌ عَلَيْهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى فَسادِ حالِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا المَنعَ لَمْ يَكُنْ بِقَصْدٍ مِنهم أنْ يَمْتَنِعُوا لِيَجِيئَهُمُ العَذابُ، وإنَّما امْتَنَعُوا هم مَعَ اعْتِقادِ أنَّهم مُصِيبُونَ لَكِنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ يَسُوقُهم إلى هَذا، فَكانَ حالُهم يَقْتَضِي التَّأسُّفَ عَلَيْهِمْ. و(النّاسَ) يُرادُ بِهِ كُفّارُ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِينَ تَوَلَّوْا دَفْعَ الشَّرِيعَةِ وتَكْذِيبَها، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الأُولى نَصْبٌ والثّانِيَةَ رَفْعٌ وقَبْلَهُما مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ الإيمانَ (إلّا) انْتِظارُ ﴿أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ وهي الإهْلاكُ (أوْ) انْتِظارُ (أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ) يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ انْتَهى. وهو مُسْتَرَقٌ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ (إلّا) طَلَبُ ﴿أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ . وقالَ الواحِدِيُّ: المَعْنى ما مَنَعَهم إلّا أنِّي قَدْ قَدَّرْتُ عَلَيْهِمُ العَذابَ، وهَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهَذا القَوْلُ نَحْوٌ مِن قَوْلِ مَن قالَ التَّقْدِيرُ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ إلّا ما سَبَقَ في عِلْمِنا وقَضائِنا أنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ مِنَ المَسْخِ والصَّيْحَةِ والخَسْفِ والغَرَقِ وعَذابِ الظُّلَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأرادَ بِالأوَّلِينَ مَن أُهْلِكَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: إلّا إرادَةُ أوِ انْتِظارُ أنْ تَأْتِيَهم سُنَّتُنا في الأوَّلِينَ، ومَن قَدَّرَ المُضافَ هَذا أوِ الطَّلَبَ فَإنَّما ذَلِكَ لِاعْتِقادِهِمْ عَدَمَ صِدْقِ الأنْبِياءِ فِيما وعَدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ كَما قالَ حِكايَةً عَنْ بَعْضِهِمْ ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: (ما) هُنا اسْتِفْهامِيَّةٌ لا نافِيَةٌ، والتَّقْدِيرُ وأيُّ شَيْءٍ (مَنَعَ النّاسَ) أنْ (يُؤْمِنُوا) و(الهُدى) الرَّسُولُ أوِ القُرْآنُ قَوْلانِ.

وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ والأعْمَشُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ وأيُّوبُ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والكُوفِيُّونَ بِضَمِّ القافِ والباءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”قُبُلًا“؛ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ حَكاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المُقابَلَةِ، وأنْ يَكُونَ جَمْعَ قَبِيلٍ، أيْ: يَجِيئُهُمُ العَذابُ أنْواعًا وألْوانًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ”قِبَلًا“ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ ومَعْناهُ عِيانًا. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ أيْضًا بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الباءِ وهو تَخْفِيفُ قُبُلٍ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ. وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ قُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ وحَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ مُسْتَقْبَلًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَة قَبِيلًا بِفَتْحِ القافِ وباءٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ. ”﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ﴾“، أيْ: بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ لِمَن آمَنَ ”ومُنْذِرِينَ“، أيْ: بِالعَذابِ الألِيمِ لِمَن كَفَرَ لا لِيُجادَلُوا ولا لِتُمْلى عَلَيْهِمُ الِاقْتِراحاتُ ”لِيُدْحِضُوا“ لِيُزِيلُوا ”واتَّخَذُوا آياتِي“ يَجْمَعُ آياتِ القُرْآنِ وعَلاماتِ الرَّسُولِ قَوْلًا وفِعْلًا ”﴿وما أُنْذِرُوا﴾“ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، واحْتَمَلَتْ ”ما“ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ”وما“ أُنْذَرُوهُ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وإنْذارُهم فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ عَلى الأصَحِّ، ”هُزُؤًا“ أيْ: سُخْرِيَةً واسْتِخْفافًا لِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، لَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، وجِدالُهم لِلرُّسُلِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ - قَوْلُهم ”﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥]“ ”﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤]“ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، والآياتُ المُضافُ إلى الرَّبِّ هو القُرْآنُ ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ ”أنْ يَفْقَهُوهُ“ وإعْراضُهُ عَنْها كَوْنُهُ لا يَتَذَكَّرُ حِينَ ذُكِّرَ ولَمْ يَتَدَبَّرْ ونَسِيَ عاقِبَةَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي غَيْرَ مُفَكِّرٍ فِيها ولا ناظِرٍ في أنَّ المُحْسِنَ والمُسِيءَ يُجْزَيانِ بِما عَمِلا.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ (p-١٤٠)قَوْلِهِ ”﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾“ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ لا يَهْتَدُونَ أبَدًا وهَذا مِنَ العامِّ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، وهو مَن طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ وقَضى عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ إذْ قَدِ اهْتَدى كَثِيرٌ مِنَ الكَفَرَةِ وآمَنُوا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمًا عَلى الجَمِيعِ، أيْ: ”﴿وإنْ تَدْعُهُمْ﴾“، أيْ: ”إلى الهُدى“ جَمِيعًا ”﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾“ جَمِيعًا ”أبَدًا“ وحَمَلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن فَأُفْرِدَ ثُمَّ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ ”﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾“ فَجَمَعَ وجَعَلُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ إلى الهُدى وهي الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِ الِاهْتِداءِ، سَبَبًا لِانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ، وهَذا الشَّرْطُ كَأنَّهُ جَوابٌ لِلرَّسُولِ عَنْ تَقْدِيرِ قَوْلِهِ مالِي لا أدْعُوهم إلى الهُدى حِرْصًا مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى حُصُولِ إيمانِهِمْ، فَقِيلَ: ”﴿وإنْ تَدْعُهُمْ﴾“ وتَقْيِيدُهُ بِالأبَدِيَّةِ مُبالَغَةٌ في انْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ.

و”الغَفُورُ“ صِفَةُ مُبالَغَةٍ و”ذُو الرَّحْمَةِ“، أيِ: المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلَ رَحْمَتِهِ وهو كَوْنُهُ تَعالى ”لا يُؤاخِذُهم“ عاجِلًا بَلْ يُمْهِلُهم مَعَ إفْراطِهِمْ في الكُفْرِ وعَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمَوْعِدُ أجَلُ المَوْتِ، أوْ عَذابُ الآخِرَةِ، أوْ يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ يَوْمُ أُحُدٍ، وأيّامُ النَّصْرِ أوِ العَذابِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ أقْوالٌ.

والمَوْئِلُ قالَ مُجاهِدٌ: المَحْرَزُ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَخْلَصُ والضَّمِيرُ في ”مِن دُونِهِ“ عائِدٌ عَلى المَوْعِدِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (مَوِّلًا) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ياءٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ الحُلْوانِيِّ عَنْهُ مَوِلًا بِكَسْرِ الواوِ خَفِيفَةً مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الواوِ وهَمْزَةٍ بَعْدَها مَكْسُورَةٍ، وأشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ ”﴿وتِلْكَ القُرى﴾“ إلى القُرى المُجاوِرَةِ أهْلَ مَكَّةَ والعَرَبِ كَقُرى ثَمُودٍ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ، لِيَعْتَبِرُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ ولِيَحْذَرُوا ما يَحِلُّ بِهِمْ كَما حَلَّ بِتِلْكَ القُرى. ”وتِلْكَ“ مُبْتَدَأٌ و”القُرى“ صِفَةٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ والخَبَرُ ”أهْلَكْناهم“ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”القُرى“ الخَبَرَ و”أهْلَكْناهم“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ كَقَوْلِهِ ”﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢]“ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”تِلْكَ“ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: وأهْلَكْنا ”تِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم“ و”﴿تِلْكَ القُرى﴾ [الأعراف: ١٠١]“ عَلى إضْمارِ مُضافٍ، أيْ: وأصْحابَ تِلْكَ القُرى، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ ”أهْلَكْناهم“ . وقَوْلُهُ ”لَمّا ظَلَمُوا“ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الإهْلاكِ وهي الظُّلْمُ، وبِهَذا اسْتَدَلَّ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ عَلى حَرْفِيَّةِ ”لَمّا“ وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْنى حِينٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى العِلِّيَّةِ. وفي قَوْلِهِ ”لَمّا ظَلَمُوا“ تَحْذِيرٌ مِنَ الظُّلْمِ إذْ نَتِيجَتُهُ الإهْلاكُ وضَرَبْنا لِإهْلاكِهِمْ وقْتًا مَعْلُومًا، وهو المَوْعِدُ واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا أوْ زَمانًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا إلى المَفْعُولِ وأنْ يَكُونَ زَمانًا. وقَرَأ حَفْصٌ وهارُونُ عَنْ أبِي بَكْرٍ بِفَتْحَتَيْنِ وهو زَمانُ الهَلاكِ. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ مَصْدَرُ هَلَكَ يَهْلِكُ وهو مُضافٌ لِلْفاعِلِ. وقِيلَ: هَلَكَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا فَعَلى تَعْدِيَتِهِ يَكُونُ مُضافًا لِلْمَفْعُولِ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في ذَلِكَ:

؎‌‌ومَهْمَهٍ هالِكِ مَن تَعَرَّجا

ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في هَذا البَيْتِ، بَلْ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ هالِكًا فِيهِ لازِمٌ وأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ أصْلُهُ هالِكٍ مَن تَعَرَّجا. فَمَن فاعِلٌ ثُمَّ أُضْمِرَ في هالِكٍ ضَمِيرُ مَهْمَهٍ، وانْتَصَبَ ”مَن“ عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ ثُمَّ أضافَهُ مَن نَصَبَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في المَوْصُولِ هَلْ يَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ؟ والصَّحِيحُ جَوازُ ذَلِكَ وقَدْ ثَبَتَ في أشْعارِ العَرَبِ. قالَ الشّاعِرُ وهو عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

؎أسِيلاتُ أبْدانٍ دِقاقٌ خُصُورُها ∗∗∗ وثِيراتُ ما التَفَّتْ عَلَيْها المَلاحِفُ

وقالَ آخَرُ: فَعُجْتُها قِبَلَ الأخْيارِ مَنزِلَةً والطَّيِّبِي كُلِّ ما التاثَتْ بِهِ الأُزُرُ (p-١٤١)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском