Abu HayyanAl‑Kahf · 18:60–78

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:60–78, continued

(قالَ لَهُ مُوسى) في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلَمّا التَقَيا وتَراجَعا الكَلامَ وهو الَّذِي ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى التَّواضُعِ لِلْعالِمِ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ دَلِيلٌ عَلى الحَثِّ عَلى الرِّحْلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ وعَلى حُسْنِ التَّلَطُّفِ والِاسْتِنْزالِ والأدَبِ في طَلَبِ العِلْمِ. بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ وفِيهِ المُسافَرَةُ مَعَ العالِمِ لِاقْتِباسِ فَوائِدِهِ، والمَعْنى هَلْ يَخِفُّ عَلَيْكَ ويَتَّفِقُ لَكَ وانْتَصَبَ (رُشْدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ ﴿تُعَلِّمُنِي﴾ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وذُو الحالِ الضَّمِيرُ في ﴿أتَّبِعُكَ﴾ .

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (عِلْمًا) ذا رُشْدٍ أُرْشَدُ بِهِ في دِينِي، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: أما دَلَّتْ حاجَتُهُ إلى التَّعَلُّمِ مِن آخَرَ في عَهْدِهِ أنَّهُ كَما قِيلَ مُوسى بْنُ مِيشا لا مُوسى بْنُ عِمْرانَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أعْلَمَ أهْلِ زَمانِهِ وإمامَهُمُ المَرْجُوعَ إلَيْهِ في أبْوابِ الدِّينِ ؟ قُلْتُ: لا غَضاضَةَ بِالنَّبِيِّ في أخْذِ العِلْمِ مِن نَبِيٍّ قَبْلَهُ، وإنَّما يَغُضُّ مِنهُ أنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ دُونَهُ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نُوفًا ابْنَ امْرَأةِ كَعْبٍ يَزْعُمُ أنَّ الخَضِرَ لَيْسَ بِصاحِبِ مُوسى، وأنَّ مُوسى هو مُوسى بْنُ مِيشا، فَقالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ انْتَهى.

وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ مُناذِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عُبَيْدٍ واليَزِيدِيُّ (رَشَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الشِّينِ، ونَفى الخَضِرُ اسْتِطاعَةَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَأنَّها مِمّا لا يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَتَوَلّى أُمُورًا هي في ظاهِرِها يُنْكِرُها الرَّجُلُ الصّالِحُ فَكَيْفَ النَّبِيُّ فَلا يَتَمالَكُ أنْ يَشْمَئِزَّ لِذَلِكَ، ويُبادِرَ بِالإنْكارِ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ﴾، أيْ: إنَّ صَبْرَكَ عَلى ما لا خِبْرَةَ لَكَ بِهِ مُسْتَبْعَدٌ، وفِيهِ إبْداءُ عُذْرٍ لَهُ حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ لِما يَرى مِن مُنافاةِ ما هو عَلَيْهِ مِن شَرِيعَتِهِ. وانْتَصَبَ (خُبْرًا) عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: مِمّا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرُكَ فَهو مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ لِأنَّ مَعْنى ﴿بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] لَمْ تُخْبَرْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ (خُبُرًا) بِضَمِّ الباءِ.

﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ وعَدَهُ بِوِجْدانِهِ (صابِرًا) وقَرَنَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عِلْمًا مِنهُ بِشِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَتِهِ، إذْ لا يَصْبِرُ إلّا عَلى ما يُنافِي ما هو عَلَيْهِ إذا رَآهُ ﴿ولا أعْصِي﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صابِرًا)، أيْ: صابِرًا وغَيْرَ عاصٍ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبِ عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ إذا كانَ في مَعْناهُ كَقَوْلِهِ ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]، أيْ: وقابِضاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (سَتَجِدُنِي) فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ ولا يَكُونُ مُقَيَّدًا بِالمَشِيئَةِ لَفْظًا.

وقالَ القُشَيْرِيُّ: وعَدَ مُوسى مِن نَفْسِهِ بِشَيْئَيْنِ: بِالصَّبْرِ وقَرَنَهُ بِالِاسْتِثْناءِ بِالمَشِيئَةِ، فَصَبَرَ حِينَ وجَدَ عَلى يَدَيِ الخَضِرِ فِيما كانَ مِنهُ مِنَ الفِعْلِ، وبِأنْ لا يَعْصِيَهُ فَأطْلَقَ ولَمْ يُقْرِنْهُ بِالِاسْتِثْناءِ فَعَصاهُ حَيْثُ قالَ لَهُ (فَلا تَسْألْنِي) فَكانَ يَسْألُهُ فَما قَرَنَ بِالِاسْتِثْناءِ لَمْ يُخالِفْ فِيهِ وما أطْلَقَهُ وقَعَ فِيهِ الخُلْفُ انْتَهى. وهَذا مِنهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿ولا أعْصِي﴾ مَعْطُوفًا عَلى (سَتَجِدُنِي) فَلَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتَ المَشِيئَةِ.

﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾، أيْ: إذا رَأيْتَ مِنِّي شَيْئًا خَفِيَ عَلَيْكَ وجْهُ صِحَّتِهِ فَأنْكَرْتَ في نَفْسِكَ فَلا تُفاتِحْنِي بِالسُّؤالِ حَتّى أكُونَ أنا الفاتِحَ عَلَيْكَ، وهَذا مِن أدَبِ المُتَعَلِّمِ مَعَ العالِمِ المَتْبُوعِ. وقَرَأها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (فَلا تَسْألْنِي) وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ مُشَدِّدَةَ النُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ. كُلُّهم بِياءٍ في الحالَيْنِ انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عامِرٍ في حَذْفِ الياءِ خِلافٌ غَرِيبٌ.

18:71–75Page 301

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١

So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."

قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢

[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"

قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣

[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤

So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."

۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥

[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"

(p-١٤٩)﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] .

(فانْطَلَقا)، أيْ: مُوسى والخَضِرُ وكانَ مَعَهم يُوشَعُ ولَمْ يُضْمَرْ لِأنَّهُ في حُكْمِ التَّبَعِ. وقِيلَ: كانَ مُوسى قَدْ صَرَفَهُ ورَدَّهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. والألِفُ واللّامُ في (السَّفِينَةِ) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَهْدٌ في سَفِينَةٍ مَخْصُوصَةٍ. ورُوِيَ في كَيْفِيَّةِ رُكُوبِهِما السَّفِينَةَ وخَرْقِها وسَدِّها أقْوالٌ، والمُعْتَمَدُ ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحِهِما قالا: «فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عُسْرًا﴾ ”قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ:“ وكانَ الأوَّلُ مِن مُوسى نِسْيانًا قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلُ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ» .

واللّامُ في ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ . قِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقِيلَ: لامُ العِلَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ (لِيَغْرَقَ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ وسُكُونِ الغَيْنِ (أهْلُها) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ تاءِ الخِطابِ وإسْكانِ الغَيْنِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ لامِ (أهْلَها) . وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما فَتَحا الغَيْنَ وشَدَّدا الرّاءَ.

ثُمَّ ذَكَّرَهُ الخَضِرُ بِما سَبَقَ لَهُ مِن نَفْيِ اسْتِطاعَتِهِ الصَّبْرَ لِما يَرى فَقالَ ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ (p-١٥٠)والظّاهِرُ حَمْلُ النِّسْيانِ عَلى وضْعِهِ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا“ والمَعْنى أنَّهُ نَسِيَ العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهُما مِن عَدَمِ سُؤالِهِ حَتّى يَكُونَ هو المُخْبِرَ لَهُ أوَّلًا وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ ما نَسِيَ ولَكِنَّ قَوْلَهُ هَذا مِن مَعارِيضِ الكَلامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهُ نَسِيَ وصِيَّتَهُ ولا مُؤاخَذَةَ عَلى النّاسِي، أوْ أخْرَجَ الكَلامَ في مَعْرِضِ النَّهْيِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ، تَوَهَّمَهُ أنَّهُ نَسِيَ لِيَبْسُطَ عُذْرَهُ في الإنْكارِ، وهو مِن مَعارِيضِ الكَلامِ الَّتِي يُنْفى بِها الكَذِبُ مَعَ التَّوَصُّلِ إلى الغَرَضِ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذِهِ أُخْتِي وإنِّي سَقِيمٌ. أوْ أرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكَ، أيْ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي﴾ بِما تَرَكْتُ مِن وصِيَّتِكَ أوَّلَ مَرَّةٍ انْتَهى.

وقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَلامَ أُبَيٍّ بِكَلامٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ، ولا يُعْتَمَدُ إلّا قَوْلُ الرَّسُولِ: ”كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا“ .

﴿ولا تُرْهِقْنِي﴾ لا تُغْشِنِي وتُكَلِّفْنِي ﴿مِن أمْرِي﴾ وهو اتِّباعُكَ ﴿عُسْرًا﴾، أيْ: شَيْئًا صَعْبًا، بَلْ سَهِّلْ عَلَيَّ في مُتابَعَتِكَ بِتَرْكِ المُناقَشَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ﴿عُسُرًا﴾ بِضَمِّ السِّينِ حَيْثُ وقَعَ فانْطَلَقا في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَخَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ ولَمْ يَقَعْ غَرَقٌ بِأهْلِها، فانْطَلَقا فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ (غُلامًا) يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ فَمَرَّ بِغِلْمانٍ يَلْعَبُونَ فَعَمَدَ الخَضِرُ إلى غُلامٍ حَسَنِ الهَيْئَةِ وضِيءِ الوَجْهِ فاقْتَلَعَ رَأْسَهُ. وقِيلَ: رَضَّهُ بِحَجَرٍ. وقِيلَ: ذَبَحَهُ. وقِيلَ: فَتَلَ عُنُقَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرَأْسِهِ الحائِطَ. قِيلَ: وكانَ هَذا الغُلامُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ ولِهَذا قالَ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ . وقِيلَ: كانَ الغُلامُ بالِغًا شابًّا، والعَرَبُ تُبْقِي عَلى الشّابِّ اسْمَ الغُلامِ. ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ:

؎شَفاها مِنَ الدّاءِ الَّذِي قَدْ أصابَها غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها

وقالَ آخَرُ:

؎تَلَقَّ ذُبابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإنَّنِي ∗∗∗ غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشاعِرِ

وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ الِاغْتِلامِ وهو شِدَّةُ الشَّبَقِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الشَّبابِ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا الحُلُمَ ويَتَناوَلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ تَجَوُّزًا تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ. (واخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الغُلامِ واسْمِ أبِيهِ واسْمِ أُمِّهِ) ولَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في الحَدِيثِ. وفي الخَبَرِ أنَّ هَذا الغُلامَ كانَ يُفْسِدُ ويُقْسِمُ لِأبَوَيْهِ أنَّهُ ما فَعَلَ فَيُقْسِمانِ عَلى قَسَمِهِ ويَحْمِيانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ.

وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ صاحِبِ العُرْسِ والعَرائِسِ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قالَ لِلْخَضِرِ ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ غَضِبَ الخَضِرُ واقْتَلَعَ كَتِفَ الصَّبِيِّ الأيْسَرَ وقَشَّرَ اللَّحْمَ عَنْهُ، وإذا في عَظْمِ كَتِفِهِ مَكْتُوبٌ كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أبَدًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ (خَرَقَها) بِغَيْرِ فاءَ و(فَقَتَلَهُ) بِالفاءِ ؟ قُلْتُ: جُعِلَ (خَرَقَها) جَزاءً لِلشَّرْطِ، وجُعِلَ (قَتَلَهُ) مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، والجَزاءُ قالَ أقَتَلْتَ. فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ خُولِفَ بَيْنَهُما ؟ قُلْتُ: لِأنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ لَمْ يَتَعَقَّبِ الرُّكُوبَ وقَدْ تَعَقَّبَ القَتْلُ لِقاءَ الغُلامِ انْتَهى.

ومَعْنى ﴿زَكِيَّةً﴾ طاهِرَةً مِنَ الذُّنُوبِ، ووَصَفَها بِهَذا الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرَها أذْنَبَتْ، قِيلَ أوْ لِأنَّها صَغِيرَةٌ لَمْ تَبْلُغِ الحِنْثَ. وقَوْلُهُ (بِغَيْرِ نَفْسٍ) يَرُدُّهُ ويَدُلُّ عَلى كِبَرِ الغُلامِ وإلّا فَلَوْ كانَ لَمْ يَحْتَلِمْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِنَفْسٍ ولا بِغَيْرِ نَفْسٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ والزُّهْرِيُّ ونافِعٌ واليَزِيدِيُّ وابْنُ مُسْلِمٍ وزَيْدٌ وابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ يَعْقُوبَ والتَّمّارِ عَنْ رُوَيْسٍ عَنْهُ، وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (زاكِيَةً) بِالألِفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ (زَكِيَّةً) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ الياءِ وهي أبْلَغُ مِن (زاكِيَةٍ) لِأنَّ فَعِيلًا المُحَوَّلَ مِن فاعِلٍ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُكْرًا) بِإسْكانِ الكافِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وابْنُ ذَكْوانَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ بِرَفْعِ الكافِ حَيْثُ كانَ مَنصُوبًا. والنُّكْرُ قِيلَ: أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ. وقِيلَ: (p-١٥١)مَعْناهُ: شَيْئًا أنْكَرَ مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّ الخَرْقَ يُمْكِنُ سَدُّهُ والقَتْلُ لا سَبِيلَ إلى تَدارُكِ الحَياةِ مَعَهُ. وفي قَوْلِهِ (لَكَ) زَجْرٌ وإغْلاظٌ لَيْسَ في الأوَّلِ؛ لِأنَّ مَوْقِعَهُ التَّساؤُلُ بِأنَّهُ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلى تَرْكِ السُّؤالِ واسْتِعْذارِ مُوسى بِالنِّسْيانِ أفْظَعُ وأفْظَعُ في المُخالَفَةِ لِما كانَ أخَذَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الصَّبْرِ وانْتِفاءِ العِصْيانِ.

18:76–78Page 302

قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦

[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧

So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨

[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.

﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾، أيْ: بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ أوْ بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾، أيْ: فَأوْقِعِ الفِراقَ بَيْنِي وبَيْنَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ مِن بابِ المُفاعَلَةِ. وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ فَلا تَصْحَبْنِي مُضارِعُ صَحِبَ وعِيسى أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ مُضارِعُ أصْحَبَ، ورَواها سَهْلٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: فَلا تُصْحِبْنِي عِلْمَكَ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم فَلا تُصْحِبْنِي إيّاكَ، وبَعْضُهم نَفْسَكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وشَدِّ النُّونِ. ومَعْنى ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أيْ: قَدِ اعْتَذَرْتَ إلَيَّ وبَلَغْتَ إلى العُذْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن لَدُنِّي﴾ بِإدْغامِ نُونِ لَدُنْ في نُونِ الوِقايَةِ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وهي نُونُ لَدُنِ اتَّصَلَتْ بِياءِ المُتَكَلِّمِ وهو القِياسُ؛ لِأنَّ أصْلَ الأسْماءِ إذا أُضِيفَتْ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ لَمْ تَلْحَقْ نُونُ الوِقايَةِ نَحْوُ غُلامِي وفَرَسِي، وأشَمَّ شُعْبَةُ الضَّمَّ في الدّالِ، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ سُكُونُ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهو غَلَطٌ وكَأنَّهُ يَعْنِي مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، وأمّا مِن حَيْثُ اللُّغَةُ فَلَيْسَتْ بِغَلَطٍ؛ لِأنَّ مِن لُغاتِها لَدْ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. وقَرَأ عِيسى (عُذُرًا) بِضَمِّ الذّالِ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعَنْ أُبَيٍّ عُذْرِي بِكَسْرِ الرّاءِ مُضافًا إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وفي البُخارِيِّ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسى لَوَدِدْنا أنَّهُ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما» وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا دَعا لِأحَدٍ بَدَأ بِنَفْسِهِ فَقالَ: ”رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى لَوْ صَبَرَ عَلى صاحِبِهِ لَرَأى العَجَبَ“» ولَكِنَّهُ قالَ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ .

والقَرْيَةُ الَّتِي أتَيا أهْلَها إنْطاكِيَةُ أوِ الأُبُلَّةُ أوْ بِجَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ وهي الجَزِيرَةُ الخَضْراءُ، أوْ بُرْقَةُ أوْ أبُو حَوْرانَ بِناحِيَةِ أذْرَبِيجانَ، أوْ ناصِرَةُ مِن أرْضِ الرُّومِ أوْ قَرْيَةٌ بِأرْمِينِيَّةَ أقْوالٌ مُضْطَرِبَةٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في أيِّ ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ كانَتْ قِصَّةُ مُوسى واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُما كانا يَمْشِيانِ عَلى مَجالِسِ أُولَئِكَ القَوْمِ يَسْتَطْعِمانِهِمْ»، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِهَوانِ الدُّنْيا عَلى اللَّهِ تَعالى. وتَكَرَّرَ لَفْظُ (أهْلِ) عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وقَدْ يَظْهَرُ لَهُ فائِدَةٌ عَنِ التَّوْكِيدِ وهو أنَّهُما حِينَ ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ لَمْ يَأْتِيا جَمِيعَ أهْلِ القَرْيَةِ إنَّما أتَيا بَعْضَهم، فَلَمّا قالَ ﴿اسْتَطْعَما﴾ احْتَمَلَ أنَّهُما لَمْ يَسْتَطْعِما إلّا ذَلِكَ البَعْضَ الَّذِي أتَياهُ فَجِيءَ بِلَفْظِ أهْلِها لِيَعُمَّ جَمِيعَهم وأنَّهم يُتْبِعُونَهم واحِدًا واحِدًا بِالِاسْتِطْعامِ، ولَوْ كانَ التَّرْكِيبُ اسْتِطْعامَهم لَكانَ عائِدًا عَلى البَعْضِ المَأْتِيِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿يُضَيِّفُوهُما﴾“ بِالتَّشْدِيدِ مِن ضَيَّفَ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو رَزِينٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ وأبانَ بِكَسْرِ الضّادِ وإسْكانِ الياءِ مِن أضافَ، كَما تَقُولُ مَيَّلَ وأمالَ، وإسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مِنَ المَجازِ البَلِيغِ والِاسْتِعارَةِ البارِعَةِ، وكَثِيرًا ما يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ إسْنادُ أشْياءَ تَكُونُ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ إلى ما لا يَعْقِلُ مِنَ الحَيَوانِ، وإلى الجَمادِ، أوِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يَعْقِلُ مَكانَ العاقِلِ لَكانَ صادِرًا مِنهُ ذَلِكَ الفِعْلُ. وقَدْ أكْثَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن إيرادِ الشَّواهِدِ عَلى ذَلِكَ ومَن لَهُ أدْنى مُطالَعَةٍ لِكَلامِ العَرَبِ لا يَحْتاجُ إلى شاهِدٍ في ذَلِكَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ بَعْضَ المُحَرِّفِينَ لِكَلامِ اللَّهِ مِمَّنْ لا يَعْلَمُ كانَ يَجْعَلُ الضَّمِيرَ لِلْخَضِرِ؛ لِأنَّ ما كانَ فِيهِ مِن آفَةِ الجَهْلِ وسُقْمِ الفَهْمِ أراهُ أعْلى الكَلامَ طَبَقَةً أدْناهُ مَنزِلَةً، فَتَمَحَّلَ لِيَرُدَّهُ إلى ما هو عِنْدَهُ أصَحُّ وأفْصَحُ، وعِنْدَهُ أنَّ ما كانَ أبْعَدَ مِنَ المَجازِ أدْخَلُ في الإعْجازِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ أهْلُ أُصُولِ الفِقْهِ عَنْ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ داوُدَ الأصْبَهانِيِّ مِن أنَّهُ يُنْكِرُ المَجازَ في القُرْآنِ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ، وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وهو أحَدُ الأُدَباءِ الشُّعَراءِ الفُحُولِ المُجِيدِينَ في النَّظْمِ والنَّثْرِ.

(p-١٥٢)وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿يَنْقَضُّ﴾“، أيْ: يَسْقُطُ مِنِ انْقِضاضِ الطّائِرِ، ووَزْنُهُ انْفَعَلَ نَحْوُ انْجَرَّ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: مِنَ القَضَّةِ وهي الحَصى الصِّغارُ، ومِنهُ طَعامٌ قَضَضٌ إذا كانَ فِيهِ حَصًى، فَعَلى هَذا ”﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾“، أيْ: يَتَفَتَّتُ فَيَصِيرُ حَصاةً انْتَهى. وقِيلَ: وزْنُهُ افْعَلَّ مِنَ النَّقْضِ كاحْمَرَّ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”يُنْقَضَّ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ والضّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن نَقَضْتُهُ وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةِ الأعْمَشِ (يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ) كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مَنصُوبٌ بِأنِ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ اللّامِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وعِكْرِمَةُ وأبُو شَيْخٍ خَيْوانُ بْنُ خالِدٍ الهُنائِيٌّ وخُلَيْدُ بْنُ سَعْدٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: (يَنْقاصُ) بِالصّادِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ مَعَ الألِفِ، ووَزْنُهُ يَنْفَعِلُ اللّازِمُ مِن قاصَ يَقِيصُ إذا كَسَرْتَهُ تَقُولُ: قَصَيْتُهُ فانْقاصَ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وتَقُولُ العَرَبُ: انْقاصَتِ السِّنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: مُنْقاصٌ ومُنْكَثِبُ. وقِيلَ: إذا تَصَدَّعَتْ كَيْفَ كانَ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎فِراقٌ كَقَيْصِ السَّنِّ فالصَّبْرَ إنَّهُ لِكُلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: (يَنْقاضُ) بِألِفٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ وهي مِن قَوْلِهِمْ: قُضْتُهُ - مُعْجَمَةً - فانْقاضَ، أيْ: هَدَمْتُهُ فانْهَدَمَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمَشْهُورُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ.

﴿فَأقامَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَهْدِمْهُ وبَناهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم مِن أنَّهُ هَدَمَهُ وقَعَدَ يَبْنِيهِ. ووَقَعَ هَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ ”لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا“؛ لِأنَّ بِناءَهُ بَعْدَ هَدْمِهِ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أجْرًا. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ وأقامَهُ فَقامَ. وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ عَمَدَهُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: سَوّاهُ بِالشِّيدِ، أيْ: لَبَّسَهُ بِهِ وهو الجَيّارُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: دَفَعَهُ بِيَدِهِ فاسْتَقامَ وهَذا ألْيَقُ بِحالِ الأنْبِياءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتِ الحالُ حالَ اضْطِرارٍ وافْتِقارٍ إلى المَطْعَمِ وقَدْ لَزِمَتْهُما الحاجَةُ إلى آخَرِ كَسْبِ المَرْءِ وهو المَسْألَةُ فَلَمْ يَجِدا مُواسِيًا، فَلَمّا أقامَ الجِدارَ لَمْ يَتَمالَكْ مُوسى لِما رَأى مِنَ الحِرْمانِ ومِساسِ الحاجَةِ أنْ ”﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾“ وطَلَبْتَ عَلى عَمَلِكَ جُعْلًا حَتّى تَنْتَعِشَ بِهِ وتَسْتَدْفِعَ الضَّرُورَةَ انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ”﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾“ وإنْ لَمْ يَكُنْ سُؤالًا فَفي ضِمْنِهِ الإنْكارُ لِفِعْلِهِ، والقَوْلُ بِتَصْوِيبِ أخْذِ الأجْرِ، وفي ذَلِكَ تَخْطِئَةُ تَرْكِ الأجْرِ انْتَهى. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ بَحْرِيَّةَ (لَتَخِذْتَ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وخاءٍ مَكْسُورَةٍ، يُقالُ تَخِذَ واتَّخَذَ نَحْوُ تَبِعَ واتَّبَعَ، افْتَعَلَ مِن تَخِذَ وأُدْغِمَ التّاءُ في التّاءِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جَنْبِ غَرْزِها ∗∗∗ نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَرَّقِ

والتّاءُ أصْلٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ولَيْسَ مِنَ الأخْذِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الِاتِّخاذَ افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ وأنَّهم ظَنُّوا التّاءَ أصْلِيَّةً فَقالُوا في الثُّلاثِيِّ تَخِذَ، كَما قالُوا تَقِيَ مِنِ اتَّقى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ”﴿لَوْ شِئْتَ﴾“، أيْ: هَذا الإعْراضُ سَبَبُ الفِراقِ ”﴿بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾“ عَلى حَسَبِ ما سَبَقَ مِن مِيعادِهِ. أنَّهُ قالَ ”﴿إنْ سَألْتُكَ﴾“ وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ لَمْ تَكُنْ سُؤالًا فَإنَّها تَتَضَمَّنُهُ، إذِ المَعْنى: ألَمْ تَكُنْ تَتَّخِذُ عَلَيْهِ أجْرًا لِاحْتِياجِنا إلَيْهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تُصُوِّرَ فِراقٌ بَيْنَهُما عِنْدَ حُلُولِ مِيعادِهِ عَلى ما قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهُ فَلا تُصاحِبْنِي﴾“ فَأشارَ إلَيْهِ وجَعَلَهُ مُبْتَدَأً وأخْبَرَ عَنْهُ كَما تَقُولُ: هَذا أخُوكَ فَلا يَكُونُ هَذا إشارَةً إلى غَيْرِ الأخِ انْتَهى. وفِيما قالَهُ نَظَرٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”﴿فِراقٌ بَيْنِي﴾“ بِالتَّنْوِينِ والجُمْهُورُ عَلى الإضافَةِ. والبَيْنُ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّلاحُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ المُصْطَحِبَيْنِ ونَحْوِهِما، وذَلِكَ مُسْتَعارٌ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ ومُسْتَعْمَلٌ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، وتَكْرِيرُهُ ”﴿بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾“ وعُدُولُهُ عَنْ بَيْنِنا لِمَعْنى التَّأْكِيدِ. ”﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾“، أيْ: سَأُخْبِرُكَ ”بِتَأْوِيلِ“ ما رَأيْتَ مِن خَرْقِ السَّفِينَةِ وقَتْلِ الغُلامِ وإقامَةِ الجِدارِ، أيْ: بِما آلَ إلَيْهِ الأمْرُ فِيما كانَ ظاهِرُهُ أنْ لا يَكُونَ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ (سَأُنْبِيكَ) بِإخْلاصِ الياءِ مِن غَيْرِ (p-١٥٣)هَمْزٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ وفي الغُلامِ لِلَّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا فَكانَ سَبَبَ الفِراقِ. وقالَ أرْبابُ المَعانِي: هَذِهِ الأمْثِلَةُ الَّتِي وقَعَتْ لِمُوسى مَعَ الخَضِرِ حُجَّةٌ عَلى مُوسى وإعْجالِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ خَرْقَ السَّفِينَةِ نُودِيَ: يا مُوسى أيْنَ كانَ تَدْبِيرُكَ هَذا وأنْتَ في التّابُوتِ مَطْرُوحًا في اليَمِّ ؟ فَلَمّا أنْكَرَ قَتْلَ الغُلامِ قِيلَ لَهُ: أيْنَ إنْكارُكَ هَذا مِن وكْزِ القِبْطِيِّ وقَضائِكَ عَلَيْهِ ؟ فَلَمّا أنْكَرَ إقامَةَ الجِدارِ نُودِيَ أيْنَ هَذا مِن رَفْعِكَ الحَجَرَ لِبَناتِ شُعَيْبٍ دُونَ أُجْرَةٍ ؟ ”﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾“ في مَعانِي هَذا مَعَكَ ولا أُفارِقُكَ حَتّى أُوَضِّحَ لَكَ ما اسْتُبْهِمَ عَلَيْكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском