Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:10–15, continued
﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ومَفْعُولُ يَشْعُرُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إطْلاعُ اللَّهِ نَبِيَّهُ عَلى خِداعِهِمْ وكَذِبِهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ تَقْدِيرُهُ هَلاكُ أنْفُسِهِمْ وإيقاعِها في الشَّقاءِ الأبَدِيِّ بِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وما يَشْعُرُونَ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم غَيْرَ شاعِرِينَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَوْ شَعَرُوا أنَّ خِداعَهم لِلَّهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ إنَّما هو خِداعٌ لِأنْفُسِهِمْ لَمّا خادَعُوا اللَّهَ والمُؤْمِنِينَ. وجاءَ: يُخادِعُونَ اللَّهَ بِلَفْظِ المُضارِعِ لا بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّ المُضِيَّ يُشْعِرُ بِالِانْقِطاعِ بِخِلافِ المُضارِعِ، فَإنَّهُ يُشْعِرُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ أوِ المَدْحِ بِالدَّيْمُومَةِ، نَحْوُ: زَيْدٌ يَدُعُّ اليَتِيمَ، وعَمْرٌو يَقْرِي الضَّيْفَ. والقُرّاءُ عَلى فَتْحِ راءِ مَرَضَ في المَوْضِعَيْنِ إلّا الأصْمَعِيَّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، فَإنَّهُ قَرَأ بِالسُّكُونِ فِيهِما، وهُما لُغَتانِ كالحَلَبِ والحَلْبِ، والقِياسُ الفَتْحُ، ولِهَذا قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَرَضِ الحَقِيقَةُ، وأنَّ المَرَضَ الَّذِي هو الفَسادُ أوِ الظُّلْمَةُ أوِ الضَّعْفُ أوِ الألَمُ كائِنٌ في قُلُوبِهِمْ حَقِيقَةً، وسَبَبُ إيجادِهِ في قُلُوبِهِمْ هو ظُهُورُ الرَّسُولِ ﷺ وأتْباعِهِ، وفُشُوُّ الإسْلامِ ونَصْرُ أهْلِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَجازُ، فَيَكُونُ قَدْ كَنّى بِهِ عَمّا حَلَّ القَلْبَ مِنَ الشَّكِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ عَنِ الحَسَدِ والغِلِّ، كَما كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ، أوْ عَنِ الضَّعْفِ والخَوْرِ لِما رَأوْا مِن نَصْرِ دِينِ اللَّهِ وإظْهارِهِ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، وحَمْلُهُ عَلى المَجازِ أوْلى لِأنَّ قُلُوبَهم لَوْ كانَ فِيها مَرَضٌ لَكانَتْ أجْسامُهم مَرِيضَةً بِمَرَضِها، أوْ كانَ الحِمامُ عاجَلَهم، قالَ: بَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَشْهَدُ لِهَذا الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ والقانُونُ الطِّبِّيُّ، أمّا الحَدِيثُ فَقَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ لَمُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ جَمِيعُهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ جَمِيعُهُ، ألا وهي القَلْبُ» . وأمّا القانُونُ الطِّبِّيُّ، فَإنَّ الحُكَماءَ وصَفُوا القَلْبَ عَلى ما اقْتَضاهُ عِلْمُ التَّشْرِيحِ، ثُمَّ قالُوا: إذا حَصَلَتْ فِيهِ مادَّةٌ غَلِيظَةٌ، فَإنْ تَمَلَّكَتْ مِنهُ ومِن غُلافِهِ أوْ مِن أحَدِهِما فَلا يَبْقى مَعَ ذَلِكَ حَياةٌ وعاجَلَتِ المَنِيَّةُ صاحِبَهُ، ورُبَّما تَأخَّرَتْ تَأْخِيرًا يَسِيرًا، وإنْ لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنهُ المادَّةُ المُنْصَبَّةُ إلَيْهِ ولا مِن غُلافِهِ، أُخِّرَتِ الحَياةُ مُدَّةً يَسِيرَةً، وقالُوا: لا سَبِيلَ إلى بَقاءِ الحَياةِ مَعَ مَرَضِ القَلْبِ، وعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ لا تَكُونُ قُلُوبُهم مَرِيضَةً حَقِيقَةً. وقَدْ تَلَخَّصَ في القُرْآنِ مِنَ المَعانِي السَّبَبِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ في القَلْبِ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ مَرَضًا، وهي: الرَّيْنُ، والزَّيْغُ، والطَّبْعُ، والصَّرْفُ، والضِّيقُ، والحَرَجُ، والخَتْمُ، والإقْفالُ، والإشْرابُ، والرُّعْبُ، والقَساوَةُ، والإصْرارُ، وعَدَمُ التَّطْهِيرِ، والنُّفُورُ، والِاشْمِئْزازُ، والإنْكارُ، والشُّكُوكُ، والعَمى، والإبْعادُ بِصِيغَةِ اللَّعْنِ، والتَّأبِّي، والحَمِيَّةُ، والبَغْضاءُ، والغَفْلَةُ، والغَمْزَةُ، واللَّهْوُ، والِارْتِيابُ، والنِّفاقُ. وظاهِرُ آياتِ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأمْراضَ مَعانٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ فَتَغْلِبُ عَلَيْهِ، ولِلْقَلْبِ أمْراضٌ غَيْرُ هَذِهِ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ (p-٥٩)والحَسَدِ، ذَكَرَها اللَّهُ - تَعالى - مُضافَةً إلى جُمْلَةِ الكُفّارِ. والزِّيادَةُ تَجاوُزُ المِقْدارِ المَعْلُومِ، وعِلْمُ اللَّهِ مُحِيطٌ بِما أضْمَرُوهُ ومِن سُوءِ الِاعْتِقادِ والبُغْضِ والمُخادَعَةِ، فَهو مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨]، وفي كُلِّ وقْتٍ يَقْذِفُ في قُلُوبِهِمْ مِن ذَلِكَ القَدْرِ المَعْلُومِ شَيْئًا مَعْلُومَ المِقْدارِ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَقْذِفُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا آخَرَ، فَيَصِيرُ الثّانِي زِيادَةً عَلى الأوَّلِ، إذا لَوْ لَمْ يَكُنِ الأوَّلُ مَعْلُومَ المِقْدارِ لَما تَحَقَّقَتِ الزِّيادَةُ، وعَلى هَذا المَعْنى يُحْمَلُ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . وزِيادَةُ المَرَضِ إمّا مِن حَيْثُ أنَّ ظُلُماتِ كُفْرِهِمْ تَحِلُّ في قُلُوبِهِمْ شَيْئًا فَشَيْئًا، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: ٤٠]، أوْ مِن حَيْثُ أنَّ المَرَضَ حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ بِطَرِيقِ الحَسَدِ أوِ الهَمِّ، بِما يُجَدِّدُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِدِينِهِ مِن عُلُوِّ الكَلِمَةِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ ونَفاذِ الأمْرِ، أوْ لِما يَحْصُلُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وإسْنادُ الزِّيادَةُ إلى اللَّهِ - تَعالى - إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ بِخِلافِ الإسْنادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] . وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زِيادَةُ المَرَضِ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، إذِ المَزِيدُ عَلَيْهِ هو الكُفْرُ، فَتَأوَّلُوا ذَلِكَ عَلى أنْ يُحْمَلَ المَرَضُ عَلى الغَمِّ لِأنَّهم كانُوا يَغْتَمُّونَ بِعُلُوِّ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ عَلى مَنعِ زِيادَةِ الألْطافِ، أوْ عَلى ألَمِ القَلْبِ، أوْ عَلى فُتُورِ النِّيَّةِ في المُحارَبَةِ لِأنَّهم كانَتْ أوَّلًا قُلُوبُهم قَوِيَّةً عَلى ذَلِكَ، أوْ عَلى أنَّ كُفْرَهم كانَ يَزْدادُ بِسَبَبِ ازْدِيادِ التَّكْلِيفِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - . وهَذِهِ التَّأْوِيلاتُ كُلُّها إنَّما تَكُونُ إذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ خَبَرًا، وأمّا إذا كانَ دُعاءً فَلا، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ حَقِيقَةً فَيَكُونُ دُعاءٌ بِوُقُوعِ زِيادَةِ المَرَضِ، أوْ مَجازًا فَلا تُقْصَدُ بِهِ الإجابَةَ لِكَوْنِ المَدْعُوِّ بِهِ واقِعًا، بَلِ المُرادُ بِهِ السَّبُّ واللَّعْنُ والنَّقْصُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وكَقَوْلِهِ: «لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ وأخْزاهُ»، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وأنَّهُ قَدْ باءَ بِخِزْيٍ ولَعْنٍ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، وتَنْكِيرُ مَرَضٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ أجْناسِ المَرَضِ في قُلُوبِهِمْ، كَما زَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ دَلالَةَ النَّكِرَةِ عَلى ما وُضِعَتْ لَهُ إنَّما هي دَلالَةٌ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ؛ لِأنَّها دَلالَةٌ تَنْتَظِمُ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ عَلى جِهَةِ العُمُومِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى جَمْعِ مَرَضٍ لِأنَّ تَعْدادَ المُحالِ يَدُلُّ عَلى تَعْدادِ الحالِ عَقْلًا، فاكْتَفى بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ، وتَعْدِيَةُ الزِّيادَةِ إلَيْهِمْ لا إلى القُلُوبِ، إذْ قالَ تَعالى: ﴿فَزادَهُمُ﴾، ولَمْ يَقُلْ: فَزادَها، يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ فَزادَ اللَّهُ قُلُوبَهم مَرَضًا، والثّانِي: أنَّهُ زادَ ذَواتَهم مَرَضًا لِأنَّ مَرَضَ القَلْبِ مَرَضٌ لِسائِرِ الجَسَدِ، فَصَحَّ نِسْبَةُ الزِّيادَةِ إلى الذَّواتِ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ في ذَواتِهِمْ مَرَضًا، وإنَّما أضافَ ذَلِكَ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ الإدْراكِ والعَقْلِ. وأمالَ حَمْزَةُ فَزادَهم في عَشَرَةِ أفْعالٍ ألِفُها مُنْقَلِبَةً عَنْ ياءٍ إلّا فِعْلًا واحِدًا ألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ ووَزْنُهُ فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ، إلّا ذَلِكَ الفِعْلَ فَإنَّ وزْنَهُ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَدْ جَمَعْتُها في بَيْتَيْنِ في قَصِيدَتِي المُسَمّاةِ بِعِقْدِ اللَّآلِي في القِراءاتِ السَّبْعِ العَوالِي، وهُما:
؎وعَشْرَةُ أفْعالٍ تُمالُ لِحَمْزَةٍ ∗∗∗ فَجاءَ وشاءَ ضاقَ رانَ وكَمِّلا
؎بِزادَ وخابَ طابَ خافَ مَعًا ∗∗∗ وحاقَ زاغَ سِوى الأحْزابِ مَعْ صادِها فَلا
يَعْنِي أنَّهُ قَدِ اسْتَثْنى حَمْزَةَ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ [الأحزاب: ١٠] في سُورَةِ الأحْزابِ، ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ [ص: ٦٣] في سُورَةِ ص، فَلَمْ يُمِلْها. ووافَقَ ابْنُ ذَكْوانَ حَمْزَةَ عَلى إمالَةِ جاءَ وشاءَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وعَلى زادَ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وعَنْهُ خِلافٌ في زادَ هَذِهِ في سائِرِ القُرْآنِ، وبِالوَجْهَيْنِ قَرَأْتُهُ لَهُ، والإمالَةُ لِتَمِيمٍ، والتَّفْخِيمُ لِلْحِجازِ.
وألِيمٌ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. فَإذا قُلْنا إنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ فَيَكُونُ مُحَوَّلًا مِن فِعْلٍ لَها ونِسْبَتُهُ إلى العَذابِ مَجازٌ؛ لِأنَّ العَذابَ لا يَأْلَمُ، إنَّما يَأْلَمُ صاحِبُهُ، فَصارَ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ، والشِّعْرُ لا يُشْعِرُ إنَّما الشّاعِرُ ناظِمُهُ. وإذا قُلْنا إنَّهُ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ:
؎أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ
أيِ المُسْمِعِ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ مَجازٌ؛ لِأنَّ (p-٦٠)قِياسَ أفْعَلُ مَفْعَلٌ، فالأوَّلُ مَجازٌ في التَّرْكِيبِ، وهَذا مَجازٌ في الإفْرادِ. وقَدْ حَصَلَ لِلْمُنافِقِينَ مَجْمُوعُ العَذابَيْنِ: العَذابُ العَظِيمُ المَذْكُورُ في الآيَةِ، قِيلَ: لِانْخِراطِهِمْ مَعَهم ولِانْتِظامِهِمْ فِيهِمْ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ - تَعالى - في تِلْكَ الآيَةِ قَدْ أخْبَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وأخْبَرَ بِذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: وما هم بِمُؤْمِنِينَ ؟ والعَذابُ الألِيمُ، فَصارَ المُنافِقُونَ أشُدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِالنَّصِّ عَلى حُصُولِ العَذابَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لَهم، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ كَيْنُونَةَ العَذابِ الألِيمِ لِهَؤُلاءِ سَبَبُها كَذِبُهم وتَكْذِيبُهم، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِكَوْنِهِمْ يَكْذِبُونَ، ولا ضَمِيرَ يَعُودُ عَلَيْها لِأنَّها حَرْفٌ، خِلافًا لِأبِي الحَسَنِ. ومَن زَعَمَ أنْ كانَ النّاقِصَةَ لا مَصْدَرَ لَها، فَمَذْهَبُهُ مَرْدُودٌ، وهو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. وقَدْ كَثُرَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ المَجِيءُ بِمَصْدَرِ كانَ النّاقِصَةِ، والأصَحُّ أنَّهُ لا يُلْفَظُ بِهِ مَعَها، فَلا يُقالُ: كانَ زَيْدٌ قائِمًا كَوْنًا، ومَن أجازَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فالعائِدُ عِنْدَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُكَذِّبُونَهُ أوْ يَكْذِبُونَهُ. وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّ كَوْنَ ما مَوْصُولَةً أظْهَرُ، قالَ: لِأنَّ الهاءَ المُقَدَّرَةَ عائِدَةٌ إلى الَّذِي دُونَ المَصْدَرِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ هاءٌ مُقَدَّرَةٌ، بَلْ مَن قَرَأ: يَكْذِبُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، وهُمُ الكُوفِيُّونَ، فالفِعْلُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، وهُمُ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ فَكَوْنُهم يُكَذِّبُونَ اللَّهَ في أخْبارِهِ والرَّسُولَ فِيما جاءَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُشَدَّدُ في مَعْنى المُخَفَّفِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا في: صَدَقَ صَدَّقَ، وفي: بانَ الشَّيْءُ بَيَّنَ، وفي: قَلُصَ الثَّوْبُ قَلَّصَ. والكَذِبُ لَهُ مَحامِلُ في لِسانِ العَرَبِ، أحَدُها: الإخْبارُ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وعَمْرُو بْنُ بَحْرٍ يَزِيدُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُخْبِرُ عالِمًا بِالمُخالَفَةِ، وهي مَسْألَةٌ تَكَلَّمُوا عَلَيْها في أُصُولِ الفِقْهِ. الثّانِي: الإخْبارُ بِالَّذِي يُشْبِهُ الكَذِبَ ولا يُقْصَدُ بِهِ إلّا الحَقُّ، قالُوا: ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ عَنْ إبْراهِيمَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا - . الثّالِثُ: الخَطَأُ، كَقَوْلِ عُبادَةَ فِيمَن زَعَمَ أنَّ الوِتْرَ واجِبٌ، كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ أيْ أخْطَأ. الرّابِعُ: البُطُولُ، كَقَوْلِهِمْ: كُذِّبَ الرَّجُلُ، أيْ بَطَلَ عَلَيْهِ أمَلُهُ وما رَجا وقَدَّرَ. الخامِسُ: الإغْراءُ بِلُزُومِ المُخاطَبِ الشَّيْءَ المَذْكُورَ، كَقَوْلِهِمْ: كَذَبَ عَلَيْكَ العَسَلُ، أيْ أكْلُ العَسَلِ، والمُغْرى بِهِ مَرْفُوعٌ بِكَذَبَ وقالُوا: لا يَجُوزُ نَصْبُهُ إلّا في حَرْفٍ شاذٍّ، ورَواهُ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ المُثَنّى، والمُؤَثَّمُ هو الأوَّلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الكَذِبِ فَقالَ قَوْمٌ: الكَذِبُ كُلُّهُ قَبِيحٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وقالُوا: سُئِلَ مالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَكْذِبُ لِزَوْجَتِهِ ولِابْنِهِ تَطْيِيبًا لِلْقَلْبِ فَقالَ: لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ قَوْمٌ: الكَذِبُ مُحَرَّمٌ ومُباحٌ، فالمُحَرَّمُ الإخْبارُ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ في مُراعاتِهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ، والمُباحُ ما كانَ فِيهِ ذَلِكَ، كالكَذِبِ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ خِلافًا، قالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، حِينَ قالُوا: تَعالَوْا إلى خَلَّةٍ نَسْلَمُ بِها مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ ونَتَمَسَّكُ مَعَ ذَلِكَ بِدِينِنا، فَأظْهَرُوا الإيمانَ بِاللِّسانِ واعْتَقَدُوا خِلافَهُ. ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
2:11–13Page 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١
And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."
أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢
Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.
﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذا: ظَرْفُ زَمانٍ، ويَغْلِبُ كَوْنُها شَرْطًا، وتَقَعُ لِلْمُفاجَأةِ ظَرْفَ زَمانٍ وِفاقًا لِلرِّياشِيِّ والزَّجّاجِ، لا ظَرْفَ مَكانٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، ولِظاهِرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، ولا حَرْفًا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. وإذا كانَتْ حَرْفًا فَهي لِما تُيُقِّنَ أوْ رُجِّحَ وُجُودُهُ، ويُجْزَمُ بِها في الشِّعْرِ، وأحْكامُها مُسْتَوْفاةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. الفِعْلُ الثُّلاثِيُّ الَّذِي انْقَلَبَ عَيْنُ فِعْلِهِ ألِفًا في الماضِي، إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، أخْلَصَ كَسْرَ أوَّلِهِ وسَكَنَتْ عَيْنُهُ ياءً في لُغَةِ قُرَيْشٍ ومُجاوِرِيهِمْ مِن بَنِي كِنانَةَ، وضُمَّ أوَّلُها عِنْدَ كَثِيرٍ (p-٦١)مِن قَيْسٍ وعَقِيلٍ ومَن جاوَرَهم وعامَّةِ بَنِي أسَدٍ. وبِهَذِهِ اللُّغَةُ قَرَأ الكِسائِيُّ وهُشامٌ في: قِيلَ، وغِيضَ، وحِيلَ، وسِيءَ، وسِيئَتْ، وجِيءَ، وسِيقَ. وافَقَهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ في: سِيءَ، وسِيئَتْ. زادَ ابْنُ ذَكْوانَ: حِيلَ، وساقَ. وبِاللُّغَةِ الأُولى قَرَأ باقِي القُرّاءِ، وفي ذَلِكَ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي إخْلاصُ ضَمِّ فاءِ الكَلِمَةِ وسُكُونِ عَيْنِهِ واوًا، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، وبَنِي دُبَيْرٍ. والكَلامُ عَلى تَوْجِيهِ هَذِهِ اللُّغاتِ وتَكْمِيلِ أحْكامِها مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. الفَسادُ: التَّغَيُّرُ عَنْ حالَةِ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ. قالَ سُهَيْلٌ في الفَصِيحِ: فَسَدَ، ونَقِيضُهُ: الصَّلاحُ، وهو اعْتِدالُ الحالِ واسْتِواؤُهُ عَلى الحالَةِ الحَسَنَةِ. الأرْضُ مُؤَنَّثَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى أُرْضٍ وأراضٍ، وبِالواوِ والنُّونِ رَفْعًا وبِالياءِ والنُّونِ نَصْبًا وجْرًا شُذُوذًا، فَتُفْتَحُ العَيْنُ، وبِالألِفِ والتّاءِ، قالُوا: أرِضاتٍ، والأراضِي جَمْعُ جَمْعٍ كَأواظِبِ. إنَّما: ما: صِلَةٌ لِإنَّ وتَكُفُّها عَنِ العَمَلِ، فَإنْ ولِيَتْها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كانَتْ مُهَيَّئَةً، وفي ألْفاظِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وبَعْضِ أهْلِ الأُصُولِ أنَّها لِلْحَصْرِ، وكَوْنُها مُرَكَّبَةً مِن ما النّافِيَةِ، دَخَلَ عَلَيْها إنَّ الَّتِي لِلْإثْباتِ فَأفادَتِ الحَصْرَ، قَوْلٌ رَكِيكٌ فاسِدٌ صادِرٌ عَنْ غَيْرِ عارِفٍ بِالنَّحْوِ، والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ بِالوَضْعِ، كَما أنَّ الحَصْرَ لا يُفْهَمُ مِن أخَواتِها الَّتِي كُفَّتْ بِما، فَلا فَرْقَ بَيْنَ: لَعَلَّ زَيْدًا قائِمٌ، ولَعَلَّ ما زَيْدٌ قائِمٌ، فَكَذَلِكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وإنَّما زَيْدٌ قائِمٌ، وإذا فُهِمَ حَصْرٌ، فَإنَّما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ لا أنَّ إنَّما دَلَّتْ عَلَيْهِ، وبِهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي أوْرَدُوهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . وإعْمالُ إنَّما قَدْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ، والَّذِي عَلَيْهِ أصْحابُنا أنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ.
نَحْنُ: ضَمِيرُ رَفْعٍ مُنْفَصِلٌ لِمُتَكَلِّمٍ مَعَهُ غَيْرُهُ أوْ لِمُعْظَمِ نَفْسِهِ، وفي اعْتِلالِ بِنائِهِ عَلى الضَّمِّ أقْوالٌ تُذْكَرُ في النَّحْوِ. ألا: حَرْفُ تَنْبِيهٍ زَعَمُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ ما بَعْدَها، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ أفادَ تَحْقِيقًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، ولِكَوْنِها مِنَ المُنْصَبِّ في هَذِهِ لا تَكادُ تَقَعُ الجُمْلَةُ بَعْدَها إلّا مُصَدَّرَةً بِنَحْوِ ما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، وقالَ ذَلِكالزَّمَخْشَرِيُّ. والَّذِي نَخْتارُهُ أنَّ ألا التَّنْبِيهِيَّةَ حَرْفٌ بَسِيطٌ؛ لِأنَّ دَعْوى التَّرْكِيبِ عَلى خِلافِ الأصْلِ، ولِأنَّ ما زَعَمُوا مِن أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى لا النّافِيَةِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ ما بَعْدَها، إلى آخِرِهِ خَطَأٌ، لِأنَّ مَواقِعَ ألا تَدُلَّ عَلى أنَّ لا لَيْسَتْ لِلنَّفْيِ، فَيَتِمُّ ما ادَّعَوْهُ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ألا إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، لَيْسَ أصْلُهُ لا أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، إذْ لَيْسَ مِن تَراكِيبِ العَرَبِ بِخِلافِ ما نُظِرَ بِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، لِصِحَّةِ تَرْكِيبِ لَيْسَ زَيْدٌ بِقادِرٍ، ولِوُجُودِها قَبْلَ رُبَّ وقَبْلَ لَيْتَ وقَبْلَ النِّداءِ وغَيْرِها مِمّا لا يُعْقَلُ فِيهِ أنَّ لا نافِيَةٌ، فَتَكُونُ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى لا النّافِيَةِ فَأفادَتِ التَّحْقِيقَ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ألا رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنهُنَّ صالِحٌ ولا سِيَّما يَوْمٍ بِدارَةِ جُلْجُلِ
وقالَ الآخَرُ:
؎ألا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ حادِثُ وصْلِها ∗∗∗ وكَيْفَ تُراعِي وصْلَةَ المُتَغَيِّبِ
وقالَ الآخَرُ:
؎ألا يا لِقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي
وقالَ الآخَرُ:
؎ألا يا قَيْسُ والضَّحّاكُ سِيرا ∗∗∗ فَقَدْ جاوَزْتُما خَمْرَ الطَّرِيقِ
إلى غَيْرِ هَذا مِمّا لا يَصْلُحُ دُخُولُ لا فِيهِ. وأمّا قَوْلُهُ: لا تَكادُ تَقَعُ الجُمْلَةُ بَعْدَها إلّا مُصَدَّرَةً بِنَحْوِ ما يَلْتَقِي بِهِ القَسَمُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، ألا تَرى أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَها تُسْتَفْتَحُ بِرُبَّ، وبِلَيْتَ، وبِفِعْلِ الأمْرِ، وبِالنِّداءِ، وبِحَبَّذا، في قَوْلِهِ:(p-٦٢)
؎ألا حَبَّذا هِنْدٌ وأرْضٌ بِها هِنْدُ
ولا يَلْتَقِي بِشَيْءٍ مِن هَذا القَسَمُ، وعَلامَةُ ألا هَذِهِ الَّتِي هي تَنْبِيهٌ واسْتِفْتاحٌ صِحَّةُ الكَلامِ دُونَها، وتَكُونُ أيْضًا حَرْفَ عَرْضٍ فَيَلِيها الفِعْلُ، وإنْ ولِيَها الِاسْمُ فَعَلى إضْمارِ الفِعْلِ، وحَرْفِ جَوابٍ بِقَوْلِ القائِلِ: ألَمْ تَقُمْ فَتَقُولُ: ألا بِمَعْنى بَلى ؟ نَقَلَ ذَلِكَ صاحِبُ كِتابِ (وصْفِ المَبانِي في حُرُوفِ المَعانِي) قالَ: وهو قَلِيلٌ شاذٌّ، وأمّا ألا الَّتِي لِلتَّمَنِّي في قَوْلِهِمْ: ألا ماءً، فَذَكَرَها النُّحاةُ في فَصْلِ لا الدّاخِلِ عَلَيْها الهَمْزَةُ. لَكِنْ: حَرْفُ اسْتِدْراكٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها مُوافِقًا لِما بَعْدَها، فَإنْ كانَ نَقِيضًا أوْ ضِدًّا جازَ، أوْ خِلافًا فَفي الجَوازِ خِلافٌ، وفي التَّصْحِيحِ خِلافٌ. وحَكى أبُو القاسِمِ بْنُ الرَّمّالِ جَوازَ إعْمالِها مُخَفَّفَةً عَنْ يُونُسَ، وحَكى ذَلِكَ غَيْرُهُ عَنِ الأخْفَشِ، وحُكِيَ عَنْ يُونُسَ أنَّها لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ العَطْفِ، ولَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ غالِبًا إلّا وواوُ العَطْفِ قَبْلَها، ومِمّا جاءَتْ فِيهِ مِن غَيْرِ واوٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٨] ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ [النساء: ١٦٦]، وفي كَلامِ العَرَبِ:
؎إنَّ ابْنَ ورْقاءَ لا تُخْشى غَوائِلُهُ ∗∗∗ لَكِنْ وقائِعَهُ في الحَرْبِ تُنْتَظَرُ
وبَقِيَّةُ أحْكامِ لَكِنْ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ. الكافُ: حَرْفُ تَشْبِيهٍ تَعْمَلُ الجَرَّ واسْمِيَّتُها مُخْتَصَّةً عِنْدَنا بِالشِّعْرِ، وتَكُونُ زائِدَةً ومُوافِقَةً لِعَلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: كَخَيْرٍ في جَوابِ مَن قالَ كَيْفَ أصْبَحْتَ، ويَحْدُثُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ، وأحْكامُها مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ.
السَّفَهُ: الخِفَّةُ. ومِنهُ قِيلَ لِلثَّوْبِ الخَفِيفِ النَّسْجِ سَفِيهٌ، وفي النّاسِ خِفَّةُ الحِلْمِ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، أوِ البُهْتُ والكَذِبُ والتَّعَمُّدُ خِلافَ ما يُعْلَمُ، قالَهُ مُؤَرِّجٌ، أوِ الظُّلْمُ والجَهْلُ، قالَهُ قُطْرُبٌ. والسُّفَهاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ، وهو جَمْعٌ مُطَّرِدٌ في فَعِيلٍ الصَّحِيحِ الوَصْفِ المُذَكَّرِ العاقِلِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَنَّثِهِ التّاءُ، والفِعْلُ مِنهُ سَفِهَ بِكَسْرِ العَيْنِ وضَمِّها، وهو القِياسُ لِأجْلِ اسْمِ الفاعِلِ. قالُوا: ونَقِيضُ السَّفَهِ: الرُّشْدُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ، يُقالُ رَجُلٌ حَكِيمٌ، وفي ضِدِّهِ سَفِيهٌ، ونَظِيرُ السَّفَهِ النَّزَقُ والطَّيْشُ.
2:14Page 3
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤
And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."
﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، اللِّقاءُ: اسْتِقْبالُ الشَّخْصِ قَرِيبًا مِنهُ، والفِعْلُ مِنهُ لَقِيَ يَلْقى، وقَدْ يُقالُ لاقى، وهو فاعِلٌ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وسُمِعَ لِلَقِيَ أرْبَعَةَ عَشَرَ مَصْدَرًا، قالُوا: لَقِيَ، لُقْيًا، ولُقْيَةً، ولَقاةً، ولِقاءً، ولُقاءً، ولَقًى، ولُقًى، ولُقْياءَ، ولِقْياءَ، ولُقِيًّا، ولُقْيانًا، ولِقْيانَةً، وتِلْقاءً. الخُلُوُّ: الِانْفِرادُ، خَلا بِهِ أيِ انْفَرَدَ، أوِ المُضِيُّ، ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] . الشَّيْطانُ، فَيْعالٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، فَنُونُهُ أصْلِيَّةٌ مِن شَطَنَ، أيْ بَعُدَ، واسْمُ الفاعِلِ شاطِنٌ، قالَ أُمَيَّةُ:
؎أيُّما شاطِنٍ عَصاهُ عَكاهُ ثُمَّ يُلْقى في السِّجْنِ والأكْبالِ
وقالَ رُؤْبَةُ:
؎وفِي أخادِيدِ السِّياطِ المُتَّنِ ∗∗∗ شافٍ لِبَغْيِ الكَلْبِ المُشَيْطَنِ
ووَزْنُهُ فَعْلانُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ونُونُهُ زائِدَةٌ مِن شاطَ يَشِيطُ إذا هَلَكَ، قالَ الشّاعِرَ:
؎قَدْ تَظْفَرُ العِيرُ في مَكْنُونِ قائِلَةٍ ∗∗∗ وقَدْ تَشْطُو عَلى أرْماحِنا البَطَلُ
والشَّيْطانُ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والدَّوابِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُنْثاهُ شَيْطانَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎هِيَ البازِلُ الكَوْماءُ لا شَيْءَ غَيْرُها ∗∗∗ وشَيْطانَةٌ قَدْ جُنَّ مِنها جُنُونُها
وشَياطِينُ: جَمْعُ شَيْطانَ، نَحْوُ غَراثِينَ في جَمْعٍ غَرْثانَ، وحَكاهُ الفَرّاءُ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ نُونَهُ زائِدَةٌ تَكُونُ نَحْوَ: غَرْثانَ، مَعَ اسْمٍ مَعْناهُ الصُّحْبَةُ اللّائِقَةُ بِالمَذْكُورِ، وتَسْكِينُها قَبْلَ حَرَكَةٍ لُغَةُ رَبِيعَةَ وغَنْمٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وإذا سَكَنَتْ فالأصَحُّ أنَّها اسْمٌ، وإذا لَقِيَتْ ألِفَ اللّامِ أوْ ألِفَ الوَصْلِ فالفَتْحُ لُغَةُ عامَّةِ العَرَبِ، والكَسْرُ لُغَةُرَبِيعَةَ، وتَوْجِيهُ اللُّغَتَيْنِ في النَّحْوِ، ويُسْتَعْمَلُ ظَرْفَ مَكانٍ فَيَقَعُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ والأحْداثِ، وإذا أُفْرِدَ نُوِّنَ مَفْتُوحًا، وهي ثُلاثِيُّ الأصْلِ مِن بابِ المَقْصُورِ، إذْ ذاكَ لا مِن بابِ يَدٍ، خِلافًا لِيُونُسَ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ مَعًا حالٌ، نَحْوُ: جَمِيعًا، وهي أخَصُّ مِن جَمِيعٍ لِأنَّها تُشْرِكُ في الزَّمانِ نَصًّا، وجَمِيعُ تَحْتَمِلُهُ. وقَدْ سَألَ أحْمَدُ (p-٦٣)بْنُ يَحْيى أحْمَدَ بْنَ قادِمٍ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ: قامَ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدٌ مَعًا، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدٌ جَمِيعًا، قالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْكُضُ فِيها إلى اللَّيْلِ، وفَرَّقَ ابْنُ يَحْيى: بِأنَّ جَمِيعًا يَكُونُ القِيامُ في وقْتَيْنِ وفي وقْتٍ واحِدٍ، وأمّا إذا قُلْتَ: مَعًا، فَيَكُونُ في وقْتٍ واحِدٍ. الِاسْتِهْزاءُ: الِاسْتِخْفافُ والسُّخْرِيَةُ، وهو اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو فَعَلَ، تَقُولُ: هَزَأْتُ بِهِ واسْتَهْزَأْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ اسْتَعْجَبَ: بِمَعْنى عَجِبَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها اسْتَفْعَلَ.
2:15Page 3
ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥
[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ المَدُّ: التَّطْوِيلُ، مَدَّ الشَّيْءَ: طَوَّلَهُ وبَسَطَهُ، ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]، وأصْلُ المَدِّ: الزِّيادَةُ، وكُلُّ شَيْءٍ دَخَلَ في شَيْءٍ فَكَثَّرَهُ فَقَدْ مَدَّهُ، قالَهُ اللِّحْيانِيُّ: وأمَدَّ بِمَعْنى مَدَّ، مَدَّ الجَيْشَ وأمَدَّهُ: زادَهُ وألْحَقَ بِهِ ما يُقَوِّيهِ مِن جِنْسِهِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَدَّ زادَ مِنَ الجِنْسِ، وأمَدَّ: زادَ مِن غَيْرِ الجِنْسِ. وقالَ يُونُسُ: مَدَّ في الخَيْرِ وأمَدَّ في الشَّرِّ. انْتَهى قَوْلُهُ. ويُقالُ: مَدَّ النَّهْرُ وأمَدَّهُ نَهْرٌ آخَرٌ، ومادَّةُ الشَّيْءِ ما يَمُدُّهُ، الهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَدَدْتُ الدَّواةَ وأمْدَدْتُها بِمَعْنًى، ويُقالُ: مَدَدْنا القَوْمَ: صِرْنا لَهم أنْصارًا وأمْدَدْناهم بِغَيْرِنا. وقالَ اللِّحْيانِيُّ: أمَدَّ الأمِيرُ جُنْدَهُ بِالخَيْلِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦] . الطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ المِقْدارِ المَعْلُومِ، يُقالُ طَغى الماءُ، وطَغَتِ النّارُ. العَمَهُ: التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ، وهو شَبِيهٌ بِالعَمى، إلّا أنَّ العَمى تُوصَفُ بِهِ العَيْنُ الَّتِي ذَهَبَ نُورُها، والرَّأْيُ الَّذِي غابَ عَنْهُ الصَّوابُ. يُقالُ: عَمَهَ، يَعْمَهُ، عَمَهًا، وعَمَهانًا فَهو: عَمِهٌ، وعامِهٌ. ويُقالُ: بَرِيَّةٌ عَمْهاءُ إذا لَمْ يَكُنْ بِها عِلْمٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَمَهُ أنْ يَرْكَبَ رَأْسَهُ ولا يُبْصِرُ ما يَأْتِي. وقِيلَ: العَمَهُ: العَمى عَنِ الرُّشْدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences