Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:124–125, continued
﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾: والضَّمِيرُ في قالَ الثّانِيَةِ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، وفي قالَ هَذِهِ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. والعَهْدُ: الإمامَةُ، قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ؛ أوِ الأمانُ، قالَهُ قَتادَةُ. ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: أوِ الثَّوابُ قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا؛ أوِ الرَّحْمَةُ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوِ الدِّينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ، أوْ لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنْ تُطِيعَهُ في ظُلْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الأمْرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آل عمران: ١٨٣]، ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠]؛ أوْ إدْخالُهُ الجَنَّةَ مِن قَوْلِهِ: (كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا)، أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ؛ أوْ طاعَتِي، قالَهُ الضَّحّاكُ أيْضًا؛ أوِ المِيثاقُ، أوِ الأمانَةُ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنَّ العُهَدَ هي الإمامَةُ؛ لِأنَّها هي المُصَدَّرُ بِها، فَأعْلَمَ إبْراهِيمَ أنَّ الإمامَةَ لا تَنالُ الظّالِمِينَ. وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ هو اسْتِعْلامٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَجْعَلُ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا: وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ الطَّلَبِ، أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي. وهَذا الجَوابُ الَّذِي أجابَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ هو مِنَ الجَوابِ الَّذِي يَرْبُو عَلى السُّؤالِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ، وسَألَ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ إمامًا، فَأجابَهُ إلى أنَّهُ لا يَنالُ عَهْدُهُ الظّالِمِينَ، ودَلَّ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ عَلى أنَّهُ يَنالُ عَهْدُهُ مَن لَيْسَ بِظالِمٍ، وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى انْقِسامِ ذُرِّيَّتِهِ إلى ظالِمٍ وغَيْرِ ظالِمٍ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ العَهْدَ هو الإمامَةُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] عَلى سَبِيلِ الجَعْلِ، إذْ لَوْ كانَ عَلى سَبِيلِ المَنعِ لَقالَ لا، أوْ لا يَنالُ عَهْدِي ذُرِّيَّتَكَ، ولَمْ يُنِطِ المَنعَ بِالظّالِمِينَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ؛ لِأنَّ العَهْدَ يُنالُ، كَما يَنالُ أيْ عَهْدِي لا يَصِلُ إلى الظّالِمِينَ، أوْ لا يَصِلُ الظّالِمُونَ إلَيْهِ ولا يُدْرِكُونَهُ. وقَدْ فُسِّرَ الظُّلْمُ هُنا بِالكُفْرِ، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وبِظُلْمِ المَعاصِي - غَيْرِ الكُفْرِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والسُّدِّيِّ. واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الظّالِمَ إذا عُوهِدَ لَمْ يَلْزَمِ الوَفاءُ بِعَهْدِهِ، قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهم عَهْدًا. قالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ: ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِن أنَّهُ سَألَ الإمامَةَ لِذُرِّيَّتِهِ، وأنَّهُ أُجِيبَ إلى مُلْتَمَسِهِ - لا يَظْهَرُ مِنَ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي، وهو مُحْتَمَلٌ، وجاعِلٌ مِن ذُرِّيَّتِي، أوْ تَجْعَلُ مِن ذُرِّيَّتِي، أوِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي. وإذا كانَ هَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلًا غَيْرَ مَنطُوقٍ بِهِ، فَمِن أيْنَ لَهم أنَّهُ سَألَ ؟ وأمّا قَوْلُهم: أُجِيبَ إلى مُلْتَمَسِهِ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، بَلْ يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِ؛ لِأنَّ ظاهِرَهُ: أنَّ أوْلادَكَ ظالِمُونَ، لَكِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وهو: وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآيِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ. ولَوْ قالَ: لا يَنالُ عَهْدَيِ الظّالِمِينَ مِنهم، لَدَلَّ ذَلِكَ عَلى ما يَقُولُونَ عَلى أنَّ اللَّفْظَ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ نُزُولًا بَيِّنًا. انْتَهى ما ذَكَرَهُ مُلَخِّصًا بَعْضَهُ. وفِيما ذَكَرَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ التَّقادِيرَ الَّتِي قَدَّرَها ظاهِرُها السُّؤالُ. أمّا مَن قَدَّرَ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا، فَهو سُؤالٌ؛ وأمّا مَن قَدَّرَ: وتَجْعَلُ وجاعِلٌ، فَهو اسْتِفْهامٌ عَلى حَذْفِ الِاسْتِفْهامِ، إذْ مَعْناهُ: وأجاعِلٌ أنْتَ يا رَبِّ، أوْ أتَجْعَلُ يا رَبِّ مِن ذُرِّيَّتِي. والِاسْتِفْهامُ يَئُولُ مَعْناهُ إلى السُّؤالِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ مِن قَوْلِهِمْ: وجاعِلٌ، أوْ تَجْعَلُ مِن (p-٣٧٨)ذَرِّيَّتِي إمامًا - خَبَرًا؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ مِن نَبِيٍّ. وإذا كانَ خَبَرًا مِن نَبِيٍّ كانَ صِدْقًا ضَرُورَةً. ولَمْ يَتَقَدَّمْ مِنَ اللَّهِ إعْلامٌ لِإبْراهِيمَ بِذَلِكَ، إنَّما أعْلَمَهُ أنَّهُ يَجْعَلُهُ لِلنّاسِ إمامًا. فَمَن أيْنَ يُخْبِرُ بِذَلِكَ ؟ ومَن يُخاطِبُ بِذَلِكَ ؟ إنْ كانَ اللَّهُ قَدْ أعْلَمُهُ ذَلِكَ. وإنَّما ذَلِكَ التَّقْدِيرُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِعْلامِ. هَلْ تَحْصُلُ الإمامَةُ لِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ أمْ لا تَحْصُلُ ؟ فَأجابَهُ اللَّهُ: إلى أنْ مَن كانَ ظالِمًا لا يَنالُهُ عَهْدُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ أنَّ أوْلادَكَ ظالِمُونَ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ظاهِرَهُ أنَّهُ لا يَنالُهُ مَن ظَلَمَ مِن أوْلادِهِ وغَيْرِ أوْلادِهِ، ودَلَّ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ عَلى أنَّ غَيْرَ الظّالِمِ يَنالُها. ولَوْ كانَ عَلى ما قالَهُ ابْنُ أبِي الفَضْلِ، لَكانَ اللَّفْظُ لا يَنالُها ذَرِّيَّتُكَ لِظُلْمِهِمْ، مَعَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ الظّالِمِينَ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ فِيهِ مُعاقَبَةٌ لِلضَّمِيرِ، أيْ: ظالِمُوهم، أوِ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ مِنهم. ومِن أغْرَبِ الِانْتِزاعاتِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ما ذَكَرَ لِي بَعْضُ الإمامِيَّةِ أنَّهُمُ انْتَزَعُوا مِن هَذا كَوْنَ أبِي بَكْرٍ لا يَكُونُ إمامًا؛ قالُوا: لِأنَّ إطْلاقَ اسْمِ الظُّلْمِ يَقَعُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ سَجَدَ لِلْأصْنامِ، فَقَدْ ظَلَمَ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾، وذَلِكَ بِخِلافِ عَلِيٍّ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ قَطُّ. قُلْتُ لَهُ: فَيَلْزَمُ أنْ يُسَمّى كُلُّ مَن أسْلَمَ مِنَ الصَّحابَةِ ظالِمًا، كَسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةَ، وعَمّارٍ. وهَذا ما لا يَذْهَبُ إلَيْهِ أحَدٌ، فَلَمْ يُحِرْ جَوابًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقالُوا في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ، وكَيْفَ يَصْلُحُ لَها مَن لا يَجُوزُ حُكْمُهُ ولا شَهادَتُهُ، ولا تَجِبُ طاعَتُهُ، ولا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، ولا يُقَدَّمُ لِلصَّلاةِ ؟ وكانَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُفْتِي سِرًّا بِوُجُوبِ نُصْرَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وحَمْلِ المالِ إلَيْهِ، والخُرُوجِ مَعَهُ عَلى اللِّصِّ المُتَغَلِّبِ المُتَّسَمّى بِالإمامِ والخَلِيفَةِ، كالدَّوانِيقِيِّ وأشْباهِهِ. وقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: أشَرْتَ عَلى ابْنِي بِالخُرُوجِ مَعَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحُسَيْنِ، حَتّى قُتِلَ فَقالَ: لَيْتَنِي مَكانَ ابْنِكِ. وكانَ يَقُولُ في المَنصُورِ وأشْياعِهِ: لَوْ أرادُوا بِناءَ مَسْجِدٍ، وأرادُونِي عَلى عَدِّ آجُرِّهِ لَما فَعَلْتُ. وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: لا يَكُونُ الظّالِمُ إمامًا قَطُّ. وكَيْفَ يَجُوزُ نَصْبُ الظّالِمِ لِلْإمامَةِ، والإمامُ إنَّما هو لِكَفِّ المَظْلَمَةِ ؟ فَإذا نُصِّبَ مَن كانَ ظالِمًا في نَفْسِهِ، فَقَدْ جاءَ المَثَلُ السّائِرُ: مَنِ اسْتَرْعى الذِّئْبَ فَقَدْ ظَلَمَ. انْتَهى كَلامُهُ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ الَّذِي ذَكَرَهُ، هو زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ زَيْنِ العابِدِينَ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وهو أخُو مُحَمَّدٍ الباقِرِ بْنِ عَلِيٍّ، وإلَيْهِ تَنْتَسِبُ الزَّيْدِيَّةُ اليَوْمَ. وكانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفِقْهِ والفَهْمِ في القُرْآنِ والشَّجاعَةِ، وإنَّما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ لِأنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ مُجاوِرًا لِلزَّيْدِيَّةِ ومُصاحِبًا لَهم، وصَنَّفَ كِتابَهُ الكَشّافَ لِأجْلِهِمْ. واللِّصُّ المُتَغَلِّبُ المُتَسَمّى بِالإمامِ والخَلِيفَةِ، الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، خَرَجَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وكانَ قَدْ قالَ لِأخِيهِ الباقِرِ: ما لَكَ لا تَقُومُ وتَدْعُو النّاسَ إلى القِيامِ مَعَكَ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ وقالَ لَهُ: لِهَذا وقْتٌ لا يَتَعَدّاهُ. فَدَعا إلى نَفْسِهِ وقالَ: إنَّما الإمامُ مِنّا مَن أظْهَرَ سَيْفَهُ وقامَ بِطَلَبِ حَقِّ آلِ مُحَمَّدٍ، لا مَن أرْخى عَلَيْهِ سُتُورَهُ وجَلَسَ في بَيْتِهِ. فَقالَ لَهُ الباقِرُ: يا زَيْدُ، إنَّ مَثَلَ القائِمِ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ قَبْلَ قِيامِ مَهْدِيِّهِمْ، مَثَلُ فَرْخٍ نَهَضَ مِن عُشِّهِ مِن قَبْلَ أنْ يَسْتَوِيَ جَناحاهُ. فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ سَقَطَ، فَأخَذَهُ الصِّبْيانُ يَتَلاعَبُونَ بِهِ. فاتَّقِ اللَّهَ في نَفْسِكَ أنْ لا تَكُونَ المَصْلُوبَ غَدًا بِالكُناسَةِ. فَلَمْ يَلْتَفِتْ زَيْدٌ لِكَلامِ الباقِرِ، وخَرَجَ عَلى هِشامٍ، فَظَفَرَ بِهِ وصَلَبَهُ عَلى كُناسَةِ الكُوفَةِ، وأحْرَقَهُ بِالنّارِ، وكانَ كَما حَذَّرَهُ الباقِرُ. وأمّا الدَّوانِيقِيُّ فَهو المَنصُورُ أخُو السَّفّاحِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ قِيلَ لِبُخْلِهِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَخِيلًا، وذَكَرَ مِن عَطائِهِ وكَرْمِهِ أخْبارًا كَثِيرَةً. وأمّا إبْراهِيمُ ومُحَمَّدٌ - اللَّذانِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ - فَهُما ابْنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، كانا قَدْ تَغَيَّبا أيّامَ السَّفّاحِ، وأوَّلَ أيّامِ المَنصُورِ، ثُمَّ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ وأرْبَعِينَ ومِائَةٍ، ودَخَلَ مَسْجِدَ المَدِينَةِ قَبْلَ الفَجْرِ، فَخَطَبَ حَتّى حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَنَزَلَ وصَلّى بِالنّاسِ، وبُويِعَ بِالمَدِينَةِ طَوْعًا، واسْتَعْمَلَ العُمّالَ، وغَلَبَ عَلى المَدِينَةِ والبَصْرَةِ، وجَبى الأمْوالَ. وكانَ إبْراهِيمُ (p-٣٧٩)أخُوهُ قَدْ صارَ إلى البَصْرَةِ يَدْعُو إلَيْهِ. وآخِرُ أمْرِهِما أنَّ المَنصُورَ وجْهَ إلَيْهِما العَساكِرَ وقُتِلا.
وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَنا أحْكامَ الإمامَةِ الكُبْرى، وإنْ كانَ مَوْضُوعُها أُصُولَ الدِّينِ، فَهُناكَ ذِكْرُها، لَكِنِّي لا أُخَلِّي كِتابِي عَنْ شَيْءٍ مُلَخَّصٍ فِيها دُونَ الِاسْتِدْلالِ. فَنَقُولُ: الَّذِي عَلَيْهِ أصْحابُ الحَدِيثِ والسُّنَّةِ، أنَّ نَصْبَ الإمامِ فَرْضٌ، خِلافًا لِفِرْقَةٍ مِنَ الخَوارِجِ وهم أصْحابُ نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ. زَعَمُوا أنَّ الإمامَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، وإنَّما عَلى النّاسِ إقامَةُ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، ولا يَحْتاجُونَ إلى إمامٍ، ولِفِرْقَةٍ مِنَ الإباضِيَّةِ زَعَمَتْ أنَّ ذَلِكَ تَطَوُّعٌ. واسْتِنادُ فَرْضِيَّةِ نَصْبِ الإمامِ لِلشَّرْعِ لا لِلْعَقْلِ، خِلافًا لِلرّافِضَةِ، إذْ أوْجَبَتْ ذَلِكَ عَقْلًا، ويَكُونُ الإمامُ مِن صَمِيمِ قُرَيْشٍ، خِلافًا لِفِرْقَةٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، إذْ قالُوا: إذا وُجِدَ مَن يَصْلُحُ لَها قُرَشِيٌّ ونَبَطِيٌّ، وجَبَ نَصْبُ النَّبَطِيِّ دُونَ القُرَشِيِّ، وسَواءٌ في ذَلِكَ بُطُونُ قُرَيْشٍ كُلُّها، خِلافًا لِمَن خَصَّ ذَلِكَ بِنَسْلِ عَلِيٍّ، أوِ العَبّاسِ، إمّا مَنصُوصًا عَلَيْهِ، وإمّا بِاجْتِهادٍ، ويَكُونُ أفَضْلَ القَوْمِ، فَلا يَنْعَقِدُ لِلْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الفاضِلِ، خِلافًا لِأبِي العَبّاسِ القَلانِسِيِّ، فَإنَّهُ يَقُولُ: يَنْعَقِدُ لِلْمَفْضُولِ، إذا كانَ بِصِفَةِ الإمامَةِ، مَعَ وُجُودِ الفاضِلِ (وشُرُوطُهُ): أنْ يَكُونَ عَدْلًا مُجْتَهِدًا في أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، شُجاعًا، والشَّجاعَةُ في القَلْبِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ ضَبْطُ الأمْرِ وحِفْظِ بَيْضَةِ الإسْلامِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ ساقِطِ العَدالَةِ ابْتِداءً، فَإنْ عُقِدَ لِشَخْصٍ كامِلِ الشُّرُوطِ ثُمَّ طَرَأ مِنهُ فِسْقٌ، فَقالَ أبُو الحَسَنِ: يَجُوزُ الخُرُوجُ عَلَيْهِ إذا أمِنَ النّاسُ. وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقالَ أبُو الحَسَنِ أيْضًا، والقاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبُ: لا يَجُوزُ الخُرُوجُ عَلَيْهِ، وإنْ أمِنَ النّاسُ ذَلِكَ، إلّا أنْ يَكْفُرَ أوْ يَدْعُوَ إلى ضَلالَةٍ وبِدْعَةٍ، والمَرْجُوعُ في نَصْبِهِ إلى اخْتِيارِ أهْلِ الِاجْتِهادِ في الدِّينِ، والعامَّةُ في ذَلِكَ تَبَعٌ لَهم ولا اعْتِبارَ بِهِمْ في ذَلِكَ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ اجْتِماعُ كُلِّ المُجْتَهِدِينَ، ولا اعْتِبارَ في ذَلِكَ بِعَدَدٍ، بَلْ إذا عَقَدَ واحِدٌ مِن أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ، وجَبَتِ المُبايَعَةُ عَلى كُلِّهِمْ، خِلافًا لِمَن خَصَّ أهْلَ البَيْعَةِ بِأرْبَعَةٍ. وقالَ: لا يَنْعَقِدُ بِأقَلَّ مِن ذَلِكَ، أوْ لِمَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِأرْبَعِينَ، أوْ لِمَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِسَبْعِينَ، ثُمَّ مَن خالَفَ كانَ باغِيًا أوْ ناظِرًا أوْ غالِطًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم حُكْمٌ يُذْكَرُ في عِلْمِ الفِقْهِ. ولا يَنْعَقِدُ لِإمامَيْنِ في عَصْرٍ واحِدٍ، خِلافًا لِلْكَرامِيَّةِ، إذْ أجازُوا ذَلِكَ، وزَعَمُوا أنَّ عَلِيًّا ومُعاوِيَةَ كانا إمامَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ، والقَوْلُ بِالتَّقِيَّةِ باطِلٌ، خِلافًا لِلْإمامِيَّةِ، ومَعْناها: أنَّهُ يَكُونُ الشَّخْصُ الجامِعُ لِشُرُوطِ الإمامَةِ إمامًا مَسْتُورًا، لَكِنَّهُ يُخْفِي نَفْسَهُ مَخافَةً مَن غَلَبَ عَلى المُلْكِ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ. ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإمامِ العِصْمَةُ، خِلافًا لِلرّافِضَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ بِوُجُوبِ العِصْمَةِ لِلْإمامِ سِرًّا وعَلَنًا. ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ الإحاطَةُ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، خِلافًا لِلْإمامِيَّةِ، والإمامُ مُفْتَرَضُ الطّاعَةِ فِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهادُهُ. ولَيْسَ لِأحَدٍ الخُرُوجُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ الخُرُوجُ عَلى السُّلْطانِ الغالِبِ، خِلافًا لِمَن رَأى ذَلِكَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ والرّافِضَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النّاسِ هُنا في الإمامَةِ الصُّغْرى وهي: الإمامَةُ في الصَّلاةِ، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ.
2:125Page 19
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥
And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."
﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾: لَمّا رَدَّ عَلى اليَهُودِ في إنْكارِهِمُ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، وكانَتِ الكَعْبَةُ بِناءَ إبْراهِيمَ أبِيهِمْ، كانُوا أحَقَّ بِتَعْظِيمِها، لِأنَّها مِن مَآثِرِ أبِيهِمْ. ولِوَجْهٍ آخِرَ مِن إظْهارِ فَضْلِها، وهو كَوْنُها مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا، وأنَّ فِيها مَقامَ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وإلى ولَدِهِ بِبِنائِها وتَطْهِيرِها، وجَعْلِها مَحَلًّا لِلطّائِفِ والعاكِفِ والرّاكِعِ والسّاجِدِ، وأمَرَهُ بِأنْ يُنادِيَ في النّاسِ بِحَجِّها. والبَيْتُ هُنا: الكَعْبَةُ، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: المُرادُ البَيْتُ الحَرامُ لا نَفْسُ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالأمْنِ، وهَذِهِ صِفَةُ جَمِيعِ الحَرَمِ، لا صِفَةُ الكَعْبَةِ فَقَطْ. ويَجُوزُ إطْلاقُ البَيْتِ، ويُرادُ بِهِ كُلُّ الحَرَمِ. وأمّا الكَعْبَةُ فَلا تُطْلَقُ إلّا عَلى البِناءِ الَّذِي يُطافُ بِهِ، ولا تُطْلَقُ عَلى كُلِّ الحَرَمِ. والتّاءُ في مَثابَةٍ ”لِلْمُبالِغَةِ، لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ إلَيْهِ، قالَهُ (p-٣٨٠)الأخْفَشُ، أوْ لِتَأْنِيثِ المَصْدَرِ، أوْ لِتَأْنِيثِ البُقْعَةِ، كَما يُقالُ مَقامٌ ومَقامَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ يُعْجِزُنِي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
ذَكَرَ رَحْبًا عَلى مُراعاةِ المَكانِ، وأنَّثَ فَسِيحَةً عَلى اللَّفْظِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ:“ مَثاباتٍ ”عَلى الجَمْعِ، وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:
؎مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها ∗∗∗ تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الطَّلائِحُ
ويُرْوى: الذَّوابِلُ. ووَجْهُ قِراءَةِ الجَمْعِ أنَّهُ مَثابَةٌ لِكُلٍّ مِنَ النّاسِ، لا يَخْتَصُّ بِهِ واحِدٌ مِنهم، سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ. و“ مَثابَةً ”، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ مَعْناهُ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، أيْ يَحُجُّونَهُ في كُلِّ عامٍ فَهم يَتَفَرَّقُونَ، ثُمَّ يَثُوبُونَ إلَيْهِ أعْيانُهم أوْ أمْثالُهم، ولا يَقْضِي أحَدٌ مِنهم وطَرًا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎جَعَلَ البَيْتَ مَثابًا لَهم ∗∗∗ لَيْسَ مِنهُ الدَّهْرَ يَقْضُونَ الوَطَرْ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعاذًا ومَلْجَأً. وقالَ قَتادَةُ والخَلِيلُ: مَجْمَعًا. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، فِيما حَكاهُ الماوَرْدِيُّ: أيْ مَكانَ إثابَةٍ: واحِدَةٌ مِنَ الثَّوابِ، وأوْرَدَ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةً احْتِمالًا مِنهُ. والألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ لِلنّاسِ: إمّا لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ النّاسَ كُلَّهم مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإيمانِ، وإمّا لِلْجِنْسِ الخاصِّ عَلى مَذْهَبِ مَن لا يَرى ذَلِكَ. وجَعَلْنا هُنا بِمَعْنى صَيَّرْنا، فَمَثابَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ. وقِيلَ: جَعَلَ هُنا بِمَعْنى: خَلَقَ أوْ وضَعَ، ويَتَعَلَّقُ لِلنّاسِ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مَثابَةٌ كائِنَةٌ، إذْ هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ جَعَلْنا، أيْ لِأجْلِ النّاسِ. والأمْنُ: مُصْدَرٌ جَعَلَ البَيْتَ إيّاهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا أمْنٍ، أوْ عَلى أنَّهُ أُطْلِقَ عَلى اسْمِ الفاعِلِ مَجازًا، أيْ آمِنًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وجَعَلَهُ آمِنًا، اخْتَلَفُوا: هَلْ ذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فَمَن قالَ: إنَّهُ في الدُّنْيا، فَقِيلَ مَعْناهُ: أنَّ النّاسَ كانُوا يَقْتَتِلُونَ، ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ حَوْلَ مَكَّةَ، وهي آمِنَةٌ مِن ذَلِكَ، ويَلْقى الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ فَلا يُهَيِّجُهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَها في النُّفُوسِ حُرْمَةً، وجَعَلَها أمْنًا لِلنّاسِ والطَّيْرِ والوَحْشِ، إلّا الخَمْسَ الفَواسِقَ، فَخُصِّصَتْ مِن ذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأمّا مَن أحْدَثَ حَدَثًا خارِجَ الحَرَمِ ثُمَّ أتى الحَرَمَ، فَفي أمْنِهِ مِن أنْ يُهاجَ، فِيهِ خِلافٌ مَذْكُورٌ في الفِقْهِ. وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّهُ آمِنٌ لِأهْلِهِ، يُسافِرُ أحَدُهُمُ الأماكِنَ البَعِيدَةَ فَلا يُرَوِّعُهُ أحَدٌ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ يُؤْمَنُ مِن أنْ يَحُولَ الجَبابِرَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن قَصَدَهُ. ومَن قالَ هَذا الأمْنَ في الآخِرَةِ، قِيلَ مِنَ المَكْرِ عِنْدَ المَوْتِ. وقِيلَ: مِن عَذابِ النّارِ. وقِيلَ: مِن بَخَسِ ثَوابِ مَن قَصَدَهُ، قالَ قَوْمٌ: وهَذا الأمْنُ مُخْتَصٌّ بِالبَيْتِ. وقِيلَ: يَشْمَلُ البَيْتَ والحَرَمَ. وقالَ في رَيِّ الظَّمْآنِ مَعْناهُ: ذا أمْنٍ لِقاطِنِيهِ مِن أنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ ما يَجْرِي عَلى سُكّانِ البَوادِي وسائِرِ بُلْدانِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وأمْنًا، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: مَثابَةً، ويُفَسَّرُ الأمْنُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَعْنى عَلى الأمْرِ، التَّقْدِيرُ: واجْعَلُوهُ آمِنًا، أيْ جَعَلْناهُ مَثابَةً لِلنّاسِ، فاجْعَلُوهُ آمِنًا لا يَتَعَدّى فِيهِ أحَدٌ عَلى أحَدٍ. فَمَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَ النّاسَ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ آمِنًا مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ، وكانَ البَيْتُ مُحَرَّمًا بِحُكْمِ اللَّهِ، ورُبَّما يُؤَيَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ: واتَّخِذُوا عَلى الأمْرِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ العَطْفُ فِيهِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، عُطِفَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ عَلى جُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، وعَلى القَوْلِ الظّاهِرِ يَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ.
* *
﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والجُمْهُورُ: واتَّخِذُوا، بِكَسْرِ الخاءِ عَلى الأمْرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِها، جَعَلُوهُ فِعْلًا ماضِيًا. فَأمّا قِراءَةُ: واتَّخِذُوا عَلى الأمْرِ، فاخْتُلِفَ مَنِ المُواجَهُ بِهِ، فَقِيلَ: إبْراهِيمُ وذُرِّيَّتُهُ، أيْ وقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ وذُرِّيَّتِهِ: اتَّخِذُوا. وقِيلَ: (p-٣٨١)النَّبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ، أيْ: وقُلْنا اتَّخِذُوا. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ، فَذَكَرَ مِنها وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى» . ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ فَقالَ:“ هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ ”، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ؟ فَقالَ:“ لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ ”. فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ» . وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اتَّخِذُوا مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: المُواجَهُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢] . وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً﴾، قالُوا: لِأنَّ المَعْنى: ثُوبُوا إلى البَيْتِ، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى. وهَذانِ القَوْلانِ بَعِيدانِ. وأمّا قِراءَةُ: واتَّخَذُوا - بِفَتْحِ الخاءِ - فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، فَإمّا عَلى مَجْمُوعِ إذْ جَعَلْنا فَيُحْتاجُ إلى إضْمارِ إذْ، وإمّا عَلى نَفْسِ جَعَلْنا فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِها، بَلْ يَكُونُ في صِلَةِ إذْ. والمَعْنى: واتَّخَذَ النّاسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي وُسِمَ بِهِ لِاهْتِمامِهِ بِهِ، وإسْكانِ ذُرِّيَّتِهِ عِنْدَهُ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.“ مِن مَقامٍ ”: جَوَّزُوا في مِن أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، وبِمَعْنى في، وزائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، والأظْهَرُ الأوَّلُ. وقالَ القَفّالُ: هي مِثْلُ اتَّخَذْتُ مِن فُلانٍ صَدِيقًا، وأعْطانِي اللَّهُ مِن فُلانٍ أخًا صالِحًا، دَخَلَتْ مِن لِبَيانِ المُتَّخَذِ المَوْهُوبِ، وتَمْيِزِهِ في ذَلِكَ المَعْنى، والمَقامُ مَفْعَلٌ مِنَ القِيامِ، يُرادُ بِهِ المَكانُ، أيْ مَكانُ قِيامِهِ، وهو الحَجَرُ الَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِإبْراهِيمُ حِينَ ضَعُفَ عَنْ رَفْعِ الحِجارَةِ الَّتِي كانَ إسْماعِيلُ يُناوِلُهُ إيّاها في بِناءِ البَيْتِ، وغَرِقَتْ قَدَماهُ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وقَتادَةَ وغَيْرُهم، وخَرَّجَهُ البُخارِيُّ، وهو الآنُ مَوْضِعُ ذَلِكَ الحَجَرِ والمُسَمّى مَقامَ إبْراهِيمَ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَألَ المُطَّلِبَ بْنَ أبِي رِفاعَةَ: هَلْ تَدْرِي أيْنَ كانَ مَوْضِعُهُ الأوَّلُ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأراهُ مَوْضِعَهُ اليَوْمَ. قالَ أنَسٌ: رَأيْتُ في المَقامِ أثَرَ أصابِعِهِ وعَقِبِهِ وأخْمُصِ قَدَمَيْهِ، غَيْرُ أنَّهُ أذْهَبَهُ مَسْحُ النّاسِ بِأيْدِيهِمْ. حَكاهُ القُشَيْرِيُّ. أوْ حَجَرٌ جاءَتْ بِهِ أُمُّ إسْماعِيلَ إلَيْهِ وهو راكِبٌ، فاغْتَسَلَ عَلَيْهِ، فَغَرِقَتْ رِجْلاهُ فِيهِ حِينَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ؛ أوْ مَواقِفُ الحَجِّ كُلُّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ، أوْ عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، قالَهُ عَطاءٌ والشَّعْبِيُّ؛ لِأنَّهُ قامَ في هَذِهِ المَواضِعِ ودَعا فِيها؛ أوِ الحَرَمُ كُلُّهُ، قالَهُ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ؛ أوِ المَسْجِدُ الحَرامُ، قالَهُ قَوْمٌ. واتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ورُجِّحَ بِحَدِيثِ عُمَرَ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ؟ الحَدِيثَ، وبِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِنَ الطَّوافِ وأتى المَقامَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ذَلِكَ المَوْضِعُ، ولِأنَّ هَذا الِاسْمَ في العُرْفِ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ المَوْضِعِ، ولِأنَّ الحَجَرَ صارَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ في رُطُوبَةِ الطِّينِ حِينَ غاصَتْ فِيهِ رِجْلاهُ، وفي ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ لَهُ، فَكانَ اخْتِصاصُهُ بِهِ أقْوى مِنَ اخْتِصاصِ غَيْرِهِ. فَكانَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ أوْلى، ولِأنَّ المَقامَ هو مَوْضِعُ القِيامِ، وثَبَتَ قِيامُهُ عَلى الحَجْرِ ولَمْ يَثْبُتْ عَلى غَيْرِهِ.“ مُصَلًّى ”: قِبْلَةً، قالَهُ الحَسَنُ. مَوْضِعَ صَلاةٍ، قالَهُ قَتادَةُ. مَوْضِعَ دُعاءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأُولى الحَمْلُ عَلى الصَّلاةِ الشَّرْعِيَّةِ لا عَلى الصَّلاةِ لُغَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَوْضِعُ صَلاةٍ عَلى قَوْلِ مَن قالَ“ المَقامُ: الحَجَرُ ”، ومَن قالَ غَيْرَهُ قالَ: مُصَلًّى، مَدْعًى عَلى أصْلِ الصَّلاةِ، يَعْنِي في اللُّغَةِ. انْتَهى.
* *
﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أيْ أمَرْنا أوْ وصَّيْنا، أوْ أوْحَيْنا، أوْ قُلْنا، أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿أنْ طَهِّرا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، أيْ طَهِّرا فَفَسَّرَ بِها العَهْدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنْ طَهِّرا. فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي يَحْتَمِلُ الجَرَّ والنَّصْبَ عَلى اخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ. إذا حُذِفَ مِن“ أنْ ”حَرْفُ الجَرِّ، هَلِ المَحَلُّ نَصْبٌ أوْ خَفْضٌ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَرَّةً في وصْلِ أنْ بِفِعْلِ الأمْرِ، وأنَّهُ نَصَّ عَلى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولا أحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ: عَجِبْتُ مِن أنْ أضْرِبَ زَيْدًا، ولا يُعْجِبُنِي أنْ أضْرِبَ زَيْدًا، فَتُوصَلُ بِالأمْرِ، ولِأنَّ انْسِباكَ المَصْدَرِ يُحِيلُ مَعْنى الأمْرَ (p-٣٨٢)ويُصَيِّرُهُ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ ويُنافِي ذَلِكَ الأمْرَ. والتَّطْهِيرُ: المَأْمُورُ بِهِ هو التَّنْظِيفُ مِن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ. وقَدْ فَسَّرُوا التَّطْهِيرَ بِالبِناءِ والتَّأْسِيسِ عَلى الطَّهارَةِ والتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وهو بَعِيدٌ، وبِالتَّطْهِيرِ مِنَ الأوْثانِ. وذَكَرُوا أنَّهُ كانَ عامِرًا عَلى عَهْدِ نُوحٍ، وأنَّهُ كانَ فِيهِ أصْنامٌ عَلى أشْكالِ صالِحِيهِمْ، وأنَّهُ طالَ العَهْدُ، فَعُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِتَطْهِيرِهِ مِن تِلْكَ الأوْثانِ، قالَهُ جُبَيْرٌ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ ومُقاتِلٌ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْصَبُ فِيهِ وثَنٌ ولا يُعْبَدُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ. وقالَ يَمانٌ: مَعْناهُ بَخِّراهُ ونَظِّفاهُ وخَلِّقاهُ. وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرَّيْبِ. وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: مِنَ الفَرْثِ والدَّمِ الَّذِي كانَ يُطْرَحُ فِيهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ أخْلِصاهُ لِهَؤُلاءِ، لا يَغْشاهُ غَيْرُهم، والأُولى حَمْلُهُ عَلى التَّطْهِيرِ مِمّا لا يُناسِبُ بُيُوتَ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْثانُ والأنْجاسُ، وجَمِيعُ الخَبائِثِ، وما يُمْنَعُ مِنهُ شَرْعًا، كالحائِضِ.
﴿بَيْتِيَ﴾: هَذِهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، لا أنَّ مَكانًا مَحَلٌّ لِلَّهِ تَعالى، ولَكِنْ لَمّا أمَرَ بِبِنائِهِ وتَطْهِيرِهِ وإيفادِ النّاسِ مِن كُلِّ فَجٍّ إلَيْهِ، صارَ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ، فَحَسُنَتْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ بِذَلِكَ، وصارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] و﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنهُما خُصُوصِيَّةً لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ، فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِ تَعالى. والأمْرُ بِتَطْهِيرِهِ يَقْتَضِي سَبْقَ وجُودِهِ، إلّا إذا حَمَلْنا التَّطْهِيرَ عَلى البِناءِ والتَّأْسِيسِ عَلى الطَّهارَةِ والتَّقْوى. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى عَهْدِ نُوحٍ.
﴿لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ كُلُّ مَن يَطُوفُ مِن حاضَرٍ أوْ بادٍ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الغُرَباءُ الطّارِئُونَ عَلى مَكَّةَ حُجّاجًا وزُوّارًا، فَيَرْحَلُونَ عَنْ قَرِيبٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ ذُكِرَ بَعْدَهُ“ والعاكِفِينَ ”، قالَ: وهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ المُقِيمُونَ، والمُقِيمُ مُقابِلُ المُسافِرِ. وقالَ عَطاءٌ: العاكِفُونَ هُمُ الجالِسُونَ مِن غَيْرِ طَوافٍ مِن بَلَدِيٍّ وغَرِيبٍّ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُجاوِرُونَ لَهُ مِنَ الغُرَباءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُصَلُّونَ؛ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ يَدْخُلُ إلى البَيْتِ، إنَّما يَدْخُلُ لِطَوافٍ أوْ صَلاةٍ. وقِيلَ: هُمُ المُعْتَكِفُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعاكِفِينَ: الواقِفِينَ، يَعْنِي القائِمِينَ، كَما قالَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ، والمَعْنى لِلطّائِفِينَ والمُصَلِّينَ؛ لِأنَّ القِيامَ والرُّكُوعَ والسُّجُودَ هَيْآَتُ المُصَلِّي. انْتَهى. ولَوْ قالَ: القائِمُ هُنا مَعْناهُ: العاكِفُ، مِن قَوْلِهِ:“ ﴿ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] " لَكانَ حَسَنًا، ويَكُونُ في ذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ أحْوالِ مَن دَخَلَ البَيْتِ لِلتَّعَبُّدِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إذْ ذاكَ مِن طَوافٍ أوِ اعْتِكافٍ أوْ صَلاةٍ، فَيَكُونُ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ أجْمَعَ لِما هُيِّئَ البَيْتُ لَهُ.
﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: هُمُ المُصَلُّونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وخَصَّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ بِالذِّكْرِ مِن جَمِيعِ أحْوالِ المُصَلِّي، لِأنَّهُما أقْرَبُ أحْوالِهِ إلى اللَّهِ، وقَدَّمَ الرُّكُوعَ عَلى السُّجُودِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ في الزَّمانِ، وجُمِعا جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِمُقابَلَتِهِما ما قَبْلَهُما مِن جَمْعَيِ السَّلامَةِ، فَكانَ ذَلِكَ تَنْوِيعًا في الفَصاحَةِ، وخالَفَ بَيْنَ وزْنَيْ تَكْسِيرِهِما تَنْوِيعًا في الفَصاحَةِ أيْضًا، وكانَ آخِرُهُما عَلى فُعُولٍ لا عَلى فُعَّلٍ لِأجْلِ كَوْنِها فاصِلَةً، والفَواصِلُ قَبْلَها وبَعْدَها آخِرُها قَبْلَهُ حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ، وعُطِفَتْ تَيْنِكَ الصِّفَتانِ لِفَرْطِ التَّبايُنِ بَيْنَهُما بِأيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَهُما مِمّا سَبَقَ. ولَمْ يَعْطِفِ السُّجُودَ عَلى الرُّكَّعِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِما المُصَلُّونَ. والرُّكَّعُ والسُّجُودُ وإنِ اخْتَلَفَتْ هَيْئاتُهُما فَيَشْمَلُهُما فِعْلٌ واحِدٌ وهو الصَّلاةُ. فالمُرادُ بِالرُّكَّعِ السُّجُودِ: المُصَلُّونَ، فَناسَبَ أنْ لا يَعْطِفَ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عِبادَةٌ عَلى حِيالِها، ولَيْسَتا مُجْتَمِعَتَيْنِ في عِبادَةٍ واحِدَةٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الصَّلاةِ في البَيْتِ فَرْضًا ونَفْلًا، إذْ لَمْ يُخَصِّصْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences