Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:138–140
2:138Page 21
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨
[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسُمِّيَ صِبْغَةً لِظُهُورِ أثَرِ الدِّينِ عَلى صاحِبِهِ، كَظُهُورِ أثَرِ الصَّبْغِ عَلى الثَّوْبِ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُهُ ولا يُفارِقُهُ، كالصَّبْغِ في الثَّوْبِ، أوْ فِطْرَةَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ؛ أوْ خِلْقَةَ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عُبَيْدٍ؛ أوْ سُنَّةَ اللَّهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ أوِ الإسْلامَ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا؛ أوْ جِهَةَ اللَّهِ يَعْنِي القِبْلَةَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ؛ أوْ حُجَّةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، قالَهُ الأصَمُّ: أوِ الخِتانَ؛ لِأنَّهُ يَصْبُغُ صاحِبَهُ بِالدَّمِ. والنَّصارى إذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ غَمَسُوهُ في السّابِعِ في ماءٍ يُقالُ لَهُ المَعْمُودِيَّةُ، فَيَتَطَهَّرُ عِنْدَهم ويَصِيرُ نَصْرانِيًّا. اسْتَغْنَوْا بِهِ عَنِ الخِتانِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، أوِ الِاغْتِسالَ لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ عِوَضًا عَنْ ماءِ المَعْمُودِيَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ؛ أوِ القُرْبَةَ إلى اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ؛ أوِ التَّلْقِينِ، يُقالُ: فُلانٌ يَصْبُغُ فُلانًا في الشَّيْءِ، أيْ يُدْخِلُهُ فِيهِ ويُلْزِمُهُ إيّاهُ، كَما يَجْعَلُ الصَّبْغَ لازِمًا لِلثَّوْبِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والأقْرَبُ مِنها هو الدِّينُ والمِلَّةُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآيَةَ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلَ الدِّينِ الحَنِيفِيِّ، فَكَنّى بِالصِّبْغَةِ عَنْهُ، ومَجازُهُ ظُهُورُ الأثَرِ، أوْ مُلازَمَتُهُ لِمَن يَنْتَحِلُهُ. فَهو كالصَّبْغِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، كَما قالَ. وكَذَلِكَ الإيمانُ، حِينَ تُخالِطُ بِشاشَتُهُ القُلُوبَ. والعَرَبُ تُسَمِّي دِيانَةَ الشَّخْصِ لِشَيْءٍ، واتِّصافَهَ بِهِ صِبْغَةً. قالَ بَعْضُ شُعَراءِ مُلُوكِهِمْ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغْ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أبْناءَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأصْلَ في تَسْمِيَةِ الدِّينِ صِبْغَةً: أنَّ عِيسى حِينَ قَصَدَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَقالَ: جِئْتُ لِأصْبُغَ مِنكَ، وأغْتَسِلَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ. فَلَمّا خَرَجَ، نَزَلَ عَلَيْهِ رُوحُ القُدُسِ، فَصارَتِ النَّصارى يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأوْلادِهِمْ في كَنائِسِهِمْ، تَشْبِيهًا بِعِيسى، ويَقُولُونَ: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا. وزَعَمُوا أنَّ في الإنْجِيلِ ذُكِرَ عِيسى بِأنَّهُ الصّابِغُ. ويُسَمُّونَ الماءَ الَّذِي يَغْمِسُونَ فِيهِ أوْلادَهُمُ: المَعْمُودِيَّةَ - بِالدّالِ - ويُقالُ: المَعْمُورِيَّةُ - بِالرّاءِ - . قالَ: ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الفِعْلَ التَّغْمِيسَ، ومِنهم مَن يُسَمِّيهِ الصَّبْغَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ . وقالَ الرّاغِبُ: الصِّبْغَةُ إشارَةٌ إلى ما أوْجَدَهُ في النّاسِ مِن بَدائِهِ العُقُولِ الَّتِي مَيَّزَنا بِها عَنِ البَهائِمِ، ورَشَّحَنا بِها لِمَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ طَلَبِ الحَقِّ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِالفِطْرَةِ. وسُمِّيَ ذَلِكَ بِالصِّبْغَةِ مِن حَيْثُ إنَّ قُوى الإنْسانِ، إذا اعْتُبِرَتْ جَرَتْ مَجْرى الصِّبْغَةِ في المَصْبُوغِ، ولَمّا كانَتِ النَّصارى، إذا لَقَّنُوا أوْلادَهُمُ النَّصْرانِيَّةَ يَقُولُونَ: نَصَّرْناهُ، فَقالَ: إنَّ الإيمانَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ صِبْغَةُ اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: صِبْغَةَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ، ومَن قَرَأ بِرَفْعِ مِلَّةٍ، قَرَأ بِرَفْعِ صِبْغَةٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ تِلْكَ قِراءَةُ الأعْرَجِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ. فَأمّا النَّصْبُ، فَوَجْهٌ عَلى أوْجُهٍ، أظْهَرُها أنَّهُ مَنصُوبٌ انْتِصابَ المَصْدَرِ (p-٤١٢)المُؤَكَّدِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] . وقِيلَ: عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] . وقِيلَ: عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، أمّا الإغْراءُ فَتُنافِرُهُ آخِرُ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾، إلّا إنْ قُدِّرَ هُناكَ قَوْلٌ، وهو إضْمارٌ لا حاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا دَلِيلَ مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ. وأمّا البَدَلُ فَهو بَعِيدٌ، وقَدْ طالَ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ بِجُمَلٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا انْتِصابَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٣٦]، فَإنْ كانَ الأمْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المَعْنى: صَبَغَنا اللَّهُ بِالإيمانِ صِبْغَةً، ولَمْ يَصْبُغْ صِبْغَتَكم. وإنْ كانَ الأمْرُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فالمَعْنى: صَبَغَنا اللَّهُ بِالإيمانِ صِبْغَةً، لا مِثْلَ صِبْغَتِنا، وطَهَّرَنا بِهِ تَطْهِيرًا، لا مِثْلَ تَطْهِيرِنا. ونَظِيرُ نَصْبِ هَذا المَصْدَرِ نَصْبُ قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، إذْ قَبْلَهُ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، مَعْناهُ: صُنْعَ اللَّهِ ذَلِكَ صُنْعَهُ، وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ الصِّبْغَةِ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يَغْرِسُ الأشْجارَ: اغْرِسْ كَما يَغْرِسُ فُلانٌ، يُرِيدُ رَجُلًا يَصْطَنِعُ الكَرْمَ. وأمّا قِراءَةُ الرَّفْعِ، فَذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذَلِكَ الإيمانُ صِبْغَةُ اللَّهِ.
﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾: هَذا اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ: النَّفْيُ، أيْ ولا أحَدَ أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً. وأحْسَنُ هُنا لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ التَّفْضِيلِ، إذْ صِبْغَةُ غَيْرِ اللَّهِ مُنْتَفٍ عَنْها الحُسْنُ، أوْ يُرادُ التَّفْضِيلُ، بِاعْتِبارِ مَن يَظُنُّ أنَّ في صِبْغَةِ غَيْرِ اللَّهِ حُسْنًا، لا أنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ. وانْتِصابُ ”صِبْغَةً“ هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، وهو مِنَ التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المُبْتَدَأِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ غَرِيبٌ، أعْنِي نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ مِنَ التَّمْيِيزِ المَنقُولِ تَمْيِيزًا نُقِلَ مِنَ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ. فالتَّفْضِيلُ إنَّما يَجْرِي بَيْنَ الصِّبْغَتَيْنِ، لا بَيْنَ الصّابِغِينَ.
﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا العَطْفُ يَرُدُّ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن مِلَّةٍ، أوْ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ، بِمَعْنى: عَلَيْكم صِبْغَةَ اللَّهِ، لِما فِيهِ مِن فَكِّ النَّظْمِ وإخْراجِ الكَلامِ عَنِ التِئامِهِ واتِّساقِهِ. وانْتِصابُها يَعْنِي: صِبْغَةَ اللَّهِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، هو الَّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، والقَوْلُ ما قالَتْ حَذامُ. انْتَهى. وتَقْدِيرُهُ: في الإغْراءِ ”عَلَيْكم صِبْغَةَ اللَّهِ“ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الإغْراءَ إذا كانَ بِالظَّرْفِ والمَجْرُورِ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ذَلِكَ الظَّرْفِ ولا المَجْرُورِ، ولِذَلِكَ حِينَ ذَكَرْنا وجْهَ الإغْراءِ قَدَّرْناهُ ”بِالزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ“ . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى العِبادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وأمّا هُنا فَقِيلَ: عابِدُونَ مُوَحِّدُونَ، ومِنهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أيْ لِيُوَحِّدُونِ. وقِيلَ: مُطِيعُونَ مُتَّبِعُونَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ وصِبْغَةَ اللَّهِ. وقِيلَ: خاضِعُونَ مُسْتَكِينُونَ في اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، غَيْرُ مُسْتَكْبِرِينَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
2:139Page 21
قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩
Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."
﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: سَبَبُ النُّزُولِ، قِيلَ: إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا مِنّا وعَلى دِينِنا، ولَمْ تَكُنْ مِنَ العَرَبِ، ولَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا وعَلى دِينِنا. وقِيلَ: حاجُّوا المُسْلِمِينَ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ وأصْحابُ الكِتابِ الأوَّلِ، وقَبْلَتُنا أقْدَمُ؛ فَنَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، فَأُنْزِلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ: أتُحاجُونَنا بِنُونَيْنِ، إحْداهُما نُونُ الرَّفْعِ والأُخْرى الضَّمِيرُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِإدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأجازَ بَعْضُهم حَذْفَ النُّونِ. أمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَظاهِرَةٌ، وأمّا قِراءَةُ زَيْدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، فَوَجْهُها أنَّهُ لَمّا التَقى مِثْلانِ، وكانَ قَبْلَ الأوَّلِ حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ، جازَ الإدْغامُ كَقَوْلِكَ: هَذِهِ دارُ راشِدٍ؛ لِأنَّ المَدَّ يَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ في نَحْوِ: جَعَلَ لَكَ. وأمّا جَوازُ حَذْفِ النُّونِ الأُولى، فَوَجْهُ مَن أجازَ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، بِكَسْرِ النُّونِ، وأنْشَدُوا:
؎تَراهُ كالثُّغامِ يَعُلُّ مِسْكًا يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي
(p-٤١٣)يُرِيدُ: فَلَيْنَنِي. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: قُلْ لِلرَّسُولِ، أوْ لِلسّامِعِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ مَصْحُوبًا بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والواوُ ضَمِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، إذْ قالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. وقِيلَ: ضَمِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ. والمُحاجَّةُ هُنا: المُجادَلَةُ. والمَعْنى: أتُجادِلُونَنا في شَأْنِ اللَّهِ واصْطِفائِهِ النَّبِيَّ مِنَ العَرَبِ دُونَكم، وتَقُولُونَ لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ لَأنْزَلَ عَلَيْنا، وتَرَوْنَكم أحَقَّ بِالنَّبُوَّةِ مِنّا ؟ ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَعْنِي أنَّهُ مالِكُهم كُلِّهِمْ، فَهم مُشْتَرِكُونَ في العُبُودِيَّةِ، فَلَهُ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ مِنَ الكَرامَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ مَعَ اعْتِرافِنا كُلِّنا أنّا مَرْبُوبُونَ لِرَبٍّ واحِدٍ، فَلا يُناسِبُ الجِدالُ فِيما شاءَ مِن أفْعالِهِ، وما خَصَّ بِهِ بَعْضَ مَرْبُوباتِهِ مِنَ الشَّرَفِ والزُّلْفى؛ لِأنَّهُ مُتَصَرِّفٌ في كُلِّهِمْ تَصَرُّفَ المالِكِ. وقِيلَ المَعْنى: أتُجادِلُونَنا في دِينِ اللَّهِ، وتَقُولُونَ إنَّ دِينَكم أفْضَلُ الأدْيانِ، وكِتابَكم أفْضَلُ الكُتُبِ ؟ والظّاهِرُ إنْكارُ المُجادَلَةِ في اللَّهِ، حَيْثُ زَعَمَتِ النَّصارى أنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ، وحَيْثُ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وحَيْثُ زَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّ اللَّهَ لَهُ ولَدٌ، وزَعَمُوا أنَّهُ شَيْخٌ أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، إلى ما يَدَّعُونَهُ فِيهِ مِن سِماتِ الحُدُوثِ والنَّقْصِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ كَيْفَ يَدْعُونَ ذَلِكَ، والرَّبُّ واحِدٌ لَهم، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِقادُ فِيهِ واحِدًا، وهو أنْ تَثْبُتَ صِفاتُهُ العُلا، ويُنَزَّهُ عَنِ الحُدُوثِ والنَّقْصِ.
﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾، المَعْنى: ولَنا جَزاءُ أعْمالِنا، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. والمَعْنى: أنَّ الرَّبَّ واحِدٌ، وهو المُجازِي عَلى الأعْمالِ، فَلا تَنْبَغِي المُجادَلَةُ فِيهِ ولا المُنازَعَةُ.
﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾: ولَمّا بَيَّنَ القَدْرَ المُشْتَرَكَ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ والجَزاءِ، ذَكَرَ ما يُمَيَّزُ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى في العَمَلِ والِاعْتِقادِ، وعَدَمِ الإشْراكِ الَّذِي هو مَوْجُودٌ في النَّصارى وفي اليَهُودِ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الحُدُوثِ والنَّقْصِ، فَقَدْ أشْرَكَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. والمَعْنى: أنّا لَمْ نَشُبْ عَقائِدَنا وأفْعالَنا بِشَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ، كَما ادَّعَتِ اليَهُودُ في العِجْلِ والنَّصارى في عِيسى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن بابِ التَّعْرِيضِ بِالذَّمِّ؛ لِأنَّ ذِكْرَ المُخْتَصِّ بَعْدَ ذِكْرِ المُشْتَرِكِ نَفْيٌ لِذَلِكَ المُخْتَصِّ عَمَّنْ شارَكَ في المُشْتَرَكِ، ويُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِطْرادًا، وهو أنْ يَذْكُرَ مَعْنًى يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَدْحًا لِفاعِلِهِ وذَمًّا لِتارِكِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وإنّا لَقَوْمٌ ما نَرى القَتْلَ سُبَّةً ∗∗∗ إذا ما رَأتْهُ عامِرٌ وسَلُولُ
وهِيَ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ، كانَ حَقِيقًا أنْ يَكُونَ مِنهُمُ الأنْبِياءُ وأهْلُ الكَرامَةِ، وقَدْ كَثُرَتْ أقْوالُ أرْبابِ المَعانِي في الإخْلاصِ. فَرُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سَألْتُ جِبْرِيلَ عَنِ الإخْلاصِ ما هو ؟ فَقالَ: سَألْتُ رَبَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هو ؟ فَقالَ: سِرٌّ مِن أسْرارِي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَن أحْبَبْتُهُ مِن عِبادِي» . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الإخْلاصُ: أنْ لا يُشْرِكَ في دِينِهِ، ولا يُرائِي في عَمَلِهِ أحَدًا. وقالَ الفُضَيْلُ: تَرْكُ العَمَلِ مِن أجْلِ النّاسِ رِياءٌ، والعَمَلُ مِن أجْلِ النّاسِ شِرْكٌ، والإخْلاصُ أنْ يُعافِيَكَ اللَّهُ مِنهُما. وقالَ ابْنُ مُعاذٍ: تَمْيِيزُ العَمَلِ مِنَ الذُّنُوبِ، كَتَمْيِيزِ اللَّبَنِ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ. وقالَ البُوشَنْجِيُّ: هو مَعْنًى لا يَكْتُبُهُ المَلَكانِ، ولا يُفْسِدُهُ الشَّيْطانُ، ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الإنْسانُ، أيْ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ. وقالَ رُوَيْمٌ: هو ارْتِفاعُ عَمَلِكَ عَنِ الرُّؤْيَةِ. وقالَ حُذَيْفَةُ المُرْعَشِيُّ: أنْ تَسْتَوِيَ أفْعالُ العَبْدِ في الظّاهِرِ والباطِنِ. وقالَ أبُو يَعْقُوبَ المَكْفُوفُ: أنْ يَكْتُمَ العَبْدُ حَسَناتِهِ، كَما يَكْتُمُ سَيِّئاتِهِ. وقالَ سَهْلٌ: هو الإفْلاسُ، ومَعْناهُ أنْ يَرْجِعَ إلى احْتِقارِ العَمَلِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: لِلْمُرائِي ثَلاثُ عَلاماتٍ: يَكْسَلُ إذا كانَ وحْدَهُ، ويَنْشَطُ إذا كانَ في النّاسِ، ويَزِيدُ في العَمَلِ إذا أُثْنِيَ عَلَيْهِ. وهَذا القَوْلُ الَّذِي أمَرَ بِهِ ﷺ أنْ يَقُولَهُ عَلى وجْهِ الشَّفَقَةِ والنَّصِيحَةِ في الدِّينِ، لِيُنَبَّهُوا عَلى أنَّ تِلْكَ المُجادَلَةَ مِنكم لَيْسَتْ واقِعَةً مَوْقِعَ الصِّحَّةِ، ولا هي مِمّا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ولَيْسَ مَقْصُودُنا بِهَذا التَّنْبِيهِ دَفْعَ ضَرَرٍ مِنكم، (p-٤١٤)وإنَّما مَقْصُودُنا نُصْحُكم وإرْشادُكم إلى تَخْلِيصِ اعْتِقادِكم مِنَ الشِّرْكِ، وأنْ تُخْلِصُوا كَما أخْلَصْنا، فَنَكُونَ سَواءً في ذَلِكَ.
2:140Page 21
أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠
Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.
﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: أمْ تَقُولُونَ بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ. فَأمّا قِراءَةُ التّاءِ، فَتَحْتَمِلُ أمْ فِيهِ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِيهِ أمْ مُتَّصِلَةً، فالِاسْتِفْهامُ عَنْ وُقُوعِ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: المُحاجَّةُ في اللَّهِ، والِادِّعاءُ عَلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، أنَّهم كانُوا يَهُودًا ونَصارى، وهو اسْتِفْهامٌ صَحِبَهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ أمْ فِيهِ مُنْقَطِعَةً، فَتُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، التَّقْدِيرُ: بَلْ أتَقُولُونَ، فَأضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وانْتَقَلَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ اللّاحِقَةِ، عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ أيْضًا، أيْ أنَّ نِسْبَةَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ لِإبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، بِشَهادَةِ القَوْلِ الصِّدْقِ الَّذِي أتى بِهِ الصّادِقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وبِشَهادَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى التَّوْحِيدِ والحَنِيفِيَّةِ، وبِشَهادَةِ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لِمَنِ اقْتَفى طَرِيقَةَ عِيسى، وبِأنَّ ما يَدَّعُونَهُ مِن ذَلِكَ قَوْلٌ بِلا بُرْهانٍ، فَهو باطِلٌ. وأمّا قِراءَةُ الياءِ، فالظّاهِرُ أنَّ أمْ فِيها مُنْقَطِعَةٌ. وحَكى أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ: أنَّها لَيْسَتْ بِمُنْقَطِعَةٍ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ فالمَعْنى: أيَكُونُ هَذا أمْ هَذا ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا المِثالُ يَعْنِي: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ، والمُخاطَبَ واحِدٌ، والقَوْلَ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، والمُخاطَبَ اثْنانِ غَيْرانِ، وإنَّما يَتَّجِهُ مُعادَلَةُ أمْ لِلْألِفِ عَلى الحُكْمِ المَعْنَوِيِّ، كانَ مَعْنى قُلْ أتُحاجُّونَنا، أيُحاجُّونَ يا مُحَمَّدُ، أمْ يَقُولُونَ ؟ انْتَهى. ومَعْنى قَوْلِهِ: لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ، يَعْنِي في المِثالِ الَّذِي هو: أيَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ فالنّاطِقُ بِهاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ هو واحِدٌ، وقَوْلُهُ: والمُخاطَبُ واحِدٌ، يَعْنِي الَّذِي خُوطِبَ بِهَذا الكَلامِ، والمُعادَلَةُ وقَعَتْ بَيْنَ قِيامِ المُواجَهِ بِالخِطابِ وبَيْنَ قِيامِ عَمْرٍو، وقَوْلُهُ.: والقَوْلُ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، يَعْنِي أنَّ أتُحاجُّونَنا مِن قَوْلِ الرَّسُولِ، إذْ أُمِرَ أنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ، وأتَقُولُونَ بِالتّاءِ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: والمُخاطَبُ اثْنانِ غَيْرانِ، أمّا الأوَّلُ فَقَوْلُهُ أتُحاجُّونَنا، وأمّا الثّانِي فَهو لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: أمْ يَقُولُونَ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيمَن قَرَأ بِالياءِ، لا تَكُونُ إلّا مُنْقَطِعَةً. انْتَهى. ويُمْكِنُ الِاتِّصالُ فِيها مَعَ قِراءَةِ التّاءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ؛ إذْ صارَ فِيهِ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ، والضَّمِيرُ لِناسٍ مَخْصُوصِينَ. والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ أمْ في القِراءَتَيْنِ مَعًا مُنْقَطِعَةً، وكَأنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهم في اللَّهِ ونِسْبَةَ أنْبِيائِهِ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] الآياتِ. وإذا جَعَلْناها مُتَّصِلَةً، كانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَضَمِّنٍ وُقُوعَ الجُمْلَتَيْنِ، بَلْ إحْداهُما، وصارَ السُّؤالُ عَنْ تَعْيِينِ إحْداهُما، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ إذْ وقَعا مَعًا. والقَوْلُ في أوْ فَيَقُولُ: ﴿هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥]، وأنَّها لِلتَّفْضِيلِ، أيْ قالَتِ اليَهُودُ: هم يَهُودُ، وقالَتِ النَّصارى: هم نَصارى.
﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾: القَوْلُ في القِراآتِ في ”أأنْتُمْ“، كَهو في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وقَدْ تَوَسَّطَ هُنا المَسْئُولُ عَنْهُ، وهو أحْسَنُ مِن تَقَدُّمِهِ وتَأخُّرِهِ، إذْ يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَقُولَ: أأعْلَمُ أنْتُمْ أمِ اللَّهُ ؟ ويَجُوزُ: أأنْتُمْ أمِ اللَّهُ أعْلَمُ ؟ ولا مُشارَكَةَ بَيْنِهِمْ وبَيْنَ اللَّهِ في العِلْمِ حَتّى يَسْألَ: أهم أزْيَدُ عِلْمًا أمِ اللَّهُ ؟ ولَكِنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ والِاسْتِهْزاءِ، وعَلى تَقْدِيرٍ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ عِلْمٌ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ حَسّانَ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وقَدْ عَلِمَ أنَّ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ، هو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ الَّذِي هو شَرُّ كُلُّهِ هو هاجِيهِ. وفي هَذا رَدٌّ عَلىاليَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا (p-٤١٥)ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، ولِأنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ إنَّما حَدَثَتا بَعْدَ إبْراهِيمَ، ولِأنَّهُ أخْبَرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ مُمَيَّزِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وخَرَجَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَخْرَجَ ما يُتَرَدَّدُ فِيهِ؛ لِأنَّ أتْباعَ أحْبارِهِمْ رُبَّما تَوَهَّمُوا، أوْ ظَنُّوا أنَّ أُولَئِكَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى لِسَماعِهِمْ ذَلِكَ مِنهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أوْ لِأنَّ أحْبارَهم كانُوا يَعْلَمُونَ بُطْلانَ مَقالَتِهِمْ في إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، لَكِنَّهم كَتَمُوا ذَلِكَ ونَحَلُوهم إلى ما ذَكَرُوا، فَنَزَلُوا لِكَتْمِهِمْ ذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في الشَّيْءِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ؛ لِأنَّ مَن خُوطِبَ بِهَذا الكَلامِ بادَرَ إلى أنْ يَقُولَ: اللَّهُ أعْلَمُ، فَكانَ ذَلِكَ أقْطَعَ لِلنِّزاعِ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ كانُوا مُبايِنِينَ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، لَكِنَّهم كَتَمُوا ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الِاسْتِفْهامِ، وأنَّهُ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ، فالمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ الجائِي بَعْدَ مَنَ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]، والمَنفِيُّ عَنْهُمُ التَّفْضِيلُ في الكَتْمِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ تابَعُوا اليَهُودَ عَلى الكَتْمِ. والشَّهادَةُ هي أنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ مَعْصُومُونَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ الباطِلَتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ، أوْ ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتِهِ، والأمْرِ بِتَصْدِيقِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ؛ أوِ الإسْلامِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ.
مِنَ اللَّهِ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مُتَعَلِّقَةً بِلَفْظِ كَتَمَ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ كَتَمَ مِن عِبادِ اللَّهِ شَهادَةً عِنْدَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ ذَمَّهم عَلى مَنعِ أنْ يَصِلَ إلى عِبادِ اللَّهِ، وأنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِمْ شَهادَةَ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مُتَعَلِّقَةً بِالعامِلِ في الظَّرْفِ، إذِ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والتَّقْدِيرُ: شَهادَةٌ كائِنَةٌ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، أيِ اللَّهُ تَعالى قَدْ أشْهَدَهُ تِلْكَ الشَّهادَةَ، وحَصَلَتْ عِنْدَهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ واسْتَوْدَعَهُ إيّاها، وهو قَوْلُهُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في هَذا الوَجْهِ: فَمِن عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِعِنْدَهُ، والتَّحْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ أنَّ العامِلَ في الظَّرْفِ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ، ونِسْبَةُ التَّعَلُّقِ إلى الظَّرْفِ مَجازٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ كَتَمَ شَهادَةَ اللَّهِ الَّتِي عِنْدَهُ أنَّهُ شَهِدَ بِها، وهي شَهادَتُهُ لِإبْراهِيمَ بِالحَنِيفِيَّةِ. ومِن في قَوْلِهِ: شَهادَةً مِنَ اللَّهِ، مِثْلُها في قَوْلِكَ: هَذِهِ شَهادَةٌ مِنِّي لِفُلانٍ، إذا شَهِدْتَ لَهُ، ومِثْلُهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] . انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِهِ: أنَّ مِنَ اللَّهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَهادَةٍ، أيْ كائِنَةٌ مِنَ اللَّهِ، وهو وجْهٌ ثالِثٌ في العامِلِ في مِن. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ: أنَّ العامِلَ في الوَجْهِ قَبْلَهُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ واحِدٌ، وفي هَذا الوَجْهِ اثْنانِ، وكانَ جَعْلُ مِن مَعْمُولًا لِلْعامِلِ في الظَّرْفِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَهادَةٍ - أحْسَنَ مِن تَعَلُّقِ مِن بِكَتَمَ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الأظْلَمِيَّةِ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ قَدِ اسْتَوْدَعَها اللَّهُ إيّاهُ فَكَتَمَها. وعَلى التَّعَلُّقِ بِكَتَمَ، تَكُونُ الأظْلَمِيَّةُ حاصِلَةً لِمَن كَتَمَ مِن عِبادِ اللَّهِ شَهادَةً مُطْلَقَةً وأخْفاها عَنْهم، ولا يَصِحُّ إذْ ذاكَ الأظْلَمِيَّةُ؛ لِأنَّ فَوْقَ هَذِهِ الشَّهادَةِ ما تَكُونُ الأظْلَمِيَّةُ فِيهِ أكْثَرَ، وهو كَتْمُ شَهادَةٍ اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ إيّاها، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنا أنْ لا تَتَعَلَّقَ مِن بِكَتَمَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الكِتابِ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهم؛ لِأنَّهم كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ وهم عالِمُونَ بِها. والثّانِي: أنّا لَوْ كَتَمْنا هَذِهِ الشَّهادَةَ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنّا، فَلا نَكْتُمُها، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللَّهِ لِمُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ في كُتُبِهِمْ وسائِرِ شَهاداتِهِ. انْتَهى كَلامُهُ، . والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَقَدَّمَها الإنْكارُ، لِما نَسَبُوهُ إلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ. فالَّذِي يَلِيقُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَعَ أهْلِ الكِتابِ لا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وأتْباعِهِ، لِأنَّهم مُقِرُّونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، وعالِمُونَ بِذَلِكَ العِلْمِ اليَقِينِ، فَلا يُفْرَضُ في حَقِّهِمْ كِتْمانُ ذَلِكَ.
وذُكِرَ في (رَيِّ الظَّمْآنِ): أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ (p-٤١٦)شَهادَةً حَصَلَتْ لَهُ ؟ كَقَوْلِكَ: ومَن أظْلَمُ مِن زَيْدٍ ؟ مِن جُمْلَةِ الكاتِمِينَ لِلشَّهادَةِ. والمَعْنى: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ يَهُودًا ونَصارى. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ يَكْتُمُ الشَّهادَةَ أظْلَمَ مِنهُ، لَكِنْ لَمّا اسْتَحالَ ذَلِكَ مَعَ عَدْلِهِ وتَنْزِيهِهِ عَنِ الكَذِبِ، عَلِمْنا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا مِن حَيْثُ التَّرْكِيبُ، ومِن حَيْثُ المَدْلُولُ. أمّا مِن حَيْثُ التَّرْكِيبُ، فَزَعَمَ قائِلُهُ أنَّ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وهَذا لا يَكُونُ عِنْدَنا إلّا في الضَّرائِرِ. وأيْضًا فَيَبْقى قَوْلُهُ: ”مِمَّنْ كَتَمَ“ مُتَعَلِّقٌ: إمّا بِأظْلَمَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِيَّةِ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ بَدَلَ عامٍّ مِن خاصٍّ، ولَيْسَ هَذا النَّوْعُ بِثابِتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وإنْ كانَ بَعْضُهم قَدْ زَعَمَ أنَّهُ وجَدَ في لِسانِ العَرَبِ بَدَلَ كُلٍّ مِن بَعْضٍ. وقَدْ تَأوَّلَ الجُمْهُورُ ما أدّى ظاهِرُهُ إلى ثُبُوتِ ذَلِكَ، وجَعَلُوهُ مِن وضْعِ العامِّ مَوْضِعَ الخاصِّ؛ لِنَدُورِ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ، أوْ يَكُونُ مِن مُتَعَلِّقِهِ بِمَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كائِنًا مِنَ الكاتِمِينَ الشَّهادَةَ. وأمّا مِن حَيْثُ المَدْلُولُ، فَإنَّ ثُبُوتَ الأظْلَمِيَّةِ لِمَن جَرَّ بِمِن يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ: أيْ إنْ كَتَمَها، فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ. وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى، ويُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾، ”﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]“ ولا يَأْتِي إلّا عَقِبَ ارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ فَتَجِيءُ مُتَضَمِّنَةً وعِيدًا، ومُعَلِّمَةً أنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ أمْرَهم سُدًى، بَلْ هو مُحَصِّلٌ لِأعْمالِهِمْ مُجازٍ عَلَيْها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences