Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:159–162

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:159–162

2:159–160Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allāh and cursed by those who curse,1

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of Repentance,1 the Merciful.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾: الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ وكِتْمانِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ وأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ مُعاذًا سَألَ اليَهُودَ عَمّا في التَّوْراةِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. والكاتِمُونَ هم أحْبارُ اليَهُودِ وعُلَماءُ النَّصارى، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأحْبارُ اليَهُودِ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيّا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوهِ. ”ما أنْزَلْنا“: فِيهِ خُرُوجٌ مِن ظاهِرٍ إلى ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ. و”البَيِّناتِ“: هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ . ”والهُدى“: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ، أوِ البَيِّناتُ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَوْكِيدٌ، وهو ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ. أوِ ”البَيِّناتُ“: الرَّجْمُ والحُدُودُ وسائِرُ الأحْكامِ، والهُدى: أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ - ونَعْتُهُ واتِّباعُهُ. وتَتَعَلَّقُ مَن بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ كائِنًا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى.

﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في بَيَّناهُ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو: ”ما أنْزَلْنا“، وضَمِيرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ ما أنْزَلْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بَيَّنّاهُ“ مُطابِقَةً لِقَوْلِهِ: ”أنْزَلْنا“ . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بَيَّنَهُ: جَعَلَهُ ضَمِيرَ مُفْرَدٍ غائِبٍ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ إلى ضَمِيرِ غائِبٍ. و”النّاسُ“ هُنا: أهْلُ الكِتابِ، والكِتابُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وقِيلَ: النّاسُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكِتابُ: القُرْآنُ. والأوْلى والأظْهَرُ: عُمُومُ الآيَةِ في الكاتِمِينَ، وفي النّاسِ، وفي الكِتابِ؛ وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَهي تَتَناوَلُ (p-٤٥٩)كُلَّ مَن كَتَمَ عِلْمًا مِن دِينِ اللَّهِ يُحْتاجُ إلى بَثِّهِ ونَشْرِهِ، وذَلِكَ مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ ﷺ: «مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ»، وذَلِكَ إذا كانَ لا يَخافُ عَلى نَفْسِهِ في بَثِّهِ. وقَدْ فَهِمَ الصَّحابَةُ مِن هَذِهِ الآيَةِ العُمُومَ، وهُمُ العَرَبُ الفُصَّحُ المَرْجُوعُ إلَيْهِمْ في فَهْمِ القُرْآنِ. كَما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وأبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِما: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُكم. وقَدِ امْتَنَعَ أبُو هُرَيْرَةَ مِن تَحْدِيثِهِ بِبَعْضِ ما يَخافُ مِنهُ فَقالَ: لَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذا البُلْعُومُ. وظاهِرُ الآيَةِ اسْتِحْقاقُ اللَّعْنَةِ عَلى مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وإنْ لَمْ يُسْألْ عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ التَّعْلِيمُ والتَّبْيِينُ، وإنْ لَمْ يَسْألُوا، ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . وقالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ القُرْطُبِيُّ، فِيما سَمِعَ مِنهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي نَصْرٍ الحُمَيْدِيُّ الحافِظُ: الحَظُّ لِمَن آثَرَ العِلْمَ وعَرَفَ فَضْلَهُ أنْ يَسْتَعْمِلَهُ جُهْدَهُ ويُقْرِئَهُ بِقَدْرِ طاقَتِهِ ويُحَقِّقَهُ ما أمْكَنَهُ، بَلْ لَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَهْتِفَ بِهِ عَلى قَوارِعِ طُرُقِ المارَّةِ ويَدْعُو إلَيْهِ في شارِعِ السّابِلَةِ ويُنادِي عَلَيْهِ في مَجامِعِ السَّيّارَةِ، بَلْ لَوْ تَيَسَّرَ لَهُ أنْ يَهَبَ المالَ لِطُلّابِهِ ويُجْرِيَ الأُجُورَ لِمُقْتَبِسِيهِ ويُعْظِمَ الأجْعالَ لِلْباحِثِينَ عَنْهُ ويُسَنِّيَ مَراتِبَ أهْلِهِ صابِرًا في ذَلِكَ عَلى المَشَقَّةِ والأذى، لَكانَ ذَلِكَ حَظًّا جَزِيلًا وعَمَلًا جَيِّدًا وسَعْدًا كَرِيمًا وإحْياءً لِلْعِلْمِ، وإلّا فَقَدَ دَرَسَ وطُمِسَ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا آثارٌ لَطِيفَةٌ وأعْلامٌ دائِرَةٌ. انْتَهى كَلامُهُ.

﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. واسْتَحَقُّوا هَذا الأمْرَ الفَظِيعَ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ ولَعْنَةِ اللّاعِنِينَ عَلى هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ، وهو كِتْمانُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ بَيَّنَهُ وأوْضَحَهُ لِلنّاسِ بِحَيْثُ لا يَقَعُ فِيهِ لَبْسٌ، فَعَمَدُوا إلى هَذا الواضِحِ البَيِّنِ فَكَتَمُوهُ، فاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ هَذا العِقابَ. وجاءَ بِأُولَئِكَ - اسْمِ الإشارَةِ البَعِيدِ، - تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ القَبِيحِ، وأبْرَزَ الخَبَرَ في صُورَةِ جُمْلَتَيْنِ تَوْكِيدًا وتَعْظِيمًا، وأتى بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُقْتَضِي التَّجَدُّدَ لِتَجَدُّدِ مُقْتَضِيهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ .

ولِذَلِكَ أتى صِلَةُ ”الَّذِينَ“ فِعْلًا مُضارِعًا لِيَدُلَّ أيْضًا عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ بَقاءَهم عَلى الكِتْمانِ هو تَجَدُّدُ كِتْمانٍ. وجاءَ بِالجُمْلَةِ المُسْنَدُ فِيها الفِعْلُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُجازِي عَلى ما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الذَّنْبِ. وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ؛ لِأنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ لِلْكاتِمِينَ. وأُبْرِزَ اسْمُ الجَلالَةِ بِلَفْظِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى نَسَقِ الكَلامِ السّابِقِ؛ لَكانَ أُولَئِكَ يَلْعَنُهم، لَكِنَّ في إظْهارِ هَذا الِاسْمِ مِنَ الفَخامَةِ ما لا يَكُونُ في الضَّمِيرِ. و”اللّاعِنُونَ“: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُمُ اللَّعْنُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الثَّقَلَيْنِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ؛ أوْ كُلُّ شَيْءٍ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ غَيْرِ الثَّقَلَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وعُذِّبَ فَصاحَ، إذْ يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ؛ أوِ البَهائِمُ والحَشَراتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وذَلِكَ لِما يُصِيبُهم مِنَ الجَدْبِ بِذُنُوبِ عُلَماءِ السُّوءِ الكاتِمِينَ، أوِ الطّارِدُونَ لَهم إلى النّارِ حِينَ يَسُوقُونَهم إلَيْها؛ لِأنَّ اللَّعْنَ هو الطَّرْدُ؛ أوِ المَلائِكَةُ؛ قالَهُ قَتادَةُ؛ أوِ المُتَلاعِنُونَ، إذا لَمْ يَسْتَحِقَّ أحَدٌ مِنهُمُ اللَّعْنَ انْصَرَفَ إلى اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ؛ والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ. ومَن أطْلَقَ ”اللّاعِنُونَ“ عَلى ما لا يَعْقِلُ أجْراهُ مَجْرى ما يَعْقِلُ، إذْ صَدَرَتْ مِنهُ اللَّعْنَةُ، وهي مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ لِجَمْعِهِ بِالواوِ والنُّونِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾، ضَرْبٌ مِنَ البَدِيعِ، وهو التَّجْنِيسُ المُغايِرُ، وهو أنْ يَكُونَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ اسْمًا والأُخْرى فِعْلًا.

(إلّا الَّذِينَ تابُوا): هَذا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ومَعْنى تابُوا عَنِ الكُفْرِ إلى الإسْلامِ، أوْ عَنِ الكِتْمانِ إلى الإظْهارِ. (وأصْلَحُوا) ما أفْسَدُوا مِن قُلُوبِهِمْ بِمُخالَطَةِ الكُفْرِ لَها، أوْ ما أفْسَدُوا مِن أحْوالِهِمْ مَعَ اللَّهِ، أوْ أصْلَحُوا قَوْمَهم بِالإرْشادِ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الإضْلالِ. (وبَيَّنُوا): أيِ الحَقَّ الَّذِي كَتَمُوهُ، أوْ صِدْقَ تَوْبَتِهِمْ بِكَسْرِ الخَمْرِ وإراقَتِها، أوْ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوِ اعْتَرَفُوا بِتَلْبِيسِهِمْ وزُورِهِمْ، أوْ ما أحْدَثُوا مِن تَوْبَتِهِمْ، لِيَمْحُوا سَيِّئَةَ الكُفْرِ عَنْهم (p-٤٦٠)ويُعْرَفُوا بِضِدٍّ ما كانُوا يُعْرَفُونَ بِهِ، ويَقْتَدِي بِهِمْ غَيْرُهم مِنَ المُفْسِدِينَ. (فَأُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الأوْصافَ مِنَ التَّوْبَةِ والإصْلاحِ والتَّبْيِينِ.

﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ أعْطِفُ عَلَيْهِمْ، ومَن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لا تَلْحَقُهُ لَعْنَةٌ.

﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، وخَتَمَ بِهِما تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ وإشْعارًا بِأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هُما لَهُ، فَمَن رَجَعَ إلَيْهِ عَطَفَ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ.

وذَكَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأحْكامِ جُمْلَةً، مِنها أنَّ كِتْمانَ العِلْمِ حَرامٌ، يَعْنُونَ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ﴾، وبِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المُعَلِّمُ لا يَخْشى عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا لِذَلِكَ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أُمُورِ الشَّرائِعِ فَلا تَحَرُّجَ في كَتْمِها. رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ما أنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهم إلّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «حَدِّثِ النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ، أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ؟» قالُوا: والمَنصُوصُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمُسْتَنْبَطُ مِنهُ في الحُكْمِ سَواءٌ، وإنْ خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ فَلا يُحَرَّجُ عَلَيْهِ، كَما فَعَلَ أبُو هُرَيْرَةَ، وإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ، ما لَمْ يُسْألْ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، ومِنها: تَحْرِيمُ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ العِلْمِ، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ. ومِنها: أنَّ الكافِرَ لا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُ القُرْآنَ حَتّى يُسْلِمَ، ولا تَعْلِيمُ الخَصْمِ حُجَّةً عَلى خَصْمِهِ لِيَقْطَعَ بِها مالَهُ، ولا السُّلْطانَ تَأْوِيلًا يَتَطَرَّقُ بِهِ إلى مَكارِهِ الرَّعِيَّةِ، ولا تَعْلِيمُ الرُّخَصِ إذا عَلِمَ أنَّها تُجْعَلُ طَرِيقًا إلى ارْتِكابِ المَحْظُوراتِ وتَرْكِ الواجِباتِ. ومِنها: وُجُوبُ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ البَيانُ إلّا وقَدْ وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى يَعُمُّ المَنصُوصَ والمُسْتَنْبَطَ. وجَوازُ لَعْنِ مَن ماتَ كافِرًا، وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن ماتَ أوْ جُنَّ مِنَ الكُفّارِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ جُمْلَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ. وقالَ بَعْضُهم بِوُجُوبِها، وأمّا الكافِرُ المُعَيَّنُ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُهُ. وقَدْ لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُومًا بِأعْيانِهِمْ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الصَّحِيحُ عِنْدِي جَوازُ لَعْنِهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ العاصِي والمُتَجاهِرِ بِالكَبائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ. وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ فِيهِ خِلافًا، وبَعْضُهم تَفْصِيلًا. فَأجازَهُ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ. ومِنها: أنَّ التَّوْبَةَ المُعْتَبَرَةَ شَرَّعا أنْ يُظْهِرَ التّائِبُ خِلافَ ما كانَ عَلَيْهِ في الأوَّلِ، فَإنْ كانَ مُرْتَدًّا، فَبِالرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ وإظْهارِ شَرائِعِهِ، أوْ عاصِيًا، فَبِالرُّجُوعِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ ومُجانَبَةِ أهْلِ الفَسادِ. وأمّا التَّوْبَةُ بِاللِّسانِ فَقَطْ، أوْ عَنْ ذَنْبٍ واحِدٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَوْبَةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّوْبَةِ مُشَبَّعًا.

2:161–162Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allāh and of the angels and the people, all together,

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ١٦٢

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَتَمَ العِلْمَ وحالَ مَن تابَ، ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ، وبالَغَ في اللَّعْنَةِ، بِأنْ جَعَلَها مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِ، وقَدْ تَجَلَّلَتْهُ وغَشِيَتْهُ، فَهو تَحْتَها، وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هي مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزِلَ اللَّهُ في الآيَةِ قَبْلُ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ حالَ الكاتِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنهم. ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا حالَ الحَياةِ، ذَكَرَ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وهم كُفّارٌ)، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وواوُ الحالِ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُها أفْصَحُ مِن حَذْفِها، خِلافًا لِمَن جَعَلَ حَذْفَها شاذًّا، وهو الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَيانُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ إنَّ، ولَعْنَةُ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبْرٌ عَنْ أُولَئِكَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لَعْنَةُ فاعِلًا بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ لِذِي خَبَرٍ، فَيُرْفَعُ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَتَكُونُ قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أُولَئِكَ بِمُفْرَدٍ، بِخِلافِ الإعْرابِ الأوَّلِ، فَإنَّكَ أخْبَرْتَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمَلائِكَةُ (p-٤٦١)والنّاسُ أجْمَعُونَ“، بِالرَّفْعِ. وخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةَ جَمِيعُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَصْدَرِ، وقَدَّرُوهُ: أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أوْ أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ.

وهَذا الَّذِي جَوَّزُوهُ لَيْسَ بِجائِزٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، مِن أنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ طالِبًا ومُحْرِزًا لِلْمَوْضِعِ لا يَتَغَيَّرُ، هَذا إذا سَلَّمْنا أنَّ لَعْنَةً هُنا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَعْمَلُ، وأنَّهُ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ العِلاجُ. وكانَ المَعْنى: أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةَ المُسْتَقِرَّةَ مِنَ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ، أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ لا عَلى سَبِيلِ الحُدُوثِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، لَيْسَ المَعْنى ألا أنْ يَلْعَنَ اللَّهُ عَلى الظّالِمِينَ، وقَوْلُهم لَهُ ذَكاءُ الحُكَماءِ. لَيْسَ المَعْنى هُنا عَلى الحُدُوثِ وتَقْدِيرُ المَصْدَرَيْنِ مُنْحَلَّيْنِ لِأنْ والفِعْلِ، بَلْ صارَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى قَوْلِهِمْ: لَهُ وجْهٌ وجْهُ القَمَرِ، ولَهُ شُجاعَةٌ شُجاعَةُ الأسَدِ، فَأضَفْتَ الشَّجاعَةَ لِلتَّخْصِيصِ والتَّعْرِيفِ، لا عَلى مَعْنى أنْ يَشْجَعَ الأسَدُ. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ يَتَقَدَّرُ هَذا المَصْدَرُ، أعْنِي لَعْنَةُ اللَّهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَهو كَما ذَكَرْناهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لا طالِبَ لَهُ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الفاعِلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تُنَوِّنَ المَصْدَرَ ؟ فَقَدْ تَغَيَّرَ المَصْدَرُ بِتَنْوِينِهِ، ولِذَلِكَ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: هَذا ضارَبُ زَيْدٍ غَدًا وعَمْرًا، عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ويَضْرِبُ عَمْرًا، ولَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى مَوْضِعِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ نَصَبْتَ زَيْدًا لَقُلْتَ: هَذا ضارَبٌ زَيْدًا وتُنَوِّنُ ؟ وهَذا أيْضًا عَلى تَسْلِيمِ مَجِيءِ الفاعِلِ مَرْفُوعًا بَعْدَ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ، فَهي مَسْألَةُ خِلافٍ. البَصْرِيُّونَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زِيدٍ عَمْرًا. والفَرّاءُ يَقُولُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ، بَلْ إذا نُوِّنَ المَصْدَرَ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُ فاعِلٌ مَرْفُوعٌ. والصَّحِيحُ مَذْهَبُ الفَرّاءِ، ولَيْسَ لِلْبَصْرِيِّينَ حُجَّةٌ عَلى إثْباتِ دَعْواهم مِنَ السَّماعِ، بَلْ أثْبَتُوا ذَلِكَ بِالقِياسِ عَلى أنْ والفِعْلِ. فَمَنعُ هَذا التَّوْجِيهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ظاهِرٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَصْدَرٌ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ، فَيَكُونُ عامِلًا. سَلَّمْنا، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ لِلْمَجْرُورِ بَعْدَهُ مَوْضِعًا. سَلَّمْنا، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَجُوزُ العَطْفُ عَلَيْهِ. وتَتَخَرَّجُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وُجُوهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ. أوَّلاها: أنَّهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ لَمّا لَمْ يُمْكِنُ العَطْفُ، التَّقْدِيرُ: وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ، كَما (p-٤٦٢)خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ في: هَذا ضارَبٌ زَيْدٍ وعَمْرًا: أنَّهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: ويَضْرِبُ عَمْرًا. الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَعْنَةِ اللَّهِ ولَعْنَةِ المَلائِكَةِ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُعْرِبَ المُضافُ إلَيْهِ بِإعْرابِهِ نَحْوَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ يَلْعَنُونَهم. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”والنّاسِ أجْمَعِينَ“ العُمُومُ، فَقِيلَ ذَلِكَ يَكُونُ في القِيامَةِ، إذْ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَلْعَنُهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، فَصارَ عامًّا، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ. وقِيلَ: أرادَ بِالنّاسِ مَن يُعْتَدُّ بِلَعْنَتِهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ خاصَّةً، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: الكافِرُونَ يَلْعَنُونَ أنْفُسَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَقُولُونَ في الدُّنْيا ”لَعَنَ اللَّهُ الكافِرَ“، فَيَتَأتّى العُمُومُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، بَدَأ - تَعالى - بِنَفْسِهِ، وناهِيكَ بِذَلِكَ طَرْدًا وإبْعادًا.

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٠]، فَلَعْنَةُ اللَّهِ هي الَّتِي تَجُرُّ لَعْنَةَ المَلائِكَةِ والنّاسِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ بَعْضِ الصَّحابَةِ: وما لِي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ؟ وكَما رُوِيَ عَنْ أحْمَدَ، أنَّ ابْنَهُ سَألَهُ: هَلْ يَلْعَنُ وذَكَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا ؟ فَقالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ، هَلْ رَأيْتَنِي ألْعَنُ شَيْئًا قَطُّ ؟ ثُمَّ قالَ: وما لِي لا ألْعَنَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ ؟ قالَ فَقُلْتُ: يا أبَتِ، وأيْنَ لَعْنَةُ اللَّهِ ؟ قالَ: قالَ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] . ثُمَّ ثَنّى بِالمَلائِكَةِ، لِما في النُّفُوسِ مِن عِظَمِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِمْ وطَهارَتِهِمْ. ثُمَّ ثَلَّثَ بِالنّاسِ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، فَهو شاقٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ المُماثِلِ مَن يَدَّعِي المُماثَلَةَ بِالمَكْرُوهِ أشُقُّ، بِخِلافِ صُدُورِ ذَلِكَ مِنَ الأعْلى.

(خالِدِينَ فِيها): أيْ في اللَّعْنَةِ، وهو الظّاهِرُ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَعُودُ عَلَيْها في اللَّفْظِ إلّا اللَّعْنَةُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النّارِ، أُضْمِرَتْ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْها، ولِكَثْرَةِ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: (خالِدِينَ فِيها)، وهو عائِدٌ عَلى النّارِ، ولِدَلالَةِ اللَّعْنَةِ عَلى النّارِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ فَهو في النّارِ.

﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾: سَبَقَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ تِلْوَ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ﴾ [البقرة: ٨٦] الآيَةَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. إلّا أنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: (لا يُخَفَّفُ) هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ”خالِدِينَ“، أيْ غَيْرُ مُخَفَّفٍ عَنْهُمُ العَذابُ. فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ، أيْ حالٌ مِن حالٍ؛ لِأنَّ ”خالِدِينَ“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ. ومَن أجازَ تَعَدِّيَ العامِلِ إلى حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ، أجازَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (لا يُخَفَّفُ)، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”لا يُخَفَّفُ“ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وفي آخِرِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، هُناكَ: ”ولا يُنْصَرُونَ“، نَفى عَنْهُمُ النَّصْرَ، وهُنا: ”ولا هم يُنْظُرُونَ“، نَفى الإنْظارَ، وهو تَأْخِيرُ العَذابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском