Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:171–172
2:171Page 26
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١
The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.
﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، إذا أُمِرُوا بِاتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، أعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ ورَجَعُوا إلى ما ألِفُوهُ مِنَ اتِّباعِ الباطِلِ الَّذِي نَشَئُوا عَلَيْهِ ووَجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم، ولَمْ يَتَدَبَّرُوا ما يُقالُ لَهم، وصَمُّوا عَنْ سَماعِ الحَقِّ، وخَرِسُوا عَنِ النُّطْقِ بِهِ، وعَمُوا عَنْ إبْصارِ النُّورِ السّاطِعِ النَّبَوِيِّ. ذَكَرَ هَذا التَّشْبِيهَ العَجِيبَ في هَذِهِ الآيَةِ مُنَبِّهًا عَلى حالَةِ الكافِرِ في تَقْلِيدِهِ أباهُ ومُحَقِّرًا نَفْسَهُ، إذْ صارَ هو في رُتْبَةِ البَهِيمَةِ، أوْ في رُتْبَةِ داعِيها، عَلى الخِلافِ الَّذِي سَيَأْتِي في هَذا التَّشْبِيهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ لا بُدَّ في فَهْمِ مَعْناها مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: المَثَلُ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالنّاعِقِ. ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالمَنعُوقِ بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ داعِي الكافِرِ بِالنّاعِقِ، ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الدّاعِي والكافِرِ بِالنّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ. فَعَلى أنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالنّاعِقِ، قِيلَ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قِلَّةِ فَهْمِهِمْ وعَقْلِهِمْ، كَمَثَلِ الرُّعاةِ يُكَلِّمُونَ البَهْمَ، والبَهْمُ لا تَعْقِلُ شَيْئًا. وقِيلَ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَفْقَهُ دُعاءَهم، كَمَثَلِ النّاعِقِ بِغَنَمِهِ، فَلا يَنْتَفِعُ مِن نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ غَيْرَ أنَّهُ في عَناءٍ ونِداءٍ، وكَذَلِكَ الكافِرُ لَيْسَ لَهُ مِن دُعائِهِ الآلِهَةَ وعِبادَتِهِ الأوْثانَ إلّا العَناءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذُكِرَ هَذا القَوْلُ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ شَيْئًا. انْتَهى كَلامُهُ. ولَحَظَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ تَمامَ التَّشْبِيهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَكَما (p-٤٨٢)أنَّ المَنعُوقَ بِهِ لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً، فَكَذَلِكَ مَدْعُوُّ الكافِرِ مِنَ الصَّنَمِ، والصَّنَمُ لا يَسْمَعُ، فَضَعُفَ عِنْدَهُ هَذا القَوْلُ. ونَحْنُ نَقُولُ: التَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ، لا في خُصُوصِيّاتِ المَدْعُوِّ، فَشُبِّهَ الكافِرُ في دُعائِهِ الصَّنَمَ بِالنّاعِقِ بِالبَهِيمَةِ، لا في خُصُوصِيّاتِ المَنعُوقِ بِهِ. وقِيلَ في هَذا القَوْلِ، أعْنِي قَوْلَ مَن قالَ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم وأصْنامَهم أنَّ النّاعِقَ هُنا لَيْسَ المُرادُ بِهِ النّاعِقَ بِالبَهائِمِ مِنَ الضَّأْنِ أوْ غَيْرِها، وإنَّما المُرادُ بِهِ الصّائِحُ في جَوْفِ الجِبالِ، فَيُجِيبُهُ مِنها صَوْتٌ يُقالُ لَهُ الصَّدا، يُجِيبُهُ ولا يَنْفَعُهُ. فالمَعْنى: بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ النّاعِقُ إلّا دُعاءَهُ ونِداءَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى القَوْلَيْنِ السّابِقَيْنِ يَكُونُ الفاعِلُ بِيَسْمَعُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما، وهو المَنعُوقُ بِهِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفاعِلُ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الَّذِي يَنْعِقُ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى ما الرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ، ولَيْسَ فِيهِ شُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِغَيْرِهِ. واخْتَلَفَ ما يَتَعَلَّقانِ بِهِ، فالحَرْفُ الأوَّلُ باءٌ تَعَلَّقَتْ بِيَنْعِقُ، والثّانِي مِن تَعَلَّقَ بِيَسْمَعُ. وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ مِثْلُ هَذا، قالَ: وقِيلَ المُرادُ بِـ”الَّذِينَ كَفَرُوا“: المَتْبُوعُونَ لا التّابِعُونَ، ومَعْناهُ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ أتْباعِهِمْ، وكَوْنُ أتْباعِهِمْ لا يَحْصُلُ لَهم مِنهم إلّا الخَيْبَةُ والخُسْرانُ، كَمَثَلِ النّاعِقِ بِالغَنَمِ. وأمّا القَوْلُ عَلى أنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالمَنعُوقِ بِهِ، وهو البَهائِمُ الَّتِي لا تَعْقِلُ مِثْلُ: الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ، والحَمِيرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ والرَّبِيعِ والسُّدِّيِّ. وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِ مُصَحِّحِ هَذا التَّشْبِيهِ، فَقِيلَ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ سَماعِهِمْ إيّاهُ كَمَثَلِ بَهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ، فَهو عَلى حَذْفِ قَيْدٍ في الأوَّلِ، وحَذْفِ مُضافٍ مِنَ الثّانِي. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في عَدَمِ فَهْمِهِمْ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رَسُولِهِ، كَمَثَلِ المَنعُوقِ بِهِ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ غَيْرَ الصَّوْتِ. فَيُرادُ بِالَّذِي يَنْعِقُ الَّذِي يُنْعَقُ بِهِ، فَيَكُونُ هَذا مِنَ المَقْلُوبِ عِنْدَهم. قالُوا: كَما تَقُولُ: دَخَلَ الخاتَمُ في يَدِي والخُفُّ في رِجْلِي. وكَقَوْلِهِمْ: عَرَضَ الحَوْضَ عَلى النّاقَةِ، وأوْرَدُوا مِمّا ذَكَرُوا أنَّهُ مَقْلُوبُ جُمْلَةٍ. وذَهَبَ إلى هَذا التَّفْسِيرِ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وجَماعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْهُ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ، أوْ إنْ جاءَ في الكَلامِ فَهو مِنِ القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. وأمّا القَوْلُ عَلى أنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ داعِي الكافِرِ بِالنّاعِقِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَلا يَكُونُ مِن تَشْبِيهِ الكافِرِ بِالنّاعِقِ، ولا بِالمَنعُوقِ، وإنَّما يَكُونُ مِن بابِ تَشْبِيهِ داعِي الكافِرِ في دُعائِهِ إيّاهُ بِالنّاعِقِ بِالبَهائِمِ، في كَوْنِ الكافِرِ لا يَفْهَمُ مِمّا يُخاطِبُهُ بِهِ داعِيهِ إلّا دَوِيَّ الصَّوْتِ دُونَ إلْقاءِ ذِهْنٍ ولا فِكْرٍ، فَهو شَبِيهٌ بِالنّاعِقِ بِالبَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ مِنَ النّاعِقِ بِها إلّا دُعاءَهُ ونِداءَهُ، ولا تَفْهَمُ شَيْئًا آخَرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما لا يَسْمَعُ الأصَمُّ الأصْلَخُ، الَّذِي لا يَسْمَعُ مِن كَلامِ الرّافِعِ صَوْتَهُ بِكَلامِهِ إلّا النِّداءَ والصَّوْتَ لا غَيْرَ، مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِلْحُرُوفِ. وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الدّاعِي والكافِرِ بِالنّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ، فَهو الَّذِي اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ في الآيَةِ. أنَّ المَعْنى: مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ فَقِيلَ: هو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وقِيلَ: هو تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وهو أنَّ في الكَلامِ حَذْفَيْنِ: حَذْفٌ مِنَ الأوَّلِ، وهو حَذْفُ داعِيهِمْ، وقَدْ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الثّانِي، وحَذْفٌ مِنَ الثّانِي، وهو حَذْفُ المَنعُوقِ بِهِ، وقَدْ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الأوَّلِ؛ فَشَبَّهَ داعِيَ الكُفّارِ بِراعِي الغَنَمِ في مُخاطَبَتِهِ مَن لا يَفْهَمُ عَنْهُ، وشَبَّهَ الكُفّارَ بِالغَنَمِ في كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ مِمّا دُعُوا إلَيْهِ إلّا أصْواتًا، ولا يَعْرِفُونَ ما وراءَها. وفي هَذا الوَجْهِ حَذْفٌ (p-٤٨٣)كَثِيرٌ، إذْ فِيهِ حَذْفُ مَعْطُوفَيْنِ، إذِ التَّقْدِيرُ الصِّناعِيُّ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا وداعِيهِمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ والمَنعُوقِ بِهِ. وذَهَبَ إلى تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ جَماعَةٌ مِن أصْحابِنا، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو بَكْرِ بْنُ طاهِرٍ وتِلْمِيذُهُ أبُو الحَسَنِ بْنُ خَرُوفٍ، والأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ الشَّنْلُوبِينُ وقالُوا: إنَّ العَرَبَ تَسْتَحْسِنُهُ، وإنَّهُ مِن بَدِيعِ كَلامِها، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ [النمل: ١٢] التَّقْدِيرُ: وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَدْخُلُ، وأخْرِجْها تَخْرُجْ بَيْضاءُ، فَحَذَفَ تَدْخُلُ لِدَلالَةِ ”تَخْرُجْ“، وحَذَفَ وأخْرِجْها لِدَلالَةِ ”وأدْخِلْ“، قالُوا: ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكِ فَتْرَةٌ كَما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
لَمْ يُرِدْ أنْ يُشَبِّهَ فَتْرَتَهُ بِانْتِفاضِ العُصْفُورِ حِينَ يَبُلُّهُ القَطْرُ، لِكَوْنِهِما حَرَكَةً وسُكُونًا، فَهُما ضِدّانِ، ولَكِنَّ تَقْدِيرُهُ: إنِّي إذا ذَكَرْتُكِ عَرانِي انْتِفاضٌ ثُمَّ أفْتُرُ، كَما أنَّ العُصْفُورَ إذا بَلَّلَهُ القَطْرُ عَراهُ فَتْرَةٌ ثُمَّ يَنْتَفِضُ، غَيْرَ أنَّ وجِيبَ قَلْبِهِ واضْطِرابِهِ قَبْلَ الفَتْرَةِ، وفَتْرَةُ العُصْفُورِ قَبْلَ انْتِفاضِهِ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها في التَّشْبِيهِ، إنَّما هي عَلى مُراعاةِ تَشْبِيهِ مُفْرَدٍ بِمُفْرَدٍ، ومُقابَلَةُ جُزْءٍ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ بِجُزْءٍ مِنَ الكَلامِ المُشَبَّهِ بِهِ. وأمّا إذا كانَ التَّشْبِيهُ مِن بابِ تَشْبِيهِ الجُمْلَةِ بِالجُمْلَةِ، فَلا يُراعى في ذَلِكَ مُقابَلَةُ الألْفاظِ المُفْرَدَةِ، بَلْ يُنْظَرُ فِيهِ إلى المَعْنى. وعَلى هَذا الضَّرْبِ مِنَ التَّشْبِيهِ حَمَلَ الآيَةَ أبُو القاسِمِ الرّاغِبُ، قالَ الرّاغِبُ: فَلَمّا شَبَّهَ قِصَّةَ الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الدّاعِي لَهم إلى الحَقِّ بِقِصَّةِ النّاعِقِ، قَدَّمَ ذِكْرَ النّاعِقِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ما يَكُونُ مِنهُ ومِنَ المَنعُوقِ بِهِ. وعَلى هَذا ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [آل عمران: ١١٧] . فَهَذِهِ تِسْعَةُ أقْوالٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ عَلَيْها، فَنَقُولُ: و”مَثَلُ الَّذِينَ“ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ”كَمَثَلِ“، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ. شَبَّهَ الصِّفَةَ بِالصِّفَةِ، أيْ صِفَتُهم كَصِفَةِ الَّذِي يَنْعِقُ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الكافَ زائِدَةٌ، فَقَوْلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ لَيْسَتْ عَيْنَ الصِّفَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الكافِ الَّتِي تُعْطِي التَّشْبِيهَ. بَلْ لَوْ جاءَ دُونَ الكافِ لَكُنّا نَعْتَقِدُ حَذْفَها؛ لِأنَّ بِهِ تَصْحِيحَ المَعْنى. والَّذِي يَنْعِقُ، لا يُرادُ بِهِ مُفْرَدٌ، بَلِ المُرادُ الجِنْسُ. وتَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ: كالنّاعِقِ بِالبَهائِمِ، أوْ كالمُصَوِّتِ في الجِبالِ الَّذِي لا يُجِيبُهُ مِنها إلّا الصَّدا، أوْ كالمُصَوِّتِ بِالأصَمِّ الأصْلَخِ، أوِ كالمَنعُوقِ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ. وقِيلَ: كالمُصَوِّتِ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ مِنهُ، فَهو لا يَسْمَعُ مِن أجْلِ البُعْدِ، فَلَيْسَ لِلْمُصَوِّتِ مِن ذَلِكَ إلّا النِّداءُ الَّذِي يُنْصِبُهُ ويُتْعِبُهُ. وقِيلَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بِالرّاعِي لِلضَّأْنِ؛ لِأنَّها مِن أبْلَهِ الحَيَوانِ، فَهي تُحَمِّقُ راعِيَها. وفي المَثَلِ: أحْمَقُ مِن راعِي ضَأْنٍ ثَمانِينَ. وقالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةَ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ هَوازِنَ: راعِي ضَأْنٍ واللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا جاءَ إلى قِتالِ النَّبِيِّ ﷺ أمَرَ هَوازِنَ ومَن كانَ مَعَهم أنْ يَحْمِلُوا مَعَهُمُ المالَ والنِّساءَ، فَلَمّا لَقِيَهُ دُرَيْدٌ قالَ: أراكَ سُقْتَ المالَ والنِّساءَ ؟ فَقالَ: يُقاتِلُونَ عَنْ أمْوالِهِمْ وحَرِيمِهِمْ. فَقالَ لَهُ دُرَيْدٌ: أمِنتَ أنْ تَكُونَ عَلَيْكَ راعِيَ ضَأْنٍ واللَّهِ لا أصْحَبْتُكَ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أصْبَحْتُ هُزْءًا لِراعِي الضَّأْنِ يَهْزَأُ بِي ∗∗∗ ماذا يَرِيبُكَ مِنِّي راعِيَ الضَّأْنِ
”إلّا دُعاءً ونِداءً“: هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ مُتَعَدٍّ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولَهُ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لَيْسَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا وأنْ ”إلّا“ زائِدَةٌ، والدُّعاءُ والنِّداءُ مَنفِيٌّ سَماعُهُما، والتَّقْدِيرُ: بِما لا يَسْمَعُ دُعاءً ولا نِداءً، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِزِيادَةِ ”إلّا“ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ. وقَدْ ذَهَبَ الأصْمَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ:
؎حَراجِيجَ ما تَنْفَكُّ إلّا مُناخَةً ∗∗∗ عَلى الخَسْفِ أوْ نَرْمِي بِها بَلَدًا قَفْرا
وضَعُفَ قَوْلُهُ في ذَلِكَ، ولَمْ يُثْبِتْ زِيادَةَ إلّا في مَكانٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَنُثْبِتُ لَها الزِّيادَةَ، وأوْرَدَ بَعْضُهم هُنا سُؤالًا فَقالَ: فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ”لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً“، لَيْسَ المَسْمُوعُ إلّا الدُّعاءَ والنِّداءَ، فَكَيْفَ ذَمَّهم بِأنَّهم (p-٤٨٤)لا يَسْمَعُونَ إلّا الدُّعاءَ ؟ وكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْمَعُونَ إلّا المَسْمُوعَ، وهَذا لا يَجُوزُ. فالجَوابُ: أنَّ في الكَلامِ إيجازًا، وإنَّما المَعْنى: لا يَفْهَمُونَ مَعانِيَ ما يُقالُ لَهم، كَما لا يُمَيِّزُ البَهائِمُ بَيْنَ مَعانِي الألْفاظِ الَّتِي لا تُصَوِّتُ بِها، وإنَّما يَفْهَمُ شَيْئًا يَسِيرًا، وقَدْ أدْرَكَتْهُ بِطُولِ المُمارَسَةِ وكَثْرَةِ المُعاوَدَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ لَهم إلّا سَماعُ النِّداءِ دُونَ إدْراكِ المَعانِي والأعْراضِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما ثَنّى فَقالَ: ”﴿إلّا دُعاءً ونِداءً﴾“؛ لِأنَّ الدُّعاءَ طَلَبُ الفِعْلِ والنِّداءَ إجابَةُ الصَّوْتِ.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الكَلِمِ.
﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾: لَمّا تَقَرَّرَ فَقْدُهم لِمَعانِي هَذِهِ الحَواسِّ، قَضى بِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ. كَما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: العَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ يُعْطِيها هَذِهِ الحَواسَّ، إذْ لا بُدَّ في كَسْبِها مِنَ الحَواسِّ. انْتَهى. قِيلَ: والمُرادُ العَقْلُ الِاكْتِسابِيُّ؛ لِأنَّ العَقْلَ المَطْبُوعَ كانَ حاصِلًا لَهم، والعَقْلُ عَقْلانِ: مَطْبُوعٌ ومَكْسُوبٌ. ولَمّا كانَ الطَّرِيقُ لِاكْتِسابِ العَقْلِ المُكْتَسَبِ هو الِاسْتِعانَةُ بِهَذِهِ القُوى الثَّلاثِ، كانَ إعْراضُهم عَنْها فَقْدًا لِلْعَقْلِ المُكْتَسَبِ، ولِهَذا قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسّا فَقَدْ فَقَدَ عَقْلًا.
2:172Page 26
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢
O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾: لَمّا أباحَ تَعالى لِعِبادِهِ أكْلَ ما في الأرْضِ مِنَ الحَلالِ الطَّيِّبِ، وكانَتْ وُجُوهُ الحَلالِ كَثِيرَةً، بَيَّنَ لَهم ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، لِكَوْنِهِ أقَلَّ. فَلَمّا بَيَّنَ ما حَرَّمَ، بَقِيَ ما سِوى ذَلِكَ عَلى التَّحْلِيلِ حَتّى يَرِدَ مَنعٌ آخَرُ. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَمّا يَلْبَسُ المُحْرِمُ فَقالَ: «لا يَلْبَسُ القَمِيصَ ولا السَّراوِيلَ»، فَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ المُباحِ إلى ذِكْرِ المَحْظُورِ، لِكَثْرَةِ المُباحِ وقِلَّةِ المَحْظُورِ، وهَذا مِنِ الإيجازِ البَلِيغِ. و”الَّذِينَ آمَنُوا“: جَمْعُ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أهْلُ المَدِينَةِ، فاللَّفْظُ عامٌّ والمُرادُ خاصٌّ. وقِيلَ: هَذا الخِطابُ مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨] . ولَمّا كانَ لَفْظُ النّاسِ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ مَيَّزَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِهَذا النِّداءِ، تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى خُصُوصِيَّتِهِمْ. وظاهِرُ ”كُلُوا“: الأمْرُ بِالأكْلِ المَعْهُودِ. وقِيلَ: المُرادُ الِانْتِفاعُ بِهِ، ونَبَّهَ بِالأكْلِ عَلى وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، إذْ كانَ الأكْلُ أعْظَمَها، إذْ بِهِ تَقُومُ البِنْيَيِّنَةُ. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ إلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ تَعالى ما خَصَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ بِالمَأْكُولاتِ، بَلْ بِسائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِن أكْلٍ وشُرْبٍ ولُبْسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. والطَّيِّباتُ. قِيلَ: الحَلالُ، وقِيلَ: المُسْتَلَذُّ المُسْتَطابُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ (p-٤٨٥)يَكُونُ حَلالًا. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، فَصارَ هَذا الأمْرُ الثّانِي مِثْلَ الأوَّلِ في أنَّ مُتَعَلِّقَةَ المُسْتَلَذَّ الحَلالَ. ”ما رَزَقْناكم“: فِيهِ إسْنادُ الرِّزْقِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ، لِما في الرِّزْقِ مِنَ الِامْتِنانِ والإحْسانِ. وإذا فَسَّرَ الطَّيِّباتِ بِالحَلالِ، كانَ في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى أنَّ ما رَزَقَهُ اللَّهُ يَنْقَسِمُ إلى حَلالٍ وإلى حَرامٍ، بِخِلافِ ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ، مِن أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرِّزْقِ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. ومَن مَنَعَ أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ حَرامًا قالَ: المُرادُ كُلُوا مِن مُسْتَلَذِّ ما رَزَقْناكم، وهو الحَلالُ، أمَرَ بِذَلِكَ وأباحَهُ تَعالى دَفْعًا لِمَن يَتَوَهَّمُ أنَّ التَّنَوُّعَ في المَطاعِمِ والتَّفَنُّنَ في إطابَتِها مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَكانَ تَخْصِيصُ المُسْتَلَذِّ بِالذِّكْرِ لِهَذا المَعْنى.
﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾: هَذا مِنَ الِالتِفاتِ، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى اسْمِ الغائِبِ، وحِكْمَةُ ذَلِكَ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ الظّاهِرَ مُتَضَمِّنٌ لِجَمِيعِ الأوْصافِ الَّتِي مِنها وصْفُ الإنْعامِ والزِّرْقِ والشُّكْرِ، لَيْسَ عَلى هَذا الإذْنُ الخاصُّ، بَلْ يَشْكُرُ عَلى سائِرِ الإنْعاماتِ والإامْتِناناتِ الَّتِي مِنها هَذا الِامْتِنانُ الخاصُّ. وجاءَ هُنا تَعْدِيَةُ الشُّكْرِ بِاللّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.
(وتَضَمَّنَتْ) هَذِهِ الآيَةُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: (كُلُوا)، قالُوا: وهو عِنْدَ دَفْعِ الضَّرَرِ واجِبٌ، ومَعَ الضَّيْفِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، وإذا خَلا عَنِ العَوارِضِ كانَ مُباحًا، وكَذا هو في الآيَةِ. والثّانِي: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، وهو أمْرٌ ولَيْسَ بِإباحَةٍ. قِيلَ: ولا يُمْكِنُ القَوْلُ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ، أوْ بِاللِّسانِ، أوْ بِالجَوارِحِ. فَبِالقَلْبِ هو العِلْمُ بِصُدُورِ النِّعْمَةِ مِنَ المُنْعِمِ، أوِ العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ، أوِ الجَوارِحِ. أمّا ذَلِكَ العِلْمُ فَهو مِن لَوازِمِ كَمالِ العَقْلِ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَنْسى ذَلِكَ. فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إيجابُهُ ؟ وأمّا العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ والجَوارِحِ، فَذَلِكَ العَزْمُ القَلْبِيُّ تابِعٌ لِلْإقْرارِ اللِّسانِيِّ والعَمَلِ بِالجَوارِحِ. فَإذا بَيَّنّا أنَّهُما لا يَجِبانِ، كانَ العَزْمُ بِأنْ لا يَجِبَ أوْلى. وأمّا الشُّكْرُ بِاللِّسانِ، فَإمّا أنْ يُفَسَّرَ بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا، أوْ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ. فَهَذا غَيْرُ واجِبٍ بِالِاتِّفاقِ، بَلْ هو مِن بابِ المَندُوباتِ. وأمّا الشُّكْرُ بِالجَوارِحِ والأعْضاءِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى تَعْظِيمِهِ، وذَلِكَ أيْضًا غَيْرُ واجِبٍ. وقالَ غَيْرُ هَذا القائِلِ الَّذِي تَلَخَّصَ أنَّهُ يَجِبُ اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ، وإظْهارُ ذَلِكَ بِاللِّسانِ أوْ سائِرِ الأفْعالِ إنْ وُجِدَتْ هُناكَ. وهَذا البَحْثُ في وُجُوبِ الشُّكْرِ أوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ، كانَ يُناسِبُ في أوَّلِ شُكْرِ أمْرٍ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْناها مَعْنى إذْ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ، ولا يُرادُ بِالشَّرْطِ هُنا إلّا التَّثَبُّتُ والهَزُّ لِلنُّفُوسِ، وكَأنَّ المَعْنى: العِبادَةُ لَهُ واجِبَةٌ، فالشُّكْرُ لَهُ واجِبٌ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ لِمَن هو مُتَحَقِّقُ العُبُودِيَّةِ: إنْ كُنْتَ عَبْدِي فَأطِعْنِي، لا تُرِيدُ بِذَلِكَ التَّعْلِيقَ المَحْضَ، بَلْ تُبْرِزُهُ في صُورَةِ التَّعْلِيقِ لِيَكُونَ أدْعى لِلطّاعَةِ وأهَزَّ لَها. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالعِبادَةِ عَنِ العِرْفانِ، كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . قِيلَ: مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اشْكُرُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ عارِفِينَ بِهِ وبِنِعَمِهِ، وذَلِكَ مِن إطْلاقِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالعِبادَةِ عَنْ إرادَةِ العِبادَةِ، أيِ اشْكُرُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ عِبادَتَهُ؛ لِأنَّ الشُّكْرَ رَأْسُ العِباداتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّ أنَّكم تَخْتَصُّونَهُ بِالعِبادَةِ وتُقِرُّونَ أنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ”إنِّي والجِنَّ والإنْسَ في نَبَأٍ عَظِيمٍ: أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي“» . انْتَهى كَلامُهُ. وإيّا هُنا مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، وقُدِّمَ لِكَوْنِ العامِلِ فِيهِ وقَعَ رَأْسَ آيَةٍ، ولِلِاهْتِمامِ بِهِ والتَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، كَما في قَوْلِكَ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وهَذا مِنَ المَوْضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيها انْفِصالُ الضَّمِيرِ، وهو إذا تَقَدَّمَ عَلى العامِلِ أوْ تَأخَّرَ، لَمْ (p-٤٨٦)يَنْفَصِلْ إلّا في ضَرُورَةٍ، قالَ:
؎إلَيْكَ حَتّى بَلَغْتُ إيّا كا
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences