Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:178–179, continued
وقِيلَ: اتِّباعُ الوَلِيِّ بِالمَعْرُوفِ أنْ لا يَطْلُبَ مِنَ القاتِلِ زِيادَةً عَلى حَقِّهِ، وقَدْ رُوِيَ في الحَدِيثِ: «مَن زادَ بَعِيرًا في إبِلِ الدِّيَةِ وفَرائِضِها فَمِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ» . وقِيلَ الِاتِّباعُ والأداءُ مَعًا مِنَ القاتِلِ، والِاتِّباعُ بِالمَعْرُوفِ أنْ لا يَنْقُصَهُ، والأداءُ بِالإحْسانِ أنْ لا يُؤَخِّرَهُ. وقِيلَ: المَعْرُوفُ، حِفْظُ الجانِبِ ولِينُ القَوْلِ، والإحْسانُ تَطْيِيبُ القَوْلِ، وقِيلَ: المَعْرُوفُ ما أوْجَبَهُ تَعالى، وقِيلَ: المَعْرُوفُ ما يَتَعاهَدُ العَرَبُ بَيْنَها مِن دِيَةِ القَتْلى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ. أنَّهُ يَمْتَنِعُ إجابَةُ القاتِلِ إلى القَوَدِ مِنهُ إذا اخْتارَ ذَلِكَ واخْتارَ المُسْتَحِقُّ الدِّيَةَ، ويَلْزَمُ القاتِلَ الدِّيَةُ إذا اخْتارَها الوَلِيُّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدٌ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، ورَواهُ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، وأحْمَدُ، ومالِكٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ شُبْرُمَةَ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلّا القِصاصُ، ولا يَأْخُذُ الدِّيَةَ إلّا بِرِضى القاتِلِ، فَعَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ يُقَدَّرُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ، ورَضِيَ المَعْفُوُّ ودَفَعَ الدِّيَةَ، فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ لَنا الإشارَةُ إلى هَذا الخِلافِ عِنْدَ تَفْسِيرِنا: ﴿فَمَن عُفِيَ﴾ واخْتِلافَ النّاسِ فِيهِ.
* *
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ أشارَ بِذَلِكَ إلى ما شَرَعَهُ تَعالى مِنَ العَفْوِ والدِّيَةِ، إذْ أهْلُ التَّوْراةِ كانَ مَشْرُوعُهُمُ القِصاصَ فَقَطْ، وأهْلُ الإنْجِيلِ مَشْرُوعُهُمُ العَفْوُ فَقَطْ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنِ العَفْوُ في أُمَّةٍ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ طُرُقٌ مِن هَذا النَّقْلِ، وهَذِهِ الأُمَّةُ خُيِّرَتْ بَيْنَ القِصاصِ وبَيْنَ العَفْوِ والدِّيَةِ، وكانَ العَفْوُ والدِّيَةُ تَخْفِيفًا مِنَ اللَّهِ، إذْ فِيهِ انْتِفاعُ الوَلِيِّ بِالدِّيَةِ، وحُصُولُ الأجْرِ بِالعَفْوِ واسْتِبْقاءُ مُهْجَةِ القاتِلِ، وبَذْلُ ما سِوى النَّفْسِ هَيِّنٌ في اسْتِبْقائِها، وأضافَ هَذا التَّخْفِيفَ إلى الرَّبِّ: لِأنَّهُ المُصْلِحُ لِأحْوالِ عَبِيدِهِ، النّاظِرُ لَهم في تَحْصِيلِ ما فِيهِ سَعادَتُهُمُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ، وعَطْفُ (ورَحْمَةٌ) عَلى ﴿تَخْفِيفٌ﴾: لِأنَّ مَنِ اسْتَبْقى مُهْجَتَكَ بَعْدَ اسْتِحْقاقِ إتْلافِها فَقَدْ رَحِمَكَ. وأيُّ رَحْمَةٍ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ ؟ ولَعَلَّ القاتِلَ المَعْفُوَّ عَنْهُ يَسْتَقِلُّ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في المُدَّةِ الَّتِي عاشَها بَعْدَ اسْتِحْقاقِ قَتْلِهِ (p-١٥)ما يَمْحُو بِهِ هَذِهِ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ، فَمِنَ الرَّحْمَةِ إمْهالُهُ لَعَلَّهُ يُصْلِحُ أعْمالَهُ.
﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أيْ: مَن تَجاوَزَ شَرْعَ اللَّهِ بَعْدَ العُقُودِ وأخْذِ الدِّيَةِ بِقَتْلِ القاتِلِ بَعْدَ سُقُوطِ الدَّمِ، أوْ بِقَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ويَقْتُلُونَ بِالواحِدِ الِاثْنَيْنِ والثَّلاثَةَ والعَشَرَةَ، وقِيلَ: المَعْنى: مَن قُتِلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ، وقِيلَ: بَعْدَ العَفْوِ، وقِيلَ: مَن أخَذَ الدِّيَةَ بَعْدَ العَفْوِ عَنْها. والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِتَقَدُّمِ العَفْوِ، وأخْذِ المالِ.
والِاعْتِداءُ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، فَجَعَلَ ”ذَلِكَ“ إشارَةً إلى التَّخْفِيفِ، ولَيْسَ يَظْهَرُ أنَّ ”ذَلِكَ“ إشارَةً إلى التَّخْفِيفِ، وإنَّما الظّاهِرُ ما شَرَحْناهُ بِهِ مِنَ العَفْوِ وأخْذِ الدِّيَةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا هو كالعِلَّةِ لِمَشْرُوعِيَّةِ العَفْوِ وأخْذِ الدِّيَةِ، ويَحْتَمِلُ: ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً.
﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرٌ عَنِ المَوْصُولِ، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الآخِرَةِ: لِأنَّ مُعْظَمَ ما ورَدَ مِن هَذِهِ التَّوَعُّداتِ إنَّما هي في الآخِرَةِ. وقِيلَ: العَذابُ الألِيمُ هو في الدُّنْيا، وهو قَتْلُهُ قِصاصًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: هو قَتْلُهُ البَتَّةَ حَدًّا، ولا يُمَكِّنُ الحاكِمُ الوَلِيَّ مِنَ العَفْوِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ أيْضًا، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: عَذابُهُ أنْ يَرُدَّ الدِّيَةَ ويَبْقى إثْمُهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: عَذابُهُ تَمْكِينُ الإمامِ مِنهُ يَصْنَعُ فِيهِ ما يَرى، قالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ إذا قَتَلَ بَعْدَ سُقُوطِ الدَّمِ هو كَمَن قَتَلَ ابْتِداءً، إنْ شاءَ الوَلِيُّ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ.
2:179Page 27
وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩
And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1
﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، الحَياةُ الَّتِي في القِصاصِ هي أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّهُ إذا قَتَلَ قُتِلَ، أمْسَكَ عَنِ القَتْلِ، فَكانَ ذَلِكَ حَياةٌ لَهُ ولِلَّذِي امْتَنَعَ مِن قَتَلَهُ. فَمَشْرُوعِيَّةُ القِصاصِ مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ، وإبْقاءُ القاتِلِ، والعَفْوُ عَنْهُ مَصْلَحَةٌ خاصَّةٌ بِهِ، فَتُقَدَّمُ المَصْلَحَةُ العامَّةُ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، أوِ المَعْنى: ولَكم في شَرْعِ القِصاصِ حَياةٌ، وكانَتِ العَرَبُ إذا قَتَلَ الرَّجُلُ حَمِيَ قَبِيلُةٌ أنْ تَقْتَصَّ مِنهُ، فَيَقْتَتِلُونَ، ويُفْضِي ذَلِكَ إلى قَتْلِ عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَلَمّا شُرِعَ القِصاصُ رَضُوا بِهِ وسَلَّمُوا القاتِلَ لِلْقَوْدِ، وصالَحُوا عَلى الدِّيَةِ وتَرَكُوا القِتالَ، فَكانَ لَهم في ذَلِكَ حَياةٌ، وكَمْ قَتَلَ مُهَلْهِلٌ بِأخِيهِ كُلَيْبٍ حَتّى كادَ يُفْنِي بَكْرَ بْنَ وائِلٍ. وقِيلَ: حَياةٌ لِغَيْرِ القاتِلِ: لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُهُ خِلافَ ما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ. وقِيلَ: حَياةٌ لِلْقاتِلِ. وقِيلَ: حَياةٌ لِارْتِداعِ مَن يَهُمُّ بِهِ في الآخِرَةِ، إذِ اسْتُوفِيَ مِنهُ القِصاصُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ في الآخِرَةِ لا يُقْتَصُّ مِنهُ، وإنْ لَمْ يُقْتَصَّ اقْتُصَّ مِنهُ في الآخِرَةِ. فَلا تَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ الحَياةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِمَنِ اقْتُصَّ مِنهُ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، أوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ: ”ولَكم في القَصَصِ“، أيْ: فِيما قَصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ والقِصاصِ، وقِيلَ: القَصَصُ القُرْآنُ، أيْ: لَكم في القُرْآنِ حَياةُ القُلُوبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقِصاصِ، أيْ: أنَّهُ إذا قُصَّ أثَرُ القاتِلِ قَصَصًا قُتِلَ كَما قَتَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَلامٌ فَصِيحٌ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ، وهو أنَّ القِصاصَ قَتْلٌ وتَفْوِيتٌ لِلْحَياةِ، وقَدْ جُعِلَ مَكانًا وظَرْفًا لِلْحَياةِ، ومِن إصابَةِ مَحَزِّ البَلاغَةِ بِتَعْرِيفِ القِصاصِ، وتَنْكِيرِ الحَياةِ: لِأنَّ المَعْنى: ولَكم في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ الَّذِي هو القِصاصُ حَياةٌ عَظِيمَةٌ، أوْ نَوْعٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الحَياةُ الحاصِلَةُ بِالِارْتِداعِ عَنِ القَتْلِ، لِوُقُوعِ العِلْمِ بِالِاقْتِصاصِ مِنَ القاتِلِ، انْتَهى كَلامُهُ.
وقالَتِ العَرَبُ فِيما يَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى: القَتْلُ أوْقى لِلْقَتْلِ، وقالُوا: أنْفى لِلْقَتْلِ، وقالُوا: أكَفُّ لِلْقَتْلِ. وذَكَرَ العُلَماءُ تَفاوُتَ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِنَ البَلاغَةِ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِ العَرَبِ يَقْتَضِي كَوْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ سَبَبًا لِانْتِفاءِ نَفْسِهِ، وهو مُحالٌ. الثّانِي: تَكْرِيرُ لَفْظِ القَتْلِ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ. الثّالِثُ: الِاقْتِصارُ عَلى أنَّ القَتْلَ هو أنْفى لِلْقَتْلِ. الرّابِعُ: أنَّ القَتْلَ ظُلْمًا هو قَتْلٌ، ولا يَكُونُ نافِيًا لِلْقَتْلِ. وقَدِ انْدَرَجَ في قَوْلِهِمُ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، والآيَةُ المُكَرَّمَةُ بِخِلافِ ذَلِكَ. أمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ: فَفِيهِ (p-١٦)أنَّ نَوْعًا مِنَ القَتْلِ وهو القِصاصُ سَبَبٌ لِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَياةِ، لا لِمُطْلَقِ الحَياةِ، وإذا كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولَكم في شَرْعِ القِصاصِ، اتَّضَحَ كَوْنُ شَرْعِ القِصاصِ سَبَبًا لِلْحَياةِ. وأمّا في الوَجْهِ الثّانِي: فَظاهِرٌ لِعُذُوبَةِ الألْفاظِ وحُسْنِ التَّرْكِيبِ، وعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى تَقْدِيرِ الحَذْفِ: لِأنَّ في كَلامِ العَرَبِ كَما قُلْناهُ تَكْرارُ اللَّفْظِ، والحَذْفُ إذًا أنْفى، أوْ أكَفُّ، أوْ أوْقى، هو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ أنَفى لِلْقَتْلِ مِن تَرْكِ القَتْلِ.
وأمّا في الوَجْهِ الثّالِثِ: فالقِصاصُ أعَمُّ مِنَ القَتْلِ: لِأنَّ القِصاصَ يَكُونُ في نَفْسٍ وفي غَيْرِ نَفْسٍ، والقَتْلُ لا يَكُونُ إلّا في النَّفْسِ، فالآيَةُ أعَمُّ وأنْفَعُ في تَحْصِيلِ الحَياةِ. وأمّا في الوَجْهِ الرّابِعِ: فَلِأنَّ القِصاصَ مُشْعِرٌ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَتَرَتَّبَ عَلى مَشْرُوعِيَّتِهِ وُجُودُ الحَياةِ. ثُمَّ الآيَةُ المُكَرَّمَةُ فِيها مُقابَلَةُ القِصاصِ بِالحَياةِ فَهو مِن مُقابَلَةِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ، وهو نَوْعٌ مِنَ البَيانِ يُسَمّى الطِّباقَ، وهو شِبْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ [النجم: ٤٤]، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و”في القِصاصِ“ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ ”لَكم“ وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وتَقْدِيمُ هَذا الخَبَرِ مُسَوِّغٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، وتَفْسِيرُ المَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ لَكم في القِصاصِ حَياةٌ، ونَبَّهَ بِالنِّداءِ نِداءِ ذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ عَلى المَصْلَحَةِ العامَّةِ، وهي مَشْرُوعِيَّةُ القِصاصِ، إذْ لا يَعْرِفُ كُنْهَ مَحْصُولِها إلّا أُولُو الألْبابِ، القائِلُونَ لِامْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ، وهُمُ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِالخِطابِ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩]، ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ﴿لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤]، ﴿لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وذَوُو الألْبابِ هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ العَواقِبَ ويَعْلَمُونَ جِهاتِ الخَوْفِ، إذْ مَن لا عَقْلَ لَهُ لا يَحْصُلُ لَهُ الخَوْفُ، فَلِهَذا خَصَّ بِهِ ذَوِي الألْبابِ.
(لَعَلَّكم تَتَّقُونَ) أيِ: القِصاصُ، فَتَكُفُّونَ عَنِ القَتْلِ وتَتَّقُونَ القَتْلَ حَذَرًا مِنَ القِصاصِ أوِ الِانْهِماكِ في القَتْلِ، أوْ تَتَّقُونَ اللَّهَ بِاجْتِنابِ مَعاصِيهِ، أوْ تَعْمَلُونَ عَمَلَ أهْلِ التَّقْوى في المُحافَظَةِ عَلى القِصاصِ والحُكْمِ بِهِ، وهو خِطابٌ لَهُ فَضْلُ اخْتِصاصٍ بِالأئِمَّةِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، أُولاها ما سِيقَتْ لَهُ الآيَةُ مِن مَشْرُوعِيَّةِ القِصاصِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences