Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:185–186

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:185–186, continued

﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ”﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾“، والكَلامُ في اللّامِ كالكَلامِ في لامِ ”﴿ولِتُكْمِلُوا﴾“، ومَعْنى التَّكْبِيرِ هُنا تَعْظِيمُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ، فَلا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ، بَلْ يُعَظَّمُ اللَّهُ ويُثْنى عَلَيْهِ بِما شاءَ مِن ألْفاظِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ، وقِيلَ: هو التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الهِلالِ في آخِرِ رَمَضانَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حَقٌّ عَلى المُسْلِمِينَ إذا رَأوْا هِلالَ شَوّالٍ أنْ يُكَبِّرُوا، وقِيلَ: هو التَّكْبِيرُ المَسْنُونُ في العِيدِ، وقالَ سُفْيانُ: هو التَّكْبِيرُ يَوْمَ الفِطْرِ. واخْتُلِفَ في مُدَّتِهِ وفي كَيْفِيَّتِهِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُكَبِّرُ مِن رُؤْيَةِ الهِلالِ إلى انْقِضاءِ الخُطْبَةِ ويُمْسِكُ وقْتَ خُرُوجِ الإمامِ ويُكَبِّرُ بِتَكْبِيرِهِ، وقِيلَ - وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ: مِن رُؤْيَةِ الهِلالِ إلى خُرُوجِ الإمامِ إلى الصَّلاةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومالِكٌ: مِن حِينِ يَخْرُجُ مِن مَنزِلِهِ إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ ورَوى ابْنُ القاسِمِ، وعَلِيُّ بْنُ زِيادٍ: إنْ خَرَجَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلا يُكَبِّرُ في طَرِيقِهِ ولا في جُلُوسِهِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وإنْ غَدا بَعْدَ الطُّلُوعِ فَلْيُكَبِّرْ في طَرِيقِهِ إلى المُصَلّى وإذا جَلَسَ حَتّى يَخْرُجَ الإمامُ. واخْتُلِفَ عَنْ أحْمَدَ، فَنَقَلَ الأثَرُ عَنْهُ أنَّهُ إذا جاءَ إلى المُصَلّى يَقْطَعُ: قالَ أبُو يَعْلى: يَعْنِي: وخَرَجَ الإمامُ، ونَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ أنْ يَقْطَعَ بَعْدَ فَراغِ الإمامِ مِنَ الخُطْبَةِ.

واخْتَلَفُوا في الأضْحى، فَقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ: الفِطْرُ والأضْحى سَواءٌ في ذَلِكَ، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، وأبُو سَلَمَةَ، وعُرْوَةُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ في الأضْحى ولا يُكَبِّرُ في الفِطْرِ.

وكَيْفِيَّتُهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثَلاثًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ جابِرٍ، وقِيلَ: يُكَبِّرُ ويُهَلِّلُ ويُسَبِّحُ أثْناءَ التَّكْبِيرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا. وكانَ ابْنُ المُبارَكِ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ، اللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما هَدانا. وقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: كانَ مالِكٌ لا يَجِدُ فِيهِ حَدًّا، وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: اخْتارَ عُلَماؤُنا التَّكْبِيرَ المُطْلَقَ وهو ظاهِرُ الكِتابِ، وقالَ أحْمَدُ: كُلٌّ واسِعٌ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقاوِيلِ في كُتُبِ الفِقْهِ. ورَجَّحَ في (المُنْتَخَبِ) أنَّ إكْمالَ العِدَّةِ هو في صَوْمِ رَمَضانَ، وأنَّ تَكْبِيرَ اللَّهِ هو عِنْدَ الِانْقِضاءِ عَلى ما هَدى إلى هَذِهِ الطّاعَةِ، ولَيْسَ بِمَعْنى التَّعْظِيمِ. قالَ: لِأنَّ تَكْبِيرَ اللَّهِ بِمَعْنى تَعْظِيمِهِ هو واجِبٌ في جَمِيعِ الأوْقاتِ وفي كُلِّ الطّاعاتِ، فَلا مَعْنى لِلتَّخْصِيصِ، انْتَهى. و”عَلى“، تَتَعَلَّقُ ”بِتُكَبِّرُوا“ وفِيها إشْعارٌ بِالعِلْيَةِ، كَما تَقُولُ أشْكُرُكَ عَلى ما أسْدَيْتَ إلَيَّ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما عَدّى فِعْلَ التَّكْبِيرِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِكَوْنِهِ مُضَمَّنًا مَعْنى الحَمْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حامِدِينَ عَلى ما هَداكم، انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حامِدِينَ عَلى ما هَداكم، هو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، إذْ لَوْ كانَ تَفْسِيرَ إعْرابٍ لَمْ تَكُنْ ”عَلى“ مُتَعَلِّقًا بِتُكَبِّرُوا المُضَمَّنَةِ مَعْنى الحَمْدِ، إنَّما كانَتْ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِحامِدِينَ الَّتِي قَدَّرَها، والتَّقْدِيرُ الإعْرابِيُّ هو أنْ تَقُولَ: كَأنَّهُ قِيلَ ولِتَحْمَدُوا اللَّهَ بِالتَّكْبِيرِ عَلى ما هَداكم، كَما قَدَّرَ النّاسُ في قَوْلِهِمْ: قَتَلَ اللَّهُ زِيادًا أعْنِي أيْ: صَرَفَ اللَّهُ زِيادًا عَنِّي بِالقَتْلِ، وفي قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ويَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوْعِ فِينا فَوارِسٌ بَصِيرُونَ في طَعْنِ الأباهِرِ والكُلى

أيْ: تَحْكُمُونَ بِالبَصِيرَةِ في طَعْنِ الأباهِرِ، والظّاهِرُ في ”ما“ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: عَلى هِدايَتِكم، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي، وفِيهِ بُعْدٌ: لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى حَذْفَيْنِ أحَدُهُما: حَذَفُ العائِدِ عَلى ”ما“ أيْ: عَلى الَّذِي هَداكُمُوهُ، وقَدَّرْناهُ مَنصُوبًا لا مَجْرُورًا بِإلى، ولا بِاللّامِ لِيَكُونَ حَذْفُهُ أسْهَلَ مِن حَذْفِهِ مَجْرُورًا. والثّانِي: حَذْفُ مُضافٍ بِهِ يَصِحُّ الكَلامُ، التَّقْدِيرُ: عَلى اتِّباعِ الَّذِي هَداكُمُوهُ، وما أشْبَهَ هَذا التَّقْدِيرَ مِمّا يَصِحُّ بِهِ (p-٤٥)مَعْنى الكَلامِ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى: هَداكم، حُصُولُ الهِدايَةِ لَكم مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وقِيلَ: المَعْنى، هِدايَتُكم لِما ضَلَّ فِيهِ النَّصارى مِن تَبْدِيلِ صِيامِهِمْ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى ”الَّذِي“، فالمَعْنى عَلى ما أرْشَدَكم إلَيْهِ مِن شَرِيعَةِ الإسْلامِ.

﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، هو تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ في الهِدايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَيَكُونُ الشُّكْرُ عَلى الهِدايَةِ، وقِيلَ: المَعْنى تَشْكُرُونَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ مِن ثَوابِ طاعاتِكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، وإرادَةُ أنْ تَشْكُرُوا، فَتَأوَّلَ التَّرَجِّيَ مِنَ اللَّهِ عَلى مَعْنى الإرادَةِ، وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ التَّرَجِّيَ مِنَ المَخْلُوقِ، إذِ التَّرَجِّي حَقِيقَةً يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ، فَلِذَلِكَ أوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالإرادَةِ، وجَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنَ البَشَرِ، والقَوْلانِ مُتَكافِيانِ، وإذا كانَ التَّكْلِيفُ شاقًّا ناسَبَ أنْ يُعَقَّبَ بِتَرَجِّي التَّقْوى، وإذا كانَ تَيْسِيرًا ورُخْصَةً ناسَبَ أنْ يُعَقَّبَ بِتَرَجِّي الشُّكْرِ، فَلِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: لِأنَّ قَبْلَهُ تَرْخِيصٌ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ بِالفِطْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾، وجاءَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقَبْلَهُ ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]: لِأنَّ الصِّيامَ والقِصاصَ مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ، وكَذا يَجِيءُ أُسْلُوبُ القُرْآنِ فِيما هو شاقٌّ، وفِيما فِيهِ تَرْخِيصٌ أوْ تَرْقِيَةٌ، فَيَنْبَغِي أنْ يُلْحَظَ ذَلِكَ حَيْثُ جاءَ فَإنَّهُ مِن مَحاسِنِ عِلْمِ البَيانِ.

2:186Page 28

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦

And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ سَبَبُ النُّزُولِ فِيما قالَ الحَسَنُ: «أنَّ قَوْمًا، قِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟» وقالَ عَطاءٌ: لَمّا نَزَلَ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالَ قَوْمٌ: في أيِّ ساعَةٍ نَدْعُو ؟ فَنَزَلَ ﴿وإذا سَألَكَ﴾ . ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] طَلَبَ تَكْبِيرِهِ وشُكْرِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ذِكْرِ مَن ذَكَرَهُ وشُكْرِ مَن شَكَرَهُ، يَسْمَعُ نِداءَهُ ويُجِيبُ دُعاءَهُ أوْ رَغَباتَهُ، تَنْبِيهًا عَلى أنْ يَكُونَ ولا بُدَّ مَسْبُوقًا بِالثَّناءِ الجَمِيلِ. والكافُ في: سَألَكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في اللَّفْظِ لَكِنْ في قَوْلِهِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ أيْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”أُنْزِلَ عَلَيْكَ فِيهِ القُرْآنُ، فَجاءَ هَذا الخِطابُ مُناسِبًا لِهَذا المَحْذُوفِ“ . و”عِبادِي“، ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ: إمّا اليَهُودُ وإمّا المُؤْمِنُونَ عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، وأمّا عِبادِي، و”عَنِّي“، فالضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ: لِأنَّهُ سَبَقَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ، فَهو خُرُوجٌ مِن غائِبٍ إلى مُتَكَلِّمٍ، و”عَنِّي“ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَكَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا عَنْ ذاتِهِ: لِأنَّ الجَوابَ وقَعَ بِقَوْلِهِ: ”﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾“، والقُرْبُ المَنسُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قُرْبًا بِالمَكانِ، وإنَّما القُرْبُ هُنا عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِدُعائِهِ، مُسْرِعًا في إنْجاحِ طَلَبَةِ مَن سَألَهُ، فَمَثَّلَ حالَةَ تَسْهِيلِهِ ذَلِكَ بِحالَةِ مَن قَرُبَ مَكانُهُ مِمَّنْ يَدْعُوهُ، فَإنَّهُ لِقُرْبِ المَسافَةِ يُجِيبُ دُعاءَهُ، ونَظِيرُ هَذا القُرْبِ هُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «هو بَيْنَكم وبَيْنَ أعْناقِ رَواحِلِكم» . والفاءُ في قَوْلِهِ ”﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾“ جَوابُ ”إذا“، وثَمَّ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقُلْ لَهم إنِّي قَرِيبٌ: لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ القُرْبُ، إنَّما يَتَرَتَّبُ الإخْبارُ عَنِ القُرْبِ.

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ أُجِيبُ: إمّا صِفَةٌ لِـ ”قَرِيبٌ“، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ورُوعِيَ الضَّمِيرُ في ”فَإنِّي“ فَلِذَلِكَ جاءَ أُجِيبُ، ولَمْ يُراعَ الخَبَرُ فَيَجِيءُ ”يُجِيبُ“ عَلى طَرِيقَةِ الإسْنادِ لِلْغائِبِ طَرِيقانِ لِلْعَرَبِ: أشْهَرُهُما مُراعاةُ السّابِقِ مِن تَكَلُّمٍ أوْ خِطابٍ كَهَذا، وكَقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]، ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] . وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وإنّا لَقَوْمٌ ما نَرى القَتْلَ سُبَّةً

والطَّرِيقُ الثّانِي: مُراعاةُ الخَبَرِ كَقَوْلِكَ: أنا رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وأنْتَ امْرُؤٌ يُرِيدُ الخَيْرَ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ مُتَّسِعٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْها في كِتابِنا المُسَمّى بِـ (مَنهَجِ السّالِكِ) . والعامِلُ في إذا قَوْلُهُ ”أُجِيبُ“ ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ (p-٤٦)إذا دَعانِ﴾ لَمّا نَزَلَ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾، وقالَ المُشْرِكُونَ: كَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَلى قَوْلِكَ سَبْعُ سَمَواتٍ في غِلَظٍ، سُمْكُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وفي ما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ مِثْلُ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُجِيبُ﴾ أنَّ ذَلِكَ القُرْبَ هو الإجابَةُ والقُدْرَةُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ عُمُومُ الدَّعَواتِ، إذْ لا يُرِيدُ دَعْوَةً واحِدَةً، والهاءُ في ”دَعْوَةَ“ هُنا لَيْسَتْ لِلْمَرَّةِ، وإنَّما المَصْدَرُ هُنا بُنِيَ عَلى فَعْلَةٍ نَحْوَ ”رَحْمَةٍ“ والظّاهِرُ عُمُومُ الدّاعِي: لِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى داعٍ مَخْصُوصٍ: لِأنَّ الألِفَ واللّامَ فِيهِ لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ، وإنَّما هي لِلْعُمُومِ. والظّاهِرُ تَقْيِيدُ الإجابَةِ بِوَقْتِ الدُّعاءِ، والمَعْنى عَلى هَذا الظّاهِرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي مَن سَألَهُ ما سَألَهُ.

وذَكَرُوا قُيُودًا في هَذا الكَلامِ وتَخْصِيصاتٍ، فَقُيِّدَتِ الإجابَةُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. التَّقْدِيرُ: إنْ شِئْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِهَذا القَيْدِ في الآيَةِ الأُخْرى، ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، وقِيلَ: بِوَفْقِ القَضاءِ أيْ: أُجِيبُ إنْ وافَقَ قَضائِيَ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى المَشِيئَةِ، وقِيلَ: يَكُونُ المَسْئُولُ خَيْرًا لِلسّائِلِ، أيْ: إنْ كانَ خَيْرًا. وقِيلَ: يَكُونُ المَسْئُولُ غَيْرَ مُحالٍ، وقَدْ يَثْبُتُ بِصَرِيحِ العَقْلِ وصَحِيحِ النَّقْلِ أنَّ بَعْضَ الدُّعاةِ لا يُجِيبُهُ اللَّهُ إلى ما سَألَ، ولا يُبَلِّغُهُ المَقْصُودَ مِمّا طَلَبَ، فَخَصَّصُوا الدّاعِيَ بِأنْ يَكُونَ مُطِيعًا مُجْتَنِبًا لِمَعاصِيهِ. وقَدْ «صَحَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في الرَّجُلِ يُطِيلُ السَّفَرَ، أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وغُذِّيَ بِالحَرامِ، فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ ”؟»

قالُوا: ومِن شَرْطِهِ أنْ لا يَمَلَّ، فَفي الصَّحِيحِ: «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» . وخُصِّصَ الدُّعاءُ بِأنْ يَدْعُوا بِما لَيْسَ فِيهِ إثْمٌ، ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، ولا مَعْصِيَةٌ، فَفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها إثْمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى إحْدى ثَلاثٍ: إمّا أنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وإمّا أنْ يَدَّخِرَ لَهُ، وإمّا أنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِمِثْلِها» . ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ بِالمَأْثُورِ، وأنْ لا يُقْصَدَ فِيهِ السَّجْعُ، سَجْعُ الجاهِلِيَّةِ، وأنْ يَكُونَ غَيْرَ مَلْحُونٍ.

وتُرْتَجى الإجابَةُ مِنَ الأزْمانِ عِنْدَ السَّحَرِ، وفي الثُّلُثِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، ووَقْتِ الفِطْرِ، وما بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، وما بَيْنَ الظَّهْرِ والعَصْرِ في يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وأوْقاتِ الِاضْطِرارِ، وحالَةِ السَّفَرِ والمَرَضِ، وعِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ، والصَّفِّ في سَبِيلِ اللَّهِ، والعِيدَيْنِ، والسّاعَةِ الَّتِي أخْبَرَ عَنْها النَّبِيُّ ﷺ في يَوْمِ الجُمُعَةِ: وهي مِنَ الإقامَةِ إلى فَراغِ الصَّلاةِ، كَذا ورَدَ مُفَسَّرًا في الحَدِيثِ، وقِيلَ: بَعْدَ عَصْرِ الجُمُعَةِ، وعِنْدَما تَزُولُ الشَّمْسُ. ومِنَ الأماكِنِ: في الكَعْبَةِ، وتَحْتَ مِيزابِها، وفي الحَرَمِ، وفي حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، والجامِعِ الأقْصى. وإذا كانَ الدّاعِي بِالأوْصافِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ غَلَبَ عَلى الظَّنِّ قَبُولُ دُعائِهِ، وأمّا إنْ كانَ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الأوْصافِ فَلا يَيْأسْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولا يَقْطَعْ رَجاءَهُ مِن فَضْلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لا يَمْنَعَنَّ أحَدًا مِنَ الدُّعاءِ ما يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أجابَ دُعاءَ شَرِّ الخَلْقِ إبْلِيسَ: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] .

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الإجابَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]: لِأنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّ اللَّهَ أجابَ دَعْوَتَهُ صِفَةُ مَدْحٍ وتَعْظِيمٍ، والفاسِقُ لا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ، بَلِ الفاسِقُ قَدْ يَطْلُبُ الشَّيْءَ فَيَفْعَلُهُ اللَّهُ ولا يُسَمّى إجابَةً. قِيلَ: والدُّعاءُ أعْظَمُ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ: لِأنَّهُ إظْهارُ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ تَعالى، والشَّرْعُ قَدْ ورَدَ بِالأمْرِ بِهِ، وقَدْ دَعَتِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ، ونَزَلَتْ بِالأمْرِ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، وفي هَذا رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ مِنَ الجُهّالِ أنَّ الدُّعاءَ لا فائِدَةَ فِيهِ، وذَكَرَ شُبَهًا لَهُ عَلى ذَلِكَ رَدَّها أهْلُ العِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ، وقالُوا: الأوْلى بِالعَبْدِ التَّضَرُّعُ والسُّؤالُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإظْهارُ الحاجَةِ إلَيْهِ لِما رُوِيَ مِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى التَّرْغِيبِ في الدُّعاءِ والحَثِّ عَلَيْهِ، وقالَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَقُولُ فِيهِمْ بَعْضُ النّاسِ، إنَّهم عُلَماءُ الحَقِيقَةِ: يُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ (p-٤٧)الآخِرَةِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدُّنْيا فاللَّهُ مُتَكَفِّلٌ، فَلا حاجَةَ إلَيْها. وقالَ قَوْمٌ مِنهم: إنْ كانَ في حالَةِ الدُّعاءِ أصْلَحَ، وقَلَبُهُ أطْيَبَ، وسَرُّهُ أصْفى، ونَفْسُهُ أزْكى، فَلْيَدْعُ: وإنْ كانَ في التَّرْكِ أصْلَحَ فالإمْساكُ عَنِ الدُّعاءِ أوْلى بِهِ. وقالَ قَوْمٌ مِنهم: تَرْكُ الدُّعاءِ في كُلِّ حالٍ أصْلَحُ لِما فِيهِ مِنَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ، وعَدَمِ الِاعْتِراضِ: ولِأنَّهُ اخْتِيارٌ والعارِفُ لَيْسَ لَهُ اخْتِيارٌ. وقالَ قَوْمٌ مِنهم: تَرْكُ الذُّنُوبِ هو الدُّعاءُ: لِأنَّهُ إذا تَرَكَها تَوَلّى اللَّهُ أمْرَهُ وأصْلَحَ شَأْنَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . وقَدْ تُؤُوِّلَتِ الإجابَةُ والدُّعاءُ هُنا عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ عِبارَةً عَنِ التَّوْحِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ: لِأنَّكَ دَعَوْتَهُ ووَحَّدْتَهُ، والإجابَةُ عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ، لَمّا سُمِّيَ التَّوْحِيدُ دُعاءً سُمِّيَ القَبُولُ إجابَةً، لِتَجانُسِ اللَّفْظِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الإجابَةَ هو السَّماعُ فَكَأنَّهُ قالَ: أسْمَعُ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ هو التَّوْبَةُ عَنِ الذُّنُوبِ: لِأنَّ التّائِبَ يَدْعُو اللَّهَ عِنْدَ التَّوْبَةِ، والإجابَةُ قَبُولُ التَّوْبَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ هو العِبادَةَ، وفي الحَدِيثِ: «الدُّعاءُ العِبادَةُ» قالَ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، والإجابَةُ عِبارَةٌ عَنِ الوَفاءِ بِما ضُمِنَ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوابِ.

الوَجْهُ الخامِسُ: الإجابَةُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِإعْطاءِ المَسْئُولِ وبِمَنعِهِ، فالمَعْنى: إنِّي أخْتارُ لَهُ خَيْرَ الأمْرَيْنِ مِنَ العَطاءِ والرَّدِّ. وكُلُّ هَذِهِ التَّفاسِيرِ خِلافُ الظّاهِرِ.

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أيْ: فَيَطْلُبُوا، أيْ: فَلْيَطْلُبُوا إجابَتِي لَهم إذا دَعَوْنِي، قالَهُ ثَعْلَبٌ، فَيَكُونُ اسْتَفْعِلْ، قَدْ جاءَتْ بِمَعْنى الطَّلَبِ، كاسْتَغْفِرْ، وهو الكَثِيرُ فِيها، أوْ فَلْيُجِيبُوا لِي إذا دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ والطّاعَةِ كَما أنِّي أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِحَوائِجِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُما. ويَكُونُ اسْتَفْعِلْ فِيهِ بِمَعْنى افْعَلْ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠]: إلّا أنَّ تَعْدِيَتَهُ في القُرْآنِ بِاللّامِ، وقَدْ جاءَ في كَلامِ العَرَبِ مُعَدًّى بِنَفْسِهِ، قالَ:

؎وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

أيْ: فَلَمْ يُجِبْهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ، أعْنِي كَوْنَ“ اسْتَفْعَلَ ”مُوافِقَ“ أفْعَلَ ”، قَوْلُهُمُ: اسْتَبْلَ بِمَعْنى أبْلَ، واسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ وأحْصَدَ، واسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ وأعْجَلَ، واسْتَثارَهُ وأثارَهُ، ويَكُونُ“ اسْتَفْعَلَ ”مُوافِقَةً“ أفْعَلَ ”مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وهَذا المَعْنى أحَدُ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْناها لاسْتَفْعَلَ في قَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] .

وقالَ أبُو رَجاءٍ الخُراسانِيُّ: مَعْناهُ فَلْيَدْعُوا لِي، وقالَ الأخْفَشُ: فَلْيُذْعِنُوا لِلْإجابَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، والرَّبِيعُ:“ فَلْيُطِيعُوا ”، وقِيلَ: الِاسْتِجابَةُ هُنا التَّلْبِيَةُ، وهو: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، واللّامُ لامُ الأمْرِ، وهي ساكِنَةٌ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قَرَأها بِالكَسْرِ.

﴿ولْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، ومَعْناهُ الأمْرُ بِالإيمانِ بِاللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الأمْرِ بِإنْشاءِ الإيمانِ فِيهِ بُعْدٌ: لِأنَّ صَدْرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَلِذَلِكَ يُؤَوَّلُ عَلى الدَّيْمُومَةِ، أوْ عَلى إخْلاصِ الدِّينِ، والدَّعْوَةِ والعَمَلِ، أوْ في الثَّوابِ عَلى الِاسْتِجابَةِ لِي بِالطّاعَةِ، أوْ بِالإيمانِ وتَوابِعِهِ، أوْ بِالإيمانِ، في أنِّي أُجِيبُ دُعاءَهم، خَمْسَةُ أقْوالٍ آخِرُها لِأبِي رَجاءٍ الخُراسانِيِّ.

﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ قَوْمٌ:“ يُرْشَدُونَ ”مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ، وإبْراهِيمَ بْنِ أبِي عَبْلَةَ:“ يَرْشِدُونَ ”بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الشِّينِ، وذَلِكَ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما، وقُرِئَ أيْضًا“ يَرْشَدُونَ " بِفَتْحِهِما، والمَعْنى: أنَّهم إذا اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ كانُوا عَلى رَجاءٍ مِن حُصُولِ الرُّشْدِ لَهم، وهو الِاهْتِداءُ لِمَصالِحِ دِينِهِمْ ودُنْياهم، وخَتْمُ الآيَةِ بِرَجاءِ الرُّشْدِ مِن أحْسَنِ الأشْياءِ: لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وبِالإيمانِ بِهِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ القَصْدُ مِنهُ إلّا وُصُولَكَ بِامْتِثالِهِ إلى رَشادِكَ في نَفْسِكَ، لا يَصِلُ إلَيْهِ تَعالى مِنهُ شَيْءٌ مِن مَنافِعِهِ، وإنَّما ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِكَ. ولَمّا كانَ الإيمانُ شُبِّهَ بِالطَّرِيقِ المَسْلُوكِ في القُرْآنِ، ناسَبَ ذِكْرُ الرَّشادِ وهو الهِدايَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском