Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:189–193

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:189–193, continued

والباءُ في: ”بِأنْ تَأْتُوا“ زائِدَةٌ في خَبَرِ لَيْسَ، و”بِأنْ تَأْتُوا“ خَبَرُ لَيْسَ، ويَتَقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ، وهو مِنَ الإخْبارِ بِالمَعْنى عَنِ المَعْنى، وبِالأعْرَفِ عَمّا دُونَهُ في التَّعْرِيفِ: لِأنَّ ”أنْ“ وصِلَتَها، عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وقالُونُ، وعَبّاسٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والعِجْلِيُّ عَنْ حَمْزَةَ: والشُّمُّونِيُّ عَنِ الأعْشى، عَنْ أبِي بَكْرٍ ”البِيُوتَ“ بِالكَسْرِ: حَيْثُ وقَعَ ذَلِكَ لِمُناسَبَةِ الياءِ، والأصْلُ هو الضَّمُّ: لِأنَّهُ عَلى وزْنِ فُعُولٍ، وبِهِ قَرَأ باقِي السَّبْعَةِ و”مِن“ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”تَأْتُوا“ وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَّمِيرُ في ”أبْوابِها“ عائِدٌ عَلى البُيُوتِ. وعادَ كَضَمِيرِ المُؤَنَّثِ الواحِدَةِ: لِأنَّ البُيُوتَ جَمْعُ كَثْرَةٍ، وجَمْعُ المُؤَنَّثِ الَّذِي لا يَعْقِلُ فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ، فالأفْصَحُ في قَلِيلِهِ أنْ يُجْمَعَ الضَّمِيرُ، والأفْصَحُ في كَثِيرِهِ أنْ يُفْرَدَ، كَهو في ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ الواحِدَةِ، ويَجُوزُ العَكْسُ. وأمّا جَمْعُ المُؤَنَّثِ الَّذِي يَعْقِلُ فَلَمْ تُفَرِّقِ العَرَبُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ، والأفْصَحُ أنْ يُجْمَعَ الضَّمِيرُ. ولِذَلِكَ جاءَ في القُرْآنِ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ونَحْوُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ كَما يَعُودُ عَلى المُؤَنَّثِ الواحِدِ وهو فَصِيحٌ.

* *

﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾، التَّأْوِيلاتُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] سائِغَةٌ هُنا مِن أنَّهُ أطْلَقَ البِرَّ، وهو المَصْدَرُ، عَلى مَن وقَعَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ فِيهِ حَذْفٌ مِنَ الأوَّلِ، أيْ: ذا البِرِّ، ومِنَ الثّانِي أيْ: بَرُّ مَن آمَنَ. وتَقَدَّمَ التَّرْجِيحُ في ذَلِكَ. وهَذِهِ الآيَةُ كَأنَّها مُخْتَصَرَةٌ مِن تِلْكَ: لِأنَّ هُناكَ عَدَّ أوْصافًا كَثِيرَةً مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ إلى سائِرِ تِلْكَ الأوْصافِ، وقالَ في آخِرِها: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، وقالَ هُنا: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾، والتَّقْوى لا تَحْصُلُ إلّا بِحُصُولِ تِلْكَ الأوْصافِ، فَأحالَ هُنا عَلى تِلْكَ الأوْصافِ ضِمْنًا إذْ جاءَ مَعَها هو المُتَّقِي. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِ ”ولَكِنْ“ ورَفْعِ ”البِرُّ“ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ.

﴿وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ تَفْسِيرُها: يَتَفَرَّغُ عَلى الأقْوالِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ .

(واتَّقُوا اللَّهَ): أمْرٌ بِاتِّقاءِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَتْ جُمْلَتانِ خَبَرِيَّتانِ وهُما ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾، فَعَطَفَ عَلَيْهِما جُمْلَتانِ أمْرِيَّتانِ الأُولى راجِعَةٌ لِلْأُولى، والثّانِيَةُ راجِعَةٌ لِلثّانِيَةِ، وهَذا مِن بَدِيعِ الكَلامِ. ولَمّا كانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ مَنِ اتَّقى، مَحْذُوفَ المَفْعُولِ، نَصَّ في قَوْلِهِ: واتَّقُوا اللَّهَ، عَلى مَن يَتَّقِي، فاتَّضَحَ في الأوَّلِ أنَّ المَعْنى مَنِ اتَّقى اللَّهَ. (لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ) ظاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾: لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ هو إجْماعُ الخَيْرِ مِنِ امْتِثالِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، فَعَلَّقَ التَّقْوى بِرَجاءِ الفَلاحِ، وهو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ.

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ لَمّا صَدَّ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وصالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ مِن قابِلٍ فَيُحِلُّوا لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَرَجَعَ لِعُمْرَةِ القَضاءِ، وخافَ المُسْلِمُونَ أنْ لا تَفِيَ لَهم قُرَيْشٌ، ويَصُدُّوهم، ويُقاتِلُوهم في الحَرَمِ وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، وكَرِهُوا ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. وأطْلَقَ لَهم قِتالَ الَّذِينَ يُقاتِلُونَهم مِنهم في الحَرَمِ وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، ورَفَعَ عَنْهُمُ الجُناحَ في ذَلِكَ، وبِذِكْرِ هَذا السَّبَبِ ظَهَرَتْ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: لِأنَّ ما قَبْلَها مُتَضَمِّنٌ شَيْئًا مِن مُتَعَلَّقاتِ الحَجِّ، ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ المُناسِبَ هو أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالتَّقْوى، وكانَ أشَدُّ أقْسامِ التَّقْوى وأشَقُّها عَلى النَّفْسِ قِتالَ أعْداءِ اللَّهِ، فَأمَرَ بِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والظّاهِرُ أنَّ المُقاتَلَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ هي الجِهادُ في الكُفّارِ (p-٦٥)لِإظْهارِ دِينِ اللَّهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وأكْثَرُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِالقِتالِ، أمَرَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَ، والكَفِّ عَنْ مَن كَفَّ، فَهي ناسِخَةٌ لِآياتِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] . قالَ الرّاغِبُ: أمَرَ أوَّلًا بِالرِّفْقِ والِاقْتِصارِ عَلى الوَعْظِ والمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ، ثُمَّ أذِنَ لَهُ في القِتالِ، ثُمَّ أمَرَ بِقِتالِ مَن يَأْبى الحَقَّ بِالحَرْبِ، وذَلِكَ كانَ أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ عَلى حَسَبِ مُقْتَضى السِّياسَةِ، انْتَهى.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، وفي (رِيِّ الظَّمْآنِ) هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وضَعُفَ نَسْخُها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١]: لِأنَّهُ مِن بابِ التَّخْصِيصِ لا مِن بابِ النَّسْخِ، ونَسْخُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] بِقَوْلِهِ: (وقاتِلُوهم) بِأنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالقِتالِ في الحَرَمِ، وهَذا الحُكْمُ لَمْ يُنْسَخْ، بَلْ هو باقٍ، وبِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ آياتٍ مُتَوالِيَةٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها ناسِخَةً لِلْأُخْرى، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ”وقاتِلُوا“ لَيْسَ أمْرًا بِقِتالٍ، وإنَّما أرادَ بِالمُقاتَلَةِ المُخاصَمَةِ، والمُجادَلَةِ والتَّشَدُّدِ في الدِّينِ، وجَعَلَ ذَلِكَ قِتالًا: لِأنَّهُ يَئُولُ إلى القِتالِ غالِبًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ. والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وهَذا القَوْلُ خِلافُ الظّاهِرِ، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ مانِعٍ لا يُناسِبُ.

”في سَبِيلِ اللَّهِ“ السَّبِيلُ هو الطَّرِيقُ، واسْتُعِيرَ لِدِينِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ، فَإنَّ المُتَّبِعَ ذَلِكَ يَصِلُ بِهِ إلى بُغْيَتِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، فَشُبِّهَ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ الإنْسانَ إلى ما يَقْصِدُهُ، وهَذا مِنِ اسْتِعارَةِ الأجْرامِ لِلْمَعانِي، ويَتَعَلَّقُ ”في سَبِيلِ اللَّهِ“ بِقَوْلِهِ: ”وقاتِلُوا“، وهو ظَرْفٌ مَجازِيٌّ: لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ القِتالُ بِسَبَبِ نُصْرَةِ الدِّينِ صارَ كَأنَّهُ وقَعَ فِيهِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. التَّقْدِيرُ: في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وبالِغُوا بِالقِتالِ في نُصْرَةِ سَبِيلِ اللَّهِ، فَضُمِّنَ ”قاتِلُوا“ مَعْنى المُبالَغَةِ في القِتالِ.

﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ ظاهِرُهُ: مَن يُناجِزُكُمُ القِتالَ ابْتِداءً، أوْ دَفْعًا عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: مَن لَهُ أهْلِيَّةُ القِتالِ سِوى مَن جَنَحَ لِلسَّلْمِ فَيَخْرُجُ مِن هَذا النِّسْوانُ، والصِّبْيانُ، والرُّهْبانُ. وقِيلَ: مَن لَهُ قُدْرَةٌ عَلى القِتالِ، وتَسْمِيَةُ مَن لَهُ الأهْلِيَّةُ والقُدْرَةُ مُقاتِلًا مَجازٌ، وأبْعَدُ مِنهُ مَجازًا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى: الَّذِينَ يُخالِفُونَكم، فَجَعَلَ المُخالَفَةَ قِتالًا: لِأنَّهُ يَئُولُ إلى القِتالِ، فَيَكُونُ أمْرًا بِقِتالِ مَن خالَفَ، سَواءٌ قاتَلَ أمْ لَمْ يُقاتِلْ، وقُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِأنَّهُ الأهَمُّ، وهو أنْ يَكُونَ القِتالُ بِسَبَبِ إظْهارِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، ألا تَرى الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] .

﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ نَهْيٌ عامٌّ في جَمِيعِ مُجاوَزَةِ كُلِّ حَدِّ حَدَّهُ اللَّهُ تَعالى، فَدَخَلَ فِيهِ الِاعْتِداءُ في القِتالِ بِما لا يَجُوزُ، وقِيلَ: المَعْنى ولا تَعْتَدُوا في قَتْلِ النِّساءِ، والصِّبْيانِ، والرُّهْبانِ، والأطْفالِ، ومَن يَجْرِي مَجْراهم. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٌ، ورَجَّحَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كالنَّحّاسِ وغَيْرِهِ: لِأنَّ المُفاعَلَةَ غالِبًا لا تَكُونُ إلّا مِنِ اثْنَيْنِ، والقِتالُ لا يَكُونُ مِن هَؤُلاءِ: ولِأنَّ النَّهْيَ ورَدَ في ذَلِكَ،«نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ، والصِّبْيانِ، وعَنِ المُثْلَةِ»، وفي وِصايَةِ أبِي بَكْرٍ لِيَزِيدَ بْنِ أبِي سُفْيانَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ هَؤُلاءِ، والشَّيْخِ الفانِي، وعَنْ تَخْرِيبِ العامِرِ، وذَبْحِ البَقَرَةِ والشّاةِ لِغَيْرِ مَأْكَلٍ، وإفْسادِ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ بِحَرْقٍ أوْ غَيْرِهِ.

وقِيلَ: ولا تَعْتَدُوا في قِتالِ مَن بَذَلَ الجِزْيَةَ. قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، وقِيلَ: في تَرْكِ القِتالِ، وقِيلَ: بِالبُداءَةِ والمُفاجَأةِ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ، وقِيلَ: بِالمُثْلَةِ، وقِيلَ: بِابْتِدائِهِمْ في الحَرَمِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقِيلَ: في القِتالِ لِغَيْرِ وجْهِ اللَّهِ، كالحَمِيَّةِ وكَسْبِ الذِّكْرِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ . هَذا كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ: أكْرِمْ زَيْدًا إنَّ عَمْرًا يُكْرِمُهُ. وحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ - وهي مَيْلُ النَّفْسِ إلى ما تُؤْثِرُهُ - مُسْتَحِيلَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولا واسِطَةَ بَيْنَ المَحَبَّةِ والبَغْضاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى: لِأنَّهُما مَجازانِ عَنْ إرادَةِ ثَوابِهِ، وإرادَةِ عِقابِهِ، أوْ عَنْ مُتَعَلَّقِ الإرادَةِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

(p-٦٦)وذَلِكَ بِخِلافِ مَحَبَّةِ الإنْسانِ وبُغْضِهِ، فَإنَّ بَيْنَهُما واسِطَةً، وهي عَدَمُهُما، فَلِذَلِكَ لا يَرِدُ عَلى نَفْيِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُقالَ: لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ المَحَبَّةِ وُجُودُ البُغْضِ، بَلْ ذَلِكَ لازِمٌ لِما بَيَّنّاهُ مِن عَدَمِ الواسِطَةِ بَيْنَهُما في حَقِّهِ تَعالى.

2:191–192Page 30

وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١

And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢

And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، ضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ”﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]“ وهَذا أمْرٌ بِقَتْلِهِمْ، و”﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾“ عامٌّ في كُلِّ مَكانٍ حَلَّ أوْ حَرُمَ، ويَلْزَمُ مِنهُ عُمُومُ الأزْمانِ، في شَهْرِ الحَرامِ وفي غَيْرِهِ، وفي (المُنْتَخَبِ) أمَرَ في الآيَةِ الأوْلى بِالجِهادِ، بِشَرْطِ إقْدامِ الكُفّارِ عَلى المُقاتَلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زادَ في التَّكْلِيفِ، فَأمَرَ بِالجِهادِ مَعَهم سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا، واسْتَثْنى مِنهُ المُقاتَلَةَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالَ: إنَّهُ زادَ في التَّكْلِيفِ فَأمَرَ بِالجِهادِ، سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا: لِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم“ فالوَصْفُ باقٍ إذِ المَعْنى: واقْتُلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم، فَلَيْسَ أمْرًا بِالجِهادِ سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ حِينَ قَتَلَهُ وافِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، وذَلِكَ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ.

﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾، أيْ: مِنَ المَكانِ الَّذِي أخْرَجُوكم مِنهُ، يَعْنِي مَكَّةَ، وهو أمْرٌ بِالإخْراجِ أمْرُ تَمْكِينٍ، فَكَأنَّهُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقَدْ أنْجَزَ ما وعَدَ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِمَن لَمْ يُسْلِمْ مَعَهم، و”مِن حَيْثُ“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾“، وقَدْ تُصَرَّفُ في ”حَيْثُ“ بِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْها، كَمِن، والباءِ، وفي، وبِإضافَةِ لَدى إلَيْها. وضَمِيرُ النَّصْبِ في ”أخْرَجُوكم“ عائِدٌ عَلى المَأْمُورِينَ بِالقَتْلِ والإخْراجِ، وهو في الحَقِيقَةِ عائِدٌ عَلى بَعْضِهِمْ، جَعَلَ إخْراجَ بَعْضِهِمْ وهو أجَلُّهم قَدْرًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُهاجِرُونَ، إخْراجًا لِكُلِّهِمْ.

﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾، في الفِتْنَةِ هُنا أقْوالٌ.

أحَدُها: الرُّجُوعُ إلى الكُفْرِ أشَدُّ مِن أنْ يُقْتَلَ المُؤْمِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وكانُوا قَدْ عَذَّبُوا نَفَرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَرْجِعُوا إلى الكُفْرِ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ. والكُفْرُ بِاللَّهِ يَقْتَضِي العَذابَ دائِمًا، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ قَتَلَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فاسْتَعْظَمَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ. الثّانِي: الشِّرْكُ، أيْ: شِرْكُهم بِاللَّهِ أشَدُّ حُرْمَةً مِنَ القَتْلِ الَّذِي عَيَّرُوكم بِهِ في شَأْنِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.

الثّالِثُ: هَتْكُ حُرُماتِ اللَّهِ مِنهم أشَدُّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي أُبِيحَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تُوقِعُوهُ بِهِمْ.

الرّابِعُ: عَذابُ الآخِرَةِ لَهم أشَدُّ مِن قَتْلِهِمُ المُسْلِمِينَ في الحَرَمِ، ومِنهُ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، أيْ: عَذَّبُوهم.

الخامِسُ: الإخْراجُ مِنَ الوَطَنِ لِما فِيهِ مِن مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ والأحْبابِ، وتَنْغِيصِ العَيْشِ دائِمًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَمَوْتٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أهْوَنُ مَوْقِعًا عَلى النَّفْسِ مِن قَتْلٍ بِحَدِّ فِراقِ

السّادِسُ: أنْ يُرادَ فِتْنَتُهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ، أوْ مِن قَتْلِهِمْ إيّاكم، إنْ قَتَلُوكم فَلا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلِ الثّالِثِ. السّابِعُ: تَعْذِيبُهُمُ المُسْلِمِينَ لِيَرْتَدُّوا، قالَهُ الكِسائِيُّ.

وأصْلُ الفِتْنَةِ عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ لِاسْتِخْلاصِهِ مِنَ الغِشِّ، ثُمَّ صارَ يُسْتَعْمَلُ في الِامْتِحانِ، وإطْلاقُهُ عَلى ما فُسِّرَ بِهِ في هَذِهِ الأقْوالِ شائِعٌ، والفِتْنَةُ والقَتْلُ مَصْدَرانِ لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُما، ولا مَفْعُولُهُما، وإنَّما أُقِرَّ أنَّ ماهِيَّةَ الفِتْنَةِ أشَدُّ مِن ماهِيَّةِ القَتْلِ، فَكُلُّ مَكانٍ تَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذِهِ النِّسْبَةُ كانَ داخِلًا في عُمُومِ هَذِهِ الأخْبارِ، سَواءٌ كانَ المَصْدَرُ فاعِلَهُ أوْ مَفْعُولَهُ، المُؤْمِنُونَ أمِ الكافِرُونَ، وتَعْيِينُ نَوْعٍ ما مِن أفْرادِ العُمُومِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ.

﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ هو أنْ يَبْدَأهم بِالقِتالِ في هَذا المَوْطِنِ حَتّى يَقَعَ ذَلِكَ مِنهم فِيهِ، قالَ مُجاهِدٌ: وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ لا يَجُوزُ قِتالُ أحَدٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ إلّا بَعْدَ أنْ يُقاتِلَ. وبِهِ قالَ (p-٦٧)طاوُسٌ، وأبُو حَنِيفَةَ: وقالَ الرَّبِيعُ: مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقالَ قَتادَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، والنَّسْخُ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنَ الكَلامِ في هَذا النَّسْخِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ والأعْمَشُ: ”ولا تَقْتُلُوهم“، وكَذَلِكَ حَتّى يَقْتُلُوكم، فَإنْ قَتَلُوكم، مِنَ القَتْلِ، فَيُحْتَمَلُ المَجازُ في الفِعْلِ، أيْ: ولا تَأْخُذُوا في قَتْلِهِمْ حَتّى يَأْخُذُوا في قَتْلِكم، ويُحْتَمَلُ المَجازُ في المَفْعُولِ، أيْ: ولا تَقْتُلُوا بَعْضَهم حَتّى يَقْتُلُوا بَعْضَكم، فَإنْ قَتَلُوا بَعْضَكم، يُقالُ: قَتَلَنا بَنُو فُلانٍ، يُرِيدُ قَتَلَ بَعْضَنا، وقالَ:

؎فَإنْ تَقْتُلُونا نُقَتِّلْكم ∗∗∗ وإنْ تَقْصِدُوا لِدَمٍ نَقْصِدِ

ونَظِيرُهُ: ”﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]“، أيْ: قُتِلَ مَعَهم أُناسٌ مِنَ الرِّبِّيِّينَ، فَما وهَنَ الباقُونَ، والعامِلُ في عِنْدَ ”ولا تُقاتِلُوهم“، و”حَتّى“ هُنا لِلْغايَةِ، وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُقاتِلُوكم“، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى عِنْدَ، تَعَدّى الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ الظَّرْفِ فاحْتِيجَ في الوُصُولِ إلَيْهِ إلى ”في“ هَذا، ولَمْ يَتَّسِعْ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ الظَّرْفِ تَعْدِيَتَهُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ، لا يُقالُ: إنَّ الظَّرْفَ إذا كانَ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِ بِالِاتِّساعِ: لِأنَّ ظاهِرَهُ لا يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، بَلِ الِاتِّساعُ جائِزٌ إذْ ذاكَ. ألا تَرى أنَّهُ يُخالِفُهُ في جَرِّهِ بِفي وإنْ كانَ الظّاهِرُ لا يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ ؟ فَكَذَلِكَ يُخالِفُهُ في الِاتِّساعِ. فَحُكْمُ الضَّمِيرِ إذْ ذاكَ لَيْسَ كَحُكْمِ الظّاهِرِ.

﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الغايَةِ، وفِيهِ مَحْذُوفٌ. أيْ: فَإنْ قاتَلُوكم فِيهِ فاقْتُلُوهم فِيهِ، ودَلَّ عَلى إرادَتِهِ سِياقُ الكَلامِ. ولَمْ يُخْتَلَفْ في قَوْلِهِ: ”فاقْتُلُوهم“ أنَّهُ أمْرٌ بِقَتْلِهِمْ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، وفِيهِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ بِالغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم مِنَ الخِذْلانِ وعَدَمِ النُّصْرَةِ بِحَيْثُ أُمِرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ لا بِقِتالِهِمْ، فَأنْتُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنهم بِحَيْثُ لا يَحْتاجُونَ إلّا إلى إيقاعِ القَتْلِ بِهِمْ، إذا ناشَبُوكُمُ القِتالَ لا إلى قِتالِهِمْ.

﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾، الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: لِأنَّها خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو خَبَرُ الكافِرِينَ. المَعْنى: جَزاءُ الكافِرِينَ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ، وهو القَتْلُ، أيْ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى فَجَزاؤُهُ القَتْلُ، وفي إضافَةِ الجَزاءِ إلى الكافِرِينَ إشْعارٌ بِعِلِّيَةِ القَتْلِ.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: عَنِ الكُفْرِ، ودَخَلُوا في الإسْلامِ، ولِذَلِكَ عَلَّقَ عَلَيْهِ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ، وهُما لا يَكُونانِ مَعَ الكُفْرِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وتَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّفْظِ وهو جَزاءُ الكافِرِينَ، وسِياقُ الكَلامِ إنَّما هو مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ المُقاتَلَةِ والشِّرْكِ، لِتَقَدُّمِهِما في الكَلامِ، وهو حَسَنٌ، وقِيلَ: عَنِ القِتالِ دُونَ الكُفْرِ، ولَيْسَ الغُفْرانُ لَهم عَلى هَذا القَوْلِ، بَلِ المَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لَكم رَحِيمٌ بِكم: حَيْثُ أسْقَطَ عَنْكم تَكْلِيفَ قِتالِهِمْ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فاغْفِرُوا لَهم فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَكم، وعَلى قَوْلِ إنَّ الِانْتِهاءَ عَنِ القِتالِ فَقَطْ تَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً، وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ تَكُونُ مُحْكَمَةً، ومَعْنى انْتَهى: كَفَّ، وهو افْتَعَلَ مِنَ النَّهْيِ، ومَعْناهُ فِعْلُ الفاعِلِ بِنَفْسِهِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِمُ اضْطَرَبَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها افْتَعَلَ. قالُوا: وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ دَلالَةٌ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ قاتِلِ العَمْدِ، إذْ كانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مَأْثَمًا مِنَ القَتْلِ، وقَدْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ.

2:193Page 30

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى مَن قاتَلَهُ، وهم كُفّارُ مَكَّةَ، والفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ وما تابَعَهُ مِن أذى المُسْلِمِينَ، أُمِرُوا بِقِتالِهِمْ حَتّى لا يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ، ولا يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّةُ أهْلِ الكِتابِ في قَبُولِ الجِزْيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ. أعْنِي: أنَّ الفِتْنَةَ هُنا الشِّرْكُ وما تابَعَهُ مِنَ الأذى، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ الكُفّارِ، أُمِرُوا بِقِتالِهِمْ وقَتْلِهِمْ في كُلِّ مَكانٍ، فالآيَةُ عامَّةٌ تَتَناوَلُ كُلَّ كافِرٍ مِن مُشْرِكٍ وغَيْرِهِ، ويُخَصُّ مِنهم بِالجِزْيَةِ مَن دَلَّ (p-٦٨)الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها ناسِخَةٌ، لِقَوْلِهِ: ”﴿ولا تُقاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]“ . قالَ في (المُنْتَخَبِ): والصَّحِيحُ، أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هَذِهِ الصِّيغَةُ عامَّةٌ وما قَبْلَهُ خاصٌّ، وهو: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١]، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ تَخْصِيصُ العامِّ، سَواءٌ تَقَدَّمَ عَلى المُخَصَّصِ أمْ تَأخَّرَ عَنْهُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الفِتْنَةُ هُنا، القِتالُ في الحَرَمِ، قالَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِتالِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ مِنهُمُ القِتالُ، الَّذِي إذا بَدَءُوا بِهِ كانَ فِتْنَةً عَلى المُؤْمِنِينَ لِما يَخافُونَ مِن أنْواعِ المَضارِّ. و”حَتّى“ هُنا لِلْغايَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ، وإذا فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ بِالكُفْرِ، والكُفْرُ لا يَلْزَمُ زَوالُهُ بِالقِتالِ، فَكَيْفَ غَيّا الأمْرَ بِالقِتالِ بِزَوالِهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ عَلى حُكْمِ الغالِبِ والواقِعِ، وذَلِكَ أنَّ مَن قُتِلَ فَقَدِ انْقَطَعَ كُفْرُهُ وزالَ، ومَن عاشَ خافَ مِنَ الثَّباتِ عَلى كُفْرِهِ، فَأسْلَمَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: وقاتِلُوهم قَصْدًا مِنكم إلى زَوالِ الكُفْرِ: لِأنَّ الواجِبَ في قِتالِ الكُفّارِ أنْ يَكُونَ القَصْدُ زَوالَ الكُفْرِ، ولِذَلِكَ إذا ظَنَّ أنَّهُ يُقْلِعُ عَنِ الكُفْرِ بِغَيْرِ القِتالِ وجَبَ عَلَيْهِ العُدُولُ عَنْهُ.

﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ الدِّينُ هُنا: الطّاعَةُ، أيْ: يَكُونَ الِانْقِيادُ خالِصًا لِلَّهِ، وقِيلَ: الدِّينُ هُنا السُّجُودُ والخُضُوعُ لِلَّهِ وحْدَهُ، فَلا يُسْجَدُ لِغَيْرِهِ، وغَيّى هُنا الأمْرُ بِالقِتالِ بِشَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: انْتِفاءُ الفِتْنَةِ، والثّانِي: ثُبُوتُ الدِّينِ لِلَّهِ، وهو عَطْفُ مُثْبَتٍ عَلى مَنفِيٍّ، وهُما في مَعْنًى واحِدٍ ومُتَلازِمانِ: لِأنَّهُ إذا انْتَفى الشِّرْكُ بِاللَّهِ كانَ تَعالى هو المَعْبُودُ المُطاعُ، وعَلى تَفْسِيرِ أبِي مُسْلِمٍ في الفِتْنَةِ يَكُونُ قَدْ غَيّى بِأمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أحَدُهُما: انْتِفاءُ القِتالِ في الحَرَمِ، والثّانِي: خُلُوصُ الدِّينِ لِلَّهِ تَعالى. قِيلَ وجاءَ في الأنْفالِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، ولَمْ يَجِئْ هُنا ”كُلُّهُ“: لِأنَّ آيَةَ الأنْفالِ في الكُفّارِ عُمُومًا، وهُنا في مُشْرِكِي مَكَّةَ، فَناسَبَ هُناكَ التَّعْمِيمُ، ولَمْ يُحْتَجْ هُنا إلَيْهِ. قِيلَ: وهَذا لا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في ”وقاتِلُوهم“ عائِدًا عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وراجَعَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ في الخُرُوجِ في فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فَعارَضَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، فَقالَ: ألَمْ يَقِلْ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فَأجابَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأنّا فَعَلْنا ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ كانَ الإسْلامُ قَلِيلًا، وكانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ عَنْ دِينِهِ بِقَتْلِهِ أوْ تَعْذِيبِهِ، وكَثُرَ الإسْلامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وكانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وأنْتُمْ تُقاتِلُونَ حَتّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ . مُتَعَلَّقُ الِانْتِهاءِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: عَنِ الشِّرْكِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، أوْ عَنِ القِتالِ. وأذْعَنُوا إلى أداءِ الجِزْيَةِ فِيمَن يُشْرَعُ ذَلِكَ فِيهِمْ، أوْ عَنِ الشِّرْكِ وتَعْذِيبِ المُسْلِمِينَ وفِتْنَتِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ، وذَلِكَ عَلى الِاخْتِلافِ في الضَّمِيرِ، إذْ هو عامٌّ في الكُفّارِ، أوْ خاصٌّ بِكُفّارِ مَكَّةَ.

والعُدْوانُ مَصْدَرُ عَدا، بِمَعْنى: اعْتَدى، وهو نَفْيٌ عامٌّ، أيْ: لا يُؤْخَذُ فَرْدٌ فَرْدٌ مِن أنْواعِهِ البَتَّةَ إلّا عَلى مَن ظَلَمَ، ويُرادُ بِالعُدْوانِ الَّذِي هو الظُّلْمُ الجَزاءُ. سَمّاهُ عُدْوانًا مِن حَيْثُ هو جَزاءُ عُدْوانٍ، والعُقُوبَةُ تُسَمّى باسِمِ الذَّنْبِ، وذَلِكَ عَلى المُقابَلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎جَزَيْنا ذَوِي العُدْوانِ بِالأمْسِ قَرْضَهم قِصاصًا سَواءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ

وقالَ الرُّمّانِيُّ، إنَّما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ العُدْوانِ في الجَزاءِ مِن غَيْرِ مُزاوَجَةِ اللَّفْظِ: لِأنَّ مُزاوَجَةَ اللَّفْظِ مُزاوَجَةُ المَعْنى، كَأنَّهُ يَقُولُ: انْتَهُوا عَنِ العُدْوانِ فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ، انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا النَّفْيُ العامُّ يُرادُ بِهِ النَّهْيُ، أيْ: فَلا تَعْتَدُوا، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في تَرْكِ الشَّيْءِ عَدَلُوا فِيهِ عَنِ النَّهْيِ إلى النَّفْيِ المَحْضِ العامِّ، وصارَ ألْزَمَ في المَنعِ، إذْ صارَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا تَقَعُ أصْلًا، ولا يَصِحُّ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى النَّفْيِ الصَّحِيحِ أصْلًا لِوُجُودِ العُدْوانِ عَلى غَيْرِ الظّالِمِ. فَكَأنَّهُ يَكُونُ إخْبارًا غَيْرَ مُطابِقٍ، وهو لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى. وفُسِّرَ الظّالِمُونَ هُنا بِمَن بَدَأ بِالقِتالِ، وقِيلَ: مَن بَقِيَ عَلى كُفْرٍ وفِتْنَةٍ، قالَ (p-٦٩)عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الظّالِمُ هُنا مَن أبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الأخْفَشُ المَعْنى: فَإنِ انْتَهى بَعْضُهم فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى مَن لَمْ يَنْتَهِ، وهو الظّالِمُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلا تَعْتَدُوا عَلى المُنْتَهِينَ: لِأنَّ مُقاتَلَةَ المُنْتَهِينَ عُدْوانٌ وظُلْمٌ، فَوُضِعَ قَوْلُهُ: ”﴿إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾“ مَوْضِعَ: عَلى المُنْتَهِينَ، انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قالَهُ لا يَصِحُّ إلّا عَلى تَفْسِيرِ المَعْنى، وأمّا عَلى تَفْسِيرِ الإعْرابِ فَلا يَصِحُّ: لِأنَّ عَلى المُنْتَهِينَ، لَيْسَ مُرادِفًا لِقَوْلِهِ: ”﴿إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾“: لِأنَّ نَفْيَ العُدْوانِ عَنِ المُنْتَهِينَ لا يَدُلُّ عَلى إثْباتِهِ عَلى الظّالِمِينَ إلّا بِالمَفْهُومِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ. وفي التَّرْكِيبِ القُرْآنِيِّ يَدُلُّ عَلى إثْباتِهِ عَلى الظّالِمِينَ بِالمَنطُوقِ المَحْصُورِ بِالنَّفْيِ وإلّا، وفَرْقٌ بَيْنَ الدَّلالَتَيْنِ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ تَفْسِيرَ الإعْرابِ. ألا تَرى قَوْلَهُ: فَوُضِعَ قَوْلُهُ: ”﴿إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾“ مَوْضِعَ: عَلى المُنْتَهِينَ ؟ وهَذا الوَضْعُ إنَّما يَكُونُ في تَفْسِيرِ الإعْرابِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِما بَيَّنّاهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الدَّلالَتَيْنِ، ألا تَرى فَرْقَ ما بَيْنَ قَوْلِكَ: ما أكْرَمَ الجاهِلَ، وما أكْرَمَ إلّا العالِمَ ؟

و”﴿إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾“ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الإخْبارِ ”عَلى الظّالِمِينَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لا“ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ ”لا عُدْوانَ“، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ، وجاءَ بِعَلى، تَنْبِيهًا عَلى اسْتِيلاءِ الجَزاءِ عَلَيْهِمْ واسْتِعْلائِهِ.

وقِيلَ: مَعْنى لا عُدْوانَ، لا سَبِيلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨]، أيْ: لا سَبِيلَ عَلَيَّ، وهو مَجازٌ عَنِ التَّسْلِيطِ والتَّعَرُّضِ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى جَزاءِ الظّالِمِ الَّذِي شَرَحْنا بِهِ العُدْوانَ. ورابِطُ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ إمّا بِتَقْدِيرِ حَذْفٍ أيْ: إلّا عَلى الظّالِمِينَ مِنهم، أوْ بِالِانْدِراجِ في عُمُومِ الظّالِمِينَ، فَكانَ الرَّبْطُ بِالعُمُومِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском