Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:196
2:196Page 30
وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦
And complete the ḥajj and ʿumrah for Allāh. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity1 or sacrifice.2 And when you are secure,3 then whoever performs ʿumrah [during the ḥajj months]4 followed by ḥajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during ḥajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Ḥarām. And fear Allāh and know that Allāh is severe in penalty.
﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، الإتْمامُ كَما تَقَدَّمَ ضِدُّ النَّقْصِ، والمَعْنى: افْعَلُوهُما (p-٧٢)كامِلَيْنِ ولا تَأْتُوا بِهِما ناقِصَيْنِ شَيْئًا مِن شُرُوطِهِما، وأفْعالِهِما الَّتِي تَتَوَقَّفُ وُجُودُ ماهِيَّتِهِما عَلَيْهِما، كَما قالَ غَيْلانُ:
؎تَمامُ الحَجِّ أنْ تَقِفَ المَطايا عَلى خَرْقاءَ واضِعَةِ اللِّثامِ
جَعَلَ وُقُوفَ المَطايا عَلى مَحْبُوبَتِهِ، وهي مَيٌّ، كَبَعْضِ مَناسِكِ الحَجِّ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِهِ. هَذا ظاهِرُ اللَّفْظِ، وقَدْ فُسِّرَ ”الإتْمامُ“ بِغَيْرِ ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. قالَ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: إتْمامُهُما أنْ لا يَنْفَسِخَ، وأنْ تُتَمِّمَهُما إذا بَدَأْتَ بِهِما.
وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدٌ، وطاوُسٌ: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مُفْرَدَيْنِ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، وفَعَلَهُ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: إتْمامُهُما أنْ تَخْرُجَ قاصِدًا لَهُما لا لِتِجارَةٍ ولا لِغَيْرِ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ ”لِلَّهِ“ . وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَتادَةُ: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ وتَقْضِيَها في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وأنْ تُتِمَّ الحَجَّ دُونَ نَقْصٍ ولا جَبْرٍ بِدَمٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إتْمامُهُما أنْ تُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ ولا تَقْرِنَ، والإفْرادُ عِنْدَ هَؤُلاءِ أفْضَلُ.
وقالَ قَوْمٌ: إتْمامُهُما أنْ تَقْرِنَ بَيْنَهُما، والقِرانُ عِنْدَ هَؤُلاءِ أفْضَلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ، وغَيْرُهم: إتْمامُها أنْ تَقْضِيَ مَناسِكَهُما كامِلَةً بِما كانَ فِيها مِن دِماءٍ، وهَذا يَقْرُبُ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَ قَوْمٌ: أنْ يُفْرِدَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَفَرًا. وقِيلَ: أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلالًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إتْمامُهُما أنْ لا تَسْتَحِلَّ فِيهِما ما لا يَجُوزُ، وكانُوا يُشْرِكُونَ في إحْرامِهِمْ، يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. فَقالَ: أتِمُّوهُما ولا تَخْلِطُوا بِهِما شَيْئًا.
وقالَ الماتُرِيدِيُّ: إنَّما قالَ ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: لِأنَّ الكَفَرَةَ كانُوا يَفْعَلُونَ الحَجَّ لِلَّهِ والعُمْرَةَ لِلصَّنَمِ، وقالَ المَرْوَزِيُّ: كانَ الكُفّارُ يَحُجُّونَ لِلْأصْنامِ.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ: ”وأقِيمُوا الحَجَّ“، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”الحِجَّ“، بِالكَسْرِ هُنا، وفي آلِ عِمْرانَ، وبِالفَتْحِ في سائِرِ القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنُ إسْحاقَ: ”الحِجَّ“ بِالكَسْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ الخِلافِ في قَوْلِهِ: (حَجَّ البَيْتَ) في مَوْضِعِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ لِلَّهِ“، وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: ”والعُمْرَةُ لِلَّهِ“، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَخْرُجُ العُمْرَةُ عَنِ الأمْرِ، ويَنْفَرِدُ بِهِ الحَجُّ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: ”وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ“، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا كُلُّهُ عَلى التَّفْسِيرِ: لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ.
”ولِلَّهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أتِمُّوا“، وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَكُونُ العامِلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كائِنِينَ لِلَّهِ، ولا خِلافَ في أنَّ الحَجَّ فَرْضٌ، وأنَّهُ أحَدُ الأرْكانِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، وفُرُوضُهُ: النِّيَّةُ، والإحْرامُ، والطَّوافُ المُتَّصِلُ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، والجَمْرَةُ، عَلى قَوْلِ ابْنِ الماجِشُونِ، والوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ عَلى قَوْلِ الأوْزاعِيِّ.
وأمّا أعْمالُ العُمْرَةِ: فَنِيَّةٌ، وإحْرامٌ، وطَوافٌ، وسَعْيٌ. ولا يَدُلُّ الأمْرُ بِإتْمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ عَلى فَرْضِيَّةِ العُمْرَةِ، ولا عَلى أنَّها سُنَّةٌ، فَقَدْ يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضانَ، وشَيْءٌ مِن شَوّالٍ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ المَطْلُوبِيَّةِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا الطَّلَبِ، ولِذَلِكَ ضَعُفَ قَوْلُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلى أنَّ العُمْرَةَ فَرْضٌ بِقَوْلِهِ: ”وأتِمُّوا“ . ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي بُرْدَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ: ومِن عُلَماءِ الأمْصارِ: الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ حَمِيمٍ، مِنَ المالِكِيِّينَ.
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ إلى أنَّ العُمْرَةَ سُنَّةٌ، مِنهُمُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، ومِنَ التّابِعِينَ: النَّخَعِيُّ، ومِن عُلَماءِ الأمْصارِ: مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، إلّا أنَّهُ إذا شَرَعَ فِيها عِنْدَهُما وجَبَ إتْمامُها. وحَكى بَعْضُ القَزْوِينِيِّينَ والبَغْدادِيِّينَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ القَوْلَيْنِ، والحُجَجُ مَنقُولَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.
* *
﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ ظاهِرُهُ ثُبُوتُ هَذا الحُكْمِ لِلْأُمَّةِ، وأنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالإحْصارِ.
(p-٧٣)ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ لا يَتَحَلَّلُ مِن إحْرامِهِ إلّا بِأداءِ نُسُكِهِ، والمُقامُ عَلى إحْرامِهِ إلى زَوالِ إحْصارِهِ. ولَيْسَ لِمُحْرِمٍ أنْ يَتَحَلَّلَ بِالإحْصارِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَإنْ كانَ إحْرامُهُ بِعُمْرَةٍ لَمْ يَفُتْ، وإنْ كانَ بِحَجٍّ فَفاتَهُ قَضاهُ بِالفَواتِ بَعْدَ إحْلالِهِ مِنهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الإحْصارِ.
وثَبَتَ بِنَقْلِ مَن نَقَلَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الإحْصارَ والحَصْرَ سَواءٌ، وأنَّهُما يُقالانِ في المَنعِ بِالعَدُوِّ، وبِالمَرَضِ، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَوانِعِ، فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، ويَكُونُ سَبَبُ النُّزُولِ ورَدَ عَلى أحَدِ مُطْلَقاتِ الإحْصارِ. ولَيْسَ في الآيَةِ تَقْيِيدٌ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وقالَ عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ: الآيَةُ نَزَلَتْ فِيمَن أُحْصِرَ بِالمَرَضِ لا بِالعَدُوِّ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لا يَكُونُ الإحْصارُ إلّا بِالعَدُوِّ فَقَطْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والآيَةُ نَزَلَتْ فِيمَن أُحْصِرَ بِالعَدُوِّ لا بِالمَرَضِ. وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: ولَوْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ فَلا يُحِلُّهُ إلّا البَيْتُ، ويُقِيمُ حَتّى يُفِيقَ، ولَوْ أقامَ سِنِينَ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ اسْتِواءُ المَكِّيِّ والآفاقِيِّ في ذَلِكَ، وقالَ عُرْوَةُ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ إحْصارٌ.
وظاهِرُ لَفْظِ ”﴿أُحْصِرْتُمْ﴾“ مُطْلَقُ الإحْصارِ، وسَواءٌ عَلِمَ بَقاءَ العَدُوِّ - اسْتِيطانَهُ - لِقُوَّتِهِ وكَثْرَتِهِ، فَيُحِلُّ المُحْصَرُ مَكانَهُ مِن ساعَتِهِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، أوْ رُجِيَ زَوالُهُ، وقِيلَ: لا يُباحُ لَهُ التَّحَلُّلُ إلّا بَعْدَ أنْ يَبْقى بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَجِّ مِقْدارُ ما يَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ زالَ العَدُوُّ لَمْ يُدْرِكِ الحَجَّ، فَيُحِلُّ حِينَئِذٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ القاسِمِ، وابْنُ الماجِشُونِ.
وقِيلَ: مَن حُصِرَ عَنِ الحَجِّ بِعُذْرٍ حَتّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَلا يَقْطَعِ التَّلْبِيَةَ حَتّى يَرُوحَ النّاسُ إلى عَرَفَةَ، ومُطْلَقُ الإحْصارِ يَشْمَلُ قَبْلَ عَرَفَةَ وبَعْدَها خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ مَن أُحْصِرَ بِمَكَّةَ، أوْ بَعْدَ الوُقُوفِ فَلا يَكُونُ مُحْصَرًا، وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُحْصَرَ بِمُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ سَواءٌ.
﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، هو شاةٌ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ، والضَّحّاكُ، ومُغِيرَةُ. وقَدْ سُمِّيَتْ هَدْيًا في قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: أعْلاهُ بَدَنَةٌ، وأوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأدْناهُ شاةٌ. وبِهِ قالَ مالِكٌ.
وأبُو يُوسُفَ، وزُفَرُ، يَكُونُ مِنَ الثَّلاثَةِ، يَكُونُ المُسْتَيْسِرُ عَلى حُكْمِ حالِ المُهْدِي، وعَلى حُكْمِ المَوْجُودِ.
ورَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ عَلى قَدْرِ المَيْسَرَةِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وعائِشَةُ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ: هو جَمَلٌ دُونَ جَمَلٍ، وبَقَرَةٌ دُونَ بَقَرَةٍ، ولا يَكُونُ الهَدْيُ إلّا مِن هَذَيْنِ، ولا يَكُونُ الشّاةُ مِنَ الهَدْيِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. قالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: مِنَ الإبِلِ خاصَّةً، وقالَ الأوْزاعِيُّ يُهْدى الذُّكُورُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ. ولَوْ عَدِمَ المُحْصَرُ الهَدْيَ، فَهَلْ لَهُ بَدَلٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ ؟ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَكُونُ في ذِمَّتِهِ أبَدًا، ولا يُحِلُّ حَتّى يَجِدَ هَدْيًا فَيَذْبَحَ عَنْهُ، وقالَ أحْمَدُ: لَهُ بَدَلٌ، والقَوْلانِ عَنِ الشّافِعِيِّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يُقِيمُ عَلى إحْرامِهِ أوْ يَتَحَلَّلُ، قَوْلانِ. وعَلى الثّانِي: يُقَوَّمُ الهَدْيُ بِالدَّراهِمِ، ويُشْتَرى بِها الطَّعامُ، والكُلُّ أنَّهُ لا بَدَلَ لِلْهَدْيِ، والظّاهِرُ أنَّ العُمْرَةَ كالحَجِّ في حُكْمِ الإحْصارِ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ لا إحْصارَ في العُمْرَةِ: لِأنَّها غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ سِنٌّ في الهَدْيِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: لا يَجْزِي إلّا الثَّنِيُّ فَصاعِدًا، وقالَ مالِكٌ: لا يَجْزِي مِنَ الإبِلِ إلّا الثَّنِيُّ فَصاعِدًا، ويَجُوزُ اشْتِراكُ سَبْعَةٍ في بَقَرَةٍ أوْ بَدَنَةٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ.
وقالَ مالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ في التَّطَوُّعِ لا في الواجِبِ، والظّاهِرُ وُجُوبُ ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا يُهْدِي شَيْئًا إلّا إنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ يُحِلُّ حَيْثُ أُحْصِرَ ويُنْجِزُ هَدْيَهُ إنْ كانَ ثَمَّ هَدْيٌ، ويَحْلِقُ رَأْسَهُ.
وقالَ قَتادَةُ، وإبْراهِيمُ: يَبْعَثُ هَدْيَهُ إنْ أمْكَنَهُ، فَإذا بَلَغَ مَحِلَّهُ صارَ حَلالًا.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ كانَ حاجًّا فَبِالحَرَمِ مَتى شاءَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ في أيّامِ النَّحْرِ: وإنْ كانَ مُعْتَمِرًا فَبِالحَرَمِ في كُلِّ وقْتٍ عِنْدَهم جَمِيعًا، «ونَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ»، وكانَ طَرَفَ الحُدَيْبِيَةَ الرُّبى الَّتِي أسْفَلَ مَكَّةَ، وهو مِنَ الحَرَمِ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٧٤)وسَلَّمَ - «نَحَرَ هَدْيَهُ في الحَرَمِ» . وقالَ الواقِدِيُّ: الحُدَيْبِيَةُ هي طَرَفُ الحَرَمِ عَلى تِسْعَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ.
واخْتَلَفُوا في الِاشْتِراطِ في الحَجِّ إذا خافَ أنْ يُحْصَرَ بِعَدُوٍّ أوْ مَرَضٍ، وصِيغَةُ الِاشْتِراطِ أنْ يَقُولَ إذا أهَلَّ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، ومَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي. فَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، وأصْحابُهم، إلى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ الِاشْتِراطُ. وقالَ أحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، والشّافِعِيُّ: في القَدِيمِ لا بَأْسَ أنْ يَشْتَرِطَ، ولَهُ شُرُوطٌ، وفِيهِ حَدِيثٌ خَرَجَ في الصَّحِيحِ: ولا قَضاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الجَمِيعِ إلّا مَن كانَ لَمْ يَحُجَّ، فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ، وشَذَّ ابْنُ الماجِشُونِ فَقالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ، وقَدْ قَضاها حِينَ أُحْصِرَ.
و”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ﴾ مَوْصُولَةٌ، وهي مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ ما اسْتَيْسَرَ، قالَهُ الأخْفَشُ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَلْيُهْدِ، قالَهُ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فالواجِبُ لَهُ اسْتَيْسَرَ، واسْتَيْسَرَ هو بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، أيْ: يَسُرَ، بِمَعْنى: اسْتَغْنى وغَنِيَ، واسْتَصْعَبَ وصَعُبَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها اسْتَفْعَلَ.
و”مِن“ هُنا تَبْعِيضِيَّةٌ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في اسْتَيْسَرَ العائِدِ عَلى ”ما“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: كائِنًا مِنَ الهَدْيِ، ومَن أجازَ أنْ يَكُونَ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ، أجازَ ذَلِكَ هُنا. والألِفُ واللّامُ في ”الهَدْيِ“ لِلْعُمُومِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وأبُو حَيْوَةَ: ”الهَدِيِّ“ بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، يَعْنِي هُنا في الجَرِّ والرَّفْعِ، ورَوى ذَلِكَ عِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ.
* *
﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، هَذا نَهْيٌ عَنْ حَلْقِ الرَّأْسِ مُغَيًّا بِبُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ، ومَفْهُومُهُ: إذا بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فاحْلِقُوا رُءُوسَكم. والضَّمِيرُ في ”﴿تَحْلِقُوا﴾“ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المُخاطَبِينَ بِالإتْمامِ، فَيَشْمَلُ المُحْصَرَ وغَيْرَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المُحْصَرِينَ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ قالَ بِهِ قَوْمٌ، وأنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُحْصَرِينَ، هو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: أيْ: لا تُحِلُّوا حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ الَّذِي بَعَثْتُمُوهُ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَحِلَّهُ، أيْ: مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ نَحْرُهُ فِيهِ، ومَحِلُّ الدَّيْنِ وقْتُ وُجُوبِ قَضائِهِ، وهو عَلى ظاهِرِ مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، انْتَهى كَلامُهُ.
وكَأنَّهُ رَجَّحَ كَوْنَهُ لِلْمُحْصَرِينَ: لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، وظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَخْتارُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، مُحْصَرًا كانَ المُحْرِمُ أوْ مُخَلًّى: لِأنَّهُ قَدَّمَ هَذا القَوْلَ، ثُمَّ حَكى القَوْلَ الآخَرَ، قالَ: ومِنَ العُلَماءِ مَن يَراها لِلْمُحْصَرِينَ خاصَّةً في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، مَجازٌ في الفاعِلِ وفي المَفْعُولِ، أمّا في الفاعِلِ فَفي إسْنادِ الحَلْقِ إلى الجَمِيعِ، وإنَّما يَحْلِقُ بَعْضُهم رَأْسَ بَعْضٍ، وهو مَجازٌ شائِعٌ كَثِيرٌ، تَقُولُ: حَلَقْتُ رَأْسِي، والمَعْنى أنَّ غَيْرَهُ حَلَقَهُ لَهُ، وأمّا المَجازُ في المَفْعُولِ، فالتَّقْدِيرُ: شَعَرَ رُءُوسِكم، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والخِطابُ يَخُصُّ الذُّكُورَ، والحَلْقُ لِلنِّساءِ مِثْلُهُ في الحَجِّ وغَيْرِهِ، وإنَّما التَّقْصِيرُ سَنَتُهُنَّ في الحَجِّ.
وخَرَّجَ أبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَيْسَ عَلى النِّساءِ حَلْقٌ، إنَّما عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ» . وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِهِ، واخْتَلَفُوا في مِقْدارِ ما يُقَصَّرُ مِن شَعَرِها عَلى تَقادِيرَ كَثِيرَةٍ ذُكِرَتْ في الفِقْهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ هَذِهِ الآيَةُ لِلتَّقْصِيرِ فَنَتَعَرَّضُ نَحْنُ لَهُ هُنا، وإنَّما اسْتَطْرَدْنا لَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا﴾ . وظاهِرُ النَّهْيِ: الحَظْرُ والتَّحْرِيمُ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَلَوْ نَسِيَ فَحَلَقَ قَبْلَ النَّحْرِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ الماجِشُونِ: هو كالعامِدِ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، أوْ تَعَمَّدَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ: لا يَجُوزُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ. قالُوا: وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ.
ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مِنَ النُّسُكِ في الحَجِّ حَلْقُ الرَّأْسِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى جَوازِهِ في غَيْرِ الحَجِّ، خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ في غَيْرِ الحَجِّ مُثْلَةٌ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُثْلَةً لَما جازَ، لا في الحَجِّ ولا غَيْرِهِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حَلَقَ رُءُوسَ بَنِي جَعْفَرٍ بَعْدَ أنْ أتاهُ خَبَرُ قَتْلِهِ بِثَلاثَةِ أيّامٍ»، وكانَ عَلِيٌّ يَحْلِقُ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى إباحَةِ الحَلْقِ، وظاهِرُ عُمُومِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا﴾، أوْ خُصُوصِهِ بِالمُحْصَرِينَ أنَّ الحَلْقَ في حَقِّهِمْ نُسُكٌ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبُو يُوسُفَ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ: لا حَلْقَ عَلى (p-٧٥)المُحْصَرِ، والقَوْلانِ عَنِ الشّافِعِيِّ.
﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: حَيْثُ أُحْصِرَ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ، قالَهُ عُمَرُ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، أوِ المُحْرِمِ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وتَفْسِيرُهم يَدُلُّ عَلى أنَّ المَحِلَّ هُنا المَكانُ، ولَمْ يُقْرَأْ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ. فِيما عَلِمْنا، ويَجُوزُ الفَتْحُ، أعْنِي إذا كانَ يُرادُ بِهِ المَكانُ، وفَرَّقَ الكِسائِيُّ هُنا، فَقالَ: الكَسْرُ هو الإحْلالُ مِنَ الإحْرامِ، والفَتْحُ هو مَوْضِعُ الحُلُولِ مِنَ الإحْصارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنَ القَوْلِ في مَحِلِّ الهَدْيِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِما عَلى المُحْصَرِ في الحَجِّ إذا تَحَلَّلَ بِالهَدْيِ، فَعَنِ النَّسِيءِ عَلَيْهِ حَجَّةٌ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ، وعَلْقَمَةُ، والقاسِمُ، وابْنُ مَسْعُودٍ فِيما رَوى عَنْهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ، فَإنْ جَمَعَ بَيْنَهُما في أشْهُرِ الحَجِّ فَعَلَيْهِ دَمٌ وهو مُتَمَتِّعٌ، وإنْ لَمْ يَجْمَعْهُما في أشْهُرِ الحَجِّ فَلا دَمَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ المُحْصَرُ بِمَرَضٍ أوْ عَدُوٍّ، مُحْرِمًا بِحَجِّ تَطَوُّعٍ، أوْ بِعُمْرَةِ تَطَوُّعٍ، وحَلَّ بِالهَدْيِ فَعَلَيْهِ القَضاءُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لا قَضاءَ عَلى مَن أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ لا في حَجٍّ ولا في عُمْرَةٍ.
* *
﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾، سَبَبُ النُّزُولِ «حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ المَشْهُورُ، وهو أنَّهُ ﷺ رَآهُ والقَمْلُ يَتَناثَرُ مِن رَأْسِهِ»، وقِيلَ: رَآهُ وقَدْ قَرِحَ رَأْسُهُ، ولَمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنِ الحَلْقِ إلى الغايَةِ، الَّتِي هي بُلُوغُ الهَدْيِ كانَ ذَلِكَ النَّهْيُ شامِلًا، فَخُصَّ بِمَن لَيْسَ مَرِيضًا ولا بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ، أمّا هَذانِ فَأُبِيحَ لَهُما الحَلْقُ، وثَمَّ مَحْذُوفٌ يَصِحُّ بِهِ الكَلامُ، التَّقْدِيرُ: فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا، فَفَعَلَ ما يُنافِي المُحْرِمَ مِن حَلْقٍ أوْ غَيْرِهِ، أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَحَلَقَ، وظاهِرُ النَّهْيِ العُمُومُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو مُخْتَصٌّ بِالمُحْصَرِ: لِأنَّ جَوازَ الحَلْقِ قَبْلَ بُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ لا يَجُوزُ، فَرُبَّما لَحِقَهُ مَرَضٌ أوْ أذًى في رَأْسِهِ إنْ صَبَرَ، فَأُذِنَ لَهُ في زَوالِ ذَلِكَ بِشَرْطِ الفِدْيَةِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ عَلى العُمُومِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ ابْنِ عُجْرَةَ.
و”مِنكم“ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ: لِأنَّهُ قَبْلَ تَقَدُّمِهِ كانَ صِفَةً ”لَمَرِيضًا“ فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ. و”مِن“ هُنا لِلتَّبْعِيضِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ”مَرِيضًا“ وهو لا يَكادُ يُعْقَلُ، و”أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ”مَرِيضًا“ ويَرْتَفِعُ ”أذًى“ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَجْرُورِ الَّذِي هو بِهِ، التَّقْدِيرُ: أوْ كائِنًا بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ، ومِن بابِ عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى المُفْرَدِ لِكَوْنِ تِلْكَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ المُفْرَدِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ”مَرِيضًا“، وهي في مَوْضِعِ مُفْرَدٍ: لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى المُفْرَدِ مُفْرَدٌ في التَّقْدِيرِ، إذا كانَ جُمْلَةً، ويَرْتَفِعُ ”أذًى“ إذْ ذاكَ عَلى الِابْتِداءِ بِهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وعَلى الإعْرابِ السّابِقِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وأجازُوا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى إضْمارِ كانَ، لِدَلالَةِ كانَ الأُولى عَلَيْها. التَّقْدِيرُ: أوْ كانَ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ، فاسْمُ كانَ عَلى هَذا إمّا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ”مَن“: وبِهِ أذًى، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ كانَ، وإمّا أذًى وبِهِ، في مَوْضِعِ خَبَرِ كانَ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ”﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾“ مَعْطُوفًا عَلى كانَ، و”أذًى“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”بِهِ“ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ، والهاءُ في ”بِهِ“ عائِدَةٌ عَلى ”مَن“ وكانَ قَدْ قَدَّمَ أبُو البَقاءِ أنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ما قالَهُ خَطَأً: لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً: لِأنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً، والمَعْطُوفُ عَلى الشَّرْطِ شَرْطٌ، فَيَجِبُ فِيهِ ما يَجِبُ في الشَّرْطِ، ولا يَجُوزُ ما قالَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ”مَن“ مَوْصُولَةً: لِأنَّها إذْ ذاكَ مُضَمِّنَةٌ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ أنْ تُوصَلَ عَلى المَشْهُورِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، والباءُ في ”بِهِ“ لِلْإلْصاقِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً، و”مِن رَأْسِهِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ ”بِهِ“ وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”أذًى“، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ.
﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ ارْتِفاعُ (p-٧٦)”فِدْيَةٌ“ عَلى الِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، أوْ عَلى الخَبَرِ، أيْ: فالواجِبُ فِدْيَةٌ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ قُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: فَلْيَفْدِ فِدْيَةً. و”﴿مِن صِيامٍ﴾“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، و”أوْ“ هُنا لِلتَّخْيِيرِ، فالفادِي مُخَيَّرٌ في أيِّ الثَّلاثَةِ شاءَ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ: ”أوْ نُسْكٍ“ بِإسْكانِ السِّينِ: والظّاهِرُ إطْلاقُ الصِّيامِ والصَّدَقَةِ والنُّسُكِ، لَكِنْ بَيَّنَ تَقْيِيدَ ذَلِكَ السُّنَّةُ الثّابِتَةُ في حَدِيثِ ابْنِ عُجْرَةَ، مِن أنَّ الصِّيامَ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والصَّدَقَةَ إطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، والنُّسُكَ شاةٌ. وإلى أنَّ الصِّيامَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ذَهَبَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، وعَلْقَمَةُ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والجُمْهُورُ: ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ: عَشَرَةُ أيّامٍ. ومَحِلُّهُ زَمانًا مَتى اخْتارَ، ومَكانًا حَيْثُ اخْتارَ. وأمّا الإطْعامُ، فَذَكَرَ بَعْضُهُمُ انْعِقادَ الإجْماعِ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: يُطْعِمُ عَشَرَةَ مَساكِينَ، واخْتُلِفَ في قِدْرِ الطَّعامِ، ومَحِلِّ الإطْعامِ، أمّا القَدْرُ فاضْطَرَبَتِ الرِّوايَةُ في حَدِيثِ عُجْرَةَ، واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مِنَ التَّمْرِ صاعٌ، ومِنَ الحِنْطَةِ نِصْفُ صاعٍ. وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: الطَّعامُ في ذَلِكَ مُدّانِ مُدّانِ، بِالمُدِّ النَّبَوِيِّ، وهو قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ، وداوُدَ. ورُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ: نِصْفُ صاعٍ مِنَ البُرِّ، وصاعٌ مِنَ التَّمْرِ، والشَّعِيرِ، والزَّبِيبِ. وقالَ أحْمَدُ مَرَّةً بِقَوْلٍ كَقَوْلِ مالِكٍ، ومُرَّةً قالَ: مُدَّيْنِ مِن بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، ونِصْفَ صاعٍ مِن تَمْرٍ: وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ: يَجْزِيهِ أنْ يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ. وقالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، والشّافِعِيُّ: لا يَجْزِيهِ ذَلِكَ حَتّى يُعْطِيَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ، بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ .
وأمّا المَحِلُّ فَقالَ عَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عَنْهُ، ومالِكٌ وأصْحابُهُ إلّا ابْنَ الجَهْمِ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: حَيْثُ شاءَ، وقالَ الحَسَنُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ أيْضًا، والشّافِعِيُّ: الإطْعامُ بِمَكَّةَ، وأُمًّا النُّسُكُ فَشاةٌ. قالُوا بِالإجْماعِ ومَن ذَبَحَ أفْضَلَ مِنها فَهو أفْضَلُ، وأمّا مَحِلُّها فَحَيْثُ شاءَ، قالَهُ عَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، ومالِكٌ، وأصْحابُهُ إلّا ابْنَ الجَهْمِ، فَقالَ: النُّسُكُ لا يَكُونُ إلّا بِمَكَّةَ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عَنْهُ، والحَسَنُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وظاهِرُ الفِدْيَةِ أنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحَلْقِ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ، وقالَ الأوْزاعِيُّ: يَجْزِيهِ أنْ يُكَفِّرَ بِالفِدْيَةِ قَبْلَ الحَلْقِ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ نُسُكٍ إنْ أرادَ الحَلْقَ. وظاهِرُ الشَّرْطِ أنَّ الفِدْيَةَ لا تَتَعَلَّقُ إلّا بِمَن بِهِ مَرَضٌ أوْ أذًى فَحَلَقَ، فَلَوْ حَلَقَ، أوْ جَزَّ، أوْ أزالَ بِنُورَةٍ شَعَرَهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أوْ لَبِسَ المَخِيطَ، أوْ تَطَيَّبَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ عالِمًا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ وأصْحابُهُما، وأبُو ثَوْرٍ: لا يُخَيَّرُ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ، وعَلَيْهِ دَمٌ لا غَيْرُ، وقالَ مالِكٌ: يُخَيَّرُ، والعَمْدُ والخَطَأُ بِضَرُورَةٍ وغَيْرِها سَواءٌ عِنْدَهُ، فَلَوْ فَعَلَهُ ناسِيًا، فَقالَ إسْحاقُ، وداوُدُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ: النّاسِي كالعامِدِ في وُجُوبِ ذَلِكَ القَدْرِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ القَوْلانِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُوجِبُونَ الفِدْيَةَ بِلُبْسِ المَخِيطِ وتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، أوْ بَعْضِهِ ولُبْسِ الخُفَّيْنِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ومَسِّ الطِّيبِ، وإماطَةِ الأذى، وحَلْقِ شَعْرِ الجَسَدِ، أوْ مَواضِعِ الحِجامَةِ، الرَّجُلُ والمَرْأةُ في ذَلِكَ سَواءٌ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ عَلَيْهِما دَمًا في كُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ داوُدُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِما في حَلْقِ شَعَرِ الجَسَدِ.
* *
(فَإذا أمِنتُمْ) يَعْنِي: مِنَ الإحْصارِ، هَذا الأمْنُ مُرَتَّبٌ تَفْسِيرُهُ عَلى تَفْسِيرِ الإحْصارِ، فَمَن فَسَّرَهُ هُناكَ بِالإحْصارِ بِالمَرَضِ لا بِالعَدُوِّ، جَعَلَ الأمْنَ هُنا مِنَ المَرَضِ لا مِنَ العَدُوِّ، وهو قَوْلُ عَلْقَمَةَ، وعُرْوَةَ. والمَعْنى: فَإذا بَرِئْتُمْ مِن مَرَضِكم.
ومَن فَسَّرَهُ بِالإحْصارِ بِالعَدُوِّ لا بِالمَرَضِ: قالَ هُنا: الأمْنُ مِنَ العَدُوِّ لا مِنَ المَرَضِ، والمَعْنى: فَإذا أمِنتُمْ مِن خَوْفِكم مِنَ العَدُوِّ.
ومَن فَسَّرَ الإحْصارَ بِأنَّهُ مِنَ العَدُوِّ والمَرَضِ ونَحْوِهِ، فالأمْنُ عِنْدَهُ هُنا مِن جَمِيعِ ذَلِكَ، والأمْنُ سُكُونٌ يَحْصُلُ في القَلْبِ بَعْدَ اضْطِرابِهِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «الزُّكامُ أمانٌ مِنَ الجُذامِ» . خَرَّجَهُ ابْنُ ماجَهْ، وجاءَ: مَن «سَبَقَ العاطِسَ بِالحَمْدِ، أمِنَ مِنَ الشَّوْصِ واللَّوْصِ والعِلَّوْصِ» . أيْ: مِن وجَعِ السِّنِّ، ووَجَعِ (p-٧٧)الأُذُنِ، ووَجَعِ البَطْنِ. والخِطابُ ظاهِرُهُ أنَّهُ عامٌّ في المُحْصَرِ وغَيْرِهِ، أيْ: فَإذا كُنْتُمْ في حالِ أمْنٍ وسَعَةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ: الآيَةُ في المُحْصَرِينَ دُونَ المُخَلّى سَبِيلَهم.
﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَتاعِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وفُسِّرَ التَّمَتُّعُ هُنا بِإسْقاطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ: لِأنَّ حَقَّ العُمْرَةِ أنْ تُفْرَدَ بِسَفَرٍ غَيْرِ سَفَرِ الحَجِّ، وقِيلَ: لِتَمَتُّعِهِ بِكُلِّ ما لا يَجُوزُ فِعْلُهُ، مِن وقْتِ حَلِّهِ مِنَ العُمْرَةِ إلى وقْتِ إنْشاءِ الحَجِّ. واخْتُلِفَ في صُورَةِ هَذا التَّمَتُّعِ الَّذِي في الآيَةِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هو فِيمَن أُحْصِرَ حَتّى فاتَهُ الحَجُّ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ فَخَرَجَ مِن إحْرامِهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، واسْتَمْتَعَ بِإحْلالِهِ ذَلِكَ بِتِلْكَ العُمْرَةِ إلى السَّنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ ثُمَّ يَحُجُّ ويُهْدِي.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ، مَعْناهُ: فَإذا أمِنتُمْ وقَدْ حَلَلْتُمْ مِن إحْرامِكم بَعْدَ الإحْصارِ، ولَمْ تَقْضُوا عُمْرَةً تَخْرُجُونَ بِها مِن إحْرامِكم بِحَجِّكم، ولَكِنْ حَلَلْتُمْ حَيْثُ أُحْصِرْتُمْ بِالهَدْيِ، وأخَّرْتُمُ العُمْرَةَ إلى السَّنَةِ القابِلَةِ، واعْتَمَرْتُمْ في أشْهُرِ الحَجِّ، فاسْتَمْتَعْتُمْ بِإحْلالِكم إلى حَجِّكم، فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ. وقالَ عَلِيٌّ: أيْ فَإنْ أخَّرَ العُمْرَةَ حَتّى يَجْمَعَها مَعَ الحَجِّ فَعَلَيْهِ الهَدْيُ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَمَن نَسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ فَجَعَلَهُ عُمْرَةً، واسْتَمْتَعَ بِعُمْرَتِهِ إلى حَجِّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وجَماعَةٌ: هو الرَّجُلُ تَقَدَّمَ مُعْتَمِرًا مِن أُفُقٍ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَإذا قَضى عُمْرَتَهُ أقامَ حَلالًا بِمَكَّةَ حَتّى يُنْشِئَ مِنها الحَجَّ مِن عامِهِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِالإحْلالِ إلى إحْرامِهِ بِالحَجِّ، فَمَعْنى التَّمَتُّعِ: الإهْلالُ بِالعُمْرَةِ، فَيُقِيمُ حَلالًا يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ الحَلالُ بِالحَجِّ، ثُمَّ يَحُجُّ بَعْدَ إحْلالِهِ مِنَ العُمْرَةِ مِن غَيْرِ رُجُوعٍ إلى المِيقاتِ.
والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِهَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها، ولا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ في وُقُوعِ الحَجِّ عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ: تَمَتُّعٍ، وإفْرادٍ، وقِرانٍ. وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ. ونَهْيُ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وقَدْ تَأوَّلَهُ قَوْمٌ عَلى أنَّهُ فَسْخُ الحَجِّ في العُمْرَةِ، فَأمّا التَّمَتُّعُ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَلا.
﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْسِيرًا وإعْرابًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والفاءُ في ”فَإذا أمِنتُمْ“ لِلْعَطْفِ، وفي ”﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾“ جَوابُ الشَّرْطِ، وفي ”فَما“ جَوابٌ لِلشَّرْطِ الثّانِي. ويَقَعُ الشَّرْطُ وجَوابُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِالفاءِ، لا نَعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافَ الجَوابِ، نَحْوَ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَإنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَأنْتِ طالِقٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences