Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:205–207
2:205Page 32
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥
And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.
﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾، حَقِيقَةُ التَّوَلِّي الِانْصِرافُ بِالبَدَنِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ فِيما يُرْجَعُ عَنْهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، ومَعْناهُ هُنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَضِبَ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ عَنِ الرِّضى الَّذِي كانَ قَبْلَهُ، وقالَ الحَسَنُ: انْصَرَفَ عَنِ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ، وقالَ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: انْصَرَفَ بِبَدَنِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الوِلايَةِ، أيْ: صارَ والِيًا. والسَّعْيُ حَقِيقَةً المَشْيُ بِالقَدَمَيْنِ بِسُرْعَةٍ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ هَنا أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْهُ، والمَعْنى: وإذا نَهَضَ عَنْكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ إلانَةِ القَوْلِ وحَلاوَةِ المَنطِقِ، فَسَعى بِقَدَمَيْهِ في الأرْضِ، فَقَطَعَ الطَّرِيقَ وأفْسَدَ فِيها، كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفٍ. وقِيلَ: السَّعْيُ هُنا العَمَلُ، وهو مَجازٌ سائِغٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ، ومِنهُ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي، ولَمْ أطْلُبْ، قَلِيلٌ مِنَ المالِ
؎ولَكِنَّما أسْعى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ∗∗∗ وقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أمْثالِي
(وقالَ الأعْشى):
؎وسَعى لِكِنْدَةَ غَيْرَ سَعْيِ مُواكِلٍ ∗∗∗ قَيْسٌ فَصَدَّ عَدُوَّها وبَنى لَها
(وقالَ آخَرُ):
؎أسْعى عَلى حَيِّي بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنِهِ ساعٍ
والمَعْنى: سَعى بِحِيَلِهِ وإدارَةِ الدَّوائِرِ عَلى الإسْلامِ، وإلى هَذا القَوْلِ نَحا مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وذُكِرَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ. قالَ قَوْمٌ مِنهم: مَعْناهُ سَعى فِيها بِالكُفْرِ، وقالَ قَوْمٌ بِالظُّلْمِ. وقَدْ يَقَعُ السَّعْيُ بِالقَوْلِ، يُقالُ: سَعى بَيْنَ فُلانٍ وفُلانٍ، نَقَلَ إلَيْهِما قَوْلًا يُوجِبُ الفُرْقَةَ، ومِنهُ:
؎ما قُلْتُ ما قالَ وُشاةٌ سَعَوْا ∗∗∗ سَعْيَ عَدُوٍّ بَيْنَنا يُرْجِفُ
”في الأرْضِ“، مَعْلُومٌ أنَّ السَّعْيَ لا يَكُونُ إلّا في الأرْضِ، لَكِنْ أفادَ العُمُومَ بِمَعْنى في أيِّ مَكانٍ حَلَّ مِنها سَعى لِلْفَسادِ، ويَدُلُّ لَفْظُ في الأرْضِ، عَلى كَثْرَةِ سَعْيِهِ ونُقْلَتِهِ في نَواحِي الأرْضِ: لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن عُمُومِ الأرْضِ تَكْرارُ السَّعْيِ وتَقَدَّمَ ما يُشْبِهُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١] . وإذا كانَ المُرادُ الأخْنَسُ، فالأرْضُ أرْضُ المَدِينَةِ، فالألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ. لِيُفْسِدَ فِيها، هَذا عِلَّةُ سَعْيِهِ، والحامِلُ لَهُ عَلى السَّعْيِ في (p-١١٦)الأرْضِ، والفَسادُ ضِدُّ الصَّلاحِ، وهو مُعانَدَةُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] . والفَسادُ يَكُونُ بِأنْواعٍ مِنَ الجَوْرِ، والقَتْلِ، والنَّهْبِ، والسَّبْيِ، ويَكُونُ: بِالكُفْرِ. ”ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ“ عَطَفَ هَذِهِ العِلَّةَ عَلى العِلَّةِ قَبْلَها، وهو ”لِيُفْسِدَ فِيها“، وهو شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقَوْلِهِ:
؎أكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا ولَبانُهُ
لِأنَّ الإفْسادَ شامِلٌ يَدْخُلُ تَحْتَهُ إهْلاكُ الحَرْثِ والنَّسْلِ، ولَكِنَّهُ خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْظَمُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في عِمارَةِ الدُّنْيا، فَكانَ إفْسادُهُما غايَةُ الإفْسادِ. ومَن فَسَّرَ الإفْسادَ بِالتَّخْرِيبِ، جَعَلَ هَذا مِن بابِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ. و”يُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ“ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَرْثِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١]، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ النَّسْلِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وعَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الآيَةَ في الأخْنَسِ، يَكُونُ الحَرْثُ الزَّرْعَ، والنَّسْلُ الحُمُرَ الَّتِي قَتَلَها، فَيَكُونُ النَّسْلُ المُرادُ بِهِ الدَّوابُّ ذَواتُ النَّسْلِ. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالحَرْثِ هُنا النِّساءُ، وبِالنَّسْلِ الأوْلادُ، وقالَ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّجّاجِ احْتِمالًا، فَيَكُونُ مِنَ الكِنايَةِ، وهو مِن ضُرُوبِ البَيانِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ويُهْلِكَ“ مِن أهْلَكَ. عَطْفًا عَلى ”لِيُفْسِدَ“، وقَرَأ أُبَيٌّ: ”ولِيُهْلِكَ“ بِإظْهارِ لامِ العِلَّةِ، وقَرَأ قَوْمٌ: ”ويُهْلِكُ“، مِن أهْلَكَ، وبِرَفْعِ الكافِ. وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ”يُعْجِبُكَ“، أوْ عَلى ”سَعى“: لِأنَّهُ في مَعْنى: يَسْعى، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو يُهْلِكُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”ويَهْلِكُ“ مِن هَلَكَ، وبِرَفْعِ الكافِ، و”الحَرْثُ والنَّسْلُ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وكَذَلِكَ رَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ الَّذِي رَواهُ حَمّادٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، إنَّما هو ويُهْلِكُ مِن أهْلَكَ، وبِضَمِّ الكافِ، ”الحَرْثَ“ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ قَوْمٌ: ”ويَهْلَكُ“ مِن هَلَكَ، وبِفَتْحِ اللّامِ، ورَفْعِ الكافِ ورَفْعِ الحَرْثِ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ نَحْوَ رَكَنَ يَرْكَنُ، ونُسِبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ إلى الحَسَنِ والزَّمَخْشَرِيِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورُوِيَ عَنْهُ، يَعْنِي عَنِ الحَسَنِ، ”ويُهْلَكُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ سِتُّ قِراءاتٍ: ويُهْلِكَ ولِيُهْلِكَ ويُهْلِكُ، وما بَعْدَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ مَنصُوبٌ: لِأنَّ في الفِعْلِ ضَمِيرَ الفاعِلِ، ويَهْلَكُ ويُهْلِكُ ويُهْلَكُ، وما بَعْدَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ مَرْفُوعٌ بِالفِعْلِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”وهو ألَدُّ الخِصامِ“، وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ ”مَن“ أوْ صِفَتِها، مِن قَوْلِهِ: ويُعْجِبُكَ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ تَقَدَّمَتْ عِلَّتانِ، والثّانِيَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ الأُولى، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ، واكْتَفى بِذِكْرِ الأُولى لِانْطِوائِها عَلى الثّانِيَةِ، وإنْ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ بِالإرادَةِ، وقَدْ جاءَتْ كَذَلِكَ في مَواضِعَ مِنها: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]، فَلا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ، أيْ: لا يُحِبُّ مِن أهْلِ الصَّلاحِ الفَسادَ، ولا يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى العُمُومِ إذْ ذاكَ عَلى مَذْهَبِنا لِوُقُوعِ الفَسادِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُرادًا لَما كانَ واقِعًا. وقَدْ تَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ الفَسادَ، فَما وقَعَ مِنهُ فَلَيْسَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى، ولا مَفْعُولًا لَهُ: لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ مُرِيدًا لَهُ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَفْعَلَ ما لا يُرِيدُ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَبَّتَهُ الفِعْلَ هي إرادَتُهُ لَهُ، أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُحِبَّ كَوْنَهُ ولا يُرِيدَ أنْ يَكُونَ، بَلْ يَكْرَهُ أنْ يَكُونَ. وفي هَذا ما فِيهِ مِنَ التَّناقُضِ. انْتَهى ما قالُوا، وقِيلَ: المَعْنى واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ دِينًا، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلَ الفَسادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى لا يَرْضى المَعاصِيَ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِالمَحَبَّةِ عَنِ الأمْرِ، أيْ: لا يَأْمُرُ بِالفَسادِ. وقالَ الرّاغِبُ: الإفْسادُ إخْراجُ الشَّيْءِ مِن حالَةٍ مَحْمُودَةٍ لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ التَّأْوِيلاتُ كُلُّها هو عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ الحُبَّ بِمَعْنى الإرادَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحُبُّ لَهُ عَلى الإرادَةِ مَزِيَّةُ إيثارٍ، فَلَوْ قالَ أحَدٌ: إنَّ الفَسادَ المُرادَ تَنْقُصُهُ مَزِيَّةُ الإيثارِ، لَصَحَّ ذَلِكَ إذِ الحُبُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إنَّما هو لِما حَسُنَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وإذا صَحَّ هَذا اتَّضَحَ الفَرْقُ بَيْنَ الإرادَةِ والمَحَبَّةِ، وصَحَّ أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الشَّيْءَ ولا يُحِبُّهُ. وقالَ بَعْضُهم: سَوّى المُعْتَزِلَةُ بَيْنَ المَحَبَّةِ والإرادَةِ (p-١١٧)واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، والفَرْقُ بَيْنَ الإرادَةِ والمَحَبَّةِ بَيِّنٌ، فَإنَّ الإنْسانَ يُرِيدُ بَطِيءَ الجُرْحِ ولا يُحِبُّهُ، وإذا بانَ في المَعْقُولِ الفَرْقُ بَيْنَ الإرادَةِ والمَحَبَّةِ بَطَلَ ادِّعاؤُهُمُ التَّساوِيَ بَيْنَهُما، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، انْتَهى كَلامُهُ. وجاءَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى نَفْيُ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى أشْياءَ، إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الحُبِّ وعَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، بِخِلافِ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ قَدْ يَعْرُو عَنْهُما، فالمَحَبَّةُ ومُقابِلُها بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى نَقِيضانِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ ضِدّانِ، وظاهِرُ الفَسادِ يَعُمُّ كُلَّ فَسادٍ في أرْضٍ أوْ مالٍ أوْ دِينٍ، وقَدِ اسْتَدَلَّ عَطاءٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾: عَلى مَنعِ شَقِّ الإنْسانِ ثَوْبَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَسادُ هُنا الخَرابُ.
2:206Page 32
وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦
And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.
﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾، تَحْتَمِلُ أيْضًا هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في الصِّلَةِ، تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَحْوِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١]، وما الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِهِ هُنا، و”أخَذَتْهُ العِزَّةُ“ احْتَوَتْ عَلَيْهِ وأحاطَتْ بِهِ، وصارَ كالمَأْخُوذِ لَها كَما يَأْخُذُ الشَّيْءَ بِاليَدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتَهُ إيّاهُ، أيْ: حَمَلَتْهُ العِزَّةُ الَّتِي فِيهِ، وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الإثْمِ الَّذِي يُنْهى عَنْهُ، وألْزَمَتْهُ ارْتِكابَهُ، وأنْ لا يُخَلِّيَ عَنْهُ ضَرَرًا ولَجاجًا، أوْ عَلى رَدِّ قَوْلِ الواعِظِ، انْتَهى كَلامُهُ. فالباءُ، عَلى كَلامِهِ لِلتَّعْدِيَةِ، كَأنَّ المَعْنى ألْزَمَتْهُ العِزَّةُ الإثْمَ، والتَّعْدِيَةُ بِالباءِ بابُها الفِعْلِ اللّازِمِ، نَحْوَ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، أيْ: لَأذْهَبَ سَمْعَهم، ونَدَرَتِ التَّعْدِيَةُ بِالباءِ في المُتَعَدِّي، نَحْوَ: صَكِكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ، أيْ أصْكَكْتُ الحَجَرَ الحَجَرِ، بِمَعْنى جَعَلْتُ أحَدَهُما يَصُكُّ الآخَرَ، ويَحْتَمِلُ الباءُ أنْ تَكُونَ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: أخَذَتْهُ مَصْحُوبًا بِالإثْمِ، أوْ مَصْحُوبَةً بِالإثْمِ، فَيَكُونُ لِلْحالِ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والمَعْنى: أنَّ إثْمَهُ السّابِقَ كانَ سَبَبًا لِأخْذِ العِزَّةِ لَهُ، حَتّى لا يَقْبَلَ مِمَّنْ يَأْمُرُهُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، فَتَكُونُ الباءُ هُنا كَمِن، في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِن جَهْلِهِ فَتَوَلّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ
وعَلى أنْ تَكُونَ ”الباءُ“ سَبَبِيَّةً فَسَّرَهُ الحَسَنُ، قالَ: أيْ مِن أجْلِ الإثْمِ الَّذِي في قَلْبِهِ، يَعْنِي الكُفْرَ. وقَدْ فُسِّرَتِ العِزَّةُ بِالقُوَّةِ وبِالحَمِيَّةِ والمَنَعَةِ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى التَّتْمِيمَ، وهو إرْدافُ الكَلامِ بِكَلِمَةٍ تَرْفَعُ عَنْهُ اللَّبْسَ، وتُقَرِّبُهُ لِلْفَهْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وذَلِكَ أنَّ العِزَّةَ مَحْمُودَةٌ ومَذْمُومَةٌ، فالمَحْمُودَةُ طاعَةُ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، فَلَمّا قالَ ”بِالإثْمِ“ اتَّضَحَ المَعْنى وتَمَّ، وتَبَيَّنَ أنَّها العِزَّةُ المَذْمُومَةُ المُؤَثَّمُ صاحِبُها.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أنْ يَغْضَبَ إذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، أوْ تَقُولُ: أوَلِمِثْلِي يُقالُ هَذا ؟ وقِيلَ لِعُمَرَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ تَواضُعًا، وقِيلَ: سَجَدَ، وقالَ: هَذا مَقْدِرَتِي. وتَرَدَّدَ يَهُودِيٌّ إلى بابِ هارُونَ الرَّشِيدِ سَنَةً، فَلَمْ يَقْضِ لَهُ حاجَةً، فَتَحَيَّلَ حَتّى وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: اتَّقِ اللَّهَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَ هارُونُ عَنْ دابَّتِهِ، وخَرَّ ساجِدًا، وقَضى حاجَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: تَذَكَّرْتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ .
﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾، أيْ: كافِيهِ جَزاءً وإذْلالًا جَهَنَّمُ، وهي جُمْلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ جَهَنَّمَ فاعِلُ ”فَحَسْبُهُ“: لِأنَّهُ جَعَلَهُ اسْمَ فِعْلٍ، إمّا بِمَعْنى الفِعْلِ الماضِي، أيْ: كَفاهُ جَهَنَّمُ، أوْ بِمَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، ودُخُولُ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْهِ واسْتِعْمالُهُ صِفَةً، وجَرَيانُ حَرَكاتِ الإعْرابِ عَلَيْهِ يُبْطِلُ كَوْنَهُ اسْمَ فِعْلٍ وقُوبِلَ عَلى اعْتِزازِهِ بِعَذابِ جَهَنَّمَ، وهو الغايَةُ في الذُّلِّ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ”اتَّقِ اللَّهَ“ حَلَّ بِهِ ما أُمِرَ أنْ يَتَّقِيَهُ، وهو عَذابُ اللَّهِ، وفي قَوْلِهِ ”فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ“ اسْتِعْظامٌ لِما حَلَّ بِهِ مِنَ العَذابِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفاكَ ما حَلَّ بِكَ إذا اسْتَعْظَمْتَ وعَظَّمْتَ عَلَيْهِ ما حَلَّ بِهِ.
﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”بِئْسَ“ (p-١١٨)والخِلافُ في تَرْكِيبِ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، لَكِنَّ التَّفْرِيعَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ في أنَّ بِئْسَ ونِعْمَ فِعْلانِ جامِدانِ، وأنَّ المَرْفُوعَ بَعْدَهُما فاعِلٌ بِهِما، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، إنْ تَقَدَّمَ فَهو مُبْتَدَأٌ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَذَلِكَ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وحُذِفَ هُنا المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ لِلْعِلْمِ بِهِ إذْ هو مُتَقَدِّمٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ. أوْ هي، وبِهَذا الحَذْفِ يَبْطُلُ مَذْهَبُ مَن زَعَمَ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ أوْ بِالذَّمِّ إذا تَأخَّرَ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ: لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن حَذْفِهِ حَذْفُ الجُمْلَةِ بِأسْرِها مِن غَيْرِ أنْ يَنُوبَ عَنْها شَيْءٌ: لِأنَّها تَبْقى جُمْلَةٌ مُفَلَّتَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ قَبْلَها، إذْ لَيْسَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، ولا هي اعْتِراضِيَّةٌ ولا تَفْسِيرِيَّةٌ: لِأنَّهُما مُسْتَغْنًى عَنْهُما وهَذِهِ لا يُسْتَغْنى عَنْها، فَصارَتْ مُرْتَبِطَةً غَيْرَ مُرْتَبِطَةٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. وإذا جَعَلْنا المَحْذُوفَ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. كانَ فِيما قَبْلَهُ ما يَدُلُّ عَلى حَذْفِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَحالِهِ إذا تَقَدَّمَ، وأنْتَ لا تَرى فَرْقًا بَيْنَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، ونِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، كَما لا تَجِدُ فَرْقًا بَيْنَ: زَيْدٌ قامَ أبُوهُ، وبَيْنَ: قامَ أبُو زَيْدٍ، وحَسَّنَ حَذْفَ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ هُنا كَوْنُ المِهادِ وقَعَ فاصِلَةً، وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ لِهَذا المَعْنى نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩]، وجَعَلَ ما أعَدَّ لَهم مِهادًا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِمْ، إذِ المِهادُ هو ما يَسْتَرِيحُ بِهِ الإنْسانُ ويُوَطَّأُ لَهُ لِلنَّوْمِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
أيِ: القائِمُ مَقامَ التَّحِيَّةِ هو الضَّرْبُ الوَجِيعُ، وكَذَلِكَ القائِمُ مَقامَ المِهادِ لَهم هو المُسْتَقَرُّ في النّارِ.
2:207Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧
And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾، قِيلَ المُرادُ ”بِمَن“ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بَلْ هي في كُلِّ مَن باعَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعالى في جِهادٍ، أوْ صَبْرٍ عَلى دِينٍ، أوْ كَلِمَةِ حَقٍّ عِنْدَ جائِرٍ، أوْ حَمِيَّةٍ لِلَّهِ، أوْ ذَبَّ عَنْ شَرْعِهِ، أوْ ما أشْبَهَ هَذا. وقِيلَ: هي في مُعَيَّنٍ، فَقِيلَ: في الزُّبَيْرِ والمِقْدادِ بَعَثَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مَكَّةَ لِيَحُطّا خُبَيْبًا مِن خَشَبَتِهِ، وقِيلَ: في صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ خَرَجَ مُهاجِرًا فَلَحِقَتْهُ قُرَيْشٌ، فَنَثَلَ كِنانَتَهُ، وكانَ جَيِّدَ الرَّمْيِ شَدِيدَ البَأْسِ مَحْذُورَهُ، وقالُوا: لا نَتْرُكُكَ حَتّى تَدُلَّنا عَلى مالِكَ، فَدَلَّهم عَلى مَوْضِعِهِ، فَرَجَعُوا عَنْهُ، وقِيلَ: عُذِّبَ لِيَتْرُكَ دِينَهُ فافْتَدى مِن مالِهِ وخَرَجَ مُهاجِرًا، وقِيلَ: في عَلِيٍّ حِينَ خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ لِقَضاءِ دُيُونِهِ ورَدِّ الوَدائِعِ وأمَرَهُ بِمَبِيتِهِ عَلى فِراشِهِ لَيْلَةَ خَرَجَ مُهاجِرًا ﷺ . وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ في المُسْلِمِ يَلْقى الكافِرَ فَيَقُولُ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَلا يَقُولُ، فَيَقُولُ: واللَّهِ لَأشْرِيَنَّ، فَيُقاتِلُ حَتّى يُقْتَلَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وقِيلَ: في صُهَيْبٍ، وأبِي ذَرٍّ، وكانَ أبُو ذَرٍّ قَدْ أخَذَهُ أهْلُهُ فانْقَلَبَ، فَخَرَجَ مُهاجِرًا. وقِيلَ: في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ غَيْرَ هَذا، وقَصَصًا طَوِيلًا في أخْبارِ هَؤُلاءِ المُعَيَّنِينَ الَّذِينَ قِيلَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ. والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وكانَ عامًّا في المُنافِقِ الَّذِي يُبْدِي خِلافَ ما أضْمَرَ، ناسَبَ أنْ يُذْكَرَ قَسِيمَهُ عامًّا مَن يَبْذُلُ نَفْسَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى مِن أيِّ صَعْبٍ كانَ، فَكَذَلِكَ المُنافِقُ مُدارٍ عَنْ نَفْسِهِ بِالكَذِبِ والرِّياءِ، وحَلاوَةِ المَنطِقِ، وهَذا باذِلٌ نَفْسَهُ لِلَّهِ ولِمَرْضاتِهِ. وتَنْدَرِجُ تِلْكَ الأقاوِيلُ الَّتِي في الآيَتَيْنِ تَحْتَ عُمُومِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ويَكُونُ ذِكْرُ ما ذُكِرَ مِن تَعْيِينِ مَن عَيَّنَ إنَّما هو عَلى نَحْوٍ مِن ضَرْبِ المِثالَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ خاصًّا، والمُرادُ عُمُومُ اللَّفْظِ، ولَمّا طالَ الفَصْلُ هُنا بَيْنَ القِسْمِ الأوَّلِ والقِسْمِ الثّانِي، أتى في التَّقْسِيمِ الثّانِي بِإظْهارِ المُقَسَّمِ مِنهُ، فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي﴾ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، فَإنَّهُ لَمّا قَرُبَ ذِكْرُ أحَدِ القِسْمَيْنِ مِنَ المُقَسَّمِ، أضْمَرَ في الثّانِي المُقَسَّمِ. ومَعْنى ”يَشْرِي“: يَبِيعُ، وهو سائِغٌ في اللِّسانِ. قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ﴾ [يوسف: ٢٠] قالَ الشّاعِرُ:(p-١١٩)
؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَّهْ
ويَشْرِي: عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ في اللَّهِ، ومِنهُ تُسَمّى الشُّراةُ، وكَأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ، وقالَ قَوْمٌ: شَرى، بِمَعْنى: اشْتَرى، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ في صُهَيْبٍ فَهَذا مَوْجُودٌ فِيهِ: حَيْثُ اشْتَرى نَفْسَهُ بِمالِهِ ولَمْ يَبِعْها. وانْتِصابُ ”ابْتِغاءَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى بَيْعِ أنْفُسِهِمْ، إنَّما هو طَلَبُ رِضى اللَّهِ تَعالى، وهو مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُتَّحِدَ الفاعِلِ والوَقْتِ، وهَذِهِ الإضافَةُ، أعْنِي إضافَةَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، هي مَحْضَةٌ، خِلافًا لِلْجَرْمِيِّ، والرِّياشِيِّ، والمُبَرِّدِ، وبَعْضِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّها إضافَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ، وهَذا مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ.
و”مَرْضاةِ“: مَصْدَرٌ بُنِيَ عَلى التّاءِ كَمَدْعاةٍ، والقِياسُ تَجْرِيدُهُ عَنْها، كَما تَقُولُ مَرْمًى ومَغْزًى، وأمالَ الكِسائِيُّ: ”مَرْضاةِ“، وعَنْ ورْشٍ خِلافٌ في إمالَةِ ”مَرْضاةِ“، وقَرَأْنا لَهُ بِالوَجْهَيْنِ، ووَقَفَ حَمْزَةُ عَلَيْها بِالتّاءِ، ووَقَفَ الباقُونَ بِالهاءِ. فَأمّا وقْفُ حَمْزَةَ بِالتّاءِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَقِفُ مِنَ العَرَبِ عَلى طَلْحَةَ، وحَمْزَةَ، بِالتّاءِ، كالوَصْلِ، وهو كانَ القِياسَ دُونَ الإبْدالِ. قالَ:
؎دارٌ لِسَلْمى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ ∗∗∗ بَلْ جَوْزِ تَيْهاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ
وقَدْ حَكى هَذِهِ اللُّغَةَ سِيبَوَيْهِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ عَلى نِيَّةِ الإضافَةِ، كَأنَّهُ نَوى تَقْدِيرَ المُضافِ إلَيْهِ، فَأرادَ أنْ يُعْلِمَ أنَّ الكَلِمَةَ مُضافَةٌ، وأنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُرادٌ، كَإشْمامِ مَن أشَمَّ الحَرْفَ المَضْمُومَ في الوَقْفِ لِيُعْلِمَ أنَّ الضَّمَّةَ مُرادَةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾، إشارَةٌ إلى حُصُولِ أفْضَلِ ما عِنْدَ اللَّهِ لِلشُّهَداءِ، وهو رِضاهُ تَعالى. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، في مُجاوَرَةِ أهْلِ الجَنَّةِ رَبَّهم تَعالى، حِينَ يَسْألُهم هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ أدْخَلْتَنا جَنَّتَكَ وباعَدْتَنا مِن نارِكَ ؟ فَيَقُولُ: ولَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا، وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أحِلُّ عَلَيْكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ.
﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾: حَيْثُ كَلَّفَهم بِالجِهادِ فَعَرَّضَهم لِثَوابِ الشُّهَداءِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَرْجِئَةٌ تَقْتَضِي الحَضَّ عَلى امْتِثالِ ما وقَعَ بِهِ المَدْحُ في الآيَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، تَخْوِيفٌ يَقْتَضِي التَّحْذِيرَ مِمّا وقَعَ بِهِ الذَّمُّ، وتَقَدَّمَ أنَّ الرَّأْفَةَ أبْلَغُ مِنَ الرَّحْمَةِ.
والعِبادُ إنْ كانَ عامًّا، فَرَأْفَتُهُ بِالكافِرِينَ إمْهالُهم إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ، وتَيْسِيرِ أرْزاقِهِمْ لَهم، ورَأْفَتُهُ بِالمُؤْمِنِينَ تَهْيِئَتُهُ إيّاهم لِطاعَتِهِ، ورَفْعُ دَرَجاتِهِمْ في الجَنَّةِ. وإنْ كانَ خاصًّا، وهو الأظْهَرُ: لِأنَّهُ لَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِالوَعِيدِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، وكانَ ذَلِكَ خاصًّا بِأُولَئِكَ الكُفّارِ، خَتَمَ هَذِهِ بِالوَعْدِ المُبَشِّرِ لَهم بِحُسْنِ الثَّوابِ وجَزِيلِ المَآبِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالرَّأْفَةِ الَّتِي هي سَبَبٌ لِذَلِكَ، فَصارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْهِمْ: لِأنَّ رَأْفَتَهُ بِهِمْ تَسْتَدْعِي جَمِيعَ أنْواعِ الإحْسانِ، ولَوْ ذَكَرَ أيَّ نَوْعٍ مِنَ الإحْسانِ لَمْ يُفِدْ ما أفادَهُ لَفْظُ الرَّأْفَةِ، ولِذَلِكَ كانَتِ الكِنايَةُ أبْلَغَ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ في لَفْظِ ”العِبادِ“ التِفاتًا، إذْ هو خُرُوجٌ مِن ضَمِيرٍ غائِبٍ مُفْرَدٍ إلى اسْمٍ ظاهِرٍ، فَلَوْ جَرى عَلى نَظْمِ الكَلامِ السّابِقِ لَكانَ: واللَّهُ رَءُوفٌ بِهِ أوْ بِهِمْ، وحَسَّنَ الِالتِفاتَ هُنا بِهَذا الِاسْمِ الظّاهِرِ شَيْئانِ، أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَ ”العِبادِ“ لَهُ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ تَشْرِيفٌ واخْتِصاصٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢]، ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] . والثّانِي: مَجِيءُ اللَّفْظَةِ فاصِلَةً: لِأنَّ قَبْلَهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، فَناسَبَ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ .
* *
وفِي هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن عِلْمِ البَدِيعِ التَّقْسِيمُ، وقَدْ ذَكَرْنا مُناسَبَةَ هَذا التَّقْسِيمَ لِلتَّقْسِيمِ السّابِقِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٠] . قالَ بَعْضُ النّاسِ: في هَذِهِ الآياتِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ، وهو التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، وهو مِن ضُرُوبِ البَيانِ في النَّثْرِ والنَّظْمِ، دَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ المَلَكَةِ في ضُرُوبٍ (p-١٢٠)مِنَ الكَلامِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، مُتَقَدِّمٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠٠]: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقَوْلَهُ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠٠] مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠١]، وقَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠١] مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وعَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي﴾: فَيَصِيرُ الكَلامُ مَعْطُوفًا عَلى الذِّكْرِ: لِأنَّهُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ المَعْنى، ويَصِيرُ التَّقْسِيمُ مَعْطُوفًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ: لِأنَّ التَّقْسِيمَ الأوَّلَ في مَعْنى الثّانِي، فَيَتَّحِدُ المَعْنى ويَتَّسِقُ اللَّفْظُ، ثُمَّ قالَ: ومِثْلُ هَذا، فَذَكَرَ قِصَّةَ البَقَرَةِ وقَتْلِ النَّفْسِ، وقِصَّةَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها في الآيَتَيْنِ، قالَ: ومِثْلُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، يَعْنِي: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، ولا يُذْهَبُ إلى ما ذَكَرَهُ، ولا تَقْدِيمَ ولا تَأْخِيرَ في القُرْآنِ: لِأنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ عِنْدَنا مِن بابِ الضَّرُوراتِ، وتَنَزَّهَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences