Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:223–225

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:223–225, continued

ويُقالُ: طَلُقَتْ بِضَمِّ اللّامِ، حَكاهُ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى، وأنْكَرَهُ الأخْفَشُ. القُرْءُ: أصْلُهُ في اللُّغَةِ الوَقْتُ المُعْتادُ تَرَدُّدُهُ، وقُرْءُ النَّجْمِ: وقْتُ طُلُوعِهِ ووَقْتُ غُرُوبِهِ، ويُقالُ مِنهُ: أقْرَأ النَّجْمُ، أيْ: طَلَعَ أوْ غَرُبَ، وقُرْءُ المَرْأةِ: حَيْضُها وطُهْرُها، فَهو مِنَ الأضْدادِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو، ويُونُسُ، وأبُو عُبَيْدٍ. ويُقالُ مِنهُما: أقَرَأتِ المَرْأةُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَمِّي الحَيْضَ مَعَ الطَّهُورِ قُرْءًا. وقالَ بَعْضُهم: القُرْءُ ما بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ. وقالَ الأخْفَشُ: أقَرَأتْ صارَتْ صاحِبَةَ حَيْضٍ، فَإذا حاضَتْ قُلْتَ قَرَتْ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقِيلَ: القُرْءُ أصْلُهُ الجَمْعُ مِن قَوْلِهِمْ: قَرَأْتُ الماءَ في الحَوْضِ: جَمَعْتُهُ، ومِنهُ: ما أقَرَأتْ هَذِهِ النّاقَةُ سَلًا قَطُّ، أيْ: ما جَمَعَتْ في بَطْنِها جَنِينًا، فَإذا أُرِيدَ بِهِ الحَيْضُ: فَهو اجْتِماعُ الدَّمِ في الرَّحِمِ، أوِ الطُّهْرُ: فَهو اجْتِماعُ الدَّمِ في البَدَنِ. الرَّحِمُ: الفَرْجُ مِنَ المُؤَنَّثِ، وقَدْ يُسْتَعارُ لِلْقَرابَةِ، يُقالُ: بَيْنَهُما رَحِمٌ، أيْ قَرابَةٌ، ويَصِلُ الرَّحِمَ. البَعْلُ: الزَّوْجُ؛ يُقالُ مِنهُ: بَعَلَ يَبْعَلُ بُعُولَةً، أيْ: صارَ بَعْلًا، وباعَلَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إذا جامَعَها، وهي تُباعِلُهُ إذا فَعَلَتْ ذَلِكَ مَعَهُ، وامْرَأةٌ حَسَنَةُ التَّبْعِيلِ إذا كانَتْ تُحْسِنُ عِشْرَةَ زَوْجِها، والبَعْلُ أيْضًا المَلِكُ، وبِهِ سُمِّيَ الصَّنَمُ لِأنَّهُ المُكْتَفِي بِنَفْسِهِ، ومِنهُ بَعْلُ النَّخْلِ. وجَمْعُ البَعْلِ: بُعُولٌ وبُعُولَةٌ، كَفَحْلٍ وفُحُولَةٍ، التّاءُ فِيهِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ ولا يَنْقاسُ؛ فَلا يُقالُ في كُعُوبٍ جَمْعُ كَعْبٍ: كُعُوبَةٌ. الرَّجُلُ: مَعْرُوفٌ، يُجْمَعُ عَلى: رِجالٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجْلَةِ، وهي (p-١٧٦)القُوَّةُ، يُقالُ: رَجُلٌ بَيِّنُ الرُّجُولَةِ والرُّجْلَةِ، وهو أرْجَلُ الرَّجُلَيْنِ، أيْ: أقْواهُما، وفَرَسٌ رَجِيلٌ: قَوِيٌّ عَلى المَشْيِ، ومِنهُ: سُمِّيَتِ الرِّجْلُ لِقُوَّتِها عَلى المَشْيِ، وارْتَجَلَ الكَلامَ قَوِيَ عَلَيْهِ، وتَرَجَّلَ النَّهارُ قَوِيَ ضِياؤُهُ، ويُقالُ: رَجُلٌ ورِجْلَةٌ، كَما قالُوا: امْرُؤٌ وامْرَأةٌ، وكَتَبْتُ مِن خَطِّ أُسْتاذِنا أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:

؎كُلُّ جارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطًا ∗∗∗ غَيْرَ جِيرانِي بَنِي جَبَلَهْ

؎هَتَكُوا جَيْبَ فَتاتِهِمْ ∗∗∗ لَمْ يُبالُوا حُرْمَةَ الرَّجُلَهْ

الدَّرَجَةُ: المَنزِلَةُ، وأصْلُهُ مِن دَرَجْتُ الشَّيْءَ وأدْرَجْتُهُ: طَوَيْتُهُ، ودَرَجَ القَوْمُ: فَنُوا، وأدْرَجَهُمُ اللَّهُ، فَهو كَطَيِّ الشَّيْءِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً، والدَّرَجَةُ المَنزِلَةُ مِن مَنازِلِ الطَّيِّ، ومِنهُ الدَّرَجَةُ الَّتِي يُرْتَقى إلَيْها. الإمْساكُ لِلشَّيْءِ: حَبْسُهُ، ومِنهُ اسْمانِ: مَسْكٌ ومَساكٌ، يُقالُ: إنَّهُ لَذُو مَسْكٍ ومِيساكٍ، إذا كانَ بَخِيلًا، وفِيهِ مُسْكَةٌ مِن خَيْرٍ أيْ: قُوَّةٌ، وتَماسُكٌ ومَسِيكٌ: بَيِّنُ المَساكَةُ. التَّسْرِيحُ: الإرْسالُ، وسَرَّحَ الشَّعْرَ: خَلَّصَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ، والماشِيَةَ: أرْسَلَها لِتَرْعى، والسَّرْحُ: الماشِيَةُ، وناقَةٌ مَسْرَحٌ: سَهْلَةُ المَسِيرِ لِانْطِلاقِها فِيهِ.

﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ وخَتَنِهِ بَشِيرِ بْنِ النُّعْمانِ، كانَ بَيْنَهُما شَيْءٌ، فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ أنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ ولا يُكَلِّمَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وجَعَلَ يَقُولُ: حَلَفْتُ بِاللَّهِ، فَلا يَحِلُّ لِي إلّا بِرُّ يَمِينِي. وقالَ الرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في الرَّجُلِ يَحْلِفُ أنْ لا يَصِلَ رَحِمَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في أبِي بَكْرٍ حِينَ حَلَفَ لا يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ حِينَ تَكَلَّمَ في الإفْكِ؛ وقالَ المُقاتِلانِ ابْنُ حَيّانَ وابْنُ سُلَيْمانَ: حَلَفَ لا يُنْفِقُ عَلى ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتّى يُسْلِمَ؛ وقِيلَ: حَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَ مَعَ الأضْيافِ حِينَ أخَّرَ ولَدُهُ عَنْهُمُ العَشاءَ، وغَضِبَ هو عَلى ولَدِهِ. وقالَتْ عائِشَةُ: نَزَلَتْ في تَكْرِيرِ الأيْمانِ بِاللَّهِ، فَنَهى أنْ يُحْلَفَ بِهِ بَرًّا، فَكَيْفَ فاجِرًا. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، وحَذَّرَهم يَوْمَ المِيعادِ؛ نَهاهم عَنِ ابْتِذالِ اسْمِهِ، وجَعْلِهِ مَعْرِضًا لِما يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ لِأنَّ مَن يُتَّقى ويُحْذَرُ تَجِبُ صِيانَةُ اسْمِهِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِن كَوْنِهِ يُذْكَرُ في كُلِّ ما يُحْلَفُ عَلَيْهِ، مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، عَظِيمٍ أوْ حَقِيرٍ؛ لِأنَّ كَثْرَةَ ذَلِكَ تُوجِبُ عَدَمَ الِاكْتِراثِ بِالمَحْلُوفِ بِهِ. وقَدْ تَكُونُ المُناسَبَةُ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّحَرُّزِ في أفْعالِهِمُ السّابِقَةِ مِنَ: الخَمْرِ، والمَيْسِرِ، وإنْفاقِ العَفْوِ، وأمْرِ اليَتامى، ونِكاحِ مَن أشْرَكَ، وحالِ وطْءِ الحائِضِ؛ أمَرَهم تَعالى بِالتَّحَرُّزِ في أقْوالِهِمْ، فانْتَظَمَ بِذاكَ أمْرُهم بِالتَّحَرُّزِ في الأفْعالِ والأقْوالِ. واخْتَلَفُوا في فَهْمِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾، وهو خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في اشْتِقاقِ العُرْضَةِ، فَقِيلَ: نُهُوا عَنْ أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ مَعَدًّا لِأيْمانِهِمْ فَيَحْلِفُوا بِهِ في البِرِّ والفُجُورِ؛ فَإنَّ الحِنْثَ مَعَ الإكْثارِ فِيهِ قِلَّةُ رَعْيٍ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، كَما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ في تَكْثِيرِ اليَمِينِ بِاللَّهِ، نُهِيَ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِهِ بَرًّا فَكَيْفَ فاجِرًا ؟ وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَن أكْثَرَ الحَلِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، وقالَ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . والعَرَبُ تُمْدَحُ بِالإقْلالِ مِنَ الحَلِفِ، قالَ كُثَيِّرٌ:

؎قَلِيلٌ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ إذا صَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ

والحِكْمَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَكْثِيرِ الأيْمانِ بِاللَّهِ أنَّ ذَلِكَ لا يُبْقِي لِلْيَمِينِ في قَلْبِهِ وقْعًا، ولا يُؤْمَنُ مِن إقْدامِهِ عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ أجَلُّ مِن أنْ يُسْتَشْهَدَ بِهِ في الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ قُوَّةً لِأيْمانِكم، وتَوْكِيدًا لَها، ورُوِيَ عَنْ قَرِيبٍ مِن هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمَ، ومُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ، وغَيْرِهِمْ؛ قالَ: المَعْنى فِيما تُرِيدُونَ الشِّدَّةَ فِيهِ مِن تَرْكِ صِلَةِ الرَّحِمِ، والبِرِّ، والإصْلاحِ. وقِيلَ المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا ومانِعًا مِنَ البِرِّ والإصْلاحِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُ مَن قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، أوْ في أبِي بَكْرٍ، عَلى ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْراتِ مِن صِلَةِ رَحِمٍ، (p-١٧٧)وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، أوْ إحْسانٍ إلى أحَدٍ، أوْ عِبادَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أخافُ اللَّهَ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي، فَيَتْرُكُ البِرَّ في يَمِينِهِ؛ فَنُهُوا أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا لِما حَلَفُوا عَلَيْهِ.

﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، تَحْتَمِلُ اللّامُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿عُرْضَةً﴾؛ فَتَكُونُ كالمُقَوِّيَةِ لِلتَّعَدِّي، أوْ مَعَدًّا ومَرْصَدًا لِأيْمانِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: (ولا تَجْعَلُوا)؛ فَتَكُونُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأجْلِ أيْمانِكم. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأيْمانِ هُنا الِاقْتِسامُ، لا المُقْسَمُ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ، وسُمِّيَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: (إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)، أيْ: عَلى شَيْءٍ مِمّا يُحْلَفُ عَلَيْهِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ هُنا لِلْخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ، وإنَّما احْتَجَّ في الحَدِيثِ إلى أنَّهُ أطْلَقَ اليَمِينَ، ويُرادُ بِها مُتَعَلِّقُها؛ لِأنَّهُ قالَ: إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ، فَعَدّى حَلَفْتَ بِعَلى؛ فاحْتِيجَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُحْوِجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمّا حَمَلَ ﴿عُرْضَةً﴾ عَلى أنَّ مَعْناهُ حاجِزًا ومانِعًا؛ اضْطُرَّ إلى هَذا التَّأْوِيلِ.

﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾، قالَ الزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ التِّبْرِيزِيُّ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: بِرُّكم وتَقْواكم وإصْلاحُكم أمْثَلُ وأوْلى، وجَعَلَ الكَلامَ مُنْتَهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، ومَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي فِيها النَّهْيُ عِنْدَهُ أنَّها في الرَّجُلِ إذا طَلَبَ مِنهُ فِعْلَ خَيْرٍ ونَحْوَهُ اعْتَلَّ بِاللَّهِ فَقالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، وهو لَمْ يَحْلِفْ، وقَدَّرَ التِّبْرِيزِيُّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ بِأنَّ المَعْنى: أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والتِّبْرِيزِيُّ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ اقْتِطاعُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مِمّا قَبْلَهُ، والظُّلْمُ هو اتِّصالُهُ بِهِ؛ ولِأنَّ فِيهِ حَذْفًا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا، عَطْفُ بَيانٍ لِأيْمانِكم، أيْ: لِلْأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها الَّتِي هي: البِرُّ والتَّقْوى والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً لِلظّاهِرِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الأيْمانِ هي الأقْسامُ، والبِرُّ والتَّقْوى والإصْلاحُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، فَهُما مُتَبايِنانِ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ عَلى الأيْمانِ، لَكِنَّهُ لَمّا تَأوَّلَ الأيْمانَ عَلى أنَّها المَحْلُوفُ عَلَيْها؛ ساغَ لَهُ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا حاجَةَ تَدْعُونا إلى تَأْوِيلِ الأيْمانِ بِالأشْياءِ المَحْلُوفِ عَلَيْها، وعَلى مَذْهَبِهِ تَكُونُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ولَوِ ادَّعى أنْ يَكُونَ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلًا مِن (أيْمانِكم) لَكانَ أوْلى؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ أكْثَرُ ما يَكُونُ في الأعْلامِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في التَّقْدِيرِ، فَقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَبَرُّوا، قالَهُ المَهْدَوِيُّ. أوْ: لِتَرْكِ أنْ تَبَرُّوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. وقِيلَ: لِأنْ لا تَبَرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحُوا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والطَّبَرِيُّ، كَقَوْلِهِ:

؎فَخالَفَ فَلا واللَّهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً

أيْ: لا تَهْبِطُ، وقِيلَ: إرادَةُ أنْ تَبَرُّوا، والتَّقادِيرُ الأُوَلُ مُتَلاقِيَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، في آخِرِ مَن رُوِيَ عَنْهم أنَّ المَعْنى: لا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ أنْ لا تَبَرُّوا، فَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (ولا تَجْعَلُوا)، ولا يَظْهَرُ هَذا المَعْنى لِما فِيهِ مِن تَعْلِيلِ امْتِناعِ الحَلِفِ بِانْتِفاءِ البِرِّ، بَلْ وُقُوعُ الحَلِفِ مُعَلَّلٌ بِانْتِفاءِ البِرِّ، ولا يَنْعَقِدُ مِنهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ لَوْ قُلْتَ في مَعْنى هَذا النَّهْيِ وعِلَّتِهِ: إنْ حَلَفْتَ بِاللَّهِ بَرَرْتَ، لَمْ يَصِحَّ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا لِئَلّا يُؤْذِيَكَ، فانْتَفَتِ الأذِيَّةُ لِلِامْتِناعِ مِنَ الضَّرْبِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ تَضْرِبْهُ لَمْ يُؤْذِكَ، وإنْ ضَرَبْتَهُ أذاكَ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الحَلِفِ انْتِفاءُ البِرِّ، ولا عَلى وُجُودِهِ وجُودُهُ، بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الحَلِفِ وُجُودُ البِرِّ، وعَلى وُقُوعِ الحَلِفِ انْتِفاءُ البِرِّ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا؛ لِأنَّهُ يُعَلِّلُ الِامْتِناعَ مِنَ الحَلِفِ بِإرادَةِ وُجُودِ البِرِّ، ويَتَعَلَّقُ مِنهُ (p-١٧٨)الشَّرْطُ والجَزاءُ، تَقُولُ: إنْ حَلَفْتَ لَمْ تَبَرَّ، وإنْ لَمْ تَحْلِفْ بَرَرْتَ. وقَدْ شَرَحَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذا المَعْنى فَقالَ: إنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا عِلَّةً لِهَذا النَّهْيِ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا، والمَعْنى: إنَّما نَهْيُكم عَنْ هَذا لِما في تَوَقِّي ذَلِكَ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ؛ فَتَكُونُونَ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ بَرَرَةً أتْقِياءَ مُصْلِحِينَ في الأرْضِ غَيْرَ مُفْسِدِينَ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الحَلِفِ حُصُولُ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ مَن تَرَكَ الحَلِفَ لِاعْتِقادِهِ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى أعْظَمُ وأجَلُّ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِاسْمِهِ المُعَظَّمِ في طَلَبِ الدُّنْيا، إنَّ هَذا مِن أعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ. وأمّا مَعْنى التَّقْوى فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ اتَّقى أنْ يَصْدُرَ مِنهُ ما يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ؛ فَلِأنَّ النّاسَ مَتى اعْتَقَدُوا فِيهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ تَعالى إلى هَذا الحَدِّ، مُحْتَرِزًا عَنِ الإخْلالِ بِواجِبِ حَقِّهِ، اعْتَقَدُوا فِيهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ، وكَوْنَهُ صادِقًا بَعِيدًا مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ فَيَتَقَبَّلُونَ قَوْلَهُ؛ فَيَحْصُلُ الصُّلْحُ بِتَوَسُّطِهِ. انْتَهى هَذا الكَلامُ. وفي (المُنْتَخَبِ) - وهو بَسْطُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - قالَ: ومَعْناها عَلى الأُخْرى يَزِيدُ عَلى أنْ يَكُونَ عُرْضَةً، بِمَعْنى مُعَرَّضًا لِلْأمْرِ، قالَ: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم فَتَتَبَذَّلُوهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذَمَّ مَن أنْزَلَ فِيهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] بِأشْنَعِ المَذامِّ، وجَعَلَ الحَلّافَ مُقَدِّمَتَها، و﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا؛ لِأنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ، غَيْرُ مُعَظِّمٍ لَهُ؛ فَلا يَكُونُ بَرًّا مُتَّقِيًا، ولا يَثِقُ بِهِ النّاسُ؛ فَلا يُدْخِلُونَهُ في وساطَتِهِمْ وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِتَبَرُّوا المَحْلُوفَ لَهم، وتَتَّقُوهم وتُصْلِحُوا بَيْنَهم بِالكَذِبِ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقَيَّدَ المَعْلُومَ بِالكَذِبِ، وقَيَّدَ العِلَّةَ بِالنّاسِ، والإصْلاحَ بِالكَذِبِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَتَعَلَّقُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ بِالفِعْلِ وبِالعُرْضَةِ، أيْ: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ - لِأجْلِ أيْمانِكم بِهِ - عُرْضَةً لِأنْ تَبَرُّوا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾ بِتَجْعَلُوا، وعَلَّقَ ”لِأنْ تَبَرُّوا“ بِعُرْضَةً، فَقَدْ فَصَلَ بَيْنَ ﴿عُرْضَةً﴾ وبَيْنَ ”لِأنْ تَبَرُّوا“ بِقَوْلِهِ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، وهو أجْنَبِيٌّ مِنهُما؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ عِنْدَهُ لِتَجْعَلُوا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، ونَظِيرُ ما أجازَهُ أنْ تَقُولَ: امْرُرْ واضْرِبْ بِزَيْدٍ هِنْدًا، فَهَذا لا يَجُوزُ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ: جاءَنِي رَجُلٌ ذُو فَرَسٍ راكِبٌ أبْلَقَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بِالأجْنَبِيِّ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، والعَمَلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، التَّقْدِيرُ: لِأقْسامِكم عَلى أنْ تَبَرُّوا؛ فَنُهُوا عَنِ ابْتِذالِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وجَعْلِهِ مَعْرِضًا لِأقْسامِهِمْ عَلى البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ اللّاتِي هُنَّ أوْصافٌ جَمِيلَةٌ؛ لِما نَخافُ في ذَلِكَ مِنَ الحِنْثِ، (p-١٧٩)فَكَيْفَ إذا كانَتْ أقْسامًا عَلى ما تُنافِي البِرَّ والتَّقْوى والإصْلاحَ ؟ وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مُنْتَظِمًا، واقِعًا كُلُّ لَفْظٍ مِنهُ مَكانَهُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، فَصارَ في مَوْضِعِ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخِلافُ في تَقْدِيرِ الجَرِّ، والجَرُّ عَلى وجْهَيْنِ: عَطْفِ البَيانِ، والبَدَلِ، والنَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ - عَلى الِاخْتِلافِ في تَقْدِيرِهِ - وإمّا عَلى أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ (أيْمانِكم) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ. (واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما، فالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ الحَلِفُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَسْمُوعاتِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ هو إرادَةُ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ؛ إذْ هو شَيْءٌ مَحَلُّهُ القَلْبُ، فَهو مِنَ المَعْلُوماتِ، فَجاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ مُنْتَظِمَتَيْنِ لِلْعِلَّةِ والمَعْلُولِ، وجاءَتا عَلى تَرْتِيبِ ما سَبَقَ مِن تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى العِلْمِ، كَما قَدَّمَ الحَلِفَ عَلى الإرادَةِ.

2:225Page 36

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥

Allāh does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allāh is Forgiving and Forbearing.1

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ جَعْلِ اللَّهِ مُعَرَّضًا لِلْأيْمانِ، كانَ ذَلِكَ حَتْمًا لِتَرْكِ الأيْمانِ، وهم يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ لَهم بِالأيْمانِ، فَذَكَرَ أنَّ ما كانَ مِنها لَغْوًا فَهو لا يُؤاخَذُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا لا يُقْصَدُ بِهِ حَقِيقَةُ اليَمِينِ، وإنَّما هو شَيْءٌ يَجْرِي عَلى اللِّسانِ عِنْدَ المُحاوَرَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وهَذا أحْسَنُ ما يُفَسَّرُ بِهِ اللَّغْوُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ مُقابَلَةَ ما كَسَبَهُ القَلْبُ وهو ما لَهُ فِيهِ اعْتِمادٌ وقَصْدٌ. واخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ لَغْوِ اليَمِينِ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، ومالِكٌ في أشْهَرِ قَوْلَيْهِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو الحَلِفُ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَيَكْشِفُ الغَيْبُ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وطاوُسٌ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، والشّافِعِيُّ: هو ما يَجْرِي عَلى اللِّسانِ في دَرَجِ الكَلامِ والِاسْتِعْجالِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلْيَمِينِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْ مالِكٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنا الزُّبَيْرِ؛ عَبْدُ اللَّهِ وعُرْوَةُ: هو الحَلِفُ عَلى فِعْلِ المَعْصِيَةِ. إلّا أنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ قالَ: لا يَفْعَلُ ويُكَفِّرُ، وباقِيهِمْ قالُوا: لا يَفْعَلُ ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعَلِيٌّ، وطاوُسٌ: هو الحَلِفُ في حالِ الغَضَبِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: هو الحَلِفُ عَلى شَيْءٍ يَنْساهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ: هو ما تَجِبُ فِيهِ الكَفّارَةُ إذا كُفِّرَتْ سَقَطَتْ، ولا يُؤاخِذُ اللَّهُ بِتَكْفِيرِها، والرُّجُوعِ إلى الَّذِي هو خَيْرٌ. وقالَ مَكْحُولٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، وجَماعَةٌ: هو أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: مالِي عَلَيَّ حَرامٌ إنْ فَعَلْتُ كَذا، والحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، وقالَ بِهَذا القَوْلِ مالِكٌ إلّا في الزَّوْجَةِ، فَأُلْزِمَ فِيها التَّحْرِيمَ إلّا أنْ يُخْرِجَها الحالِفُ بِقَلْبِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ: أعْمى اللَّهُ بَصَرَهُ، أذْهَبَ اللَّهُ مالَهُ، هو يَهُودِيٌّ، هو مُشْرِكٌ، هو لُغَيَّةٌ؛ إنْ فَعَلَ كَذا. وقالَ مُجاهِدٌ: هو حَلِفُ المُتَبايِعَيْنِ، يَقُولُ أحَدُهُما: واللَّهِ لا أبِيعُكَ بِكَذا، ويَقُولُ الآخَرُ: واللَّهِ ما أشْتَرِيهِ إلّا بِكَذا. وقالَ مَسْرُوقٌ: هو ما لا يَلْزَمُهُ الوِقايَةُ. ورُوِيَ عَنْهُ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّهُ الحَلِفُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: هو يَمِينُ المُكْرَهِ، حَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. وهَذِهِ الأقْوالُ يَحْتَمِلُها لَفْظُ اللَّغْوِ، إلّا أنَّ الأظْهَرَ هو ما فَسَّرْناهُ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ قابَلَهُ كَسْبُ القَلْبِ، وهو تَعَمُّدُهُ لِلشَّيْءِ، فَجَمِيعُ الأقْوالِ غَيْرُهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْها أنَّها كَسْبُ القَلْبِ؛ لِأنَّ لِلْقَلْبِ قَصْدًا إلَيْها، ونَفْيُ الوَحْدَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا إثْمَ ولا كَفّارَةَ؛ فَيَضْعُفُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها تَخْتَصُّ بِالإثْمِ، ويُفَسَّرُ اللَّغْوُ بِاليَمِينِ المُكَفِّرَةِ، وسُئِلَ الحَسَنُ عَنِ اللَّغْوِ، والمَسْبِيَّةِ ذاتِ الزَّوْجِ، فَوَثَبَ الفَرَزْدَقُ وقالَ: أما سَمِعْتَ ما قُلْتُ:

؎ولَسْتَ بِمَأْخُوذٍ بِشَيْءٍ تَقُولُهُ إذا لَمْ تَعَمَّدْ عاقِداتِ العَزائِمِ

وما قُلْتُ:

؎وذاتِ حَلِيلٍ أنَكَحَتْنا رِماحُنا ∗∗∗ حَلالًا ولَوْلا سَبْيُها لَمْ تُطَلَّقِ

(p-١٨٠)فَقالَ الحَسَنُ: ما أذْكاكَ لَوْلا حِنْثُكَ. بِاللَّغْوِ: مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُؤاخِذُكم)، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، مِثْلُها في: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النحل: ٦١]، ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وفي إيمانِكم: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ، أوْ بِالمَصْدَرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنًا في أيْمانِكم؛ فَيَكُونُ حالًا، ويُقِرُّ بِهِ أنَّكَ لَوْ جَعَلْتَهُ في صِلَةِ (الَّذِي) ووَصَفْتَ بِهِ اللَّغْوَ لاسْتَقامَ.

* *

﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، أيْ: بِاليَمِينِ الَّتِي لِلْقَلْبِ فِيها كَسْبٌ، فَكُلُّ يَمِينٍ عَقَدَها القَلْبُ فَهي كَسْبٌ لَهُ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ الكَسْبَ بِالعَقْدِ، كَآيَةِ المائِدَةِ: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيُّ: هو أنْ يَحْلِفَ كاذِبًا أوْ عَلى باطِلٍ، وهي الغَمُوسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هو أنْ يَعْقِدَ الإشْراكَ بِقَلْبِهِ إذا قالَ: هو مُشْرِكٌ إنْ فَعَلَ كَذا. وقالَ قَتادَةُ: بِما تَعَمَّدَ القَلْبُ مِنَ المَآثِمِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى مِنَ المُؤاخَذَةِ، هو العُقُوبَةُ في الآخِرَةِ إنْ كانَتِ اليَمِينُ غَمُوسًا، أوْ غَيْرَ غَمُوسٍ وتَرَكَ تَكْفِيرَها، والعُقُوبَةُ في الدُّنْيا بِإلْزامِ الكَفّارَةِ إنْ كانَتْ مِمّا تُكَفَّرُ. واخْتَلَفُوا في اليَمِينِ الغَمُوسِ، فَقالَ مالِكٌ، وجَماعَةٌ: لا تُكَفَّرُ، وهي أعْظَمُ ذَنْبًا مِن ذَلِكَ. وقالَ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والشّافِعِيُّ: تُكَفَّرُ، والكَفّارَةُ مُؤاخَذَةٌ. والغَمُوسُ ما قَصَدَ الرَّجُلُ في الحَلِفِ بِهِ الكَذِبَ، وهي المَصْبُورَةُ، سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأنَّها تَغْمِسُ صاحِبَها في الإثْمِ، ومَصْبُورَةً لِأنَّ صَبْرَها مُغالَبَةٌ وقُوَّةٌ عَلَيْها، كَما يُصْبَرُ الحَيَوانُ لِلْقَتْلِ والرَّمْيِ. وقُسِّمَتِ الأيْمانُ إلى: لَغْوٍ، ومُنْعَقِدَةٍ، وغَمُوسٍ. والمُنْعَقِدَةُ: هي عَلى المُسْتَقْبَلِ الَّتِي يَصِحُّ فِيها الحِنْثُ والبِرُّ، وبَيَّنّا اللَّغْوَ والغَمُوسَ. وقُسِّمَتْ أيْضًا إلى: حَلِفٍ عَلى ما مِن مُحَرَّمٍ، وهي: الكاذِبَةُ؛ ومُباحٍ: وهي الصّادِقَةُ؛ وعَلى مُسْتَقْبَلٍ عَقْدُها طاعَةٌ والمُقامُ عَلَيْها طاعَةٌ، وحَلُّها مَعْصِيَةٌ أوْ مَكْرُوهٌ، ومُقابِلُها أوْ ما هو مُباحٌ عَقْدُها والمُقامُ عَلَيْها وحَلُّها، ولَكِنْ دَخَلَتْ هُنا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ بِاعْتِبارِ وُجُودِ اليَمِينِ؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن أنْ لا يَقْصِدَها القَلْبُ، ولَكِنْ جَرَتْ عَلى اللِّسانِ، وهي اللَّغْوُ، أوْ تَقْصِدُها، وهي المُنْعَقِدَةُ، وهُما ضِدّانِ بِاعْتِبارِ أنْ لا تُوجَدَ اليَمِينُ؛ إذِ الإنْسانُ قَدْ يَخْلُو مِنَ اليَمِينِ، وهَذانِ النَّوْعانِ مِنَ النَّقِيضَيْنِ والضِّدِّ أحْسَنُ ما يَقَعُ فِيهِ ”لَكِنْ“، وأمّا الخِلافانِ فَفي جَوازِ وُقُوعِها بَيْنَهُما خِلافٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن هَذا، وإبْدالُ الهَمْزَةِ واوًا في مِثْلِ ”يُؤاخِذُ“ مَقِيسٌ، ونَحْوُهُ: يُؤْذِنُ ويُؤَلِّفُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم في أيْمانِكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، و”ما“ في قَوْلِهِ ”بِما“ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويُحَسِّنُهُ مُقابَلَتُهُ بِالمَصْدَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بِاللَّغْوِ﴾، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً.

﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ تَدُلّانِ عَلى تَوْسِعَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْهم بِاللَّغْوِ في الأيْمانِ، وفي تَعْقِيبِ الآيَةِ بِهِما إشْعارٌ بِالغُفْرانِ، والحِلْمِ عَنْ مَن أوْعَدَهُ تَعالى بِالمُؤاخَذَةِ، وإطْماعٍ في سَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ لِأنَّ مَن وصَفَ نَفْسَهُ بِكَثْرَةِ الغُفْرانِ والصَّفْحِ مَطْمُوعٌ في ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، فَهَذا الوَعِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ، كَسائِرِ وعِيدِهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском