Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:233

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:233

2:233Page 37

۞ وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٢٣٣

Mothers may nurse [i.e., breastfeed] their children two complete years for whoever wishes to complete the nursing [period]. Upon the father is their [i.e., the mothers'] provision and their clothing according to what is acceptable. No person is charged with more than his capacity. No mother should be harmed through her child, and no father through his child. And upon the [father's] heir is [a duty] like that [of the father]. And if they both desire weaning through mutual consent from both of them and consultation, there is no blame upon either of them. And if you wish to have your children nursed by a substitute, there is no blame upon you as long as you give payment according to what is acceptable. And fear Allāh and know that Allāh is Seeing of what you do.

﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً في: النِّكاحِ، والطَّلاقِ، والعِدَّةِ، والرَّجْعَةِ، والعَضْلِ؛ أخَذَ يَذْكُرُ حُكْمَ ما كانَ مِن نَتِيجَةِ النِّكاحِ، وهو ما شُرِعَ مِن حُكْمِ الإرْضاعِ ومُدَّتِهِ، وحُكْمِ الكُسْوَةِ، والنَّفَقَةِ، عَلى ما يَقَعُ الكَلامُ فِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.

﴿والوالِداتُ﴾: جَمْعُ والِدَةٍ بِالتّاءِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: والِدٌ، لَكِنْ قَدْ أطْلَقَ عَلى الأبِ والِدٌ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ وفي الأُمِّ (الوالِداتُ)؛ فَجاءَتِ التّاءُ في الوالِدَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ مِن حَيْثُ الإطْلاقِ اللُّغَوِيِّ، وكَأنَّهُ رُوعِيَ في الإطْلاقِ أنَّهُما أصْلانِ لِلْوَلَدِ؛ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِما: والِدانِ. وظاهِرُ لَفْظِ ”الوالِداتِ“ العُمُومُ؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجاتُ والمُطَلَّقاتُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُما: في المُطَلَّقاتِ، جَعَلَها اللَّهُ حَدًّا عِنْدَ اخْتِلافِ الزَّوْجَيْنِ في مُدَّةِ الرَّضاعِ، فَمَن دَعا مِنهُما إلى إكْمالِ الحَوْلَيْنِ فَذَلِكَ لَهُ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿والوالِداتُ﴾ عُقَيْبَ آيَةِ الطَّلاقِ، فَكانَتْ مِن تَتِمَّتِها؛ فَشُرِعَ ذَلِكَ لَهُنَّ لِأنَّ الطَّلاقَ يَحْصُلُ فِيهِ التَّباغُضُ، فَرُبَّما حَمَلَ عَلى أذى الوَلَدِ؛ لِأنَّ إيذاءَهُ إيذاءُ والِدِهِ، ولِأنَّ في رَغْبَتِها في التَّزْوِيجِ بِآخَرَ إهْمالَ الوَلَدِ. وقِيلَ: هي في الزَّوْجاتِ فَقَطْ، لِأنَّ المُطَلَّقَةَ لا تَسْتَحِقُّ الكُسْوَةَ، وإنَّما تَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ، ﴿يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ صُورَتُهُ خَبَرٌ، مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ خَبَرًا، أيْ: في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي (p-٢١٢)شَرَعَهُ، فالوالِداتُ أحَقُّ بِرَضاعِ أوْلادِهِنَّ، سَواءً كانَتْ في حِيالَةِ الزَّوْجِ أوْ لَمْ تَكُنْ، فَإنَّ الإرْضاعَ مِن خَصائِصِ الوِلادَةِ لا مِن خَصائِصِ الزَّوْجِيَّةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ الأمْرُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لَكِنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ لا إيجابٍ؛ إذْ لَوْ كانَ واجِبًا لَما اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: ٦]؛ فَوُجُوبُ الإرْضاعِ إنَّما هو عَلى الأبِ لا عَلى الأُمِّ، وعَلَيْهِ أنْ يَتَّخِذَ لَهُ ظِئْرًا، إلّا إذا تَطَوَّعَتِ الأُمُّ بِإرْضاعِهِ، وهي مَندُوبَةٌ إلى ذَلِكَ ولا تُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، أوْ لَمْ يُوجِدْ لَهُ ظِئْرًا، وعَجَزَ الأبُ عَنِ الِاسْتِئْجارِ؛ وجَبَ عَلَيْها إرْضاعُهُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ في بَعْضِ الوالِداتِ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّ الإرْضاعَ لا يَلْزَمُ إلّا الوالِدَ أوِ الجَدَّ وإنْ عَلا. ومَذْهَبُ مالِكٍ: أنَّهُ حَقٌّ عَلى الزَّوْجَةِ؛ لِأنَّهُ كالشَّرْطِ، إلّا أنْ تَكُونَ شَرِيفَةً ذاتَ نَسَبٍ، فَعُرْفُها أنْ لا تُرْضِعَ. وعَنْهُ خِلافٌ في بَعْضِ مَسائِلِ الإرْضاعِ.

﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾، وصَفَ الحَوْلَيْنِ بِالكَمالِ دَفْعًا لِلْمَجازِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ حَوْلَيْنِ؛ إذْ يُقالُ: أقَمْتُ عِنْدَ فُلانٍ حَوْلَيْنِ - وإنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهُما - وهي صِفَةُ تَوْكِيدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وجَعَلَ تَعالى هَذِهِ المُدَّةَ حَدًّا عِنْدَ اخْتِلافِ الزَّوْجَيْنِ في مُدَّةِ الرَّضاعِ، فَمَن دَعا مِنهُما إلى كَمالِ الحَوْلَيْنِ فَذَلِكَ لَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”أوْلادَهُنَّ“ العُمُومُ؛ فالحَوْلانِ لِكُلِّ ولَدٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي في الوَلَدِ يَمْكُثُ في البَطْنِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، فَإنْ مَكَثَ سَبْعَةً فَرَضاعُهُ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ، أوْ ثَمانِيَةً؛ فاثْنانِ وعِشْرُونَ، أوْ تِسْعَةً، فَأحَدَ وعِشْرُونَ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ انْبَنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ عَلى الإنْسانِ عُمُومًا. وفي قَوْلِهِ ”يُرْضِعْنَ“ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِرَضاعِ الوَلَدِ، وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا في مَسائِلَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ، مِنها: مُدَّةُ الرَّضاعِ المُحَرِّمَةِ، وقَدْرُ الرَّضاعِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ، والحَضانَةُ، ومَن أحَقُّ بِها بَعْدَ الأُمِّ ؟ وما الحُكْمُ في الوَلَدِ إذا تَزَوَّجَتِ الأُمُّ ؟ وهَلْ لِلذِّمِّيَّةِ حَقٌّ في الرَّضاعَةِ ؟ وأطالُوا بِنَقْلِ الخِلافِ والدَّلائِلِ، ومَوْضُوعُ هَذا عِلْمُ الفِقْهِ.

﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإرْضاعَ في الحَوْلَيْنِ لَيْسَ بِحَدٍّ لا يُتَعَدّى، وإنَّما ذَلِكَ لِمَن أرادَ الإتْمامَ، أمّا مَن لا يُرِيدُهُ فَلَهُ فَطْمُ الوَلَدِ دُونَ بُلُوغِ ذَلِكَ، إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ لِلْوَلَدِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: تَضَمَّنَتْ فَرْضَ الإرْضاعِ عَلى الوالِداتِ، ثُمَّ يُسِّرَ ذَلِكَ وخُفِّفَ، فَنَزَلَ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ. قالَ الرّاغِبُ: وفي قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَجاوُزُ ذَلِكَ، وأنْ لا حُكْمَ لِلرَّضاعِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، وتَقْوِيَةً لِإرْضاعٍ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، والرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّ كُلَّ حُكْمٍ في الشَّرْعِ عُلِّقَ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، لَمْ يَجُزِ الإخْلالُ بِهِ في الطَّرَفِ الآخَرِ، كَخِيارِ الثَّلاثِ، وعَدَدِ حِجارَةِ الِاسْتِنْجاءِ، والمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ يَوْمًا ولَيْلَةً وثَلاثَةَ أيّامٍ، ولَمّا كانَ الرَّضاعُ يَجُوزُ الإخْلالُ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ - وهو النُّقْصانُ - لَمْ تَجُزْ مُجاوَزَتُهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ غَيْرُهُ: ذِكْرُ الحَوْلَيْنِ لَيْسَ عَلى التَّوْقِيتِ الواجِبِ، وإنَّما هو لِقَطْعِ المُشاجَرَةِ بَيْنَ الوالِدَيْنِ. وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ إذا رَأيا ذَلِكَ. واللّامُ في ”لِمَن“ قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يُرْضِعْنَ“، كَما تَقُولُ: أرْضَعَتْ فُلانَةٌ لِفُلانٍ ولَدَهُ، وتَكُونُ اللّامُ عَلى هَذا لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِهِ؛ فَتَكُونُ ”مَن“ واقِعَةٌ عَلى الأبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِأجْلِ مَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ عَلى الآباءِ، وقِيلَ: اللّامُ لِلتَّبْيِينِ؛ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، كَهي في قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، فاللّامُ لِتَبْيِينِ المَدْعُوِّ لَهُ بِالسَّقْيِ، ولِلْمُهَيَّتِ بِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾؛ بَيَّنَ أنَّ هَذا الحُكْمَ إنَّما هو لِمَن يُرِيدُ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ مِنَ الوالِداتِ، فَتَكُونُ ”مَن“ واقِعَةً عَلى الأُمِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ مِنَ الوالِداتِ. أوْ تَكُونُ ”مَن“ واقِعَةٌ عَلى الوالِداتِ والمَوْلُودِ لَهُ، كُلُّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ“ (p-٢١٣)بِالياءِ، مِن أتَمَّ، ونَصْبِ الرَّضاعَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيِّصٍ، وأبُو رَجاءٍ: ”تَتِمَّ“ بِالتّاءِ، مِن تَمَّ، ورَفْعِ الرَّضاعَةِ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الرّاءَ مِنَ الرَّضاعَةِ، وهي لُغَةٌ، كالحَضارَةِ والحِضارَةِ، والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ بِفَتْحِ الرّاءِ مَعَ الهاءِ، وبِكَسْرِها دُونَ الهاءِ، والكُوفِيُّونَ يَعْكِسُونَ ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ: ”الرَّضْعَةَ“ عَلى وزْنِ ”القَصْعَةِ“، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”أنْ يُكْمِلَ الرَّضاعَةَ“ بِضَمِّ الياءِ، وقُرِئَ: ”أنْ يُتِمُّ“ بِرَفْعِ المِيمِ، ونَسَبَها النَّحْوِيُّونَ إلى مُجاهِدٍ، وقَدْ جازَ رَفْعُ الفِعْلِ بَعْدَ ”أنْ“ في كَلامِ العَرَبِ في الشِّعْرِ. أنْشَدَ الفَرّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:

أنْ تَهْبِطِينَ بِلادَ قَوْ مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلاحِ

وقالَ آخَرُ:

؎أنْ تُقْرِآنِ عَلى أسْماءَ ويْحَكُما مِنِّي السَّلامَ وأنْ لا تُبْلِغا أحَدا

وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، وتُرِكَ إعْمالُها حَمْلًا عَلى ”ما“ أُخْتِها في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَصْدَرِيَّةً، وأمّا الكُوفِيُّونَ فَهي عِنْدَهُمُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وشَذَّ وُقُوعُها مَوْقِعَ النّاصِبَةِ، كَما شَذَّ وُقُوعُ النّاصِبَةِ مَوْقِعَ المُخَفَّفَةِ في قَوْلِ جَرِيرٍ:

؎نَرْضى عَنِ اللَّهِ أنَّ النّاسَ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ لا يُدانِيَنا مِن خَلْقِهِ بَشَرُ

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ إثْباتَ النُّونِ في المُضارِعِ المَذْكُورِ مَعَ ”أنَّ“ مَخْصُوصٌ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يُحْفَظُ ”أنَّ“ غَيْرَ ناصِبَةٍ إلّا في هَذا الشِّعْرِ، والقِراءَةُ المَنسُوبَةُ إلى مُجاهِدٍ، وما سَبِيلُهُ هَذا، لا تُبْنى عَلَيْهِ قاعِدَةٌ.

﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾، المَوْلُودُ: جِنْسٌ، واللّامُ فِيهِ مَوْصُولَةٌ وُصِلَتْ بِاسْمِ المَفْعُولِ و”ألْ“ كَـ ”مَن“، و”ما“ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى المَعْنى بِحَسَبِ ما تُرِيدُهُ مِنَ المَعْنى مِن تَثْنِيَةٍ أوْ جَمْعٍ أوْ تَأْنِيثٍ، وهُنا عادَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ، فَجاءَ لَهُ. ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَعُودَ عَلى المَعْنى؛ فَكانَ يَكُونُ ”لَهم“، إلّا أنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، وحُذِفَ الفاعِلُ - وهو ”الوالِداتُ“ - والمَفْعُولُ بِهِ - وهو الأوْلادُ - وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أعْنِي: أنْ يُقامَ الجارُّ مَقامَ الفاعِلِ إذا حُذِفَ، نَحْوَ: مُرَّ بِزَيْدٍ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا فِيما حَرْفُ الجَرِّ فِيهِ زائِدٌ، نَحْوَ: ما ضُرِبَ مِن أحَدٍ، فَإنْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ غَيْرَ زائِدٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِاتِّفاقٍ مِنهم. واخْتَلَفُوا بَعْدَ هَذا الِاتِّفاقِ في الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ؛ فَذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ حَرْفَ الجَرِّ وحْدَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَما أنَّ: يَقُومُ مِن ”زَيْدٌ يَقُومُ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ وهِشامٌ إلى أنَّ مَفْعُولَ الفِعْلِ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ مُسْتَتِرٌ في الفِعْلِ، وإبْهامُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِن مَصْدَرٍ، أوْ ظَرْفِ زَمانٍ، أوْ ظَرْفِ مَكانٍ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ بَعْضُ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَرْفُوعَ الفِعْلِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: سَيْرٌ هو، يُرِيدُ: أيْ سَيْرُ السَّيْرِ، والضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، وهَذا سائِغٌ عِنْدَ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ، ومَمْنُوعٌ عِنْدَ مُحَقِّقِي البَصْرِيِّينَ، والنَّظَرُ في دَلائِلِ هَذِهِ المَذاهِبِ تَصْحِيحًا وإبْطالًا يُذْكَرُ في عالَمِ النَّحْوِ. وقَدْ وهِمَ بَعْضُ كُبَرائِنا فَذَكَرَ في كِتابِهِ المُسَمّى بِـ (الشَّرْحُ الكَبِيرُ لِجُمَلِ الزَّجّاجِيِّ) أنَّ النَّحْوِيِّينَ أجْمَعُوا عَلى جَوازِ إقامَةِ المَجْرُورِ مَقامَ الفاعِلِ إلّا السُّهَيْلِيُّ؛ فَإنَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ إذْ قَدْ ذَكَرْنا الخِلافَ عَنِ الفَرّاءِ، والكِسائِيِّ، وهِشامٍ، والتَّفْصِيلَ في المَجْرُورِ. ومِمَّنْ تَبِعَ السُّهَيْلِيَّ عَلى قَوْلِهِ: تِلْمِيذُهُ أبُو عَلِيٍّ الزَّيْدِيُّ شارِحُ (الجُمَلِ) . و”المَوْلُودِ لَهُ“: هو الوالِدُ، وهو الأبُ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ الوالِدِ، ولا بِلَفْظِ الأبِ، بَلْ جاءَ بِلَفْظِ ”المَوْلُودِ لَهُ“، لِما في ذَلِكَ مِن إعْلامِ الأبِ ما مَنَحَ اللَّهُ لَهُ وأعْطاهُ؛ إذِ (p-٢١٤)اللّامُ في ”لَهُ“ مَعْناها شِبْهُ التَّمْلِيكِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْناها في اللّامِ في أوَّلِ الفاتِحَةِ؛ ولِذَلِكَ يَتَصَرَّفُ الوالِدُ في ولَدِهِ بِما يَخْتارُ، وتَجِدُ الوَلَدَ في الغالِبِ مُطِيعًا لِأبِيهِ، مُمْتَثِلًا ما أمَرَ بِهِ، مُنَفِّذًا ما أوْصى بِهِ، فالأوْلادُ في الحَقِيقَةِ هم لِلْآباءِ، ويَنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ لا إلى أُمَّهاتِهِمْ، كَما أنْشَدَ المَأْمُونُ بْنُ الرَّشِيدِ، وكانَتْ أُمُّهُ جارِيَةً طَبّاخَةً تُدْعى مَراجِلُ، قالَ:

؎فَإنَّما أُمَّهاتُ النّاسِ أوْعِيَةٌ ∗∗∗ مُسْتَوْدَعاتٌ ولِلْأبْناءِ آباءُ

فَلَمّا كانَ لَفْظُ ”المَوْلُودِ“ مُشْعِرًا بِالمِنحَةِ وشِبْهِ التَّمْلِيكِ، أتى بِهِ دُونَ لَفْظِ ”الوَلَدِ“ ولَفْظِ ”الأبِ“، وحَيْثُ لَمْ يَرِدْ هَذا المَعْنى أتى بِلَفْظِ ”الوالِدِ“ ولَفْظِ ”الأبِ“، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقالَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] . ولَطِيفَةٌ أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾، وهو أنَّهُ لَمّا كُلِّفَ بِمُؤَنِ المُرْضِعَةِ لِوَلَدِهِ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ؛ ناسَبَ أنْ يُسَلّى بِأنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ هو ولَدٌ لَكَ لا لِأُمِّهِ، وأنَّكَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ في التَّناصُرِ وتَكْثِيرِ العَشِيرَةِ، وأنَّ لَكَ عَلَيْهِ الطَّواعِيَةَ كَما كانَ عَلَيْكَ لِأجْلِهِ كُلْفَةُ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ لِمُرْضِعَتِهِ. وفَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا ”الرِّزْقَ“ بِأنَّهُ الطَّعامُ الكافِي؛ فَجَعَلَهُ اسْمًا لِلْمَرْزُوقِ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَكانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْزُقُوهُنَّ ويَكْسُوهُنَّ؛ فَشَرَحَ الرِّزْقَ بِـ ”أنْ والفِعْلِ“ اللَّذَيْنِ يَنْسَبِكُ مِنهُما المَصْدَرُ، ويَحْتَمِلُ الرِّزْقُ الوَجْهَيْنِ مِن إرادَةِ المَرْزُوقِ، وإرادَةِ المَصْدَرِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ”رِزْقًا“ بِكَسْرِ الرّاءِ: حُكِيَ مَصْدَرًا، كَرَزْقٍ بِفَتْحِها، فِيما تَقَدَّمَ، وقَدْ جَعَلَهُ مَصْدَرًا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣]، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ الطَّراوَةِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ومَعْنى ”بِالمَعْرُوفِ“: ما جَرى بِهِ العُرْفُ مِن نَفَقَةٍ وكُسْوَةٍ لِمِثْلِها؛ بِحَيْثُ لا يَكُونُ إكْثارٌ ولا إقْلالٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”بِالمَعْرُوفِ“ يَجْمَعُ جِنْسَ القَدْرِ في الطَّعامِ، وجَوْدَةَ الِاقْتِضاءِ لَهُ، وحُسْنَ الِاقْتِضاءِ مِنَ المَرْأةِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الِاقْتِضاءِ مِنَ المَرْأةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي فِيما يَجِبُ عَلى المَوْلُودِ لَهُ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ؛ فَـ ”بِالمَعْرُوفِ“ يَتَعَلَّقُ بِـ ”رِزْقُهُنَّ“ أوْ بِـ ”كِسْوَتُهُنَّ“ عَلى الإعْمالِ، إمّا لِلْأوَّلِ وإمّا لِلثّانِي - إنْ كانا مَصْدَرَيْنِ - وإنْ عَنى بِهِما المَرْزُوقَ، والشَّأْنَ؛ فَلا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: إيصالٌ أوْ دَفْعٌ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، ويَكُونُ ”بِالمَعْرُوفِ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُما؛ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في عَلى. وقَرَأ طَلْحَةُ: ﴿وكِسْوَتُهُنَّ﴾ بِضَمِّ الكافِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: كُسْوَةً وكِسْوَةً، بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها.

* *

﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها﴾، التَّكْلِيفُ: إلْزامُ ما يُؤْثَرُ في الكُلْفَةِ، مِن كَلِفَ الوَجْهُ، وكَلِفَ العِشْقُ؛ لِتَأْثِيرِهِما. وُسْعَها: طاقَتَها وهو ما يَحْتَمِلُهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآيَةَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها﴾ العُمُومُ في سائِرِ التَّكالِيفِ، قِيلَ: والمُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ والِدَ الصَّبِيِّ لا يُكَلَّفُ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ إلّا بِما تَتَّسِعُ بِهِ قُدْرَتُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُكَلَّفُ المَرْأةُ الصَّبْرَ عَلى التَّقْصِيرِ في الأُجْرَةِ، ولا يُكَلَّفُ الزَّوْجُ ما هو إسْرافٌ، بَلْ يُراعى القَصْدُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: ”لا تَكَلَّفُ“ بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: لا تَتَكَلَّفُ، وارْتَفَعَ نَفْسٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ، و”تَكَلَّفَ“ تَفَعَّلَ، مُطاوِعُ فَعَّلَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، والمُطاوَعَةُ أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها تَفَعَّلَ. ورَوى أبُو الأشْهَبِ عَنْ أبِي رَجاءٍ أنَّهُ قَرَأ: ”لا نُكَلِّفُ نَفْسًا“ بِالنُّونِ، مُسْنِدًا الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، و”نَفْسًا“ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ.

﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: ”لا تُضارُّ“ بِالرَّفْعِ، أيْ: بِرَفْعِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُناسِبَةٌ لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها﴾ لِاشْتِراكِ الجُمْلَتَيْنِ في الرَّفْعِ، وإنِ اخْتَلَفَ مَعْناهُما؛ لِأنَّ (p-٢١٥)الأُولى خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وهَذِهِ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا نَهْيِيَّةٌ في المَعْنى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”لا تُضارَّ“ بِفَتْحِ الرّاءِ، جَعَلُوهُ نَهْيًا؛ فَسُكِّنَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ لِلْجَزْمِ، وسُكِّنَتِ الرّاءُ الأُولى لِلْإدْغامِ، فالتَقى ساكِنانِ، فَحُرِّكَ الأخِيرُ مِنهُما بِالفَتْحِ لِمُوافَقَةِ الألِفِ الَّتِي قَبْلَ الرّاءِ؛ لِتَجانُسِ الألِفِ والفَتْحَةِ، ألا تَراهم حِينَ رَخَّمُوا: ”أسْحارًّا“ وهو اسْمُ نَباتٍ، إذا سُمِّيَ بِهِ حَذَفُوا الرّاءَ الأخِيرَةَ، وفَتَحُوا الرّاءَ السّاكِنَةَ الَّتِي كانَتْ مُدْغَمَةً في الرّاءِ المَحْذُوفَةِ؛ لِأجْلِ الألْفِ قَبْلَها، ولَمْ يَكْسِرُوها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَراعَوُا الألِفَ وفَتَحُوا، وعَدَلُوا عَنِ الكَسْرِ وإنْ كانَ الأصْلَ ؟ وقُرِأ: ”لا يُضارِّ“ بِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ عَلى النَّهْيِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الصَّفّارُ: ”لا تُضارّْ“ بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ، أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، ورُوِيَ عَنْهُ: ”لا تُضارْ“ بِإسْكانِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، مِن ضارَ يَضِيرُ، وهو مَرْفُوعٌ أُجْرِيَ الوَصْلُ فِيهِ مَجْرى الوَقْفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اخْتَلَسَ الضَّمَّةَ فَظَنَّهُ الرّاوِي سُكُونًا. انْتَهى. وهَذا عَلى عادَتِهِ في تَغْلِيطِ القُرّاءِ وتَوْهِيمِهِمْ، ولا نَذْهَبُ إلى ذَلِكَ. ووَجَّهَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُهم بِأنْ قالَ: حَذَفَ الرّاءَ الثّانِيَةَ فِرارًا مِنَ التَّشْدِيدِ في الحَرْفِ المُكَرَّرِ، وهو الرّاءُ، وجازَ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ: إمّا لِأنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّ مَدَّةَ الألِفِ تَجْرِي مَجْرى الحَرَكَةِ. انْتَهى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”لا تُضارِرْ“ بِفَكِّ الإدْغامِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا تُضارِرْ“ بِفَكِّ الإدْغامِ أيْضًا وفَتْحِ الرّاءِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، قِيلَ: ورَواها أبانٌ عَنْ عاصِمٍ. والإظْهارُ في نَحْوِ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لُغَةُ الحِجازِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، مَرْفُوعَةً أوْ مَفْتُوحَةً أوْ مَكْسُورَةً، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، كَما جاءَ في قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ويَكُونُ ارْتِفاعُ ”والِدَةٌ“ و”مَوْلُودٌ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ، إنْ قُدِّرَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَلى المَفْعُولِيَّةِ إنْ قُدِّرَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَإذا قَدَّرْناهُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لا تُضارِرْ والِدَةٌ زَوْجَها بِأنْ تُطالِبَهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن رِزْقٍ وكِسْوَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يُضارِرْ مَوْلُودٌ لَهُ زَوْجَتَهُ بِمَنعِها ما وجَبَ لَها مِن رِزْقٍ وكِسْوَةٍ، وأخْذِ ولَدِها مَعَ إيثارِها إرْضاعَهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الضَّرَرِ. والباءُ في ”بِوَلَدِها“ وفي ”بِوَلَدِهِ“ باءُ السَّبَبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُضارَّ“ بِمَعْنى تَضُرُّ، وأنْ تَكُونَ الباءُ مِن صِلَتِهِ، لا تَضُرُّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، فَلا تُسِيءُ غِذاءَهُ وتَعَهُّدَهُ، ولا تُفَرِّطُ فِيما يَنْبَغِي لَهُ، ولا تَدْفَعُهُ إلى الأبِ بَعْدَما آلَفَها، ولا يَضُرُّ الوالِدُ بِهِ بِأنْ يَنْزِعَهُ مِن يَدِها، أوْ يُقَصِّرَ في حَقِّها، فَتُقَصِّرَ هي في حَقِّ الوَلَدِ. انْتَهى كَلامُهُ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: أنْ تَكُونَ الباءُ مِن صِلَتِهِ، يَعْنِي مُتَعَلِّقَةً بِتُضارَّ، ويَكُونُ ضارَّ بِمَعْنى أضَرَّ، فاعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، نَحْوَ: باعَدْتُهُ وأبْعَدْتُهُ، وضاعَفْتُهُ وأضْعَفْتُهُ، وكَوْنُ فاعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ هو مِنَ المَعانِي الَّتِي وُضِعَ لَها فاعَلَ، تَقُولُ: أضَرَّ بِفُلانٍ الجُوعُ؛ فالجارُّ والمَجْرُورُ هو المَفْعُولُ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَلا يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا، بِخِلافِ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ، وهو أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِ؛ فَيَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا كَما قَدَّرْناهُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضِّرارُ راجِعًا إلى الصَّبِيِّ، أيْ: لا يُضارُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الصَّبِيَّ، فَلا يُتْرَكُ رَضاعُهُ حَتّى يَمُوتَ، ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ الأبُ أوْ يَنْزِعُهُ مِن أُمِّهِ حَتّى يَضُرَّ بِالصَّبِيِّ، وتَكُونُ الباءُ زائِدَةً؛ مَعْناهُ: لا تُضارَّ والِدَةٌ ولَدَها ولا مَوْلُودٌ لَهُ ولَدَهُ. انْتَهى. فَيَكُونُ ”ضارَّ“ بِمَعْنى: ضَرَّ، فَيَكُونُ مِمّا وافَقَ فِيهِ فاعَلَ الفِعْلَ المُجَرَّدَ الَّذِي هو ”ضَرَّ“، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: جاوَزْتُ الشَّيْءَ وجُزْتُهُ، وواعَدْتُهُ ووَعَدْتُهُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها فاعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”لا تُضارِرْ“ بِراءَيْنِ، الأُولى مَفْتُوحَةٌ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ في الإدْغامِ أنَّ الفِعْلَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَإذا كانَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ تَعَيَّنَ كَوْنُ الباءِ لِلسَّبَبِ، وامْتَنَعَ تَوْجِيهُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ”ضارَّ بِهِ“ في مَعْنى ”أضَرَّ بِهِ“، والتَّوْجِيهُ الآخَرُ أنَّ ”ضارَّ بِهِ“ بِمَعْنى ”ضَرَّهُ“ (p-٢١٦)وتَكُونُ الباءُ زائِدَةً، ولا تَنْقاسُ زِيادَتُها في المَفْعُولِ، مَعَ أنَّ في التَّوْجِيهَيْنِ إخْراجُ فاعَلَ عَنِ المَعْنى الكَثِيرِ فِيهِ، وهو كَوْنُ الِاسْمَيْنِ شَرِيكَيْنِ في الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَرْفُوعًا والآخَرُ مَنصُوبًا. وفي هَذِهِ الجُمَلِ الأرْبَعِ مِن بَلاغَةِ المَعْنى ونَصاعَةِ اللَّفْظِ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَعاطى عِلْمَ البَيانِ؛ فالجُمْلَةُ الأُولى أُبْرِزَتْ في صُورَةِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وجَعَلَ الخَبَرَ فِعْلًا لِأنَّ الإرْضاعَ مِمّا يَتَجَدَّدُ دائِمًا، ثُمَّ أُضِيفَ الأوْلادُ إلى الوالِداتِ تَنْبِيهًا عَلى شَفَقَتِهِنَّ عَلى الأوْلادِ، وهَزًّا لَهُنَّ وحَثًّا عَلى الإرْضاعِ، وقَيَّدَ الإرْضاعَ بِمُدَّةٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ لِمَن أرادَ الإتْمامَ، وجاءَ الوالِداتُ بِلَفْظِ العُمُومِ، وأُضِيفَ الأوْلادُ لِضَمِيرِ العامِّ لِيَعُمَّ، وجَمْعُ القِلَّةِ إذا دَخَلَتْهُ الألِفُ واللّامُ، أوْ أُضِيفَ إلى عامٍّ؛ عَمَّ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى شَيْءٍ مِن هَذا في كِتابِنا المُسَمّى بِـ (التَّكْمِيلُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ أُبْرِزَتْ أيْضًا في صُورَةِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وجَعَلَ الخَبَرَ جارًّا ومَجْرُورًا بِلَفْظِ ”عَلى“ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ والوُجُوبِ؛ فَأُكِّدَ بِذَلِكَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ مِن عادَةِ المَرْءِ مَنعَ ما في يَدِهِ مِنَ المالِ، وإهْمالَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ؛ فَأكَّدَ ذَلِكَ، وقَدَّمَ الخَبَرَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ بِهِ، وجاءَ الرِّزْقُ مُقَدَّمًا عَلى الكِسْوَةِ لِأنَّهُ الأهَمُّ في بَقاءِ الحَياةِ، والمُتَكَرِّرُ في كُلِّ يَوْمٍ. والجُمْلَةُ الثّالِثَةُ أُبْرِزَتْ في صُورَةِ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ، وأتى بِمَرْفُوعِهِ نَكِرَةً لِأنَّهُ في سِياقِ النَّفْيِ؛ فَيَعُمَّ، ويَتَناوَلُ أوَّلًا ما سِيقَ لِأجْلِهِ، وهو حُكْمُ الوالِداتِ في الإرْضاعِ، وحُكْمُ المَوْلُودِ لَهُ في الرِّزْقِ والكِسْوَةِ اللَّذَيْنِ لِلْوالِداتِ. والجُمْلَةُ الرّابِعَةُ كالثّالِثَةِ؛ لِأنَّها في سِياقِ النَّفْيِ؛ فَتَعُمَّ أيْضًا، وهي كالشَّرْحِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها؛ لِأنَّ النَّفْسَ إذا لَمْ تُكَلَّفْ إلّا طاقَتَها لا يَقَعُ ضَرَرٌ لا لِلْوالِدَةِ ولا لِلْمَوْلُودِ لَهُ؛ ولِذَلِكَ جاءَتْ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَلا يُناسِبُ العَطْفَ، بِخِلافِ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؛ فَإنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنهُما مُغايِرَةٌ لِلْأُخْرى، ومُخَصَّصَةٌ بِحُكْمٍ لَيْسَ في الأُخْرى، ولَمّا كانَ تَكْلِيفُ النَّفْسِ فَوْقَ الطّاقَةِ، ومُضارَّةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ الآخَرَ مِمّا يَتَجَدَّدُ كُلَّ وقَتٍ؛ أتى بِالجُمْلَتَيْنِ فِعْلِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلَيْهِما حَرْفَ النَّفْيِ الَّذِي هو ”لا“ المَوْضُوعُ لِلِاسْتِقْبالِ غالِبًا، وفي قِراءَةِ مَن جَزَمَ: ﴿لا تُضارَّ﴾ أدْخَلَ حَرْفَ النَّهْيِ المُخَلِّصَ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، ونَبَّهَ عَلى مَحَلِّ الشَّفَقَةِ بِقَوْلِهِ: ”بِوَلَدِها“، فَأضافَ الوَلَدَ إلَيْها، وبِقَوْلِهِ: ”بِوَلَدِهِ“ فَأضافَ الوَلَدَ إلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِطَلَبِ الِاسْتِعْطافِ والإشْفاقِ. وقَدَّمَ ذِكْرَ عَدَمِ مُضارَّةِ الوالِدَةِ عَلى عَدَمِ مُضارَّةِ الوالِدِ مُراعاةً لِلْجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؛ إذْ بُدِئَ فِيهِما بِحُكْمِ الوالِداتِ، وثَنّى بِحُكْمِ الوالِدِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُضارَّ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مُؤَنَّثٌ ومُذَكَّرٌ مَعْطُوفانِ؛ فالحُكْمُ في الفِعْلِ السّابِقِ عَلَيْهِما لِلسّابِقِ مِنهُما، تَقُولُ: قامَ زَيْدٌ وهِنْدٌ وقامَتْ هِنْدٌ وزَيْدٌ، ويَقُومُ زَيْدٌ وهِنْدٌ، وتَقُومُ هِنْدٌ وزَيْدٌ، إلّا إنْ كانَ المُؤَنَّثُ مَجازِيًّا بِغَيْرِ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ فِيهِ؛ فَيَحْسُنُ عَدَمُ إلْحاقِ العَلامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском