Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:243–245

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:243–245

2:243Page 39

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٢٤٣

Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allāh said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of the people do not show gratitude.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، الألْفُ: عَدَدٌ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ في القِلَّةِ آلافٌ وفي الكَثْرَةِ أُلُوفٌ، ويُقالُ: آلَفْتُ الدَّراهِمَ وآلَفَتْ هي، وقِيلَ: أُلُوفٌ جَمْعُ ألْفٍ كَشاهِدٍ وشُهُودٍ. القَرْضُ: القَطْعُ بِالسِّنِّ، ومِنهُ سُمِّيَ المِقْراضُ لِأنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ، ويُقالُ: انْقَرَضَ القَوْمُ أيْ ماتُوا وانْقَطَعَ خَبَرُهم، ومِنهُ: أقْرَضْتُ فُلانًا أيْ قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ المالِ، وقالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: لَكَ عِنْدِي قَرْضُ صِدْقٍ وقَرْضُ سُوءٍ، لِأمْرٍ تَأْتِي مَسَرَّتُهُ ومَساءَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ. وقالَ اللَّيْثُ: القَرْضُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ مِنهُ. والِاسْمُ مِنهُ: القَرْضُ، وهو ما أعْطَيْتَهُ لِتُكافَأ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: القَرْضُ: أنْ تُعْطِيَ شَيْئًا لِيَرْجِعَ إلَيْكَ مِثْلُهُ، ويُقالَ: تَقارَضا الثَّناءَ: أثْنى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، ويُقالُ قارَضَهُ الوُدَّ والثَّناءَ. وحَكى الكِسائِيُّ: القِرْضُ بِالكَسْرِ، والأشْهَرُ فَتْحُ القافِ. الضِّعْفُ: مِثْلُ قَدْرَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، ويُقالُ مِثْلُ الشَّيْءِ في المِقْدارِ، وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، إلّا أنَّهُ إذا قِيلَ ضِعْفانِ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ المِثْلَيْنِ في القَدْرِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ يُضَعِّفُ الآخَرَ، كَما يُقالُ: الزَّوْجانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجًا لِلْآخَرِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ: يُضاعِفُ ويُضَعِّفُ، فَقالَ: التَّضْعِيفُ لِما جُعِلَ مِثْلَيْنِ، والمُضاعَفَةُ لِما زِيدَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ. القَبْضُ: ضَمُّ الشَّيْءِ والجَمْعُ عَلَيْهِ والبَسْطُ ضِدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:

؎تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوَ انَّهُ دَعاها لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أنامِلُهُ

المَلَأُ: الأشْرافُ مِنَ النّاسِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، ويُجْمَعُ عَلى أمْلاءٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وقالَ لَها الأمْلاءُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ ∗∗∗ وخَيْرُ أقاوِيلِ الرِّجالِ سَدِيدُها

وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَمْلَؤُونَ العُيُونَ هَيْبَةً، أوِ المَكانَ إذا حَضَرُوهُ، أوْ لِأنَّهم مَلِيئُونَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَلَأُ: الرِّجالُ في كُلِّ القُرْآنِ لا تَكُونُ فِيهِمُ امْرَأةٌ، وكَذَلِكَ: القَوْمُ، والنَّفَرُ، والرَّهْطُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَلَأُ: هُمُ الوُجُوهُ وذَوُو الرَّأْيِ. طالُوتُ: اسْمُهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ ”سايِلُ“ وبِالعِبْرانِيَّةِ ”ساوُلُ بْنُ قَيْسٍ“، مِن أوْلادِ بِنْيامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، وسُمِّيَ طالُوتَ، قالُوا: لِطُولِهِ، وكانَ أطْوَلَ مِن كُلِّ أحَدٍ بِرَأْسِهِ ومَنكِبَيْهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ وزْنُهُ: فَعَلُوتًا، كَرَحَمُوتٍ ومَلَكُوتٍ؛ فَتَكُونُ ألِفُهُ مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ، إلّا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ مَنعُهُ الصَّرْفَ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مَفْقُودٌ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ، ولَمْ يُوجَدْ إلّا في اللِّسانِ العَجَمِيِّ، وقَدِ اتَّفَقَتِ اللُّغَتانِ في مادَّةِ الكَلِمَةِ، كَما زَعَمُوا في ”يَعْقُوبَ“ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَقِبِ، لَكِنَّ هَذا التَّرْكِيبَ بِهَذا المَعْنى مَفْقُودٌ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ. الجِسْمُ: مَعْرُوفٌ، وجُمِعَ في الكَثْرَةِ عَلى جُسُومٍ، إذا كانَ عَظِيمَ الجِسْمِ.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى مَتى ذَكَرَ شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ التَّكْلِيفِيَّةِ؛ أعْقَبَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنَ القَصَصِ (p-٢٤٩)عَلى سَبِيلِ الِاعْتِبارِ لِلسّامِعِ؛ فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْقِيادِ وتَرْكِ العِنادِ، وكانَ تَعالى قَدْ ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْكامِ المَوْتى ومَن خَلَفُوا؛ فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ، وكَيْفَ أماتَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الخارِجِينَ مِن دِيارِهِمْ، ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا، فَكَما كانَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِمْ في الدُّنْيا هو قادِرٌ عَلى إحْياءِ المُتَوَفَّيْنَ في الآخِرَةِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما عَمِلَ. فَفي هَذِهِ القِصَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى المَعادِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ؛ فَيَلِيقُ بِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَعْمَلَ لِمَعادِهِ بِأنْ يُحافِظَ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِ، وأنْ يُوَفِّيَ في حُقُوقِ عِبادِهِ. وقِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى حُكْمَ النِّكاحِ بَيَّنَ حُكْمَ القِتالِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ تَحْصِينٌ لِلدِّينِ، والقِتالَ تَحْصِينٌ لِلدِّينِ والمالِ والرُّوحِ، وقِيلَ: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢] ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأنَّها مِن عَظِيمِ آياتِهِ، وبَدائِعِ قُدْرَتِهِ. وهَذِهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ؛ فَصارَ الكَلامُ تَقْرِيرًا، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ عَلِمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَمْ يَعْرِفْها إلّا مِن هَذِهِ الآيَةِ. ومَعْناهُ التَّنْبِيهُ والتَّعَجُّبُ مِن حالِ هَؤُلاءِ، والرُّؤْيَةُ هُنا عِلْمِيَّةٌ، وضُمِّنَتْ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِـ إلى، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَدَّ إلى مَفْعُولَيْنِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى كَذا ؟ وقالَ الرّاغِبُ: ”رَأيْتُ“ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ دُونَ الجارِّ، لَكِنْ لَمّا اسْتُعِيرَ قَوْلُهم ”ألَمْ تَرَ“ لِمَعْنى: ألَمْ تَنْظُرْ، عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في غَيْرِ التَّقْرِيرِ، ما يُقالُ: رَأيْتُ إلى كَذا. انْتَهى. و”ألَمْ تَرَ“ جَرى مَجْرى التَّعَجُّبِ في لِسانِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: (ألَمْ تَرَ إلى مُجَزِّزٍ)، وذَلِكَ في رُؤْيَتِهِ أرْجُلَ زَيْدٍ وابْنِهِ أُسامَةَ، وكانَ أسْوَدَ، فَقالَ هَذِهِ الأقْدامُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَعْضِ نِسائِهِ، فَقالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: (ألَمْ تَرَ إلى مُجَزِّزٍ) الحَدِيثَ. وقَدْ جاءَ هَذا اللَّفْظُ في القُرْآنِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [الحشر: ١١]، ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤]، ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدَتُ بِها طِيبًا وإنْ لَمْ تُطَيَّبِ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ سامِعٍ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”تَرْ“ بِسُكُونِ الرّاءِ، قالُوا: عَلى تَوَهُّمٍ أنَّ الرّاءَ آخِرُ الكَلِمَةِ، قالَ الرّاجِزُ:

؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا ∗∗∗ واشْتَرْ فَعَجِّلْ خادِمًا لَبِيقا

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ: كَإثْباتِ ألِفِ: (الظُّنُونا)، و(السَّبِيلا) و(الرَّسُولا) في الوَصْلِ. وهَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُمِرُوا بِالجِهادِ فَخافُوا القَتْلَ؛ فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِن ذَلِكَ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ لِيُعَرِّفَهم أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِنَ المَوْتِ شَيْءٌ، ثُمَّ أحْياهم وأمَرَهم بِالجِهادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤] الآيَةَ. وقِيلَ: قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَعَ فِيهِمُ الوَباءُ؛ فَخَرَجُوا فِرارًا مِنهُ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ فَبَنى عَلَيْهِمْ سائِرُ بَنِي إسْرائِيلَ حائِطًا، حَتّى إذا بَلِيَتْ عِظامُهم بَعَثَ اللَّهُ حِزْقِيلَ فَدَعا اللَّهَ فَأحْياهم لَهُ. حَكى هَذا قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم أُمَّةٌ كانَتْ قِبَلَ واسِطٍ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها داوَرْدانُ وقَعَ بِها الطّاعُونُ؛ فَهَرَبُوا مِنهُ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا ويَعْلَمُوا أنْ لا مَفَرَّ مِن قَضاءِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَرَّ عَلَيْهِمْ حِزْقِيلُ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ وقَدْ عَرِيَتْ عِظامُهم وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهم، فَلَوى شِدْقَهُ وأصابِعَهُ تَعَجُّبًا مِمّا رَأى؛ فَأُوحِيَ إلَيْهِ: نادِ فِيهِمْ أنْ قُومُوا بِإذْنِ اللَّهِ، فَنادى، فَنَظَرَ إلَيْهِمْ قِيامًا يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ لا أنْتَ. ومِمَّنْ قالَ فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ: الحَسَنُ، وعَمّارُ بْنُ دِينارٍ. وقِيلَ: فَرُّوا مِنَ الحُمّى، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقَدْ كَثُرَ الِاخْتِلافُ والزِّيادَةُ والنَّقْصُ في هَذِهِ القِصَصِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ القِصَصِ، إلّا إنْ عُيِّنَ أنَّ ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ هم مَن ذُكِرَ في القِصَّةِ لا غَيْرُ؛ وإلّا فَيَجُوزُ إنْ ذُكِرَتْ كُلُّ قِصَّةٍ عَلى سَبِيلِ المِثالِ؛ إذْ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَفِرَّ ناسٌ مِنَ الجِهادِ، (p-٢٥٠)وناسٌ مِنَ الطّاعُونِ، وناسٌ مِنَ الحُمّى، فَيُمِيتُهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ؛ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْتَبِرَ مَن يَأْتِي بَعْدَهم، ولِيَعْلَمُوا جَمِيعًا أنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ بِيَدِ اللَّهِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخافَ مِن شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، ولا يَغْتَرَّ فَطِنٌ بِحِيلَةٍ أنَّها تُنْجِيهِ مِمّا شاءَ اللَّهُ.

﴿وهم أُلُوفٌ﴾، في هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكَثْرَةَ والتَّعاضُدَ، وإنْ كانا نافِعَيْنِ في دَفْعِ الأذِيّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَيْسا بِمُغْنِيَيْنِ في الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ. وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وأُلُوفٌ جَمْعُ ألْفٍ جَمْعُ كَثْرَةٍ، فَناسَبَ أنْ يُفَسَّرَ بِما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ، فَقِيلَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، وقالَ عَطاءٌ: تِسْعُونَ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا: سَبْعُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرْبَعُونَ، وقالَ أيْضًا: بِضْعٌ وثَلاثُونَ، وقالَ أبُو مالِكٍ: ثَلاثُونَ. يَعْنُونَ ألْفًا. وقَدْ فُسِّرَ بِما هو لِأدْنى العَدَدِ اسْتُعِيرَ لَفْظُ الجَمْعِ الكَثِيرِ لِلْجَمْعِ القَلِيلِ، فَقالَ أبُو رَوْقٍ: عَشَرَةُ آلافٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: ثَمانِيَةٌ، وقالَ أبُو صالِحٍ: سَبْعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرْبَعَةٌ، وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: ثَلاثَةُ آلافٍ، وقالَ البَغَوِيُّ: الأوْلى قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهم كانُوا زِيادَةً عَلى عَشَرَةِ آلافٍ؛ لِأنَّ أُلُوفًا جَمْعُ الكَثِيرِ، ولا يُقالُ لِما دُونَ العَشْرَةِ الآلافِ أُلُوفٌ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ فَقَدْ يُسْتَعارُ أحَدُ الجَمْعَيْنِ لِلْآخَرِ، وإنْ كانَ الأصْلُ اسْتِعْمالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في مَوْضُوعِهِ. وهَذِهِ التَّقْدِيراتُ كُلُّها لا دَلِيلَ عَلى شَيْءٍ مِنها، ولَفْظُ القُرْآنِ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ لَمْ يَنُصَّ عَلى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُرادَ ظاهِرُ جَمْعِ ألْفٍ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ المُرادُ مِنهُ التَّكْثِيرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم عالَمٌ كَثِيرُونَ، لا يَكادُونَ يُحْصِيهِمْ عادٌّ؛ فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ”وهم أُلُوفٌ“، كَما يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: جِئْتُكَ ألْفَ مَرَّةٍ، لا تُرِيدُ حَقِيقَةَ العَدَدِ إنَّما تُرِيدُ جِئْتُكَ مِرارًا كَثِيرَةً لا تَكادُ تُحْصى مِن كَثْرَتِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎هُوَ المُنْزِلُ الآلافَ مِن جَوِّ ناعِطٍ ∗∗∗ بَنِي أسَدٍ حُزْنًا مِنَ الأرْضِ أوْعَرا

ولَعَلَّ مَن كانَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ أُلُوفًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا آلافًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ التَّكْثِيرَ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُكَثِّرُ بِآلافِ وتَجْمَعُهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ”وهم أُلُوفٌ“ جَمْعُ ألْفٍ العَدَدِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو تَكْرِيرُ مِائَةٍ عَشْرَ مَرّاتٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُلُوفٌ جَمْعُ ألْفٍ. كَقاعِدٍ وقُعُودٍ. أيْ: خَرَجُوا وهم مُؤْتَلِفُونَ لَمْ يُخْرِجْهم فُرْقَةُ قَوْمِهِمْ ولا فِتْنَةٌ بَيْنَهم، بَلِ ائْتَلَفُوا، فَخالَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَخَرَجَتْ فِرارًا مِنَ المَوْتِ وابْتِغاءَ الحَياةِ؛ فَأماتَهُمُ اللَّهُ في مَنجاهم بِزَعْمِهِمْ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ، وهو كَما قالَ. وقالَ القاضِي: كَوْنُهُ جَمْعَ ألْفٍ مِنَ العَدَدِ أوْلى؛ لِأنَّ وُرُودَ المَوْتِ عَلَيْهِمْ وهم كَثْرَةٌ عَظِيمَةٌ تُفِيدُ مَزِيدَ اعْتِبارٍ، وأمّا وُرُودُهُ عَلى قَوْمٍ بَيْنَهُمُ ائْتِلافٌ فَكَوُرُودِهِ وبَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في أنَّ وجْهَ الِاعْتِبارِ لا يَتَغَيَّرُ.

﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾، هَذا عِلَّةٌ لِخُرُوجِهِمْ، لَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِمُ المَوْتُ بِالطّاعُونِ أوْ بِالجِهادِ؛ حَمَلَهم عَلى الخُرُوجِ ذَلِكَ، وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وشُرُوطُ المَفْعُولِ لَهُ مَوْجُودَةٌ فِيهِ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُتَّحِدَ الفاعِلِ والزَّمانِ.

﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾، ظاهِرُهُ أنَّ ثَمَّ قَوْلًا لِلَّهِ، فَقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ الَّذِي أذِنَ لَهُ في أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى لِسانِ المَلَكِ. وحُكِيَ: أنَّ مَلَكَيْنِ صاحا بِهِمْ: مُوتُوا؛ فَماتُوا. وقِيلَ: سَمِعَتِ المَلائِكَةُ ذَلِكَ فَتَوَفَّتْهم، وقِيلَ: لا قَوْلَ هُناكَ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قابِلِيَّتِهِمُ المَوْتَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، ومَوْتِهِمْ كَمَوْتَةِ رَجُلٍ واحِدٍ، والمَعْنى: فَأماتَهم، لَكِنْ أخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الشَّخْصِ المَأْمُورِ بِشَيْءٍ، المُسْرِعِ الِامْتِثالَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا امْتِناعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] . وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَماتُوا، وظاهِرُ هَذا المَوْتِ مُفارَقَةُ الأرْواحِ الأجْسادَ، فَقِيلَ: ماتُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ ثُمَّ أحْياهم بَعْدُ بِدُعاءِ حِزْقِيلَ. وقِيلَ: سَبْعَةُ أيّامٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في بَعْضِ القِصَصِ أنَّهُ عَرِيَتْ عِظامُهم وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهم، وهَذا لا يَكُونُ في العادَةِ في ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وهَذا المَوْتُ لَيْسَ بِمَوْتِ الآجالِ، بَلْ جَعَلَهُ اللَّهُ في هَؤُلاءِ كَمَرَضٍ وحادِثٍ مِمّا يَحْدُثُ عَلى البَشَرِ، كَحالِ ﴿الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] المَذْكُورَةِ بَعْدَ هَذا.

﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾، العَطْفُ بِـ ثُمَّ يَدُلُّ عَلى تَراخِي الإحْياءِ عَنِ (p-٢٥١)الإماتَةِ، قالَ قَتادَةُ: أحْياهم لِيَسْتَوْفُوا آجالَهم. وظاهِرُهُ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أحْياهم بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا قَوْمَ حِزْقِيلَ، فَخَرَجَ فَوَجَدَهم مَوْتى. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنِّي جَعَلْتُ حَياتَهم إلَيْكَ. فَقالَ لَهُمُ: احْيَوْا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبِيُّ شَمْعُونُ، ورِيحُ المَوْتى تُوجَدُ في أوْلادِهِمْ. وقِيلَ: النَّبِيُّ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقالَ وهْبٌ: اسْمُهُ شَمْوِيلُ، وهو ذُو الكِفْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أُحْيُوا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ يَعْرَقُونَ، لَكِنَّ سَحْنَةَ المَوْتِ عَلى وُجُوهِهِمْ ولا يَلْبَسُ أحَدٌ مِنهم ثَوْبًا إلّا عادَ كَفَنًا دَسِمًا، حَتّى ماتُوا لِآجالِهِمُ الَّتِي كُتِبَتْ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى إماتَتِهِمْ تَذْلِيلُهم تَذْلِيلًا يَجْرِي مَجْرى المَوْتِ؛ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهم وتَظاهُرُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ أعانَهم وخَلَّصَهم لِيَعْرِفُوا قُدْرَةَ اللَّهِ في أنَّهُ يُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، وقِيلَ: عَنى بِالمَوْتِ: الجَهْلَ، وبِالحَياةِ: العِلْمَ، كَما يَحْيا الجَسَدُ بِالرُّوحِ. وأتَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بَيْنَ يَدَيِ الأمْرِ بِالقِتالِ تَشْجِيعًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وحَثًّا عَلى الجِهادِ. والتَّعْرِيضِ لِلشَّهادَةِ، وإعْلامًا أنْ لا مَفَرَّ مِمّا قَضى اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [التوبة: ٥١]، واحْتِجاجًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِإنْبائِهِ ﷺ بِما لا يَدْفَعُونَ صِحَّتَهُ، مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا، ولَمْ يُدارِسْ أحَدًا، وعَلى مُشْرِكِي العَرَبِ؛ إذْ مَن قَرَأ الكُتُبَ يُصَدِّقُهُ في إخْبارِهِ بِما جاءَ بِهِ مِمّا هو في كُتُبِهِمْ.

﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾، أكَّدَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِـ إنَّ واللّامِ، وأتى الخَبَرُ ”لَذُو“ الدّالَّةُ عَلى الشَّرَفِ، بِخِلافِ صاحِبٍ، و”النّاسِ“ هُنا عامٌّ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لِلَّهِ عَلَيْهِ فَضْلٌ أيُّ فَضْلٍ، وخُصُوصًا هُنا؛ حَيْثُ نَبَّهَهم عَلى ما بِهِ يَسْتَبْصِرُونَ ويَعْتَبِرُونَ عَلى النَّشْأةِ الآخِرَةِ، وأنَّها مُمْكِنَةٌ عَقْلًا، كائِنَةٌ بِإخْبارِهِ تَعالى؛ إذْ أعادَ إلى الأجْسامِ البالِيَةِ المُشاهَدَةِ بِالعَيْنِ الأرْواحَ المُفارِقَةَ، وأبْقاها فِيها الأزْمانَ الطَّوِيلَةَ إلى أنْ قَبَضَها ثانِيَةً، وأيُّ فَضْلٍ أجَلُّ مِن هَذا الفَضْلِ؛ إذْ تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ كُلِّيّاتِ العَقائِدِ المُنْجِيَةِ وجُزْئِيّاتِها. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ هَهُنا: الخُصُوصُ، وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ، وأمَرَهم بِالجِهادِ فَفَرُّوا مِنهُ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ؛ فَأماتَهم، ثُمَّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالإحْياءِ وطَوَّلَ لَهم في الحَياةِ؛ لِيَسْتَيْقِنُوا أنْ لا مَفَرَّ مِنَ القَدَرِ، ويَسْتَدْرِكُوا ما فاتَهم مِنَ الطّاعاتِ، وقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا نَسْلُكَ مَسْلَكَهم، بَلْ نَمْتَثِلُ ما يَأْمُرُ بِهِ تَعالى.

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾، تَقَدَّمَ فَضْلُ اللَّهِ عَلى جَمِيعِ النّاسِ بِالإيجادِ والرِّزْقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكانَ المُناسِبُ لَهم أنَّهم يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ بِـ ”لَكِنَّ“ مِمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾، والتَّقْدِيرُ: فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلى فَضْلِهِ؛ فاسْتَدْرَكَ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ، ودَلَّ عَلى أنَّ الشّاكِرَ قَلِيلٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣]، ويَخُصُّ ”النّاسِ“ الثّانِي بِالمُكَلَّفِينَ.

2:244Page 39

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤

And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هَذا خِطابٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَتْ تِلْكَ القِصَّةُ - كَما قُلْنا - تَنْبِيهًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ لا تَفِرَّ مِنَ المَوْتِ كَفِرارِ أُولَئِكَ، وتَشْجِيعًا لَها وتَثْبِيتًا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ: أنَّهُ أمْرٌ لِمَن أحْياهُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِالجِهادِ، أيْ: وقالَ لَهم قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لا وجْهَ لِهَذا القَوْلِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُلْتَحِمَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وبِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ لِأنَّ في هَذا إشْعارًا بِلِقاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ ما جاءَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ جاءَ كالِاعْتِراضِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] تَتْمِيمٌ أوْ تَوْكِيدٌ لِبَعْضِ أحْكامِ المُطَلَّقاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] اعْتِبارٌ بِمَن مَضى مِمَّنْ فَرَّ مِنَ المَوْتِ، فَماتَ، أنْ لا نَنْكُصَ ولا نُحْجِمَ عَنِ القِتالِ، وبَيانُ المُقاتِلِ فِيهِ، وأنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ فِيهِ حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى القِتالِ؛ إذْ كانَ الإنْسانُ يُقاتِلُ لِلْحَمِيَّةِ، ولِنَيْلِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا. والقِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ مُوَرِّثٌ لِلْعِزِّ الأبَدِيِّ والفَوْزِ السَّرْمَدِيِّ.

﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يَسْمَعُ ما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ القِتالِ والمُتَبادِرُونَ إلَيْهِ، ويَعْلَمُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ النِّيّاتُ؛ فَيُجازِي عَلى ذَلِكَ.

2:245Page 39

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.

﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾، هَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْسِيسِ والتَّقْرِيبِ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ (p-٢٥٢)واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ تَعالى عَطاءَ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا بِما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَما شَبَّهَ بَذْلَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى بَذْلِ النُّفُوسِ والأمْوالِ في إعْزازِ دِينِ اللَّهِ؛ أثْنى عَلى مَن بَذَلَ شَيْئًا مِن مالِهِ في طاعَةِ اللَّهِ، وكانَ هَذا أقَلَّ حَرَجًا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا بَذْلُ المالِ دُونَ النَّفْسِ، فَأتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى الطَّلَبِ. قالَ ابْنُ المَغْرِبِيِّ: انْقَسَمَ الخَلْقُ حِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ إلى فِرَقٍ ثَلاثَةٍ: الأُولى: اليَهُودُ، قالُوا: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَحْتاجُ إلَيْنا ونَحْنُ أغْنِياءُ، وهَذِهِ جَهالَةٌ عَظِيمَةٌ؛ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] . والثّانِيَةُ: آثَرَتِ الشُّحَّ والبُخْلَ، وقَدَّمَتِ الرَّغْبَةَ في المالِ. والثّالِثَةُ: بادَرَتْ إلى الِامْتِثالِ، كَفِعْلِ أبِي الدَّحْداحِ وغَيْرِهِ. انْتَهى. و”مَن“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”ذا“، و”الَّذِي“ نَعْتٌ لِذا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ومَنَعَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ”مَن“ و”ذا“ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، كَما كانَتْ ”ما“ مَعَ ”ذا“، قالَ: لِأنَّ ”ما“ أشَدُّ إبْهامًا مِن ”مَن“، إذا كانَتْ ”مَن“ لِمَن يَعْقِلُ. وأصْحابُنا يُجِيزُونَ تَرْكِيبَ ”مَن“ مَعَ ”ذا“ في الِاسْتِفْهامِ وتَصْيِرَهُما كاسْمٍ واحِدٍ، كَما يُجِيزُونَ ذَلِكَ في ”ما“ و”ذا“، فَيُجِيزُونَ في: مَن ذا عِنْدَكَ، أنْ يَكُونَ: ”مَن“ و”ذا“، بِمَنزِلَةِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ. وانْتَصَبَ لَفْظُ الجَلالَةِ بِـ ”يُقْرِضُ“ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عِبادَ اللَّهِ المَحاوِيجَ، أسْنَدَ الِاسْتِقْراضَ إلى اللَّهِ وهو المُنَزَّهُ عَنِ الحاجاتِ، تَرْغِيبًا في الصَّدَقَةِ، كَما أضافَ الإحْسانَ إلى المَرِيضِ والجائِعِ والعَطْشانِ إلى نَفْسِهِ تَعالى في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا: (يا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي واسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي واسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي)، الحَدِيثَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، والبُخارِيُّ. وانْتَصَبَ ”قَرْضًا“ عَلى المَصْدَرِ الجارِي عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إقْراضًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْنى: مَقْرُوضٍ، أيْ: قِطْعَةً مِنَ المالِ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وانْتَصَبَ ”حَسَنًا“ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ ”قَرْضًا“ وهو الظّاهِرُ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ إذا أعْرَبْنا قَرْضًا مَفْعُولًا بِهِ، أيْ: إقْراضًا حَسَنًا، ووَصْفُهُ بِالحُسْنِ لِكَوْنِهِ طَيِّبَ النِّيَّةِ خالِصًا لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ المُبارَكِ. أوْ لِكَوْنِهِ يَحْتَسِبُ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابَهُ، أوْ لِكَوْنِهِ جَيِّدًا كَثِيرًا، أوْ لِكَوْنِهِ بِلا مَنٍّ ولا أذًى، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، أوْ لِكَوْنِهِ لا يَطْلُبُ بِهِ عِوَضًا، قالَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القُشَيْرِيُّ التُّسْتَرِيُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: ”فَيُضَعِّفُهُ“ بِالتَّشْدِيدِ مِن ضَعَّفَ، والباقُونَ: ”فَيُضاعِفُهُ“ مِن ضاعَفَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُما بِمَعْنًى. وقِيلَ: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، بِنَصْبِ الفاءِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى صِلَةِ الَّذِي، وهو قَوْلُهُ: ”يُقْرِضُ“، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: فَهو يُضاعِفُهُ. والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ، والنَّصْبُ عَلى أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ - وإنْ كانَ عَنِ المُقْرِضِ - فَهو عَنِ الإقْراضِ في المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ ؟ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الرَّفْعُ أحْسَنُ، وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ: إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الحُكْمُ، لا عَنِ الحُكْمِ؛ فَلا يَجُوزُ النَّصْبُ بِإضْمارِ أنَّ بَعْدَ الفاءِ في الجَوابِ، فَهو مَحْجُوجٌ بِهَذِهِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: (مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ) . وكَذَلِكَ سائِرُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ الِاسْمِيَّةِ والحَرْفِيَّةِ. وانْتَصَبَ ”أضْعافًا“ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في ”يُضاعِفُهُ“ . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، تَضَمَّنَ مَعْنى فَيُضاعِفُهُ: فَيُصَيِّرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ بِاعْتِبارِ أنْ يُطْلِقَ الضِّعْفَ، وهو المُضاعِفُ أوِ المُضَعَّفُ، بِمَعْنى المُضاعَفَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، كَما أطْلَقَ العَطاءَ وهو اسْمُ المُعْطى بِمَعْنى الإعْطاءِ، وجُمِعَ لِاخْتِلافِ جِهاتِ التَّضْعِيفِ بِاعْتِبارِ الإخْلاصِ، وهَذِهِ المُضاعَفَةُ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ لَكِنَّها كَثِيرَةٌ. قالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ: لا يَعْلَمُ كُنْهَ التَّضْعِيفِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ رُوِيَتْ مَقادِيرُ مِنَ التَّضْعِيفِ، وجاءَ في القُرْآنِ: (p-٢٥٣)﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . قِيلَ: والآيَةُ عامَّةٌ في سائِرِ وُجُوهِ البِرِّ مِن صَدَقَةٍ، وجِهادٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: خاصَّةٌ بِالنَّفَقَةِ في الجِهادِ. وقِيلَ: بِالصَّدَقَةِ وإنْفاقِ المالِ عَلى الفُقَراءِ المُحْتاجِينَ.

﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾، أيْ: يَسْلُبُ قَوْمًا ويُعْطِي قَوْمًا. أوْ يُقَتِّرُ ويُوَسِّعُ، قالَهُ الحَسَنُ. أوْ يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ ويَخْلُفُ البَذْلَ مَبْسُوطًا. أوْ يَقْبِضُ أيْ: يُمِيتُ؛ لِأنَّ مَن أماتَهُ فَقَدْ قَبَضَهُ، ويَبْسُطُ أيْ: يُحْيِيهِ؛ لِأنَّ مَن مَدَّ لَهُ في عُمْرِهِ فَقَدْ بَسَطَهُ. أوْ يَقْبِضُ بَعْضَ القُلُوبِ فَلا تَنْبَسِطُ، ويَبْسُطُ بَعْضَها فَيُقَدِّمُ خَيْرًا لِنَفْسِهِ. أوْ يَقْبِضُ بِتَعْجِيلِ الأجَلِ، ويَبْسُطُ بِطُولِ الأمَلِ. أوْ يَقْبِضُ بِالخَطَرِ ويَبْسُطُ بِالإباحَةِ. أوْ يَقْبِضُ الصَّدْرَ ويُوَسِّعُهُ. أوْ يَقْبِضُ يَدَ مَن يَشاءُ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، ويَبْسُطُ يَدَ مَن يَشاءُ بِالإنْفاقِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ وغَيْرُهُ. أوْ يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ ويَبْسُطُ الثَّوابَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولِلْمُتَصَوِّفَةِ في القَبْضِ والبَسْطِ أقاوِيلُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِخِلافٍ عَنْ خَلّادٍ، وحَفْصٍ، وهِشامٍ، وقُنْبُلٍ، والنَّقّاشِ عَنِ الأخْفَشِ هُنا، وأبُو قُرَّةَ عَنْ نافِعٍ: ”يَبْسُطُ“ بِالسِّينِ، وخَبَرُ الحُلْوانِيِّ، عَنْ قالُونَ، عَنْ نافِعٍ. والباقُونَ: بِالصّادِ.

﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: خَبَرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ، أيْ: فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن ضُرُوبِ عِلْمِ البَيانِ، وصُنُوفِ البَلاغَةِ: الِاسْتِفْهامَ الَّذِي أُجْرِيَ مَجْرى التَّعَجُّبِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، والحَذْفَ بَيْنَ ﴿مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أيْ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أيْ: مَلَكُ اللَّهِ بِإذْنِهِ، وفي ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أيْ: لا يَشْكُرُونَهُ، وفي قَوْلِهِ: ”سَمِيعٌ“ لِأقْوالِكم عَلِيمٌ بِأعْمالِكم، وفي قَوْلِهِ: ”تُرْجَعُونَ“؛ فَيُجازِي كُلًّا بِما عَمِلَ. والطِّباقَ في قَوْلِهِ: ﴿مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وفي: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ . والتَّكْرارَ في: ﴿عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] . والِالتِفاتَ في: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤] . والتَّشْبِيهَ بِغَيْرِ أداتِهِ في: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾، شَبَّهَ قَبُولَهُ تَعالى إنْفاقَ العَبْدِ في سَبِيلِهِ ومُجازاتِهِ عَلَيْهِ بِالقَرْضِ الحَقِيقِيِّ؛ فَأطْلَقَ اسْمَ القَرْضِ عَلَيْهِ، والِاخْتِصاصَ بِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ ”حَسَنًا“ . والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском