Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:256–257
2:256Page 42
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها أقْوالٌ مَضْمُونُ أكْثَرِها: أنَّ بَعْضَ أوْلادِ الأنْصارِ تَنَصَّرَ وبَعْضَهم تَهَوَّدَ، فَأرادَ آباؤُهم أنْ يُكْرِهُوهم عَلى الإسْلامِ، فَنَزَلَتْ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ فِيمَن قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: ”أسْلِمْ“ . فَقالَ: أجِدُنِي كارِهًا. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ: أهِيَ مَنسُوخَةٌ ؟ أمْ لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ، وهي مِن آياتِ المُوادَعَةِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ، وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هي مُحْكَمَةٌ خاصَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَبْذُلُونَ الجِزْيَةَ، قالا: أُمِرَ بِقِتالِ أهْلِ الأوْثانِ لا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، ثُمَّ أُمِرَ فِيمَن سِواهم أنْ يَقْبَلَ الجِزْيَةَ. ومَذْهَبُ مالِكٍ: أنَّ الجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِن كُلِّ كافِرٍ سِوى قُرَيْشٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ خاصَّةً فِيمَن أعْطى الجِزْيَةَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ، لا يَقِفُ ذَلِكَ عَلى أهْلِ الكِتابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا إكْراهَ بَعْدَ إسْلامِ العَرَبِ، ويَقْبَلُ الجِزْيَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَنْسِبُوا إلى الكَراهَةِ مَن أسْلَمَ مُكْرَهًا، يُقالُ: أكْفَرَهُ نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّهِمْ وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ
وقِيلَ: لا يُكْرَهُ عَلى الإسْلامِ مَن خَرَجَ إلى غَيْرِهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ، والقَفّالُ: مَعْناهُ أنَّهُ ما بَنى تَعالى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ (p-٢٨٢)التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ يَبْقَ عُذْرٌ في الكُفْرِ إلّا أنْ يُقْسَرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبَرَ عَلَيْهِ، وهَذا ما لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الابْتِلاءِ، إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الابْتِلاءِ. ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ يَعْنِي: ظَهَرَتِ الدَّلائِلُ ووَضَحَتِ البَيِّناتُ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَها إلّا طَرِيقُ القَسْرِ والإلْجاءِ ولَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّهُ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ والقَفّالُ لائِقٌ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَجْرِ اللَّهُ أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، ولَكِنْ عَلى التَّمْكِينِ والاخْتِيارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] أيْ: لَوْ شاءَ لَقَسَرَهم عَلى الإيمانِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وبَنى الأمْرَ عَلى الاخْتِيارِ.
والدِّينُ هُنا مِلَّةُ الإسْلامِ واعْتِقادُهُ، والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ أيْ: في دِينِ اللَّهِ.
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ أيِ: اسْتَبانَ الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا يُبَيِّنُ أنَّ الدِّينَ هو مُعْتَقَدُ الإسْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ القُفْلِ، والحَسَنُ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ العُنُقِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ الجُبْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (الرَّشادُ) بِالألِفِ. والجُمْهُورُ عَلى إدْغامِ دالِ (قَدْ) في تاءِ (تَبَيَّنَ) . وقُرِئَ شاذًّا بِالإظْهارِ (وتَبَيَّنَ الرُّشْدَ) بِنَصْبِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ وبِعْثَةِ الرَّسُولِ الدّاعِي إلى الإيمانِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَأنَّها كالعِلَّةِ لِانْتِفاءِ الإكْراهِ في الدِّينِ؛ لِأنَّ وُضُوحَ الرُّشْدِ واسْتِبانَتَهُ يُحْمَلُ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ طَوْعًا مِن غَيْرِ إكْراهٍ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ (الطّاغُوتِ): الشَّيْطانُ. قالَهُ عُمَرُ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. أوِ السّاحِرُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وأبُو العالِيَةِ. أوِ الكاهِنُ، قالَهُ جابِرٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ورَفِيعٌ وابْنُ جُرَيْجٍ. أوْ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِمَّنْ يَرْضى ذَلِكَ: كَفِرْعَوْنَ، ونُمْرُوذَ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. أوِ الأصْنامُ، قالَهُ بَعْضُهم، ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَمْثِيلًا؛ لِأنَّ الطّاغُوتَ مَحْصُورٌ في كُلِّ واحِدٍ مِنها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدَّمَ ذِكْرَ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِيُظْهِرَ الِاهْتِمامَ بِوُجُوبِ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ، انْتَهى.
وناسَبَ ذَلِكَ أيْضًا اتِّصالُهُ بِلَفْظِ الغَيِّ، ولِأنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِها هو رَفْضُها ورَفَضُ عِبادَتِها، ولَمْ يَكْتَفِ بِالجُمْلَةِ الأُولى؛ لِأنَّها لا تَسْتَلْزِمُ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ، إذْ قَدْ يَرْفُضُ عِبادَتَها ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، لَكِنَّ الإيمانَ يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ بِذِكْرِ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى الِانْسِلاخِ بِالكُلِّيَّةِ، مِمّا كانَ مُشْتَبَهًا بِهِ، سابِقًا لَهُ قَبْلَ الإيمانِ؛ لِأنَّ في النَّصِّيَّةِ عَلَيْهِ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ عَلى تَرْكِهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ) وأُبْرِزَ في صُورَةِ الفِعْلِ الماضِي المَقْرُونِ بِقَدِ الدّالَّةِ في الماضِي عَلى تَحْقِيقِهِ، وإنْ كانَ مُسْتَقْبَلًا في المَعْنى؛ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، إشْعارًا بِأنَّهُ مِمّا وقَعَ اسْتِمْساكُهُ وثَبَتَ، وذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في تَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، و(بِالعُرْوَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (اسْتَمْسَكَ) جَعَلَ ما تُمْسِكُ بِهِ مِنَ الإيمانِ عُرْوَةً، وهي في الأجْرامِ مَوْضِعُ الإمْساكِ وشَدُّ الأيْدِي، شَبَّهَ الإيمانَ بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ، والِاسْتِدْلالِ بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ، حَتّى يَتَصَوَّرَهُ السّامِعُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَيَحْكُمُ اعْتِقادُهُ والتَّيَقُّنُ، والمُشَبَّهُ بِالعُرْوَةِ الإيمانُ، قالَهُ: مُجاهِدٌ أوِ الإسْلامُ قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، أوِ القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ أيْضًا، أوِ السُّنَّةُ، أوِ التَّوْفِيقُ. أوِ العَهْدُ الوَثِيقُ. أوِ السَّبَبُ المُوَصِّلُ إلى رِضا اللَّهِ (p-٢٨٣)وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ لا انْكِسارَ لَها ولا انْقِطاعَ، قالَ الفَرّاءُ: الِانْفِصامُ والِانْقِصامُ هُما لُغَتانِ، وبِالفاءِ أفْصَحُ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما، فَقالَ: الفَصْمُ انْكِسارٌ بِغَيْرِ بَيْنُونَةٍ، والقَصْمُ انْكِسارٌ بِبَيْنُونَةٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ العُرْوَةِ، وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في (الوُثْقى) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا مِنَ اللَّهِ عَنِ العُرْوَةِ، ولَها، في مَوْضِعِ الخَبَرِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنٌ لَها.
﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أتى بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ والإيمانَ بِاللَّهِ مِمّا يَنْطِقُ بِهِ اللِّسانُ ويَعْتَقِدُهُ الجِنانُ، فَناسَبَ هَذا ذِكْرَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ والإيمانَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: سَمِيعٌ لِدُعائِكَ يا مُحَمَّدُ، عَلِيمٌ بِحِرْصِكَ واجْتِهادِكَ.
2:257Page 43
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧
Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ الوَلِيُّ هُنا النّاصِرُ والمُعِينُ أوِ المُحِبُّ أوْ مُتَوَلِّي أُمُورَهم، ومَعْنى (آمَنُوا) أرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا، و(الظُّلُماتِ) هُنا الكُفْرُ، و(النُّورِ) الإيمانُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، قِيلَ: وجُمِعَتِ (الظُّلُماتِ) لِاخْتِلافِ الضَّلالاتِ، ووُحِّدَ (النُّورِ) لِأنَّ الإيمانَ واحِدٌ، والإخْراجُ هُنا إنْ كانَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِمَن كانَ كافِرًا ثُمَّ آمَنَ، وإنْ كانَ مَجازًا فَهو مَجازٌ عَنْ مَنعِ اللَّهِ إيّاهم مِن دُخُولِهِمْ في الظُّلُماتِ قالَ الحَسَنُ: مَعْنى (يُخْرِجُهم) يَمْنَعُهم، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ خَلا عَنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ لَوَقَعَ في الظُّلُماتِ، فَصارَ تَوْفِيقُهُ سَبَبًا لَدَفْعِ تِلْكَ الظُّلْمَةِ، قالُوا: ومِثْلُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ شائِعٌ سائِغٌ في كَلامِهِمْ، كَما قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ:
؎فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَّ مَرَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
قالَ الواقِدِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الظُّلُماتِ والنُّورِ فَإنَّهُ أرادَ بِهِ الكُفْرَ والإيمانَ غَيْرَ الَّتِي في الأنْعامِ، وهو: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فَإنَّهُ أرادَ بِهِ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ الواسِطِيُّ: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ نُفُوسِهِمْ إلى آدابِها: كالرِّضا والصِّدْقِ والتَّوَكُّلِ والمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ الوَحْشَةِ والفُرْقَةِ إلى نُورِ الوَصْلَةِ والأُلْفَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: آمَنُوا، أرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا، تَلَطَّفَ بِهِمْ حَتّى يُخْرِجَهم بِلُطْفِهِ وتَأْيِيدِهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، أوِ اللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ يُخْرِجُهم مِنَ الشُّبَهِ في الدِّينِ إنْ وقَعَتْ لَهم، بِما يَهْدِيهِمْ ويُوَفِّقُهم لَها مِن حَلِّها، حَتّى يَخْرُجُوا مِنها إلى نُورِ اليَقِينِ، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ: آمَنُوا عَلى حَقِيقَتِهِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، نَزَلَتْ في قَوْمٍ آمَنُوا بِعِيسى، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ إخْراجُهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، وقالَ الكَلْبِيُّ يُخْرِجُونَهم مِن إيمانِهِمْ بِمُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِفْتاحِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلى كُفْرِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: مِن فِطْرَةِ الإسْلامِ، وقِيلَ: مِن نُورِ الإقْرارِ بِالمِيثاقِ، وقِيلَ: مِنَ الإقْرارِ بِاللِّسانِ إلى النِّفاقِ. وقِيلَ: مِن نُورِ الثَّوابِ في الجَنَّةِ إلى ظُلْمَةِ العَذابِ في النّارِ. وقِيلَ: مِن نُورِ الحَقِّ إلى ظُلْمَةِ الهَوى. وقِيلَ: مِن نُورِ العَقْلِ إلى ظُلْمَةِ الجَهْلِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن نُورِ البَيِّناتِ الَّتِي تَظْهَرُ لَهم إلى ظُلُماتِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظُ الآيَةِ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ، بَلْ هو مُتَرَتِّبٌ في كُلِّ أُمَّةٍ كافِرَةٍ آمَنَ بَعْضُها كالعَرَبِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ مِنهم فاللَّهُ ولِيُّهُ، أخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، ومَن كَفَرَ بَعْدَ وُجُودِ الدّاعِي - النَّبِيِّ المُرْسَلِ - فَشَيْطانُهُ ومُغْوِيهِ كَأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الإيمانِ، إذْ هو مُعَدٌّ وأهْلٌ لِلدُّخُولِ فِيهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن مَنعَكَ الدُّخُولَ في أمْرٍ: أخْرَجْتَنِي يا فُلانُ مِن هَذا الأمْرِ، وإنْ كُنْتَ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ ألْبَتَّةَ، انْتَهى.
والمُرادُ بِالطّاغُوتِ: الصَّنَمُ، لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقِيلَ: الشَّياطِينُ والطّاغُوتُ اسْمُ جِنْسٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتُ) بِالجَمْعِ.
وقَدْ تَبايَنَ الإخْبارُ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ، فاسْتُفْتِحَتْ آيَةُ المُؤْمِنِينَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ تَشْرِيفًا لَهم إذْ بُدِئَ في جُمْلَتِهِمْ بِاسْمِهِ تَعالى ولِقُرْبِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (p-٢٨٤)واسْتُفْتِحَتْ آيَةُ الكافِرِينَ بِذِكْرِهِمْ نَعْيًا عَلَيْهِمْ، وتَسْمِيَةً لَهم بِما صَدَرَ مِنهم مِنَ القَبِيحِ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّ أوْلِياءَهُمُ الطّاغُوتُ، ولَمْ يُصَدِّرِ الطّاغُوتَ اسْتِهانَةً بِهِ، وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يُجْعَلَ مُقابِلًا لِلَّهِ، تَعالى، ثُمَّ عُكِسَ الإخْبارُ فِيهِ فابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ: أوْلِياؤُهم، وجُعِلَ الطّاغُوتُ خَبَرًا، كَأنَّ الطّاغُوتَ هو مَجْهُولٌ، أعْلَمَ المُخاطَبَ بِأنَّ أوْلِياءَ الكُفّارِ هو الطّاغُوتُ، والأحْسَنُ في: (يُخْرِجُهم ويُخْرِجُونَهم) أنْ لا يَكُونَ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْوِلايَةِ، وكَأنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ وجْهَ الوِلايَةِ والنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ بِأنَّها إخْراجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وكَذَلِكَ في الكُفّارِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (يُخْرِجُهم) حالًا والعامِلُ فِيهِ: (ولِيُّ)، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (يُخْرِجُونَهم) حالًا والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الطّاغُوتِ، وهو نَظِيرُ ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ: مِن نَصْبِ (نَزّاعَةً) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها (لَظى) وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ و(مِن وإلى)، مُتَعَلِّقانِ بِـ (يُخْرِجُ) .
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
وذَكَرُوا في هَذِهِ الآياتِ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ وعِلْمِ البَيانِ، مِنها في آيَةِ الكُرْسِيِّ: حُسْنُ الِافْتِتاحِ؛ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِأجَلِّ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وتَكْرارُ اسْمِهِ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وتَكْرِيرُ الصِّفاتِ، والقَطْعُ لِلْجُمَلِ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، ولَمْ يَصِلْها بِحَرْفِ العَطْفِ، والطِّباقِ: في قَوْلِهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَإنَّ النَّوْمَ مَوْتٌ وغَفْلَةٌ، والحَيُّ القَيُّومُ يُناقِضُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والتَّشْبِيهُ: في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أيْ: كَوَسَعِ، فَإنْ كانَ الكُرْسِيُّ جَرْمًا فَتَشْبِيهُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسٍ، أوْ مَعْنًى فَتَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، ومَعْدُولُ الخِطابِ في ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] إذا كانَ المَعْنى لا تُكْرِهُوا عَلى الدِّينِ أحَدًا. والطِّباقُ: أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وفي قَوْلِهِ: (آمَنُوا وكَفَرُوا) وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ والتَّكْرارُ في الإخْراجِ لِتَبايُنِ تَعْلِيقِهِما، والتَّأْكِيدُ بِالمُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ الإشارَةَ إلى الرُّسُلِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: (وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ) وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، فَذَكَرَ أنَّ (مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ) وفُسِّرَ بِ مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، وبُدِئَ بِهِ لِتَقَدُّمِهِ في الزَّمانِ، وأخْبَرَ أنَّهُ (رَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ) وفُسِّرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ ثالِثًا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَجاءَ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَطًا بَيْنَ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ العَظِيمَيْنِ، فَكانَ كَواسِطَةِ العِقْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ اقْتِتالَ المُتَقَدِّمِينَ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ هو صادِرٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَهم وانْقِسامَهَمْ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَنْفَعُ فِيهِ تَوَسُّلٌ بِصَداقَةٍ ولا شَفاعَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الكافِرِينَ هُمُ المُجاوِزُونَ الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ هو المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ عُقَيْبَ ذِكْرِ الكافِرِينَ، وذِكْرِ أتْباعِ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - ثُمَّ سَرَدَ صِفاتِهِ العُلا وهي الَّتِي يَجِبُ أنْ تُعْتَقَدَ في اللَّهِ تَعالى مِن كَوْنِهِ واحِدًا حَيًّا قائِمًا بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، لا يَلْحَقُهُ آفَةٌ، مالِكًا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ، عالِمًا بِسَرائِرِ المَعْلُوماتِ، لا يَعْلَمُ أحَدٌ شَيْئًا مِن عِلْمِهِ إلّا بِما يَشاءُ هو تَعالى، وذَكَرَ عَظِيمَ مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّ بَعْضَها - وهو الكُرْسِيُّ - يَسَعُ السَّمَواتِ والأرْضَ، ولا يَثْقُلُ ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ حِفْظُ السَّمَواتِ والأرْضِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ بَعْدَ وُضُوحِ صِفاتِهِ العُلا فَـ (لا إكْراهَ في الدِّينِ) إذْ قَدْ تَبَيَّنَتْ طُرُقُ الرَّشادِ مِن طُرِقِ الغَوايَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ بِالطّاغُوتِ وآمَنَ بِاللَّهِ فَهو مُسْتَمْسِكٌ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، عُرْوَةُ الإيمانِ، ووَصَفَها بِالوُثْقى لِكَوْنِها لا تَنْقَطِعُ ولا تَنْفَصِمُ، واسْتَعارَ لِلْإيمانِ عُرْوَةً إجْراءً لِلْمَعْقُولِ مَجْرى المَحْسُوسِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ أخْرَجَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وأنَّ الكافِرِينَ أوْلِياؤُهُمُ الأصْنامُ (p-٢٨٥)والشَّياطِينُ، وهم عَلى العَكْسِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم أصْحابُ النّارِ، وأنَّهم مُخَلَّدُونَ فِيها، والحالَةُ هَذِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences