Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:282
2:282Page 48
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢
O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.
(p-٣٤٢)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
تَدايَنَ: تَفاعَلَ مِنَ الدَّيْنِ، يُقالُ: دايَنْتُ الرَّجُلَ عامَلْتُهُ بِدَيْنٍ مُعْطِيًا أوْ آخِذًا، كَما تَقُولُ: بايَعْتُهُ إذا بِعْتَهُ أوْ باعَكَ قالَ رُؤْبَةُ:
؎دايَنْتُ أرَوى والدُّيُونُ تُقْضى فَمَطَلَتْ بَعْضًا وأدَّتْ بَعْضًا
ويُقالُ: دِنْتُ الرَّجُلَ إذا بِعْتَهُ بَدَيْنٍ، وادَّنْتُ أنا أيْ: أخَذْتُ بِدَيْنٍ.
أمْلَ وأمْلى لُغَتانِ: الأُولى لِأهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، والثّانِيَةُ لِتَمِيمٍ، يُقالُ: أمْلَيْتُ وأمْلَلْتُ عَلى الرَّجُلِ أيْ: ألْقَيْتُ عَلَيْهِ ما يَكْتُبُهُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الإعادَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا يا دِيارَ الحَيِّ بِالسَّبُعانِ ∗∗∗ أمَلَّ عَلَيْها بِالبِلى المَلَوانِ
وقِيلَ: الأصْلُ أمْلَلْتُ، أبْدَلَ مِنَ اللّامِ ياءً لِأنَّها أخَفُّ.
البَخْسُ: النَّقْصُ، يُقالُ مِنهُ: بَخَسَ يَبْخَسُ، ويُقالُ: بِالصّادِّ، والبَخْسُ: إصابَةُ العَيْنِ، ومِنهُ: اسْتُعِيرَ بَخْسُ حَقِّهِ، كَقَوْلِهِمْ: عَوَّرَ حَقَّهُ، وتَباخَسُوا في البَيْعِ تَغابَنُوا، كانَ كُلُّ واحِدٍ يَبْخَسُ صاحِبَهُ عَنْ ما يُرِيدُهُ مِنهُ بِاحْتِيالِهِ. السَّأمُ والسَّآمَةُ: المَلَلُ مِنَ الشَّيْءِ والضَّجَرُ مِنهُ، يُقالُ مِنهُ: سَئِمَ يَسْأمُ.
الصَّغِيرُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن صَغُرَ يَصْغُرُ، ومَعْناهُ قِلَّةُ الجُرْمِ، ويُسْتَعْمَلُ في المَعانِي أيْضًا. القِسْطُ: بِكَسْرِ القافِ: العَدْلُ، يُقالُ مِنهُ: أقْسَطَ الرَّجُلُ أيْ: عَدَلَ، وبِفَتْحِ القافِ: الجَوْرُ، ويُقالُ مِنهُ: قَسَطَ الرَّجُلُ أيْ: جارَ، والقِسْطُ بِالكَسْرِ أيْضًا: النَّصِيبُ. الرَّهْنُ: ما دُفِعَ إلى الدّائِنِ عَلى اسْتِيثاقِ دَيْنِهِ، ويُقالُ: رَهَنَ يَرْهَنُ رَهْنًا، ثُمَّ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَرْهُونِ، ويُقالُ: رَهَنَ الشَّيْءَ دامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎اللَّحْمُ والخُبْزُ لَهم راهِنٌ ∗∗∗ وقَهْوَةٌ راوُوقُها ساكِبُ
وأرْهَنُ لَهُمُ الشَّرابَ: دامَ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: ورَهَنَهُ، أيْ: أدامَهُ، ويُقالُ: أرْهَنَ في السِّلْعَةِ إذا غالى بِها حَتّى أخَذَها بِكَثِيرِ الثَّمَنِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَطْوِي ابْنُ سَلْمى بِها مِن راكِبٍ بَعْرًا ∗∗∗ عِيدِيَّةٌ أُرْهِنَتْ فِيها الدَّنانِيرُ
العِيدُ: بَطْنٌ مِن مَهْرٍ، وإبِلٌ مَهَرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِالنَّجابَةِ، ويُقالُ، مِنَ الرَّهْنِ الَّذِي هو مِنَ التَّوْثِقَةِ: أرْهَنَ إرْهانًا، قالَ هَمّامُ بْنُ مُرَّةَ:
؎فَلَمّا خَشِيتُ أظافِيرَهم ∗∗∗ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكا
(p-٣٤٣)وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ، والزَّجّاجُ: يُقالُ في الرَّهْنِ رَهَنْتُ وأرْهَنْتُ، وقالَ الأعْشى:
؎حَتّى يُفِيدَكَ مِن بَنِيهِ رَهِينَةً ∗∗∗ نَعْشٌ ويَرْهَنُكَ السِّماكُ الفَرْقَدا
وتَقُولُ: رَهَنْتُ لِسانِي بِكَذا، ولا يُقالُ فِيهِ: أرْهَنْتُ، ولَمّا أُطْلِقَ الرَّهْنُ عَلى المَرْهُونِ صارَ اسْمًا، فَكُسِرَ تَكْسِيرَ الأسْماءِ وانْتَصَبَ بِفِعْلِهِ نَصْبَ المَفاعِيلِ، فَرَهَنْتُ رَهْنًا كَرَهَنْتُ ثَوْبًا. الإصْرُ: الأمْرُ الغَلِيظُ الصَّعْبُ، والآصِرَةُ في اللُّغَةِ: الأمْرُ الرّابِطُ مِن ذِمامٍ أوْ قَرابَةٍ، أوْ عَهْدٍ، ونَحْوُهُ، والإصارُ: الحَبْلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ الأحْمالُ ونَحْوُها، يُقالُ: أصَرَ يَأْصِرُ أصْرًا، والإصْرُ، بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، الِاسْمُ مِن ذَلِكَ، ورَوِيَ الأُصْرُ بِضَمِّها وقَدْ قُرِئَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يا مانِعَ الضَّيْمِ أنْ يَغْشى سَراتَهم ∗∗∗ والحامِلَ الإصْرَ عَنْهم بَعْدَما عَرِقُوا
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في السَّلَمِ خاصَّةً، يَعْنى: أنَّ سَلَمَ أهْلِ المَدِينَةِ كانَ السَّبَبَ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ جَمِيعَ الدُّيُونِ بِالإجْماعِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِتَرْكِ الرِّبا، وكِلاهُما يَحْصُلُ بِهِ تَنْقِيصُ المالِ، نَبَّهَ عَلى طَرِيقٍ حَلالٍ في تَنْمِيَةِ المالِ وزِيادَتِهِ، وأكَّدَ في كَيْفِيَّةِ حِفْظِهِ، وبَسَطَ في هَذِهِ الآيَةِ وأمَرَ فِيها بِعِدَّةِ أوامِرَ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ وإنْ كانَ مَفْهُومًا مِن: تَدايَنْتُمْ، أوْ لِإزالَةِ اشْتِراكِ تَدايَنَ، فَإنَّهُ يُقالُ: تُدايِنُوا، أيْ: جازى بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا قالَ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ دَلَّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، أوْ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِيَدُلَّ عَلى أيِّ دَيْنٍ كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، وعَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِن سَلَمٍ أوْ بَيْعٍ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لَيْسَ هَذا الوَصْفُ احْتِرازًا مِن أنَّ الدَّيْنَ لا يَكُونُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، بَلْ لا يَقَعُ الدَّيْنُ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَأمّا الآجالُ المَجْهُولَةُ فَلا يَجُوزُ، والمُرادُ بِالمُسَمّى المُوَقَّتُ المَعْلُومُ، نَحْوُ: التَّوْقِيتُ بِالسَّنَةِ والأشْهُرِ والأيّامِ، ولَوْ قالَ: إلى الحَصادِ، أوْ إلى الدِّياسِ، أوْ رُجُوعِ الحاجِّ، لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ، وإلى أجَلٍ، مُتَعَلِّقٌ: بِتَدايَنْتُمْ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
﴿فاكْتُبُوهُ﴾ أمَرَ تَعالى بِكِتابَتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أوْثَقُ وآمَنُ مِنَ النِّسْيانِ، وأبْعَدُ مِنَ الجُحُودِ، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ الطَّبَرِيُّ، وأهَّلُ الظّاهِرِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو أمْرُ نَدْبٍ يُحْفَظُ بِهِ المالُ، وتُزالُ بِهِ الرِّيبَةَ، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى الِاعْتِرافِ بِهِ وحِفْظِهِ، فَإنَّ الكِتابَ خَلِيفَةُ اللِّسانِ، واللِّسانَ خَلِيفَةُ القَلْبِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، والشَّعْبِيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ وقالَ الرَّبِيعُ وجَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ ثُمَّ خُفِّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] .
﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ وهَذا الأمْرُ قِيلَ: عَلى الوُجُوبِ عَلى الكِفايَةِ كالجِهادِ، قالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: يَجِبُ عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ عَلى كُلِّ حالٍ، وقالَ الشَّعْبِيُّ، أيْضًا: إذا لَمْ يُوجَدْ كاتِبٌ سِواهُ فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو واجِبٌ مَعَ الفَراغِ، واخْتارَ الرّاغِبُ أنَّ الصَّحِيحَ كَوْنُ الكِتابَةِ فَرْضًا عَلى الكِفايَةِ، وقالَ: الكِتابَةُ فِيما بَيْنَ المُتَبايِعَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً، فَقَدْ تَجِبُ عَلى الكاتَبِ إذا أتَوْهُ، كَما أنَّ الصَّلاةَ النّافِلَةَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلى فاعِلِها، فَقَدْ يَجِبُ عَلى العالِمِ تَبْيِينُها إذا أتاهُ مُسْتَفْتٍ.
ومَعْنى: بَيْنَكم، أيْ: بَيْنَ صاحِبِ الدَّيْنِ والمُسْتَدِينِ، والبائِعِ والمُشْتَرِي، والمُقْرِضِ والمُسْتَقْرِضِ، والتَّثْنِيَةُ تَقْتَضِي أنْ لا يَنْفَرِدَ أحَدُ المُتَعامِلِينَ؛ لِأنَّهُ يُتَّهَمُ في الكِتابَةِ، فَإذا كانَتْ واقِعَةً بَيْنَهُما كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُطَّلِعًا عَلى ما سَطَرَهُ الكاتِبُ.
* *
ومَعْنى: بِالعَدْلِ، أيْ: بِالحَقِّ والإنْصافِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ في قَلْبِهِ ولا في قَلَمِهِ مَيْلٌ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ.
واخْتُلِفَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿بِالعَدْلِ﴾ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالعَدْلِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿كاتِبٌ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ: بِكاتِبٍ مَأْمُونٍ عَلى ما يَكْتُبُ، يَكْتُبُ بِالسَّوِيَّةِ والِاحْتِياطِ، لا يَزِيدُ عَلى ما يَجِبُ أنْ يَكْتُبَ، ولا يَنْقُصُ، وفِيهِ أنْ يَكُونَ الكاتِبُ (p-٣٤٤)فَقِيهًا عالِمًا بِالشُّرُوطِ، حَتّى يَجِيءَ مَكْتُوبُهُ مُعَدَّلًا بِالشَّرْعِ، وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِتَخَيُّرِ الكاتِبِ، وأنْ لا يَسْتَكْتِبُوا إلّا فَقِيهًا دَيِّنًا.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ﴾ ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِكاتِبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَكْتُبَ وثِيقَةً إلّا العَدْلُ في نَفْسِهِ، وقَدْ يَكْتُبُها الصَّبِيُّ والعَبْدُ والمُتَحَوِّطُ إذا أقامُوا فِقْهَها، أمّا أنَّ المُنْتَخَبِينَ لِكَتْبِها لا يَجُوزُ لِلْوُلاةِ أنْ يَتْرُكُوهم إلّا عُدُولًا مَرْضِيِّينَ، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، أيْ: فَلْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبُ العَدْلِ.
وقالَ القَفّالُ في مَعْنى (بِالعَدْلِ): أنْ يَكُونَ ما يَكْتُبُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، لا يُرْفَعُ إلى قاضٍ فَيَجِدُ سَبِيلًا إلى إبْطالِهِ بِألْفاظٍ لا يَتَّسِعُ فِيها التَّأْوِيلُ، فَيَحْتاجُ الحاكِمُ إلى التَّوَقُّفِ، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿ولْيَكْتُبْ﴾ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ، والكَسْرُ الأصْلُ.
﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ نَهى الكاتِبُ عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ، و﴿كاتِبٌ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّهْيِ، فَتَعُمُّ، و(أنْ يَكْتُبَ) مَفْعُولُ (ولا يَأْبَ) ومَعْنى ﴿كَما عَلَّمَهُ﴾ اللَّهُ، أيْ: مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كِتابَةِ الوَثائِقِ، لا يُبَدِّلُ ولا يُغَيِّرُ، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى بَذْلِ جُهْدِهِ في مُراعاةِ شُرُوطِهِ مِمّا قَدْ لا يَعْرِفُهُ المُسْتَكْتِبُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى المِنَّةِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ. وقِيلَ: المَعْنى كَما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحَقِّ، فَيَكُونُ: عَلَّمَ، بِمَعْنى: أعْلَمَ، وقِيلَ: المَعْنى كَما فَضَّلَهُ اللَّهُ بِالكِتابِ، فَتَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِ ما فَضَّلَهُ اللَّهُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] أيْ: لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الكافِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ وتَتَعَلَّقَ الكافُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾، وهو قَلَقٌ لِأجْلِ الفاءِ، ولِأجْلِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ لَكانَ النَّظْمُ: فَلْيَكْتُبْ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيمِ ما هو مُتَأخِّرٌ في المَعْنى.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (كَما) مُتَعَلِّقًا بِما في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ﴾ أيْ: كَما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعِلْمِ الكِتابَةِ فَلا يَأْبَ هو، ولِيُفَضِلْ كَما أُفَضِلَ عَلَيْهِ، انْتَهى، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وتَكُونُ الكافُ في هَذا القَوْلِ لِلتَّعْلِيلِ، وإذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ﴾ نَهْيًا عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ، ثُمَّ أمَرَ بِتِلْكَ الكِتابَةِ، لا يُعْدَلُ عَنْها، أمْرَ تَوْكِيدٍ، وإذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ كانَ ذَلِكَ نَهْيًا عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ أمَرَ بِالكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ.
وقالَ الرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ: ﴿ولا يَأْبَ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ .
﴿فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ أيْ: فَلْيَكْتُبِ الكاتِبُ، ولْيُمْلِلْ مَن وجَبَ عَلَيْهِ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ هو المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِأنَّ الدَّيْنَ في ذِمَّتِهِ، والمُسْتَوْثِقُ مِنهُ بِالكِتابَةِ.
﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، فِيما يُمْلِيهِ ويُقَرِّبُهُ، وجُمِعَ بَيْنَ اسْمِ الذّاتِ وهو: اللَّهُ، وبَيْنَ هَذا الوَصْفِ الَّذِي هو: الرَّبُّ، وإنْ كانَ اسْمُ الذّاتِ مَنطُوقًا عَلى جَمِيعِ الأوْصافِ، لِيَذْكُرَهُ تَعالى كَوْنَهُ مُرَبِّيًا لَهُ، مُصْلِحًا لِأمْرِهِ، باسِطًا عَلَيْهِ نِعَمَهُ، وقُدِّمَ لَفْظُ (اللَّهَ) لِأنَّ مُراقَبَتَهُ مِن جِهَةِ العُبُودِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ أسْبَقُ مِن جِهَةِ النِّعَمِ.
﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَنْقُصْ بِالمُخادَعَةِ أوِ المُدافَعَةِ، والمَأْمُورُ بِالإمْلالِ هو المالِكُ لِنَفْسِهِ، وفَكُّ المُضاعَّفَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيُمْلِلِ﴾ لُغَةُ الحِجازِ، وذَلِكَ في ما سَكَنَ آخِرُهُ بِجَزْمٍ، نَحْوُ هَذا، أوْ وقْفٍ نَحْوُ: أمْلِلْ، ولا يُفَكُّ في رَفْعٍ ولا نَصْبٍ وقُرِئَ: شَيًّا، بِالتَّشْدِيدِ.
﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو الجاهِلُ بِالأُمُورِ والإمْلاءِ، وقالَ الحَسَنُ: الصَّبِيُّ والمَرْأةُ، وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: الصَّغِيرُ. وضُعِّفَ هَذا لِأنَّهُ قَدْ يَصْدُقُ السَّفِيهُ عَلى الكَبِيرِ، وذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى: أنَّهُ المُبَذِّرُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: المُبَذِّرُ لِمالِهِ المُفْسِدِ لِدِينِهِ، ورَوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُ الأحْمَقُ، وقِيلَ: الَّذِي يَجْهَلُ قَدْرَ المالِ فَلا يَمْتَنِعُ مِن تَبْذِيرِهِ ولا يَرْغَبُ في تَثْمِيرِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجاهِلُ بِالإسْلامِ.
﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ العاجِزُ، والأخْرَسُ، ومَن بِهِ حُمْقٌ، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: الأحْمَقُ. وذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى، وغَيْرُهُ: أنَّهُ الصَّغِيرُ. وقِيلَ: المَدْخُولُ العَقْلِ، النّاقِصُ الفِطْرَةِ. وقالَ الشَّيْخُ: الكَبِيرُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: العاجِزُ عَنِ الإمْلاءِ لِعَيٍّ أوْ لِخَرَسٍ.
(p-٣٤٥)﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَيٍّ أوْ خَرَسٍ أوْ غَيْبَةٍ، وقِيلَ: بِجُنُونٍ، وقِيلَ: بِجَهْلٍ بِما لَهُ أوْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لِصِغَرٍ، والَّذِي يَظْهَرُ تَبايُنُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، فَمَن زَعَمَ زِيادَةَ (أوْ) في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ أوْ زِيادَتَها في هَذا، وفي قَوْلِهِ: ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ﴾ فَقَوْلُهُ ساقِطٌ؛ إذْ (أوْ) لا تُزادُ، وأنَّ السَّفَهَ هو تَبْذِيرُ المالِ والجَهْلُ بِالتَّصَرُّفِ، وأنَّ الضَّعْفَ هو في البَدَنِ لِصِغَرٍ أوْ إفْراطِ شَيْخٍ يَنْقُصُ مَعَهُ التَّصَرُّفُ، وأنَّ عَدَمَ اسْتِطاعَتِهِ الإمْلاءَ لِعَيٍّ أوْ خَرَسٍ؛ لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ هي القُدْرَةُ عَلى الإمْلالِ، وهَذا الشَّرْحُ أكْثَرُهُ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى ثَلاثَةَ أنْواعٍ تَقَعُ نَوازِلُهم في كُلِّ زَمانٍ، ويَتَرَتَّبُ الحَقُّ لَهم في كُلِّ جِهاتٍ سِوى المُعامَلاتِ: كالمَوارِيثِ إذا قُسِّمَتْ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والسَّفِيهُ المُهَلْهَلِ الرَّأْيِ في المالِ الَّذِي لا يُحْسِنُ الأخْذَ والإعْطاءَ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَخْلُو مِن حَجْرِ ولِيٍّ أوْ وصِيٍّ، وذَلِكَ ولَيُّهُ. والضَّعِيفُ المَدْخُولُ العَقْلِ النّاقِصُ الفِطْرَةِ، ووَلِيُّهُ وصِيٌّ أوْ أبٌ، والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو الغائِبَ عَنْ مَوْضِعِ الإشْهادِ إمّا لِمَرَضٍ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، ووَلِيُّهُ وكِيلُهُ، والأخْرَسُ مِنَ الضُّعَفاءِ، والأوْلى أنَّهُ مِمَّنْ لا يَسْتَطِيعُ، ورُبَّما اجْتَمَعَ اثْنانِ أوِ الثَّلاثَةُ في شَخْصٍ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وهو تَوْكِيدُ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنُ في: أنْ يُمِلَّ، وفِيهِ مِنَ الفَصاحَةِ ما لا يَخْفى؛ لِأنَّ في التَّأْكِيدِ بِهِ رَفْعُ المَجازِ الَّذِي كانَ يَحْتَمِلُهُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ، والتَّنْصِيصُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِنَفْسِهِ.
وقُرِئَ شاذًّا بِإسْكانِ هاءِ (هو) وإنْ كانَ قَدْ سَبَقَها ما يَنْفَصِلُ؛ إجْراءً لِلْمُنْفَصِلِ مَجْرى المُتَّصِلِ بِالواوِ والفاءِ واللّامِ، نَحْوُ: وهو، فَهو، لَهو، وهَذا أشَذُّ مِن قِراءَةِ مَن قَرَأ: (ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ) لِأنَّ ثُمَّ شارَكَتْ في كَوْنِهِ لِلْعَطْفِ، وأنَّها لا يُوقَفُ عَلَيْها فَيَتِمُّ المَعْنى.
﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿ولِيُّهُ﴾ عائِدٌ عَلى أحَدِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنَ عَطِيَّةَ لِلْوَلِيِّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي يَلِي أمْرَهُ مِن وصِيٍّ إنْ كانَ سَفِيهًا أوْ صَبِيًّا، أوْ وكِيلٍ إنْ كانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ، أوْ تُرْجُمانَ يُمِلُّ عَنْهُ، وهو يُصَدِّقُهُ، وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ولِيِّهِ يَعُودُ عَلى الحَقِّ، فَيَكُونُ الوَلِيُّ هو الَّذِي لَهُ الحَقُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَّبِيعِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَيْفَ تَشْهَدُ البَيِّنَةُ عَلى شَيْءٍ ويُدْخِلُ مالًا في ذِمَّةِ السَّفِيهِ، بِإمْلاءِ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ، هَذا شَيْءٌ لَيْسَ في الشَّرِيعَةِ.
قالَ الرّاغِبُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ولِيَّ الحَقِّ كَما قالَ بَعْضُهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ لا يُؤَثِّرُ إذْ هو مُدَّعٍ.
و(بِالعَدْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْحالِ، وفي قَوْلِهِ: (بِالعَدْلِ) حَثٌّ عَلى تَحَرِّيهِ لِصاحِبِ الحَقِّ، والمَوْلى عَلَيْهِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ الحَجْرِ عَلى الصَّغِيرِ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى جَوازِ تَصَرُّفِ السَّفِيهِ، وعَلى قِيامِ وِلايَةِ التَّصَرُّفاتِ لَهُ في نَفْسِهِ وأمْوالِهِ.
* *
﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: اطْلُبُوا لِلْإشْهادِ شَهِيدَيْنِ، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ لِلطَّلَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُوافِقَةُ أفْعَلَ أيْ: وأشْهِدُوا، نَحْوُ: اسْتَيْقَنَ مُوافِقُ أيْقَنَ، واسْتَعْجَلَهُ بِمَعْنى أعْجَلَهُ، ولَفَظُ شَهِيدٍ، لِلْمُبالَغَةِ، وكَأنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَسْتَشْهِدُوا مَن كَثُرَتْ مِنهُ الشَّهادَةُ، فَهو عالِمٌ بِمَواقِعِ الشَّهادَةِ وما يَشْهَدُ فِيهِ لِتَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهُ، فَأُمِرُوا بِطَلَبِ الأكْمَلِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى العَدالَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنَ الشَّخْصِ عِنْدَ الحُكّامِ إلّا وهو مَقْبُولٌ عِنْدَهم.
﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهُمُ المُصَدَّرُ بِهِمُ الآيَةُ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ الكافِرُ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَهادَةِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وأجازَ ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ، وإنِ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهم، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى اشْتِراطِ البُلُوغِ، واشْتِراطِ الذُّكُورَةِ في الشّاهِدَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ: يَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ، وهو مَذْهَبُ شُرَيْحٍ، وابْنِ سِيرِينَ، وابْنِ شُبْرُمَةَ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ، وقِيلَ عَنْهُ: يَجُوزُ شَهادَتُهُ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: شَهادَةُ العَبْدِ عَلى العَبْدِ جارِيَةٌ جائِزَةٌ، ورَوى المُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ كانَ يُجِيزُ شَهادَةَ المَمْلُوكِ في الشَّيْءِ التّافِهِ، ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: ما أعْلَمُ أنَّ أحَدًا رَدَّ شَهادَةَ العَبْدِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (p-٣٤٦)أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، وابْنُ شُبْرُمَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، ومالِكٌ، وابْنُ صالِحٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والشّافِعِيُّ: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ العَبْدِ في شَيْءٍ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَهادَةَ الصِّبْيانِ لا تُعْتَبَرُ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ الثَّلاثَةُ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، والشّافِعِيُّ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: تَجُوزُ شَهادَةُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، قالَ مالِكٌ: تَجُوزُ شَهادَتُهم في الجِراحِ وحْدَها بِشُرُوطٍ ذُكِرَتْ عَنْهُ في كُتُبِ الفِقْهِ.
وظاهِرُ الآيَةِ اشْتِراطُ الرُّجُولِيَّةِ فَقَطْ في الشّاهِدَيْنِ، فَلَوْ كانَ الشّاهِدُ أعْمى، فَفي جَوازِ شَهادَتِهِ خِلافٌ، ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ بِحالٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرِ، وإياسِ ابْنِ مُعاوِيَةَ، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو يُوسُفَ، والشّافِعِيُّ: إذا عَلِمَ قَبْلَ العَمى جازَتْ، أوْ بَعْدَهُ فَلا. وقالَ زُفَرُ: لا يَجُوزُ إلّا في النَّسَبِ يَشْهَدُ أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ، وقالَ شُرَيْحٌ والشَّعْبِيُّ: شَهادَتُهُ جائِزَةٌ، وقالَ مالِكٌ: يَجُوزُ وإنْ عَلِمَهُ حالَ العَمى إذا عَرَفَ الصَّوْتَ في الطَّلاقِ والإقْرارِ ونَحْوِهِ، وإنْ شَهِدَ بِزِنا أوْ حَدِّ قَذْفٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ، ولَوْ كانَ الشّاهِدُ أخْرَسَ، فَقِيلَ: تُقْبَلُ شَهادَتُهُ بِإشارَةٍ، وسَواءٌ كانَ طارِئًا أمْ أصْلِيًّا، وقِيلَ: لا تُقْبَلُ. وإنْ كانَ أصَمَّ، فَلا تُقْبَلُ في الأقْوالِ، وتُقْبَلُ فِيما عَدا ذَلِكَ مِنَ الحَواسِّ.
ولَوْ شَهِدَ بَدَوِيٌّ عَلى قَرَوِيٍّ، فَرَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ أنَّها لا تَجُوزُ إلّا في الجِراحِ، ورَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ: لا تَجُوزُ في الحَضَرِ إلّا في وصِيَّةِ القَرَوِيِّ في السَّفَرِ وفي البَيْعِ.
﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَّهِيدَيْنِ أيْ: فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشَّهِيدانِ رَجُلَيْنِ، والمَعْنى أنَّهُ: إنْ أغْفَلَ ذَلِكَ صاحِبُ الحَقِّ، أوْ قَصَدَ أنْ لا يَشْهَدَ رَجُلَيْنِ لِغَرَضٍ لَهُ، وكانَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ناقِصَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: بَلِ المَعْنى: فَإنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلانِ، ولا يَجُوزُ اسْتِشْهادُ المَرْأتَيْنِ إلّا مَعَ عَدَمِ الرِّجالِ، وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى اعْتِقادِ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَكُونا﴾ عائِدٌ عَلى شَهِيدَيْنِ، بِوَصْفِ الرُّجُولِيَّةِ، وتَكُونُ كانَ تامَّةً، ويَكُونُ (رَجُلَيْنِ) مَنصُوبًا عَلى الحالِ المُؤَكَّدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] عَلى أحْسَنِ الوَجْهَيْنِ.
﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ ارْتِفاعُ رَجُلٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالشّاهِدُ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَشْهَدُونَ، أوْ فاعِلٌ، أيْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ، أوْ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: فَلْيُسْتَشْهَدْ، وقِيلَ: المَحْذُوفُ فَلْيَكُنْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تامَّةً، فَيَكُونُ رَجُلٌ فاعِلًا، وأنْ تَكُونَ ناقِصَةً، ويَكُونُ خَبَرُها مَحْذُوفًا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أصْحابَنا لا يُجِيزُونَ حَذْفَ خَبَرِ كانَ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا. وقُرِئَ شاذًّا ﴿وامْرَأتانِ﴾ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وهو عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ويُمْكِنُ أنْ سَكَّنَها تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ تَوالِي الحَرَكاتِ وجاءَ نَظِيرُ تَخْفِيفِ هَذِهِ الهَمْزَةِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎يَقُولُونَ جَهْلًا لَيْسَ لِلشَّيْخِ عَيِّلٌ لَعَمْرِي لَقَدْ أعْيَلْتُ وأنَّ رَقُوبُ
يُرِيدُ: وأنا رَقُوبٌ، قِيلَ: خَفَّفَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ألِفًا ثُمَّ هَمْزَةً بَعْدَ ذَلِكَ، قالُوا: الخَأتَمُ، والعَأْمُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازُ شَهادَةِ المَرْأتَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ في سائِرِ عُقُودِ المُدايَناتِ، وهي كُلُّ عَقْدٍ وقَعَ عَلى دَيْنٍ سَواءٌ كانَ بَدَلًا أمْ بُضْعًا، أمْ مَنافِعَ أمْ دَمَ عَمْدٍ، فَمَنِ ادَّعى خُرُوجَ شَيْءٍ مِنَ العُقُودِ مِنَ الظّاهِرِ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ في غَيْرِ الأمْوالِ، ولا يَجُوزُ في الوَصِيَّةِ إلّا الرَّجُلُ، ويَجُوزُ في الوَصِيَّةِ بِالمالِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ في الوَصِيَّةِ والعِتْقُ، ولا تَجُوزُ في النِّكاحِ ولا الطَّلاقِ ولا قَتْلِ العَمْدِ الَّذِي يُقادُ مِنهُ. وقالالأوْزاعِيُّ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ في نِكاحٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ: لا تَجُوزُ شَهادَتُهُنَّ في الحُدُودِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: تَجُوزُ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا الحُدُودَ. وقالَ مالِكٌ: لا تَجُوزُ في الحُدُودِ ولا القِصاصِ، ولا الطَّلاقِ ولا النِّكاحِ، ولا الأنْسابِ ولا الوَلاءِ ولا الإحْصانِ، وتَجُوزُ في الوِكالَةِ والوَصِيَّةِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها عِتْقٌ. وقالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ: لا تَجُوزُ (p-٣٤٧)شَهادَتُهُنَّ إلّا في الدَّيْنِ. وقالَ عُمَرُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ في الطَّلاقِ. وقالَ شُرَيْحٌ: تَجُوزُ في العِتْقِ، وقالَ عُمَرُ، وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: تَجُوزُ شَهادَةُ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ في النِّكاحِ. وقالَ عَلِيٌّ تَجُوزُ في العَقْدِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ في الحُدُودِ والقِصاصِ، وتُقْبَلُ فِيما سِوى ذَلِكَ مِن سائِرِ الحُقُوقِ. وأدِلَّةُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.
وأمّا قَبُولُ شَهادَتِهِنَّ مُفْرَداتٍ فَلا خِلافَ في قَبُولِها في: الوِلادَةِ، والبَكارَةِ، والِاسْتِهْلالِ، وفي عُيُوبِ النِّساءِ الإماءِ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ مِمّا هو مَخْصُوصٌ بِالنِّساءِ، وأجازَ أبُو حَنِيفَةَ شَهادَةَ الواحِدَةِ العَدْلَةِ في رُؤْيَةِ الهِلالِ، إذْ هو عِنْدَهُ مِن بابِ الإخْبارِ، وكَذَلِكَ شَهادَةُ القابِلَةِ مُفْرَدَةٌ.
﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ قِيلَ: هَذا في مَوْضِعِ الصَّفِّ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (رِجالِكم) عَلى تَكْرِيرِ العامِلِ، وهُما ضَعِيفانِ؛ لِأنَّ الوَصْفَ يُشْعِرُ بِاخْتِصاصِهِ بِالمَوْصُوفِ، فَيَكُونُ قَدِ انْتَفى هَذا الوَصْفُ عَنْ شَهِيدَيْنِ، ولِأنَّ البَدَلَ يُؤْذِنُ بِالِاخْتِصاصِ بِالشَّهِيدَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَعَرِيَ عَنْهُ (رَجُلٌ وامْرَأتانِ) والَّذِي يَظْهُرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (واسْتَشْهِدُوا) أيْ: واسْتَشْهِدُوا مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ، لِيَكُونَ قَيْدًا في الجَمِيعِ، ولِذَلِكَ جاءَ مُتَأخِّرًا بَعْدَ ذِكْرِ الجَمِيعِ، والخِطابُ في ﴿تَرْضَوْنَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ في الشُّهُودِ مَن لا يَرْضى، فَيَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَحْمُولِينَ عَلى العَدالَةِ حَيْثُ تَثْبُتُ لَهم. وقالَ ابْنُ بِكِيرٍ وغَيْرُهُ: الخِطابُ لِلْحُكّامِ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ الظّاهِرُ، وإنْ كانَ المُتَلَبِّسُ بِهَذِهِ القَضايا هُمُ الحُكّامُ، ولَكِنْ يَجِيءُ الخِطابُ عامًّا ويَتَلَبَّسُ بِهِ بَعْضُ النّاسِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِأصْحابِ الدَّيْنِ.
واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أهْلِ الفَضْلِ والدِّينِ والكَفاءَةِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: مِمَّنْ لَمْ يَطْعَنْ في فَرْجٍ ولا بَطْنٍ، وفَسَّرَ قَوْلُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَقْذِفِ امْرَأةً ولا رَجُلًا، ولَمْ يَطْعَنْ في نَسَبٍ. ورُوِيَ: مَن لَمْ يُطْعَنْ عَلَيْهِ في فَرْجٍ ولا بَطْنٍ، ومَعْناهُ: لا يُنْسَبُ إلى رِيبَةٍ، ولا يُقالُ: إنَّهُ ابْنُ زِنا. وقالَ الحَسَنُ: مَن لَمْ تُعْرَفْ لَهُ خَرِبَةٌ. وقالَ النَّخَعِيُّ: مَن لا رِيبَةَ فِيهِ. وقالَ الخَصّافُ: مَن غَلَبَتْ حَسَناتُهُ سَيِّآتِهِ مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ.
وقِيلَ: المَرَضِيُّ مِنَ الشُّهُودِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ عَشْرُ خِصالٍ: أنْ يَكُونَ حُرًّا، بالِغًا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، عالِمًا بِما يَشْهَدُ بِهِ، لا يَجُرُّ بِشَهادَتِهِ مَنفَعَةً لِنَفْسِهِ، ولا يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً، ولا يَكُونُ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الغَلَطِ، ولا بِتَرْكِ المُرُوءَةِ، ولا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَشْهَدُ عَلَيْهِ عَداوَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences