Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:36–39

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:36–39

2:36–39Page 6

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧

Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

أزَلَّ: مِنَ الزَّلَلِ، وهو عُثُورُ القَدَمِ. يُقالُ: زَلَّتْ قَدَمُهُ، وزَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ. والزَّلَلُ في الرَّأْيِ والنَّظَرِ مَجازٌ، وأزالَ: مِنَ الزَّوالِ، وأصْلُهُ التَّنْحِيَةُ. والهَمْزَةُ في كِلا الفِعْلَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ. الهُبُوطُ: هو النُّزُولُ، مَصْدَرُ هَبَطَ، ومُضارِعُهُ يَهْبِطُ ويَهْبُطُ بِكَسْرِ الباءِ وضَمِّها، والهَبُوطُ بِالفَتْحِ: مَوْضِعُ النُّزُولِ. وقالَ المُفَضَّلُ: الهَبُوطُ: الخُرُوجُ عَنِ البَلْدَةِ، وهو أيْضًا الدُّخُولُ فِيها مِنَ الأضْدادِ، ويُقالُ في انْحِطاطِ المَنزِلَةِ مَجازًا، ولِهَذا قالالفَرّاءُ: الهَبُوطُ: الذُّلُّ، قالَ لَبِيدٌ:

؎إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا يَوْمًا وإنْ أمِرُوا

بَعْضٌ: أصْلُهُ مَصْدَرُ بَعَضَ يَبْعَضُ بَعْضًا، أيْ قَطَعَ، ويُطْلَقُ عَلى الجُزْءِ، ويُقابِلُهُ كُلُّ، وهُما مَعْرِفَتانِ لِصُدُورِ الحالِ مِنهُما في فَصِيحِ الكَلامِ، قالُوا: مَرَرْتُ بِبَعْضٍ قائِمًا، وبِكُلٍّ جالِسًا، ويُنْوى فِيهِما الإضافَةُ، فَلِذَلِكَ لا تَدْخُلَ عَلَيْهِما الألِفُ واللّامُ، ولِذَلِكَ خَطَّأُوا أبا القاسِمِ الزَّجّاجِيَّ في قَوْلِهِ: ويُبْدَلُ البَعْضُ مِنَ الكُلِّ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى بَعْضٍ إذا أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، مُفْرَدًا ومَجْمُوعًا. وكَذَلِكَ الخَبَرُ والحالُ والوَصْفُ يَجُوزُ إفْرادُهُ إذْ ذاكَ وجَمْعُهُ.

العَدُوُّ: مِنَ العَداوَةِ، وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ، (p-١٦٠)يُقالُ: عَدا فُلانٌ طَوْرَهُ: إذا جاوَزَهُ، وقِيلَ: العَداوَةُ، التَّباعُدُ بِالقُلُوبِ مِن عُدْوَيِ الجَبَلِ، وهُما طَرَفاهُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما، وقِيلَ: مِن عَدا، أيْ ظَلَمَ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. والعَدُوُّ يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وقَدْ جُمِعَ فَقِيلَ: أعْداءٌ، وقَدْ أُنِّثَ فَقالُوا: عَدُوَّةٌ، ومِنهُ: أيْ عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ. وقالَ الفَرّاءُ: قالَتِ العَرَبُ لِلْمَرْأةِ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، وطَرَحَ بَعْضُهُمُ الهاءَ. المُسْتَقَرُّ: مُسْتَفْعَلٌ مِنَ القَرارِ، وهو اللُّبْثُ والإقامَةُ، ويَكُونُ مَصْدَرًا وزَمانًا ومَكانًا؛ لِأنَّهُ مِن فِعْلٍ زائِدٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفِ، فَيَكُونُ لِما ذُكِرَ بِصُورَةِ المَفْعُولَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الأرْضُ: القَرارَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ

واسْتَفْعَلَ فِيهِ: بِمَعْنى فَعَلَ، اسْتَقَرَّ وقَرَّ بِمَعْنًى. المَتاعُ: البُلْغَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن مَتَعَ النَّهارُ: إذا ارْتَفَعَ، فَيَنْطَلِقُ عَلى ما يَتَحَصَّلُ لِلْإنْسانِ مِن عَرَضَ الدُّنْيا، ويُطْلَقُ عَلى الزّادِ وعَلى الِانْتِفاعِ بِالنِّساءِ، ومِنهُ، ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ونِكاحُ المُتْعَةِ، وعَلى الكُسْوَةِ، (ومَتِّعُوهُنَّ)، وعَلى التَّعْمِيرِ ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣]، قالُوا: ومِنهُ أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، أيْ أطالَ اللَّهُ الإيناسَ بِكَ، وكُلُّهُ راجِعٌ لِمَعْنى البُلْغَةِ.

الحِينُ: الوَقْتُ والزَّمانُ، ولا يَتَخَصَّصُ بِمُدَّةٍ، بَلْ وُضِعَ المُطْلَقُ مِنهُ. تَلَّقّى: تَفَعَّلَ مِنَ اللِّقاءِ، نَحْوَ تَعَدّى مِنَ العَدْوِ، قالُوا: أوْ بِمَعْنى اسْتَقْبَلَ، ومِنهُ: تَلَقّى فُلانٌ فُلانًا اسْتَقْبَلَهُ. ويَتَلَقّى الوَحْيَ: أيْ يَسْتَقْبِلُهُ ويَأْخُذُهُ ويَتَلَقَّفُهُ، وخَرَجْنا نَتَلَقّى الحَجِيجَ: نَسْتَقْبِلُهم، وقالَ الشَّمّاخُ:

؎إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عُرابَةُ بِاليَمِينِ

وقالَ القَفّالُ: التَّلَقِّي: التَّعَرُّضُ لِلِّقاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ مَوْضِعَ القَبُولِ والأخْذِ، ومِنهُ وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ، تَلَقَّيْتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن فُلانٍ: أخَذْتُها مِنهُ. الكَلِمَةُ: اللَّفْظَةُ المَوْضُوعَةُ لِمَعْنى، والكَلِمَةُ: الكَلامُ، والكَلِمَةُ: القَصِيدَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى الكَلِمَةِ والكَلامِ، ويُجْمَعُ بِحَذْفِ التّاءِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، نَحْوَ: نَبْقَةٍ ونَبْقٍ. التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ، تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً ومَتابًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى ضُمِّنَ مَعْنى العَطْفِ. تَبِعَ: بِمَعْنى لَحِقَ، وبِمَعْنى تَلا، وبِمَعْنى اقْتَدى. والخَوْفُ: الفَزَعُ، خافَ يَخافُ خَوْفًا وتَخَوَّفَ تَخَوُّفًا، فَأفْزَعَ، ويَتَعَدّى بِالهَمْزِ وبِالتَّضْعِيفِ، ويَكُونُ لِلْأمْرِ المُسْتَقْبَلِ. وأصْلُ الحُزْنِ: غِلَظُ الهَمِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحُزْنِ: وهو ما غَلُظَ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ: حَزِنَ يَحْزَنُ حُزْنًا وحَزَنًا، ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ وبِالفُتْحَةِ، نَحْوَ: شُتِرَتْ عَيْنُ الرَّجُلِ، وشَتَرَها اللَّهُ، وفي التَّعْدِيَةِ بِالفَتْحَةِ خِلافٌ، ويَكُونُ لِلْأمْرِ الماضِي. الآيَةُ: العَلامَةُ، ويَجْمَعُ آيًا وآياتٍ، قالَ النّابِغَةُ:

؎تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ

ووَزْنُها عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: فَعْلَةٌ، فَأُعِلَّتِ العَيْنُ وسَلِمَتِ اللّامُ شُذُوذًا والقِياسُ العَكْسُ. وعِنْدَ الكِسائِيِّ: فاعِلَةٌ، حُذِفَتِ العَيْنُ لِئَلّا يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ الإدْغامِ ما لَزِمَ في دابَّةٍ، فَتَثْقُلُ، وعِنْدَ الفَرّاءِ: فَعْلَةٌ، فَأُبْدِلَتِ العَيْنُ ألِفًا اسْتِثْقالًا لِلتَّضْعِيفِ، كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِيوانٍ، وعِنْدَ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: فِعْلَةٌ: اسْتُثْقِلَ التَّضْعِيفُ فَقُلِبَتِ الفاءُ الأُولى ألِفًا؛ لِانْكِسارِها وتَحَرُّكِ ما قَبْلَها، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُنْهى الكَلامُ عَلَيْها في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. الصُّحْبَةُ: الِاقْتِرانُ، صَحِبَ يَصْحَبُ، والأصْحابُ: جَمْعُ صاحِبٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى أفْعالٍ شاذٌّ، والصُّحْبَةُ والصَّحابَةُ: أسْماءُ جُمُوعٍ، وكَذا صَحِبَ عَلى الأصَحِّ خِلافًا لِلْأخْفَشِ، وهي لِمُطْلَقِ الِاقْتِرانِ في زَمانٍ ما.

﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾: الهَمْزَةُ: كَما تَقَدَّمَ في (أزَلَّ) لِلتَّعْدِيَةِ، والمَعْنى: جَعَلَهُما زَلّا بِإغْوائِهِ وحَمَلَهَما عَلى أنْ زَلّا وحَصَلا في الزَّلَّةِ، هَذا أصْلُ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. وقَدْ تَأْتِي بِمَعْنى جَعَلَ أسْبابَ الفِعْلِ، فَلا يَقَعُ إذْ ذاكَ الفِعْلُ. تَقُولُ: أضْحَكْتُ زَيْدًا فَما ضَحِكَ وأبْكَيْتُهُ فَما بَكى، أيْ جَعَلْتُ لَهُ أسْبابَ الضَّحِكِ وأسْبابَ البُكاءِ فَما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ضَحِكُهُ ولا بُكاؤُهُ، والأصْلُ هو الأوَّلُ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حالِ مَتْنِهِ ∗∗∗ كَما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بِالمُتَنَزِّلِ

(p-١٦١)مَعْناهُ فِيما يَشْرَحُ الشُّرّاحُ، يَزِلُّ اللِّبْدُ: يَزْلِقُهُ عَنْ وسَطِ ظَهْرِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:

؎يَزِلُّ الغُلامُ الخُفَّ عَنْ صَهَواتِهِ

أيْ يَزْلِقُهُ.

وقِيلَ (أزَلَّهُما) أبْعَدَهُما. تَقُولُ: زَلَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، وزَلَّ عَنِّي ذاكَ، وزَلَّ مِنَ الشَّهْرِ كَذا؛ أيْ: ذَهَبَ وسَقَطَ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الزَّلَّةَ هي سُقُوطٌ في المَعْنى، إذْ فِيها خُرُوجُ فاعِلِها عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وبُعْدُهُ عَنْها. فَهَذا جاءَ عَلى الأصْلِ مِن تَعْدِيَةِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وحَمْزَةُ: فَأزالَهُما، ومَعْنى الإزالَةِ: التَّنْحِيَةُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ إمالَةُ فَأزالَهُما.

والشَّيْطانُ: هو إبْلِيسُ بِلا خِلافٍ هُنا. وحَكَوْا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ، فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ عَنْها، وهَذِهِ القِراءَةُ مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا، وكَذا ما ورَدَ عَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ مِمّا خالَفَ سَوادَ المُصْحَفِ. وأكْثَرُ قِراءاتِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّما تُنْسَبُ لِلشِّيعَةِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ عُلَمائِنا: إنَّهُ صَحَّ عِنْدَنا بِالتَّواتُرِ قِراءَةُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى غَيْرِ ما يُنْقَلُ عَنْهُ مِمّا وافَقَ السَّوادَ، فَتِلْكَ إنَّما هي آحادٌ، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها، فَلا تُعارِضُ ما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ.

وفِي كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِ إبْلِيسَ إلى إغْوائِهِما حَتّى أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ أقاوِيلُ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: شافَهَهُما بِدَلِيلِ (وقاسَمَهُما) قِيلَ: فَدَخَلَ إبْلِيسُ الجَنَّةَ عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقِيلَ: دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ. وذَكَرُوا كَيْفَ كانَتْ خِلْقَةُ الحَيَّةِ وما صارَتْ إلَيْهِ، وكَيْفَ كانَتْ مُكالَمَةُ إبْلِيسَ لِآدَمَ. وقَدْ قَصَّها اللَّهُ تَعالى أحْسَنَ القَصَصِ وأصْدَقَهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها. وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْ إبْلِيسُ الجَنَّةَ، بَلْ كانَ يَدْنُو مِنَ السَّماءِ فَيُكَلِّمُهُما. وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ فَنادى، وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسُلْطانِهِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» . وقِيلَ: خاطَبَهُ مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَصْعَدْ إلى السَّماءِ بَعْدَ الطَّرْدِ واللَّعْنِ، وكانَ خِطابُهُ وسْوَسَةً، وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في نَقْلِ قَصَصٍ كَثِيرٍ في قِصَّةِ آدَمَ وحَوّاءَ والحَيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ، وتَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ حالِهِ حِينَ أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، أكانَ ذَلِكَ في حالِ التَّعَمُّدِ، أمْ في حالِ غَفْلَةِ الذِّهْنِ عَنِ النَّهْيِ بِنِسْيانٍ، أمْ بِسُكْرٍ مِن خَمْرِ الجَنَّةِ، كَما ذَكَرُوا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وما أظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] إلّا إنْ كانَتِ الجَنَّةُ في الأرْضِ، عَلى ما فَسَّرَهُ بَعْضُهم، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَمْرُها بِسُكْرٍ. والَّذِينَ قالُوا بِالعَمْدِ، قالُوا: كانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ مِنَ الفَزَعِ عِنْدَ إقْدامِهِ ما صَيَّرَ هَذا الفِعْلَ صَغِيرَةً. وقِيلَ: فَعَلَهُ اجْتِهادًا، وخالَفَ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ أنَّ الإشارَةَ إلى الشَّخْصِ لا إلى النَّوْعِ، فَتَرَكَها وأكَلَ أُخْرى. والِاجْتِهادُ في الفُرُوعِ لا يُوجِبُ العِقابَ. وقِيلَ كانَ الأكْلُ كَبِيرَةً، وقِيلَ: أتاهُما إبْلِيسُ في غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفانِها، فَلَمْ يَعْرِفاهُ، وحَلِفَ لَهُما أنَّهُ ناصِحٌ. وقِيلَ: نَسِيَ عَداوَةَ إبْلِيسَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ آدَمُ (ولا تَقْرَبا) أنَّهُ نَهْيٌ عَنِ القُرْبانِ مُجْتَمِعِينَ، وأنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ أنْ يَقْرَبَ، والَّذِي يُسْلَكُ فِيما اقْتَضى ظاهِرُهُ بَعْضَ مُخالَفَةٍ: تَأْوِيلُهُ عَلى أحْسَنِ مَحْمَلٍ، وتَنْزِيهُ الأنْبِياءِ عَنِ النَّقائِصِ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ما يَرِدُ مِن ذَلِكَ، وتَأْوِيلُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ، إنْ شاءَ اللَّهُ.

وفِي (المُنْتَخَبِ) لِلْإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيِّ ما مُلَخَّصُهُ: مَنَعَتِ الأُمَّةُ وُقُوعَ الكُفْرِ مِنَ الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا الفَضِيلِيَّةَ مِنَ الخَوارِجِ، قالُوا: وقَدْ وقَعَ مِنهم ذُنُوبٌ، والذَّنْبُ عِنْدَهم كُفْرٌ، وأجازَ الإمامِيَّةُ إظْهارَ الكُفْرِ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، واجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، فَلا يَجُوزُ عَمْدًا ولا سَهْوًا، ومِنَ النّاسِ مِن جَوَّزَ ذَلِكَ سَهْوًا، وأجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ خَطَئِهِمْ في الفُتْيا عَمْدًا واخْتَلَفُوا في السَّهْوِ. وأمّا أفْعالُهم فَقالَتِ الحَشَوِيَّةُ: يَجُوزُ وُقُوعُ الكَبائِرِ مِنهم عَلى جِهَةِ العَمْدِ. وقالَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ بِجَوازِ الصَّغائِرِ عَمْدًا إلّا في القَوْلِ، كالكَذِبِ. وقالَ الجُبّائِيُّ: يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ إلّا عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ. وقِيلَ: (p-١٦٢)يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ، إلّا عَلى جِهَةِ السَّهْوِ والخَطَأِ، وهم مَأْخُوذُونَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ مَوْضُوعًا عَنْ أُمَّتِهِمْ. وقالَتِ الرّافِضَةُ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ جِهَةٍ. واخْتُلِفَ في وقْتِ العِصْمَةِ فَقالَتِ الرّافِضَةُ: مِن وقْتِ مَوْلِدِهِمْ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: مِن وقْتِ النُّبُوَّةِ. والمُخْتارُ عِنْدَنا: أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ذَنْبٌ حالَةَ النُّبُوَّةِ ألْبَتَّةَ، لا الكَبِيرَةَ ولا الصَّغِيرَةَ؛ لِأنَّهم لَوْ صَدَرَ عَنْهُمُ الذَّنْبُ لَكانُوا أقَلَّ دَرَجَةٍ مِن عُصاةِ الأُمَّةِ، لِعَظِيمِ شَرَفِهِمْ، وذَلِكَ مُحالٌ. ولِئَلّا يَكُونُوا غَيْرَ مَقْبُولِي الشَّهادَةِ، ولِئَلّا يَجِبُ زَجْرُهم وإيذاؤُهم، ولِئَلّا يُقْتَدى بِهِمْ في ذَلِكَ، ولِئَلّا يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ، ولِئَلّا يَفْعَلُونَ ضِدَّ ما أمَرُوا بِهِ؛ لِأنَّهم مُصْطَفَوْنَ، ولِأنَّ إبْلِيسَ اسْتَثْناهم في الإغْواءِ. انْتَهى ما لَخَّصْناهُ مِنَ المُنْتَخَبِ.

والقَوْلُ في الدَّلائِلِ لِهَذِهِ المَذاهِبِ، وفي إبْطالِ ما يَنْبَغِي إبْطالُهُ مِنها مَذْكُورٌ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ.

عَنْها: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَّجَرَةِ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ. والمَعْنى: فَحَمَلَهُما الشَّيْطانُ عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها. وتَكُونُ (عَنْ) إذْ ذاكَ لِلسَّبَبِ، أيْ أصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما عَنِ الشَّجَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّها أوَّلُ مَذْكُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ وغَيْرِهِ: فَأزالَهُما، إذْ يَبْعُدُ فَأزالَهُما الشَّيْطانُ عَنِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الطّاعَةِ، قالُوا: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، إلّا عَلى ما يُفْهَمُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: (ولا تَقْرَبا) لِأنَّ المَعْنى: أطِيعانِي بِعَدَمِ قُرْبانِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِنَ التَّفَكُّهِ والرَّفاهِيَةِ والتَّبَوُّءِ مِنَ الجَنَّةِ، حَيْثُ شاءا، ومَتى شاءا، وكَيْفَ شاءا بِدَلِيلِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى السَّماءِ وهو بَعِيدٌ.

﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ، أوْ مِن نِعْمَةِ الجَنَّةِ إلى شَقاءِ الدُّنْيا، أوْ مِن رِفْعَةِ المَنزِلَةِ إلى سُفْلِ مَكانَةِ الذَّنْبِ، أوْ رِضْوانِ اللَّهِ، أوْ جِوارِهِ. وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: إذا جُعِلَ (أزَلَّهُما) مِن: زَلَّ عَنِ المَكانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ تَوْكِيدٌ. إذْ قَدْ يُمْكِنُ أنْ يَزُولا عَنْ مَكانٍ كانا فِيهِ إلى مَكانٍ آخَرَ مِنَ الجَنَّةِ. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَسْبِهِما الزَّلَّةَ لا يَكُونُ بِإلْقاءٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَأكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ، ويَعْنِي أنَّ المَحْذُوفَ يَتَقَدَّرُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾، ونَسَبَ الإزْلالَ والإزالَةَ والإخْراجَ لِإبْلِيسَ عَلى جِهَةِ المَجازِ، والفاعِلُ لِلْأشْياءِ هو اللَّهُ تَعالى.

(وقُلْنا اهْبِطُوا): قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ. والقَوْلُ في: (وقُلْنا اهْبِطُوا) مِثْلُ القَوْلِ في: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] . ولَمّا كانَ أمْرًا بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ، وكانَ في ذَلِكَ انْحِطاطُ رُتْبَةِ المَأْمُورِ، لَمْ يُؤْنِسْهُ بِالنِّداءِ، ولا أقْبَلَ عَلَيْهِ بِتَنْوِيهِهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ بِالنِّداءِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] والمُخاطَبُ بِالأمْرِ آدَمُ وحَوّاءُ والحَيَّةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هَؤُلاءِ وإبْلِيسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ هُما وحَوّاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ فَحَسْبُ، ويَكُونُ الخِطابُ بِلَفْظِ الجَمْعِ وإنْ وقَعَ عَلى التَّثْنِيَةِ نَحْوَ: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ والوَسْوَسَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ وذُرِّيَّتُهُما، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ، والمُرادُ هُما وذُرِّيَّتُهُما، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ الأِنْسِ ومُتَشَعَّبَهم جُعِلا كَأنَّهُما الأِنْسُ كُلُّهم. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ الآيَةَ، وما هو إلّا حُكْمٌ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. انْتَهى.

وفِي قَوْلِ الفَرّاءِ خِطابُ مَن لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ لِأنَّ ذُرِّيَّتَهُما كانَتْ إذْ ذاكَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ. وفي قَوْلِ مَن أدْخَلَ إبْلِيسَ مَعَهُما في الأمْرِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ كانَ خَرَجَ قَبْلَهُما، ويَجُوزُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ. قالَ كَعْبٌ ووَهْبٌ: أُهْبِطُوا جُمْلَةً ونَزَلُوا في بِلادٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وقالَ مُقاتِلُ: أُهْبِطُوا مُتَفَرِّقِينَ، (p-١٦٣)فَهَبَطَ إبْلِيسُ، قِيلَ بِالأُبُلَّةِ، وحَوّاءُ بِجَدَّةَ، وآدَمُ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: بِسَرَنْدِيبَ بِجَبَلٍ يُقالُ لَهُ: واسِمٌ. وقِيلَ: كانَ غِذاؤُهُ جَوْزَ الهِنْدِ، وكانَ السَّحابُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ فَأوْرَثَ ولَدَهُ الصَّلَعَ. وهَذا لا يَصِحُّ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أوْلادُهُ كُلُّهم صُلْعًا.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحَيَّةَ أُهْبِطَتْ بِنَصِيبِينَ. ورَوى الثَّعْلَبِيُّ: بِأصْبَهانَ، والمَسْعُودِيُّ: بِسِجِسْتانَ، وهي أكْثَرُ بِلادِ اللَّهِ حَيّاتٍ. وقِيلَ: بِبِيسانَ. وقِيلَ: كانَ هَذا الهُبُوطَ الأوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى سَماءِ الدُّنْيا. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ آدَمُ بِسَرَنْدِيبَ مِنَ الهِنْدِ ومَعَهُ رِيحُ الجَنَّةِ، عَلِقَ بِشَجَرِها وأوْدِيَتِها، فامْتَلَأ ما هُناكَ طِيبًا، فَمِن ثَمَّ يُؤْتى بِالطِّيبِ مِن رِيحِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ في إخْراجِهِ كَيْفِيَّةً ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، قالَ: وأُدْخِلَ آدَمُ في الجَنَّةِ ضَحْوَةً، وأُخْرِجَ مِنها بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَمَكَثَ فِيها نِصْفَ يَوْمٍ، والنِّصْفُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، مِمّا يَعُدُّ أهْلُ الدُّنْيا، والأشْبَهُ أنَّ قَوْلَهُ: (اهْبِطُوا) أمْرُ تَكْلِيفٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ ما كانا فِيهِ مِنَ الجَنَّةِ، إلى مَكانٍ لا تَحْصُلُ فِيهِ المَعِيشَةُ إلّا بِالمَشَقَّةِ، وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ؛ لِأنَّ التَّشْدِيدَ في التَّكْلِيفِ يَكُونُ بِسَبَبِ الثَّوابِ. فَكَيْفَ يَكُونُ عِقابًا مَعَ ما في هُبُوطِهِ وسُكْناهُ الأرْضَ مِن ظُهُورِ حِكْمَتِهِ الأزَلِيَّةِ في ذَلِكَ، وهي نَشْرُ نَسْلِهِ فِيها لِيُكَلِّفَهم ويُرَتِّبَ عَلى ذَلِكَ ثَوابَهم وعِقابَهم في جَنَّةٍ ونارٍ. وكانَتْ تِلْكَ الأكْلَةُ سَبَبَ هُبُوطِهِ، واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. وأمَرَهُ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ تابَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ثانِيَةً: ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، إنْ كانَ المُخاطِبُونَ آدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتَهُما، كَما قالَ مُجاهِدٌ، فالمُرادُ ما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ التَّعادِي وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والبَعْضِيَّةُ مَوْجُودَةٌ في ذُرِّيَّتِهِما؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّهم يُعادِي كُلَّهم، بَلِ البَعْضُ يُعادِي البَعْضَ، وإنْ كانَ مَعَهُما إبْلِيسُ أوِ الحَيَّةُ، كَما قالَهُ مُقاتِلُ، فَلَيْسَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِما يُعادِي ذُرِّيَّةَ آدَمَ، بَلْ كُلُّهم أعْداءٌ لِكُلِّ بَنِي آدَمَ. ولَكِنْ يَتَحَقَّقُ هَذا بِأنْ جَعَلَ المَأْمُورُونَ بِالهُبُوطِ شَيْئًا واحِدًا وجَزِّئُوا أجْزاءً، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنها جُزْءٌ مِنَ الَّذِينَ هَبَطُوا، والجُزْءُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ البَعْضُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كُلُّ جِنْسٍ مِنكم مُعادٍ لِلْجِنْسِ المُبايِنِ لَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إبْلِيسُ عَدُوٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ وهم أعْداؤُهُ. وقِيلَ مَعْناهُ: عَداوَةُ نَفْسِ الإنْسانِ لَهُ وجَوارِحُهُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ اهْبِطُوا مُتَعادِينَ، والعامِلُ فِيها اهْبِطُوا. فَصاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ في اهْبِطُوا، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الواوِ لِإغْناءِ الرّابِطِ عَنْها، واجْتِماعُ الواوِ والضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ حالًا أكْثَرُ مِنَ انْفِرادِ الضَّمِيرِ. وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ولَيْسَ مَجِيئَها بِالضَّمِيرِ دُونَ الواوِ شاذًّا، خِلافًا لِلْفَرّاءِ ومَن وافَقَهُ كالزَّمَخْشَرِيِّ. وقَدْ رَوى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ كَلِمَتَهُ فُوهُ إلى فِيَّ، ورَجَعَ عُودُهُ عَلى بَدْئِهِ، وخَرَّجَهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ (عُودُهُ) مُبْتَدَأٌ و(عَلى بَدْئِهِ) خَبَرٌ، والجُمْلَةُ حالٌ، وهو كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ، نُظْمُها ونَثْرُها، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ شاذًّا. وأجازَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ بَعْضَهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِنَ الحالِ؛ لِأنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ القَيْدِ في الأمْرِ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ، أوْ كالمَأْمُورِ. ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: قُمْ ضاحِكًا كانَ المَعْنى الأمْرُ بِإيقاعِ القِيامِ مَصْحُوبًا بِالحالِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِها أوْ كالمَأْمُورِ؛ لِأنَّكَ لَمْ تُسَوِّغْ لَهُ القِيامَ إلّا في حالِ الضَّحِكِ وما يُتَوَصَّلُ إلى فِعْلِ المَأْمُورِ إلّا بِهِ مَأْمُورٌ بِهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالعَداوَةِ ولا يَلْزَمُ ما يُتَخَيَّلُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ إذا كانَ مَأْمُورًا بِهِ مَن يُسْنَدُ إلَيْهِ في حالٍ مِن أحْوالِهِ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الحالُ مَأْمُورًا بِها؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ الحالِيَّةَ هي لَنِسْبَةٍ تَقْيِيدِيَّةٍ لا نِسْبَةٍ إسْنادِيَّةٍ. فَلَوْ كانَتْ مَأْمُورًا بِها إذا كانَ العامِلُ فِيها أمْرًا، فَلا يُسَوَّغُ ذَلِكَ هُنا؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَأْمُورَ بِهِ إذا كانَ لا يَقَعُ في الوُجُودِ إلّا بِذَلِكَ القَيْدِ ولا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَيْدُ مَأْمُورًا بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ، وهَذِهِ الحالُ مِن هَذا النَّوْعِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ (p-١٦٤)أمَرَ بِها، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الأحْوالِ اللّازِمَةِ. وقَوْلُهُ: لِبَعْضٍ مُتَعَلِّقٌ بُقُولِهِ عَدُوٌّ، واللّامُ مُقَوِّيَةٌ لِوُصُولِ (عَدُوٌّ) إلَيْهِ، وأفْرَدَ (عَدُوٌّ) عَلى لَفْظِ (بَعْضُ) أوْ لِأنَّهُ يُصْلِحُ لِلْجَمْعِ، كَما سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى (بَعْضُ) وعَلى (عَدُوٌّ) حالَةَ الإفْرادِ.

﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. لَكم هو الخَبَرُ، وفي الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِلْعامِلِ في الخَبَرِ، والخَبَرُ هُنا مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، ولا يَجُوزُ (في الأرْضِ) أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(مُسْتَقَرٌّ) سَواءً كانَ يُرادُ بِهِ مَكانُ اسْتِقْرارٍ كَما قالَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ، أوِ المَصْدَرُ، أيْ: اسْتِقْرارٌ، كَما قالَهُ السُّدِّيُّ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ، ولِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُولَ لا يُجَوِّزُ بَعْضُهم تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ في الأرْضِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ولَكم مُتَعَلِّقٌ بِـ(مُسْتَقَرٌّ) لِما ذَكَرْناهُ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مُسْتَقَرٌّ؛ لِأنَّ العامِلَ إذْ ذاكَ فِيها يَكُونُ الخَبَرَ، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى جُزْأيِ الإسْنادِ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ، وصارَ نَظِيرَ: قائِمًا زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، وهو لا يَجُوزُ بِإجْماعٍ. مُسْتَقَرٌّ: أيْ مَكانُ اسْتِقْرارِكم حالَتَيِ الحَياةِ والمَوْتِ، وقِيلَ: هو القَبْرُ، أوِ اسْتِقْرارٌ، كَما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.

(ومَتاعٌ): المَتاعُ ما اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، أوِ الزّادِ، أوِ الزَّمانِ الطَّوِيلِ، أوِ التَّعْمِيرِ. (إلى حِينٍ): إلى المَوْتِ، أوْ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أوْ إلى أجَلٍ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويَتَعَلَّقُ إلى بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ومَتاعٌ كائِنٌ إلى حِينٍ، أوْ بِمَتاعٍ، أيْ واسْتِمْتاعٍ إلى حِينٍ، وهو مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلُ فِيهِ الثّانِي ولَمْ يَحْتَجْ إلى إضْمارٍ في الأوَّلِ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَهُ فَضْلَةٌ، فالأوْلى حَذْفُهُ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأوْلى أنْ لا يُحْذَفَ مِنَ الثّانِي، والأحْسَنُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى الأوْلى، والأفْصَحُ لا يُقالُ إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِن (مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ) يَقْتَضِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى بِسَبَبِ أنَّ الأوَّلِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ إلى حِينٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمَعْطُوفِ، والمَصْدَرُ مَوْصُولٌ فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يَكُونُ مَوْصُولًا، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ مِنهُ ما يُلْحَظُ فِيهِ الحُدُوثُ فَيُتَقَدَّرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ مَعَ الفِعْلِ، وهَذا هو المَوْصُولُ، وإنَّما كانَ مَوْصُولًا بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِهِ بِذَلِكَ الحَرْفِ الَّذِي هو مَوْصُولٌ بِالفِعْلِ، وإلّا فالمَصْدَرُ مِن حَيْثُ هو مَصْدَرٌ لا يَكُونُ مَوْصُولًا، ومِنهُ ما لا يُلْحَظُ فِيهِ الحُدُوثُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: لِزَيْدٍ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ، وبَصَرٌ بِالطِّبِّ، ولَهُ ذَكاءٌ ذَكاءُ الحُكَماءِ، فَمِثْلَ هَذا لا يُتَقَدَّرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، حَتّى ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَذا المَصْدَرَ إذا أُضِيفَ لَمْ يَحْكم عَلى الِاسْمِ بَعْدَهُ، لا بِرَفْعٍ ولا بِنَصْبٍ، قالُوا: فَإذا قُلْتَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ، فَزَيْدٌ فاعِلُ القِيامِ تَأْوِيلُهُ يُعْجِبُنِي أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، ومُمْكِنٌ أنَّ زَيْدًا يَعْرا مِنهُ القِيامُ، ولا يُقْصَدُ فِيهِ إلى إفادَةِ المُخاطَبِ أنَّهُ فَعَلَ القِيامَ فِيما مَضى، أوْ يَفْعَلُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، بَلْ تَكُونُ النِّيَّةُ في الإخْبارِ كالنِّيَّةِ في: يُعْجِبُنِي خاتَمُ زَيْدٍ المَحْدُودُ المَعْرُوفُ بِصاحِبِهِ والمَخْفُوضُ بِالمَصْدَرِ. عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لا يُقْضى عَلَيْهِ بِرَفْعٍ، ولا يُؤَكَّدُ، ولا يُنْعَتُ، ولا يُعْطَفُ عَلَيْهِ إلّا بِمِثْلٍ ما يُسْتَعْمَلُ مَعَ المَخْفُوضاتِ الصِّحاحِ. انْتَهى.

فَأنْتَ تَرى تَجْوِيزَهم أنْ لا يَكُونَ مَوْصُولًا مَعَ المَصْدَرِ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، وهو قَوْلُهم: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ، فَكَيْفَ مَعَ ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا نَحْوَ ما مَثَّلْنا بِهِ مِن قَوْلِهِ: لَهُ ذَكاءٌ ذَكاءُ الحُكَماءِ، وبَصَرٌ بِالطِّبِّ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ مِن قَبِيلِ ما لا يَكُونُ مَوْصُولًا. ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُولًا، كَما مَثَّلْنا في قَوْلِهِ: لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والجارَّ والمَجْرُورَ يَعْمَلُ فِيهِما رَوائِحُ الأفْعالِ، حَتّى الأسْماءُ الأعْلامُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ، وأنا ابْنُ ماوِيَّةَ إذْ جَدَّ النَّقْرُ، وأمّا أنْ تَعْمَلَ في الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ بِهِ فَلا. وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّ المَصْدَرَ إذا نُوِّنَ، أوْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ، تَحَقَّقَتْ لَهُ الِاسْمِيَّةُ وزالَ عَنْهُ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، فانْقَطَعَ عَنْ أنْ يُحْدِثَ إعْرابًا، وكانَتْ قِصَّتُهُ قِصَّةَ زَيْدٍ وعَمْرٍو والرَّجُلِ والثَّوْبِ، فَيُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾، (p-١٦٥)ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَعَلُّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ بِكُلٍّ مِنهُما؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ولِأنَّ المَصْدَرَ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ بِأبْعَدَ في العَمَلِ في الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ مِنَ الِاسْمِ العَلَمِ، ويُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ( إلى حِينٍ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ البَقاءِ في الأرْضِ، ودَلِيلٌ عَلى المَعادِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ التَّحْذِيرُ عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ بِقَصْدٍ أوْ تَأْوِيلٍ، وأنَّ المُخالَفَةَ تُزِيلُ عَنْ مَقامِ الوِلايَةِ.

* *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском