Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:58–59

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:58–59, continued

رُوِيَ بِرَفْعِ (طَعْمُ) عَلى تَقْدِيرِ: هَذا طَعْمُ مُدامَةٍ، وبِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: ذُقْتُ طَعْمَ مُدامَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ (حِطَّةٌ) في قِراءَةِ مَن نَصَبَها يَقُولُوا عَلى مَعْنى قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ ؟ قُلْتُ: لا يَبْعُدُ. انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لَيْسَ بِجائِزٍ لِأنَّ القَوْلَ لا يَعْمَلُ في المُفْرَداتِ، إنَّما يَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ لِلْحِكايَةِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، إلّا إنْ كانَ المُفْرَدُ مَصْدَرًا نَحْوَ: قُلْتُ قَوْلًا، أوْ صِفَةً لِمَصْدَرٍ نَحْوَ: قُلْتُ حَقًّا، أوْ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ جُمْلَةٍ نَحْوَ: قُلْتُ شِعْرًا وقُلْتُ خُطْبَةً، عَلى أنَّ هَذا القِسْمَ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الشِّعْرَ والخُطْبَةَ نَوْعانِ مِنَ القَوْلِ، فَصارَ كالقَهْقَرى مِنَ الرُّجُوعِ، وحِطَّةٌ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ. ولِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ (حِطَّةٌ) مَنصُوبَةً بِلَفْظِ (قُولُوا) كانَ ذَلِكَ مِنَ الإسْنادِ اللَّفْظِيِّ وعُرِّيَ مِنَ الإسْنادِ المَعْنَوِيِّ، والأصْلُ هو الإسْنادُ المَعْنَوِيُّ. وإذا كانَ مِنَ الإسْنادِ اللَّفْظِيِّ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى النُّطْقِ بِهِ فائِدَةٌ أصْلًا إلّا مُجَرَّدُ الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ بِالنُّطْقِ بِلَفْظٍ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الألْفاظِ الغُفْلِ الَّتِي لَمْ تُوضَعْ لِدَلالَةٍ عَلى مَعْنى. ويَبْعُدُ أنْ يُرَتَّبَ الغُفْرانُ لِلْخَطايا عَلى النُّطْقِ بِمُجَرَّدِ لَفْظٍ مُفْرَدٍ لَمْ يَدُلَّ بِهِ عَلى مَعْنى كَلامٍ. أمّا ما ذَهَبَ (p-٢٢٣)إلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: (حِطَّةٌ) مُفْرَدٌ، وأنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الحِكايَةِ ولَيْسَ مُقْتَطَعًا مِن جُمْلَةٍ، بَلْ أُمِرُوا بِقَوْلِها هَكَذا مَرْفُوعَةً - فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ لِأنَّهُ يُبْقِي (حِطَّةٌ) مَرْفُوعًا بِغَيْرِ رافِعٍ، ولِأنَّ القَوْلَ إنَّما وُضِعَ في بابِ الحِكايَةِ لِيُحْكى بِهِ الجُمَلُ لا المُفْرَداتُ، ولِذَلِكَ احْتاجَ النَّحْوِيُّونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] إلى تَأْوِيلٍ، وأمّا تَشْبِيهُهُ إيّاهُ بِقَوْلِهِ:

؎سَمِعْتُ النّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا

؎وجَدْنا في كِتابِ بَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ أحَقُّ الخَيْلِ بِالرَّكْضِ المُعارِ

فَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأنَّ سَمِعَ ووَجَدَ كُلٌّ مِنهُما يَتَعَلَّقُ بِالمُفْرَداتِ والجُمَلِ؛ لِأنَّ المَسْمُوعَ والمَوْجُودَ في الكِتابِ قَدْ يَكُونُ مُفْرَدًا وقَدْ يَكُونُ جُمْلَةً. وأمّا القَوْلُ فَلا يَقَعُ إلّا عَلى الجُمَلِ، ولا يَقَعُ عَلى المُفْرَداتِ إلّا فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ (حِطَّةٌ) مِنها. واخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في حِطَّةٍ، فَقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ووَهْبٌ: أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ وقُولُوا هَذا الأمْرَ الحَقَّ، وقِيلَ: مَعْناهُ نَحْنُ لا نَزالُ تَحْتَ حُكْمِكَ مُمْتَثِلُونَ لِأمْرِكَ، كَما يُقالُ قَدْ حَطَطْتُ في فِنائِكَ رَحْلِي. وقَدْ تَقَدَّمَتِ التَّقادِيرُ في إضْمارِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ قَبْلَ (حِطَّةٌ) وهي أقاوِيلُ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أُمِرُوا بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ بِعَيْنِها، قِيلَ: والأقْرَبُ خِلافُهُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ وهم ما كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، ولِأنَّ الأقْرَبَ أنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَقُولُوا قَوْلًا دالًّا عَلى التَّوْبَةِ والنَّدَمِ والخُضُوعِ، حَتّى لَوْ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ، لَكانَ الخُضُوعُ حاصِلًا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّوْبَةِ أمّا بِالقَلْبِ فَبِالنَّدَمِ وأمّا بِاللِّسانِ فَبِذِكْرِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ النَّدَمِ في القَلْبِ، وذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ذِكْرِ لَفْظَةٍ بِعَيْنِها.

(يَغْفِرُ)، نافِعٌ: بِالياءِ مَضْمُومَةً، ابْنُ عامِرٍ. بِالتّاءِ، أبُو بَكْرٍ مِن طَرِيقِ الجُعْفِيِّ (يَغْفِرْ) الباقُونَ: نَغْفِرْ. فَمَن قَرَأ بِالياءِ مَضْمُومَةً فَلِأنَّ الخَطايا مُؤَنَّثٌ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مَفْتُوحَةً فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ صَدْرَ الآيَةِ (وإذْ قُلْنا) ثُمَّ قالَ: (يَغْفِرْ)، فانْتَقَلَ مِن ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ مُعَظِّمٍ نَفْسَهُ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ المُفْرَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى القَوْلِ الدّالِّ عَلَيْهِ (وقُولُوا)، أيْ نَغْفِرُ القَوْلَ، ونَسَبَ الغُفْرانَ إلَيْهِ مَجازًا لِما كانَ سَبَبًا لِلْغُفْرانِ، ومَن قَرَأ بِالنُّونِ، وهي قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ، فَهو الجارِي عَلى نِظامِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: (وإذْ قُلْنا)، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (وسَنَزِيدُ)، فالكَلامُ بِهِ في أُسْلُوبٍ واحِدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِنَ السَّبْعَةِ إلّا بِلَفْظِ ﴿خَطاياكُمْ﴾، وأمالَها الكِسائِيُّ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: (تَغْفِرْ) بِفَتْحِ التّاءِ، قِيلَ: كَأنَّ الحِطَّةَ تَكُونُ سَبَبَ الغُفْرانِ، يَعْنِي قائِلُ هَذا وهو ابْنُ عَطِيَّةَ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْحِطَّةِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ نَفْسَ اللَّفْظَةِ بِمُجَرَّدِها لا تَكُونُ سَبَبًا لِلْغُفْرانِ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ قَبْلُ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَقالَةِ المَفْهُومَةِ مَن: (وقُولُوا)، ونُسِبَ الغُفْرانُ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، إذْ كانَتْ سَبَبًا لِلْغُفْرانِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وقَتادَةُ: تُغْفَرْ بِضَمِّ التّاءِ وإفْرادِ الخَطِيئَةِ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: يُغْفَرْ بِالياءِ مَضْمُومَةً. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَغْفِرْ بِالياءِ مَفْتُوحَةً وإفْرادُ الخَطِيئَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: يَغْفِرْ بِالياءِ مَفْتُوحَةً والجَمْعِ المُسَلَّمِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تُغْفَرْ بِالتّاءِ مَضْمُومَةً وبِالجَمْعِ المُسَلَّمِ. وحَكى الأهْوازِيُّ أنَّهُ قَرَأ: خَطَأْياكم بِهَمْزِ الألِفِ وسُكُونِ الألِفِ الأخِيرَةِ. وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا العَكْسُ. وتَوْجِيهُ هَذا الهَمْزِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ النُّطْقَ بِألِفَيْنِ مَعَ أنَّ الحاجِزَ حَرْفٌ مَفْتُوحٌ والفَتْحَةُ تَنْشَأُ عَنْها الألِفُ، فَكَأنَّهُ اجْتَمَعَ ثَلاثُ ألِفاتٍ، فَهَمَزَ إحْدى الألِفَيْنِ لِيَزُولَ هَذا الِاسْتِثْقالُ، وإذْ كانُوا قَدْ هَمَزُوا الألِفَ المُفْرَدَةَ بَعْدَ فَتْحِهِ في قَوْلِهِ:

؎وخِنْدِفٍ هامَةُ هَذا العَأْلَمِ

فَلَأنْ يَهْمِزُوا هَذا أوْلى، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. ومَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ أوِ التّاءِ كانَ: خَطاياكم، أوْ خَطِيّاتِكم، أوْ خَطِيَّتِكم مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ التّاءِ أوِ الياءِ أوْ بِالنُّونِ، كانَ ذَلِكَ مَفْعُولًا، وجُزِمَ هَذا الفِعْلُ لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وذَكَرْنا الخِلافَ في ذَلِكَ. وهُنا تَقَدَّمَتْ أوامِرُ أرْبَعَةٌ: ﴿ادْخُلُوا﴾، (p-٢٢٤)﴿فَكُلُوا﴾، ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾، ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ جَوابًا إلّا لِلْآخِرَيْنِ، وعَلَيْهِ المَعْنى؛ لِأنَّ تَرَتُّبَ الغُفْرانِ لا يَكُونُ عَلى دُخُولِ القَرْيَةِ ولا عَلى الأكْلِ مِنها، وإنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى دُخُولِ البابِ لِتَقْيِيدِهِ بِالحالِ الَّتِي هي عِبادَةٌ وهي السُّجُودُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ لِأنَّ فِيهِ السُّؤالَ بِحَطِّ الذُّنُوبِ، وذَلِكَ لِقُوَّةِ المُناسَبَةِ ولِلْمُجاوَرَةِ. ويَدُلُّ عَلى تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلَيْها ما في الأعْرافِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾، ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾، (نَغْفِرْ)، والقِصَّةُ واحِدَةٌ. فَرَتَّبَ الغُفْرانَ هُناكَ عَلى قَوْلِهِمْ حِطَّةٌ وعَلى دُخُولِ البابِ سُجَّدًا، لِما تَضَمَّنَهُ الدُّخُولُ مِنَ السُّجُودِ. وفي تَخالُفِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ وأنَّها لِمُطْلَقِ الجَمْعِ. وقَرَأ مِنَ الجُمْهُورِ بِإظْهارِ الرّاءِ مِن (نَغْفِرْ) عِنْدَ اللّامِ، وأدْغَمَها قَوْمٌ قالُوا وهو ضَعِيفٌ.

﴿وسَنَزِيدُ﴾: هُنا بِالواوِ، وفي الأعْرافِ ﴿سَنَزِيدُ﴾ [الأعراف: ١٦١]، والَّتِي في الأعْرافِ مُخْتَصَرَةٌ. ألا تَرى إلى سُقُوطِ رَغَدًا والواوُ مِن: ﴿وسَنَزِيدُ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٢] بَدَلُ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، وإثْباتُ ذَلِكَ هُنا، وناسَبَ الإسْهابَ هُنا والِاخْتِصارَ هُناكَ.

والزِّيادَةُ ارْتِفاعٌ عَنِ القَدْرِ المَعْلُومِ، وضِدُّهُ النَّقْصُ. (المُحْسِنِينَ)، قِيلَ: الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ تِلْكَ الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: المُحْسِنِينَ مِنهم، فَقِيلَ: مَعْناهُ مَن أحْسَنَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ زِدْناهُ ثَوابًا ودَرَجاتٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَن كانَ مُحْسِنًا مِنهم زِدْنا في إحْسانِهِ، ومَن كانَ مُسِيئًا بَعْدَ ذَلِكَ زِدْناهُ ثَوابًا ودَرَجاتٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَن كانَ مُحْسِنًا مِنهم زِدْنا في إحْسانِهِ، ومَن كانَ مُسِيئًا مُخْطِئًا نَغْفِرُ لَهُ خَطِيئَتَهُ، وكانُوا عَلى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهم إذا فَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن دُخُولِهِمُ البابَ سُجَّدًا وقَوْلِهِمْ حِطَّةً يَغْفِرُ ويُضاعِفُ ثَوابَ مُحْسِنِهِمْ. وقِيلَ: المُحْسِنُونَ مَن دَخَلَ، كَما أُمِرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَتَلَخَّصَ أنَّ المُحْسِنِينَ إمّا مِن غَيْرِهِمْ أوْ مِنهم. فَمِنهم إمّا مَنِ اتَّصَفَ بِالإحْسانِ في الماضِي، أيْ كانَ مُحْسِنًا، أوْ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ مَن أحْسَنَ مِنهم بَعْدُ، أوْ في الحالِ، أيْ وسَنَزِيدُكم بِإحْسانِكم في امْتِثالِكم ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن دُخُولِ البابِ سُجَّدًا والقَوْلِ حِطَّةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى (نَغْفِرْ) فَتَكُونُ جَوابًا، ألا تَراها جاءَتْ مُنْقَطِعَةً عَنِ العَطْفِ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ سَنَزِيدُ ؟ وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ الإعْرابِيَّةِ تَرْتِيبًا عَلى دُخُولِ البابِ سُجَّدًا والقَوْلِ حِطَّةً، لَكِنَّها أُجْرِيَتْ مَجْرى الإخْبارِ المَحْضِ الَّذِي لَمْ يُرَتَّبْ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ.

2:59Page 9

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: ظاهِرُهُ انْقِسامُهم إلى ظالِمِينَ وغَيْرِ ظالِمِينَ، وأنَّ الظّالِمِينَ هُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا، فَإنْ كانَ كُلُّهم بَدَّلُوا، كانَ ذَلِكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارًا بِالعِلَّةِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَبَدَّلُوا، لَكِنَّهُ أظْهَرَهُ تَنْبِيهًا عَلى عِلَّةِ التَّبْدِيلِ، وهو الظُّلْمُ، أيْ لَوْلا ظُلْمُهم ما بَدَّلُوا، والمُبْدَلُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِقَوْلِهِمْ حِطَّةً ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: ولَمّا كانَ مَحْذُوفًا ناسَبَ إضافَةُ (غَيْرَ) إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ بَعْدَها. والَّذِي قِيلَ لَهم هو أنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ، فَلَوْ لَمْ يُحْذَفْ لَكانَ وجْهُ الكَلامِ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِقَوْلِهِمْ حِطَّةً قَوْلًا غَيْرَهُ، لَكِنَّهُ لَمّا حُذِفَ أظْهَرَ مُضافًا إلَيْهِ (غَيْرَ) لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَحْذُوفَ هو هَذا المُظْهَرُ، وهو الَّذِي قِيلَ لَهم. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرْناهُ هو عَلى وضْعِ بَدَلٍ إذِ المَجْرُورُ هو الزّائِلُ، والمَنصُوبُ هو الحاصِلُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في القَوْلِ الَّذِي قالُوهُ بَدَلَ أنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ ووَهْبٌ وابْنُ زَيْدٍ: حِنْطَةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ، وقِيلَ: حِنْطَةٌ بَيْضاءُ مَثْقُوبَةٌ فِيها شَعْرَةٌ سَوْداءُ، وقالَ أبُو صالِحٍ: سُنْبُلَةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هَطا شمهاثا، وقِيلَ: حَطى شمعاثا، ومَعْناها في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ، وقِيلَ: حِنْطَةٌ بَيْضاءُ مَثْقُوبَةٌ فِيها شَعْرَةٌ. وقِيلَ: حَبَّةٌ في شَعِيرَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ فِيها شَعِيرٌ، وقِيلَ: حِنْطَةٌ في شَعِيرٍ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، وقِيلَ: حَبَّةُ حِنْطَةٍ مَقْلُوَّةٍ في شَعْرَةٍ، وقِيلَ: تَكَلَّمُوا بِكَلامِ النِّبَطِيَّةِ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِخْفافِ. وقِيلَ: إنَّهم غَيَّرُوا ما شُرِعَ لَهم ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

والَّذِي ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٢٢٥)ﷺ، فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا: حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى هَذا القَوْلِ واطِّراحُ تِلْكَ الأقْوالِ، ولَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ السّابِقَةِ لَحُمِلَ اخْتِلافُ الألْفاظِ عَلى اخْتِلافِ القائِلِينَ، فَيَكُونُ بَعْضُهم قالَ كَذا، وبَعْضُهم قالَ كَذا، فَلا يَكُونُ فِيها تَضادٌّ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم وضَعُوا مَكانَ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ قَوْلًا مُغايِرًا لَهُ مُشْعِرًا بِاسْتِهْزائِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ، والإعْراضِ عَمّا يَكُونُ عَنْهُ غُفْرانُ خَطِيئاتِهِمْ. كُلُّ ذَلِكَ عَدَمُ مُبالاةٍ بِأوامِرِ اللَّهِ، فاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ النَّكالَ.

﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾: كَرَّرَ الظّاهِرَ السّابِقَ زِيادَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ وإشْعارًا بِعِلِّيَّةِ نُزُولِ الرِّجْزِ. وقَدْ أُضْمِرَ ذَلِكَ في الأعْرافِ فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٢] لِأنَّ المُضْمَرَ هو المُظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: رُجْزًا بِضَمِّ الرّاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ في الرِّجْزِ. واخْتَلَفُوا في الرِّجْزِ هُنا، فَقالَ أبُو العالِيَةِ: هو غَضَبُ اللَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: طاعُونٌ أهْلَكَ مِنهم في ساعَةٍ سَبْعِينَ ألْفًا، وقالَ وهْبٌ: طاعُونٌ عُذِّبُوا بِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلْجٌ هَلَكَ بِهِ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظُلْمَةٌ ومَوْتٌ ماتَ مِنهم في ساعَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا وهَلَكَ سَبْعُونَ ألْفًا عُقُوبَةً. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذابٌ ولَمْ يُبَيَّنْ نَوْعُهُ، إذْ لا كَبِيرَ فائِدَةٍ في تَعْلِيقِ النَّوْعِ.

﴿مِنَ السَّماءِ﴾: إنْ فُسِّرَ الرِّجْزُ بِالثَّلْجِ كانَ كَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ ظاهِرًا، وإنْ فُسِّرَ بِغَيْرِهِ فَهو إشارَةٌ إلى الجِهَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنها القَضاءُ عَلَيْهِمْ، أوْ مُبالَغَةٌ في عُلُوِّهِ بِالقَهْرِ والِاسْتِيلاءِ.

(بِما كانُوا)، ما: مَصْدَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: بِكَوْنِهِمْ. (يَفْسُقُونَ) . وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وهو بَعِيدٌ. وقَرَأالنَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وغَيْرُهُما بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا الفِسْقُ هو الظُّلْمُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . وفائِدَةُ التَّكْرارِ التَّأْكِيدُ؛ لِأنَّ الوَصْفَ دالٌّ عَلى العِلِّيَّةِ، فالظّاهِرُ أنَّ التَّبْدِيلَ سَبَبُهُ الظُّلْمُ، وأنَّ إنْزالَ الرِّجْزِ سَبَبُهُ الظُّلْمُ أيْضًا. وقالَ غَيْرُ أبِي مُسْلِمٍ: لَيْسَ مُكَرَّرَ الوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ الظُّلْمَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الصَّغائِرِ، ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا﴾ [الأعراف: ٢٣] ومِنَ الكَبائِرِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والفِسْقُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكَبائِرِ. فَلَمّا وصَفَهم بِالظُّلْمِ أوَّلًا وصَفَهم بِالفِسْقِ الَّذِي هو لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الكَبائِرِ. والثّانِي: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا اسْمَ الظُّلْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ ونُزُولِ الرِّجْزِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ، لا بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بَلْ بِالفِسْقِ الَّذِي فَعَلُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ، وعَلى هَذا يَزُولُ التَّكْرارُ. انْتَهى.

وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وتَرْتِيبُ العَذابِ عَلى هَذا التَّبْدِيلِ عَلى أنَّ ما ورَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ مِنَ الأقْوالِ لا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ ولا تَبْدِيلُهُ بِلَفْظٍ آخَرَ. وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ إذا كانَتِ الكَلِمَةُ تَسُدُّ مَسَدَّها، وعَلى هَذا جَرى الخِلافُ في قِراءَةِ القُرْآنِ بِالمَعْنى، وفي تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، وفي تَجْوِيزِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ والبَيْعِ والتَّمْلِيكِ، وفي نَقْلِ الحَدِيثِ بِالمَعْنى.

وذَكَرُوا أنَّ في الآيَةِ سُؤالاتٍ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ هُنا (وإذْ قُلْنا)، وفي الأعْرافِ: ﴿وإذْ قِيلَ﴾ [الأعراف: ١٦١] . وأُجِيبَ بِأنَّهُ صُرِّحَ بِالفاعِلِ في البَقَرَةِ لِإزالَةِ الإبْهامِ، وحُذِفَ في الأعْرافِ لِلْعِلْمِ بِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. الثّانِي: قالَ هُنا: ادْخُلُوا، وهُناكَ اسْكُنُوا. وأُجِيبَ بِأنَّ الدُّخُولَ مُقَدَّمٌ عَلى السُّكْنى، فَذَكَرَ الدُّخُولَ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ. والسُّكْنى في المُتَأخِّرَةِ. الثّالِثُ: هُنا خَطاياكم، وهُناكَ: خَطِيئاتِكم. وأُجِيبَ بِأنَّ الخَطايا جَمْعُ كَثْرَةٍ، فَناسَبَ حَيْثُ قَرَنَ بِهِ ما يَلِيقُ بِجُودِهِ، وهو غُفْرانُ الكَثِيرِ. والخَطِيئاتُ جَمْعُ قِلَّةٍ، لَمّا لَمْ يُضِفْ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ. الرّابِعُ: ذُكِرَ هُنا (رَغَدًا) وهُناكَ حُذِفَ. وأُجِيبَ بِالجَوابِ قَبْلُ. الخامِسُ: هُنا قُدِّمَ دُخُولَ البابِ عَلى القَوْلِ، وهُناكَ عُكِسَ. وأُجِيبَ بِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ والمُخاطَبُونَ بِهَذا مُذْنِبُونَ، فاشْتِغالُهُ بِحَطِّ الذَّنْبِ مُقَدَّمٌ عَلى اشْتِغالِهِ بِالعِبادَةِ، فَكُلِّفُوا بِقَوْلِ حِطَّةٍ أوَّلًا، ثُمَّ بِالدُّخُولِ.

وغَيْرُ مُذْنِبِينَ، فاشْتِغالُهُ أوَّلًا بِالعِبادَةِ ثُمَّ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ ثانِيًا عَلى سَبِيلِ هَضْمِ النَّفْسِ وإزالَةِ العَجَبِ، فَلَمّا احْتَمَلَ (p-٢٢٦)الِانْقِسامَ ذُكِرَ حُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في سُورَةٍ بِأيِّهِما بَدَأ. السّادِسُ: إثْباتُ الواوِ في (وسَنَزِيدُ) هُنا، وحَذْفُها هُناكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ أمْرانِ كانَ المَجِيءُ بِالواوِ مُؤْذِنًا بِأنَّ مَجْمُوعَ الغُفْرانِ والزِّيادَةِ جَزاءٌ واحِدٌ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وحَيْثُ تُرِكَتْ أفادَ تَوَزُّعَ كُلِّ واحِدٍ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ، فالغُفْرانُ في مُقابَلَةِ القَوْلِ، والزِّيادَةُ في مُقابَلَةِ ادْخُلُوا.

السّابِعُ: لَمْ يَذْكُرْ هاهُنا (مِنهم) وذَكَرَ هُناكَ. وأُجِيبَ بِأنَّ أوَّلَ القِصَّةِ في الأعْرافِ مَبْنِيٌّ عَلى التَّخْصِيصِ بِلَفْظِ (مِن) قالَ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، فَذَكَرَ لَفْظَ (مِن) آخِرًا لِيُطابِقَ آخِرُهُ أوَّلَهُ، وهُنا لَمْ تُبْنَ القِصَّةُ عَلى التَّخْصِيصِ. الثّامِنُ: هُنا (فَأنْزَلْنا) وهُناكَ: (فَأرْسَلْنا) وأُجِيبَ بِأنَّ الإنْزالَ يُفِيدُ حُدُوثَهُ في أوَّلِ الأمْرِ، والإرْسالَ يُفِيدُ تَسَلُّطَهُ عَلَيْهِمْ واسْتِئْصالَهم بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا إنَّما يَحْدُثُ بِالآخِرِ. التّاسِعُ: هُنا: يَفْسُقُونَ، وهُناكَ: يَظْلِمُونَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ هُنا كَوْنَ ذَلِكَ الظُّلْمِ فِسْقًا اكْتَفى بِذِكْرِ الظُّلْمِ في سُورَةِ الأعْرافِ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ البَيانِ هُنا. قالَ بَعْضُ النّاسِ: بَنُو إسْرائِيلَ خالَفُوا اللَّهَ في قَوْلٍ وفِعْلٍ، وأخْبَرَ تَعالى بِالمُجازاةِ عَلى المُخالَفَةِ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، وهو امْتِناعُهم عَنِ الدُّخُولِ بِصِفَةِ السُّجُودِ. وأجابَ بِأنَّ الفِعْلَ لا يَجِبُ إلّا بِأمْرٍ، والأمْرُ قَوْلٌ فَحَصَلَ بِالمُجازاةِ عَنِ القَوْلِ المُجازاةُ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والجَزاءُ هُنا إنْ كانَ قَدْ وقَعَ عَلى هَذِهِ المُخالَفَةِ الخاصَّةِ، فَيَفْسُقُونَ يَحْتَمِلُ الحالَ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ عَلى ما مَضى مِنَ المُخالَفاتِ الَّتِي فَسَقُوا بِها، فَهو مُضارِعٌ وقَعَ مَوْضِعَ الماضِي، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفَصِيحِ الكَلامِ.

﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]: هَذا هو الإنْعامُ التّاسِعُ، وهو جامِعٌ لِنِعَمِ الدُّنْيا والدِّينِ. أمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهُ أزالَ عَنْهُمُ الحاجَةَ الشَّدِيدَةَ إلى الماءِ، ولَوْلا هو لَهَلَكُوا في التِّيهِ، وهَذا أبْلَغُ مِنَ الماءِ المُعْتادِ في الأنْعامِ لِأنَّهم في مَفازَةٍ مُنْقَطِعَةٍ. وأمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ مَن أظْهَرِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِسْقاءُ طَلَبُ الماءِ عِنْدَ عَدَمِهِ وقِلَّتِهِ. وقِيلَ: مَفْعُولُ اسْتَسْقى مَحْذُوفٌ، أيِ اسْتَسْقى مُوسى رَبَّهُ، فَيَكُونُ المُسْتَسْقى مِنهُ هو المَحْذُوفُ، وقَدْ تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ كَما تَعَدّى إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، أيْ طَلَبُوا مِنهُ السُّقْيا. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: وحَذْفُ المَفْعُولِ تَقْدِيرُهُ اسْتَسْقى ماءً، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المَحْذُوفُ هو المُسْتَسْقى، ويَكُونُ الفِعْلُ قَدْ تَعَدّى إلَيْهِ كَما تَعَدّى إلَيْهِ في قَوْلِهِ:

؎وأبْيَضُ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ

ويَحْتاجُ إثْباتُ تَعَدِّيهِ إلى اثْنَيْنِ إلى شاهِدٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، كانَ يُسْمَعُ مِن كَلامِهِمْ: اسْتُسْقى زَيْدٌ وبِهِ الماءَ، وقَدْ ثَبَتَ تَعَدِّيهِ مَرَّةً إلى المُسْتَسْقى مِنهُ ومَرَّةً إلى المُسْتَسْقى، فَيَحْتاجُ تَعَدِّيهِ إلَيْهِما إلى ثَبْتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ. وذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنَ الِاسْتِسْقاءِ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِمَكانٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: كانَ ذَلِكَ عَلى عادَةِ النّاسِ إذا قُحِطُوا، وما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن تَفْجِيرِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ فَوْقَ الإجابَةِ بِالسُّقْياءِ وإنْزالِ الغَيْثِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: كانَ هَذا الِاسْتِسْقاءُ في التِّيهِ حِينَ قالُوا: مَن لَنا بِكَذا، إلى أنْ قالُوا: مَن لَنا بِالماءِ، فَأمَرَ اللَّهُ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ. وقِيلَ ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ الَّذِي انْفَلَقَ، وقَعُوا في أرْضٍ بَيْضاءَ لَيْسَ فِيها ظِلٌّ ولا ماءٌ، فَسَألُوا أنْ يَسْتَسْقِيَ لَهم، واللّامُ قِي (لِقَوْمِهِ) لامُ السَّبَبِ، أيْ لِأجْلِ قَوْمِهِ وثَمَّ مَحْذُوفٌ يَتِمُّ بِهِ مَعْنى الكَلامِ، أيْ لِقَوْمِهِ إذْ عَطِشُوا، أوْ ما كانَ بِهَذا المَعْنى ومَحْذُوفٌ آخَرُ: أيْ فَأجَبْناهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском