Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:63–66
2:63Page 10
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣
And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."
﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: سَبَبُ رَفْعِهِ امْتِناعُهم مِن دُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، أوْ مِنَ السُّجُودِ، أوْ مِن أخْذِ التَّوْراةِ والتِزامِها، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، رُوِيَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالألْواحِ فِيها التَّوْراةُ قالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللَّهُ بِها، كَما كَلَّمَكَ، فَصَعِقُوا ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهم: خُذُوها، فَقالُوا: لا. فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فَلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهم، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُّلَّةِ، وأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ، وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فاحْتاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، فَقِيلَ لَهم: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ أنْ لا تُضَيِّعُوها، وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُ الجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النّارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَّوْراةَ بِالمِيثاقِ، وسَجَدُوا عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا. فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللَّهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللَّهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ ارْتِفاعَ الجَبَلِ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كانَ مِقْدارَ قامَةِ الرَّجُلِ، ولَمْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى هَذا السُّجُودِ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ القِصَّةِ. والواوُ في قَوْلِهِ: (ورَفَعْنا) واوُ العَطْفِ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ مُتَقَدِّمًا، فَلَمّا نَقَضُوهُ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الكِتابِ رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ. وأمّا عَلى تَفْسِيرِأبِي مُسْلِمٍ: فَإنَّها واوُ الحالِ، أيْ إنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ في حالِ رَفْعِ الطُّورِ فَوْقَهم، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ [هود: ٤٢]، أيْ وقَدْ كانَ في مَعْزِلٍ.
﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: وقُلْنا لَكم خُذُوا ما آتَيْناكم. وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ قَوْلٍ؛ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ هو قَوْلٌ، والمَعْنى: وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم بِأنْ خُذُوا ما آتَيْناكم، و(ما) مَوْصُولٌ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آتَيْناكُمُوهُ، ويَعْنِي بِهِ الكِتابَ. يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾، وقُرِئَ: ما آتَيْتُكم، وهو شِبْهُ التِفاتٍ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ إلى غَيْرِهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: (بِقُوَّةٍ) بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، أوْ بِعَمَلٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ أوْ بِصِدْقٍ وحَقٍّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ أوْ بِقَبُولٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوْ بِطاعَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ؛ أوْ بِنِيَّةٍ وإخْلاصٍ، أوْ بِكَثْرَةِ دَرْسٍ ودِرايَةٍ؛ أوْ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ ورَغْبَةٍ وعَمَلٍ؛ أوْ بِقُدْرَةٍ. والقُوَّةُ: القُدْرَةُ والِاسْتِطاعَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةُ المَعْنى. والباءُ لِلْحالِ أوْ الِاسْتِعانَةِ.
﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهِ أمْرًا مِن ذَكَرَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (واذَّكَّرُوا ما فِيهِ) أمْرًا مِنِ اذَّكَّرَ، وأصْلُهُ: واذْتَكَّرُوا، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ التّاءِ دالٌ، ثُمَّ أُدْغِمَ الذّالُ في الدّالِ، إذْ أكْثَرُ الإدْغامِ يَسْتَحِيلُ فِيهِ الأوَّلُ إلى الثّانِي، ويَجُوزُ في هَذا أنْ يَسْتَحِيلَ الثّانِي إلى الأوَّلِ، ويُدْغَمُ فِيهِ الأوَّلُ فَيُقالُ: اذَّكَّرَ، ويَجُوزُ الإظْهارُ فَتَقُولُ: اذْذَكَّرَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَذَكَّرُوا، عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ انْجَزَمَ عَلى جَوابِ الأمْرِ الَّذِي هو خُذُوا. فَعَلى القِراءَتَيْنِ قِيلَ: هَذا يَكُونُ أمْرًا بِالإذْكارِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الذِّكْرُ مُتَرَتِّبًا عَلى حُصُولِ الأخْذِ بِقُوَّةٍ، أيْ إنْ تَأْخُذُوا بِقُوَّةٍ تَذْكُرُوا ما فِيهِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ: وتَذَكَّرُوا أمْرًا مِنَ التَّذَكُّرِ، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ هي قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، ووَهِمَ الَّذِي نَقَلْناهُ مِن كِتابِهِ (تَذَكَّرُوا) في إسْقاطِ الواوِ، والَّذِي فِيهِ هو ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ احْفَظُوا ما فِيهِ ولا تَنْسُوهُ وادْرُسُوهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ أوْ ما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ وصِفَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوِ اتَّعِظُوا بِهِ لِتَنْجُوا مِنَ الهَلاكِ في الدُّنْيا والعَذابِ في العُقْبى. والذِّكْرُ: قَدْ يَكُونُ بِاللِّسانِ، وقَدْ يَكُونُ بِالقَلْبِ عَلى ما سَبَقَ، وقَدْ يَكُونُ (p-٢٤٤)بِهِما. فَبِاللِّسانِ مَعْناهُ: ادْرُسُوا، وبِالقَلْبِ مَعْناهُ: تَدَبَّرُوا، وبِهِما مَعْناهُ: ادْرُسُوا ألْفاظَهُ وتَدَبَّرُوا مَعانِيَهُ. أوْ أُرِيدَ بِالذِّكْرِ ثَمَرَتُهُ، وهو العَمَلُ، فَمَعْناهُ: اعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ. والضَّمِيرُ في (فِيهِ) يَعُودُ عَلى (ما) . وقالَ في المُنْتَخَبِ: لا يُحْمَلُ عَلى نَفْسِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ الَّذِي هو ضِدُّ النِّسْيانِ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَجُوزُ الأمْرُ بِهِ ؟ انْتَهى.
﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]: أيْ رَجاءَ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ التَّقْوى بِذِكْرِ ما فِيهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لَعَلَّكم تَنْزِعُونَ عَمّا أنْتُمْ فِيهِ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ أنَّهُمُ امْتَثَلُوا الأمْرَ وفَعَلُوا مُقْتَضاهُ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤] . فَهَذا يَدُلُّ عَلى القَبُولِ والِالتِزامِ لِما أُمِرُوا بِهِ، وفي بَعْضِ القَصَصِ أنَّهم قالُوا، لَما زالَ الجَبَلُ: يا مُوسى سَمِعْنا وأطَعْنا، ولَوْلا الجَبَلُ ما أطَعْناكَ. وفي بَعْضِ القَصَصِ: فَآمَنُوا كَرْهًا، وظاهِرُ هَذا الإلْجاءُ. والمُخْتارُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَهُمُ الإيمانَ والطّاعَةَ في قُلُوبِهِمْ وقْتَ السُّجُودِ، حَتّى كانَ إيمانُهم طَوْعًا لا كَرْهًا.
2:64Page 10
ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤
Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ والعَمَلِ بِما فِيهِ، وأصْلُ التَّوَلِّي: أنْ يَكُونَ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ، اتِّساعًا ومَجازًا. ودُخُولُ (ثُمَّ) مُشْعِرٌ بِالمُهْلَةِ، و(مَن) تُشْعِرُ بِابْتِداءِ الغايَةِ. لَكِنْ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ، واللَّهُ أعْلَمُ: فَأخَذْتُمْ ما آتَيْناكم، وذَكَرْتُمْ ما فِيهِ، وعَمِلْتُمْ بِمُقْتَضاهُ. فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ مَجازٍ في مَدْلُولِ (مَن) وأنَّهُ لِسُرْعَةِ التَّوَلِّي مِنهم واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ ما تَخَلَّلَ بَيْنَ ما أُمِرُوا بِهِ وبَيْنَ التَّوَلِّي شَيْءٌ. وقَدْ عُلِمَ أنَّهم بَعْدَما قَبِلُوا التَّوْراةَ، تَوَلَّوْا عَنْها بِأُمُورٍ، فَحَرَّفُوها، وتَرَكُوا العَمَلَ بِها، وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، وكَفَرُوا بِاللَّهِ، وعَصَوْا أمْرَهُ، ومِن ذَلِكَ ما اخْتُصَّ بِهِ بَعْضُهم، وما عَمِلَهُ أوائِلُهم، وما عَمِلَهُ أواخِرُهم، ولَمْ يَزالُوا في التِّيهِ، مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ الأعاجِيبَ، يُخالِفُونَ مُوسى، ويُظاهِرُونَ بِالمَعاصِي في عَسْكَرِهِمْ، حَتّى خُسِفَ بِبَعْضِهِمْ، وأحْرَقَتِ النّارُ بَعْضَهم، وعُوقِبُوا بِالطّاعُونِ، وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في تَراجِمِ التَّوْراةِ الَّتِي يَقْرَأُونَ بِها، ثُمَّ فَعَلَ ساحِرُوهم ما لا خَفاءَ بِهِ، حَتّى عُوقِبُوا بِتَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَرُوا بِالمَسِيحِ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، والقُرْآنُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيانُ ما تَوَلَّوْا بِهِ عَنِ التَّوْراةِ فالجُمْلَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ أسْلافِهِمْ. فَغَيْرُ عَجِيبٍ إنْكارُهم ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدُ، ﷺ، وحالُهم في كِتابِهِ ما ذَكَرَ.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] إلى قَبُولِ ما أُوتُوهُ، أوْ إلى أخْذِ المِيثاقِ والوَفاءِ بِهِ، ورَفْعِ الجَبَلِ، أوْ خُرُوجِ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ، أوِ الإيمانِ. أقْوالٌ.
﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾، الفَضْلُ: الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ: القُرْآنُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الفَضْلُ: قَبُولُ التَّوْبَةِ، والرَّحْمَةُ: العَفْوُ عَنِ الزَّلَّةِ، أوِ الفَضْلُ: التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ، والرَّحْمَةُ: القَبُولُ. أوِ الفَضْلُ: الرَّحْمَةُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم. أوِ الفَضْلُ والرَّحْمَةُ: بَعْثَةُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وإدْراكُهم لِمُدَّتِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، إذْ صارَ هَذا عائِدًا عَلى الحاضِرِينَ. والأقْوالُ قَبْلَهُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِهِ مَن سَلَفَ؛ لِأنَّهُ جاءَ في سِياقِ قِصَّتِهِمْ. وفَضْلُ اللَّهِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ: مَوْجُودٌ، وما يُشْبِهُهُ مِمّا يَلِيقُ بِالمَوْضِعِ. وعَلَيْكم: مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَضْلُ)، أوْ مَعْمُولٌ لَهُ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ مَوْجُودانِ.
(لَكُنْتُمْ): جَوابُ لَوْلا، والأكْثَرُ أنَّهُ إذا كانَ مُثْبَتًا تَدْخُلُهُ اللّامُ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ مُثْبَتًا إلّا بِاللّامِ، إلّا فِيما زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهَمَّ بِها﴾ [يوسف: ٢٤]، جَوابُ لَوْلا قُدِّمَ فَإنَّهُ لا لامَ مَعَهُ. وقَدْ جاءَ في كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ لامٍ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخُصُّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْلا الحَياءُ ولَوْلا الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي
وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ بَعْدَ اللّامِ قَدْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْلا الأمِيرُ ولَوْلا حَقُّ طاعَتِهِ ∗∗∗ لَقَدْ شَرِبْتُ دَمًا أحْلى مِنَ العَسَلِ
(p-٢٤٥)وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ أيْضًا حَذْفُ اللّامِ وإبْقاءُ (قَدْ) نَحْوَ: لَوْلا زَيْدٌ قَدْ أكْرَمْتُكَ.
﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ الخُسْرانَ: هو النُّقْصانُ، ومَعْناهُ مِنَ الهالِكِينَ في الدُّنْيا والأُخْرى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (كانَ) هُنا بِمَعْنى: صارَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: أخَذَ سُبْحانَهُ مِيثاقَ المُكَلَّفِينَ، ولَكِنَّ قَوْمًا أجابُوهُ طَوْعًا؛ لِأنَّهُ تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ، فَوَحَّدُوهُ، وقَوْمًا أجابُوهُ كَرْهًا؛ لِأنَّهُ سَتَرَ عَلَيْهِمْ فَجَحَدُوهُ، ولا حُجَّةَ أقْوى مِن عِيانِ ما رُفِعَ فَوْقَهم مِنَ الطَّوْرِ، ولَكِنْ عَدِمُوا نُورَ البَصِيرَةِ، فَلَمْ يَنْفَعْهم عِيانُ البَصَرِ. قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أيْ رَجَعْتُمْ إلى العِصْيانِ بَعْدَ مُشاهَدَتِكُمُ الإيمانَ بِالعِيانِ، ولَوْلا حُكْمُهُ بِإمْهالِهِ، وحُكْمُهُ بِإفْضالِهِ، لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ، ولَحَلَّ بِكم عَظِيمُ المُصِيبَةِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللَّطائِفِ: كانَتْ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ظُلُماتِ عِصْيانِها، تَخْبِطُ في عَشْواءَ حالِكَةَ الجِلْبابِ، وتَخْطُرُ مِن غَلَوائِها وعُلُوِّها، في حُلَّتَيْ كِبْرٍ وإعْجابٍ. فَلَمّا أُمِرُوا بِأخْذِ التَّوْراةِ، ورَأوْا ما فِيها مِن أثْقالِ التَّكالِيفِ، ثارَتْ نُفُوسُهُمُ الآبِيَةُ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَوَجَدُوهُ أثْقَلَ مِمّا كُلِّفُوهُ، فَهانَ عَلَيْهِمْ حَمْلُ التَّوْراةِ مَعَ ما فِيها مِنَ التَّكْلِيفِ والنَّصَبِ، إذْ ذاكَ أهْوَنُ مِنَ الهَلاكِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إلى اللَّهِ يُدْعى بِالبَراهِينِ مَن أبى ∗∗∗ فَإنْ لَمْ يُجِبْ نادَتْهُ بِيضُ الصَّوارِمِ
2:65Page 10
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥
And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."
﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ اللّامُ في لَقَدْ: هي لامُ تَوْكِيدٍ، وتُسَمّى: لامُ الِابْتِداءِ في نَحْوِ: لَزَيْدٌ قائِمٌ. ومِن أحْكامِها: أنَّ ما كانَ في حَيِّزِها لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها، إلّا إذا دَخَلَتْ عَلى خَبَرِ إنَّ عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ. وقَدْ صَنَّفَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ كِتابًا في اللّاماتِ ذَكَرَها فِيهِ وأحْكامَها. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِقِسْمٍ مَحْذُوفٍ، ولَكِنَّهُ جِيءَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ القِصَّةِ يُمْكِنُ أنْ يَبْهَتُوا في إنْكارِها، وذَلِكَ لَمّا نالَ في عُقْبى أُولَئِكَ المُعْتَدِينَ مِن مَسْخِهِمْ قِرَدَةً، فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَوْكِيدٍ، وأنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً. وعَلِمَ هُنا كَعَرَفَ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وظاهِرُ هَذا أنَّهم عَلِمُوا أعْيانَ المُعْتَدِينَ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: عَلِمْتُمْ أحْكامَ الَّذِينَ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: اعْتِداءَ الَّذِينَ، والِاعْتِداءُ كانَ عَلى ما نُقِلَ مِن أنَّ مُوسى أمَرَهُ اللَّهُ بِصَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وأمَرَهم بِالتَّشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْهُ وتَعَدَّوْهُ إلى يَوْمِ السَّبْتِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: أنْ دَعْهم وما اخْتارُوهُ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ صَيْدَ الحِيتانِ، فَكانَتْ تَأْتِي يَوْمَ السَّبْتِ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بِأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَّبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ يَظْهَرُوا لِلسَّبْتِ الآخَرِ. فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَّبْتِ، فَرَبَطَ حُوتًا بِخَزَمَةٍ، وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالسّاحِلِ. فَلَمّا ذَهَبَ السَّبْتُ، جاءَ فَأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ، فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَّبْتِ حَفِيرًا يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ، فَإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ، خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرَةِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ، ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرَةِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَّبْتِ فَأخَذَهُ. فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ. وكَثُرَ ذَلِكَ، حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَّبْتِ عَلانِيَةً وباعُوهُ في الأسْواقِ. فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ. وقَدْ رُوِيَتْ زِياداتٌ في كَيْفِيَّةِ الِاعْتِداءِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. والَّذِي يَصِحُّ في ذَلِكَ هو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وما صَحَّ عَنْ نَبِيِّهِ.
(مِنكم) في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: كائِنِينَ مِنكم، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ.
(في السَّبْتِ) مُتَعَلِّقٌ بِاعْتَدَوْا، إمّا عَلى إضْمارِ (يَوْمَ) أوْ حُكْمٌ. والحامِلُ عَلى الِاعْتِداءِ قِيلَ: الشَّيْطانُ وسْوَسَ لَهم وقالَ: إنَّما نُهِيتُمْ عَنْ أخْذِها يَوْمَ السَّبْتِ، ولَمْ تُنْهَوْا عَنْ حَبْسِها، فَأطاعُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم، ولَمْ يُعَجَّلْ لَهُ عُقُوبَةٌ، وتَشَبَّهَ بِهِ أُناسٌ مِنهم، وفَعَلُوا لِفِعْلِهِ، ظَنُّوا أنَّ السَّبْتَ قَدْ أُبِيحَ لَهم، فَتَمالَأ عَلى ذَلِكَ جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَأصابَهم ما أصابَهم. وقِيلَ: أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ مُتَأوِّلِينَ؛ لِأنَّهُ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، (p-٢٤٦)وقالُوا: إنَّما نَهانا اللَّهُ عَنْ أسْبابِ الِاكْتِسابِ الَّتِي تَشْغَلُنا عَنِ العِبادَةِ، ولَمْ يَنْهَنا عَنِ العَمَلِ اليَسِيرِ. وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ أوْباشُهم تَجَرِّيًا وعِصْيانًا، فَعَمَّ اللَّهُ الجَمِيعَ بِالعَذابِ.
﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا﴾: أمْرٌ مِنَ الكَوْنِ ولَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم إلى ما ذُكِرَ لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لَهم؛ لِأنَّهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ أعْيانِهِمْ قِرَدَةً، بَلِ المُرادُ مِنهُ سُرْعَةُ الكَوْنِ عَلى هَذا الوَصْفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ومَجازُهُ: أنَّهُ لَمّا أرادَ مِنهم ذَلِكَ صارُوا كَذَلِكَ. وظاهِرُ القُرْآنِ مَسْخُهم قِرَدَةً. وقِيلَ: لَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥]، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم حَتّى صارَتْ كَقُلُوبِ القِرَدَةِ، لا تَقْبَلُ وعْظًا ولا تَعِي زَجْرًا، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والقَوْلُ الأوَّلُ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يُبْقِيَ اللَّهُ لَهم فَهْمَ الإنْسانِيَّةِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِمْ قِرَدَةً. ورُوِيَ في بَعْضِ قَصَصِهِمْ: أنِ الواحِدَ مِنهم كانَ يَأْتِيهِ الشَّخْصُ مِن أقارِبِهِ الَّذِينَ نَهَوْهم فَيَقُولُ لَهُ: ألَمْ أنْهَكَ ؟ فَيَقُولُ لَهُ بِرَأْسِهِ: بَلى، وتَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلى خَدِّهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ في هَذا المَسْخِ شَيْءٌ مِنهم خَنازِيرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ الشَّبابَ صارُوا قِرَدَةً، والشُّيُوخَ صارُوا خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نُهُوا، وهَلَكَ سائِرُهم. ورُوِيَ في قَصَصِهِمْ: أنَّ اللَّهَ تَعالى مَسَخَ العاصِينَ قِرَدَةً بِاللَّيْلِ، فَأصْبَحَ النّاجُونَ إلى مَساجِدِهِمْ ومُجْتَمَعاتِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا مِنَ الهالِكِينَ، فَقالُوا: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الأبْوابَ، كَما كانَتْ مُغْلَقَةً بِاللَّيْلِ، فَوَجَدُوهم قِرَدَةً يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ والمَرْأةَ. وقِيلَ: إنِ النّاجِينَ قَدْ قَسَمُوا بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ القَرْيَةَ بِجِدارٍ تَبَرِّيًا مِنهم، فَأصْبَحُوا ولَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةُ الهالِكِينَ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الجِدارَ، فَإذا هم قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. قالَ قَتادَةُ: وصارُوا قِرَدَةً تُعاوِي، لَها أذْنابٌ، بَعْدَما كانُوا رِجالًا ونِساءً.
﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾: كِلاهُما خَبَرُ كانَ، والمَعْنى: أنَّهم يَكُونُونَ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ القِرَدَةِ والخُسُوءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خاسِئِينَ صِفَةً لِقِرْدَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنِ اسْمِ كُونُوا. ومَعْنى خاسِئِينَ: مُبْعَدِينَ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: خاسِرِينَ، كَأنَّهُ فَسَّرَ بِاللّازِمِ؛ لِأنَّ مَن أبْعَدَهُ اللَّهُ فَقَدْ خَسِرَ. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: عَلى أنَّ الَّذِينَ مَسَخَهُمُ اللَّهُ لَمْ يَأْكُلُوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، ولَمْ يَنْسَلُوا، بَلْ ماتُوا جَمِيعًا، وأنَّهم لَمْ يَعِيشُوا أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، وكانَ هَذا في زَمَنِ داوُدَ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وكانُوا في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ. ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ لِمَن سَألَهُ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ: أهِيَ مِمّا مُسِخَ ؟ فَقالَ: ”اللَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا، وأنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ“» . واخْتارَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ أنَّهم عاشُوا، وأنَّ القِرَدَةَ المَوْجُودِينَ الآنَ مِن نَسْلِهِمْ.
2:66Page 10
فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦
And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.
(فَجَعَلْناها): الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ أوْ عَلى الأُمَّةِ، أوْ عَلى الحالَةِ، أوْ عَلى المَسَخَةِ، أوْ عَلى الحِيتانِ، أوْ عَلى العُقُوبَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن: كُونُوا، أيْ فَجَعَلْنا كَيْنُونَتَهم قِرَدَةً خاسِئِينَ. (نَكالًا): أيْ عِبْرَةً، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ.
﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾: أيْ مِنَ القُرى، والضَّمِيرُ لِلْقَرْيَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لِمَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، (وما خَلْفَها): أيِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم باقِينَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها: أيْ ما دُونَها، و(ما خَلْفَها) يَعْنِي: لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ. والضَّمِيرُ لِلْأُمَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِلْحِيتانِ الَّتِي أصابُوا، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): ما مَضى مِن خَطاياهُمُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، قالَهُ مُجاهِدٌ. أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْها مِمَّنْ شاهَدَها، وما خَلْفَها مِمَّنْ لَمْ يُشاهِدْها، قالَهُ قُطْرُبٌ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلَ تِلْكَ الذُّنُوبِ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): مَن حَضَرَها مِنَ النّاجِينَ، و(ما خَلْفَها) مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَها. أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْها مِن (p-٢٤٧)عُقُوبَةِ الآخِرَةِ، و(ما خَلْفَها) في دُنْياهم، فَيُذْكَرُونَ بِها إلى قِيامِ السّاعَةِ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): لِما حَوْلَها مِنَ القُرى، و(ما خَلْفَها): وما يَحْدُثُ بَعْدَها مِنَ القُرى الَّتِي لَمْ تَكُنْ؛ لِأنَّ مَسْخَتَهم ذُكِرَتْ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، فاعْتَبَرُوا بِها، واعْتَبَرَ بِها مَن بَلَغَتْهم مِنَ الآخَرِينَ. أوْ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ فَجَعَلْناها وما خَلْفَها مِمّا أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، نَكالًا وجَزاءً، لا لِما بَيْنَ يَدَيْها، أيْ لِما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ لِاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ. فَهَذِهِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا. قالَ بَعْضُهم: والأقْرَبُ لِلصَّوابِ قَوْلُ مَن قالَ: (ما بَيْنَ يَدَيْها): مَن يَأْتِي مِنَ الأُمَمِ بَعْدَها. و(ما خَلْفَها): مَن بَقِيَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ لَمْ تَنَلْهُمُ العُقُوبَةُ، ومَن قالَ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فالمُرادُ أهْلُها.
﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: خَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . وقِيلَ: أرادَ نَكالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، قِيلَ: المُتَّقُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. وقِيلَ: اللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الَّذِينَ نُهُوا ونَجَوْا.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مُؤْمِنِي اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ، ومُؤْمِنِي غَيْرِهِمْ في كَيْنُونَةِ الأجْرِ لَهم، وأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَن يَراهم، وأنَّ إيمانَهم في الدُّنْيا أنْتَجَ لَهُمُ الأمْنَ في الآخِرَةِ، فَلا خَوْفٌ مِمّا يُسْتَقْبَلُ، ولا حُزْنٌ عَلى ما فاتَ إذْ مَنِ اسْتَقَرَّ لَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى مِنَ الكَرامَةِ، وقَدْ أدْخَلَ هَذِهِ الآيَةَ بَيْنَ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ لِيُبَيِّنَ أنَّ الفَوْزَ إنَّما هو لِمَن أطاعَ. وصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيْنَ آيَتَيْ عِقابٍ: إحْداهُما تَتَضَمَّنُ ضَرْبَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والأُخْرى تَتَضَمَّنُ ما عُوقِبُوا بِهِ مَن نَتْقِ الجَبَلِ فَوْقَهم، وأخْذِ المِيثاقِ، ثُمَّ تَوَلِّيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأعْلَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِحُسْنى عاقِبَةِ مَن آمَنَ، حَتّى مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي عُوقِبَ بِهاتَيْنِ العُقُوبَتَيْنِ، تَرْغِيبًا في الإيمانِ، وتَيْسِيرًا لِلدُّخُولِ في أشْرَفِ الأدْيانِ، وتَبْيِينًا أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَجْلِبُ إحْسانَهُ وفَضْلَهُ.
وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣] التَّذْكِيرَ بِالمِيثاقِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ كانَ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وأنَّهُ رَفَعَ الطُّورَ فَوْقَهم لِأنْ يَتُوبُوا ويَرْجِعُوا، وأنَّهم مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ هَذا الخارِقَ العَظِيمَ تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأنَّهُ لَوْلا أنْ تَدارَكَهم بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ لَخَسِرُوا، ثُمَّ أخَذَ يُذَكِّرُهم ما هو في طَيِّ عِلْمِهِمْ مِن عُقُوبَةِ العاصِينَ، ومَآلِ اعْتِداءِ المُعْتَدِينَ، وأنَّهُ بِاسْتِمْرارِ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ في إباحَةِ ما حَظَرَهُ الرَّحْمَنُ، يُعاقِبُ بِخُرُوجِ العاصِي مِن طَوْرِ الإنْسانِيَّةِ إلى طَوْرِ القِرْدِيَّةِ، فَبَيْنا هو يَفْرَحُ بِجَعْلِهِ مِن ذَوِي الألْبابِ، ويَمْرَحُ مُلْتَذًّا بِدَلالِ الخِطابِ، نُسِخَ اسْمُهُ مِن دِيوانِ الكَمالِ، ونُسِخَ شَكْلُهُ إلى أقْبَحِ مِثالٍ، هَذا مَعَ أعَدَّ لَهُ في الآخِرَةِ مِنَ النَّكالِ، والعُقُوباتُ عَلى الجَرائِمِ جارِيَةٌ عَلى المِقْدارِ، ناشِئَةٌ عَنْ إرادَةِ المَلِكِ القَهّارِ، لَيْسَتْ مِمّا تُدْرَكُ بِالقِياسِ، فَيَخُوضُ في تَعْيِينِها ألْبابُ النّاسِ، ومِثْلُ هَذِهِ العُقُوبَةِ تَكُونُ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، عِظَةً لِلْعاقِلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences