Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:73–74
2:73–74Page 11
فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣
So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.
ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤
Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.
﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾: جُمْلَةٌ (p-٢٦٠)مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] . والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّدارُؤَ لا يُجْدِي شَيْئًا، إذِ اللَّهُ تَعالى مُظْهِرٌ ما كُتِمَ مِن أمْرِ القَتِيلِ. والهاءُ في ”اضْرِبُوهُ“ عائِدٌ عَلى النَّفْسِ، عَلى تَذْكِيرِ النَّفْسِ، إذْ فِيها التَّأْنِيثُ، وهو الأشْهَرُ، والتَّذْكِيرُ، أوْ عَلى أنَّ الأوَّلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وإذْ قَتَلْتُمْ ذا نَفْسٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، فَرُوعِيَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢]، ورُوعِيَ المَحْذُوفُ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُذَكَّرًا في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾، أوْ عائِدٌ عَلى القَتِيلِ، أيْ، فَقُلْنا: اضْرِبُوا القَتِيلَ بِبَعْضِها. الظّاهِرُ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِأيِّ بَعْضٍ كانَ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ بِلِسانِها، أوْ بِفَخِذِها اليُمْنى، أوْ بِذَنَبِها، أوْ بِالغُضْرُوفِ، أوْ بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ، وهو أصْلُ الأُذُنِ، أوْ بِالبِضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ، أوْ بِالعَجْبِ، وهو أصْلُ الذَّنَبِ، أوْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ مَعًا، أوْ بِعَظْمٍ مِن عِظامِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والباءُ في بِبَعْضِها لِلْآلَةِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ بِالقَدُومِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، أيْ بِبَعْضِ البَقَرَةِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، دَلَّ عَلى ضَرَبُوهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، ودَلَّ عَلى فَحَيِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ . ونُقِلَ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عَلى جِيدِ القَتِيلِ، وذَلِكَ قَبْلَ دَفْنِهِ، ومَن قالَ: إنَّهم مَكَثُوا في طَلَبِها أرْبَعِينَ سَنَةً، أوْ مَن يَقُولُ: إنَّهم أُمِرُوا بِطَلَبِها، ولَمْ تَكُنْ في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ، فَلا يَكُونُ الضَّرْبُ إلّا بَعْدَ دَفْنِهِ. قِيلَ: عَلى قَبْرِهِ، والأظْهَرُ أنَّهُ المُباشَرُ بِالضَّرْبِ لا القَبْرَ. ورُوِيَ أنَّهُ قامَ وأوْداجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، وأخْبَرَ بِقاتِلِهِ فَقالَ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي، فَقالَ بَنُو أخِيهِ واللَّهِ ما قَتَلْناهُ، فَكَذَّبُوا بِالحَقِّ بَعْدَ مُعايَنَتِهِ، ثُمَّ ماتَ مَكانَهُ. وفي بَعْضِ القَصَصِ أنَّهُ قالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ، لِابْنَيْ عَمِّهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا، فَأُخِذا وقُتِلا، ولَمْ يُوَرِّثُوا قاتِلًا بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: كانَ الضَّرْبُ بِمَيِّتٍ لا حَياةَ فِيهِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ عَلى ذِي شُبْهَةٍ أنَّ الحَياةَ إنَّما انْقَلَبَتْ إلَيْهِ مِمّا ضُرِبَ بِهِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ وتَتَأكَّدَ الحُجَّةُ.
﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾: إنَّ كانَ هَذا خِطابًا لِلَّذِينِ حَضَرُوا إحْياءَ القَتِيلِ، كانَ ثَمَّ إضْمارُ قَوْلٍ، أيْ وقُلْنا لَهم: كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدَّرَهُ الماوَرْدِيُّ خِطابًا مِن مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ كانَ لِمُنْكِرِي البَعْثِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ. والمَعْنى: كَما أُحْيِيَ قَتِيلُ بَنِي إسْرائِيلَ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، لِانْتِظامِ الآيِ في نَسَقٍ واحِدٍ، ولِئَلّا يَخْتَلِفَ خِطابُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، وخِطابُ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ لِأنَّ ظاهِرَ ”قُلُوبُكم“ أنَّهُ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ. والكافُ مِن كَذَلِكَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾، أيْ إحْياءً مِثْلَ ذَلِكَ الإحْياءِ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، والمُماثَلَةُ إنَّما هي في مُطْلَقِ الإحْياءِ لا في كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى إحْياءِ القَتِيلِ. وجَعَلَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ ذَلِكَ إشارَةً إلى نَفْسِ القَتِيلِ، ويُحْتاجُ في تَصْحِيحِ ذَلِكَ إلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِثْلَ إحْياءِ ذَلِكَ القَتِيلِ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، فَجَعْلُهُ إشارَةً إلى المَصْدَرِ أوْلى وأقَلُّ تَكَلُّفًا. وإذا كانَ ذَلِكَ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ الحاضِرِينَ إحْياءَ القَتِيلِ، فَحِكْمَةُ مُشاهَدَةِ ذَلِكَ، وإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ، اطْمِئْنانُ قُلُوبِهِمْ وانْتِفاءُ الشُّبْهَةِ عَنْهم، إذِ الَّذِي كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ بِالِاسْتِدْلالِ آمَنُوا بِهِ مُشاهَدَةً.
﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ الِاسْتِئْنافُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى يُحْيِي، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ جَمْعٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، وهي ما أراهم مِن إحْياءِ المَيِّتِ، والعَصا، والحَجَرِ، والغَمامِ، والمَنِّ والسَّلْوى، والسِّحْرِ، والبَحْرِ، والطُّورِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وكانُوا مَعَ ذَلِكَ أعْمى النّاسِ قُلُوبًا، وأشَدَّ قَسْوَةً وتَكْذِيبًا لِنَبِيِّهِمْ في تِلْكَ الأوْقاتِ الَّتِي شاهَدُوا فِيها تِلْكَ العَجائِبَ والمُعْجِزاتِ. وقالَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾، وإنْ كانَتْ آيَةً واحِدَةً، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى (p-٢٦١)وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، المُخْتارِ في الإيجادِ والإبْداعِ، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى بَراءَةِ ساحَةِ مَن لَمْ يَكُنْ قاتِلًا، وعَلى تَعَيُّنِ تِلْكَ التُّهْمَةِ عَلى مَن باشَرَ ذَلِكَ القَتْلَ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾: أيْ لَعَلَّكم تَمْتَنِعُونَ مِن عِصْيانِهِ، وتَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِكم، مِن أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها، لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ، ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، أيْ كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في الأسْبابِ والشُّرُوطِ حِكَمٌ وفَوائِدُ، وإنَّما شُرِطَ ذَلِكَ لِما في ذَبْحِ البَقَرَةِ مِنَ التَّقَرُّبِ، وأداءِ التَّكْلِيفِ، واكْتِسابِ الثَّوابِ، والإشْعارِ بِحُسْنِ تَقْدِيمِ القُرْبَةِ عَلى الطَّلَبِ، وما في التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، لِتَشْدِيدِهِمْ، مِنَ اللُّطْفِ لَهم ولِآخَرِينَ في تَرْكِ التَّشْدِيدِ، والمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، وارْتِسامِها عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ تَفْتِيشٍ وتَكْثِيرِ سُؤالٍ، ونَفْعِ اليَتِيمِ بِالتِّجارَةِ الرّابِحَةِ، والدَّلالَةِ عَلى بَرَكَةِ البَرِّ بِالأبَوَيْنِ، والشَّفَقَةِ عَلى الأوْلادِ، وتَجْهِيلِ الهازِئِ بِما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ، ولا يَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن كَلامِ الحُكَماءِ. وبَيانِ أنَّ مِن حَقِّ المُتَقَرِّبِ إلى رَبِّهِ أنْ يَتَنَوَّقَ في اخْتِيارِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ، وأنْ يَخْتارَهُ فَتِيَّ السِّنِّ غَيْرَ فَخْمٍ ولا ضَرِعٍ، حَسَنَ اللَّوْنِ بَرِيئًا مِنَ العُيُوبِ، يُونِقُ مَن يَنْظُرُ إلَيْهِ، وأنْ يُغالِيَ بِثَمَنِهِ، كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ ضَحّى بِنَجِيبَةٍ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ، وأنَّ الزِّيادَةَ في الخِطابِ نَسْخٌ لَهُ، وأنَّ النَّسْخَ قَبْلَ الفِعْلِ جائِزٌ، وإنْ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ وقْتِ الفِعْلِ وإمْكانِهِ لِأدائِهِ إلى البَدْءِ، ولِيَعْلَمَ بِما أُمِرَ مِن مَسِّ المَيِّتِ بِالمَيِّتِ، وحُصُولِ الحَياةِ عَقِيبَهُ، وأنَّ المُؤَثِّرَ هو المُسَبِّبُ لا الأسْبابُ؛ لِأنَّ المَوْتَيْنِ الحاصِلَيْنِ في الجِسْمَيْنِ لا يُعْقَلُ أنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُما حَياةٌ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أحْكامًا فِقْهِيَّةً، انْتَزَعُوها واسْتَدَلُّوا عَلَيْها مِن قِصَّةِ هَذا القَتِيلِ، ولا يَظْهَرُ اسْتِنْباطُهم ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى حِرْمانِ القاتِلِ مِيراثَ المَقْتُولِ، وإنْ كانَ مِمَّنْ يَرِثُهُ. وأقُولُ: لا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما القِصَّةُ، إنْ صَحَّتْ، تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ في آخِرِها: فَما ورِثَ قاتِلٌ بَعْدَها مِمَّنْ قَتَلَهُ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ لا مِيراثَ لَهُ، عَمْدًا كانَ أوْ خَطَأً، لا مِن دِيَتِهِ، ولا مِن سائِرِ مالِهِ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ وأبُو يُوسُفَ، إلّا أنَّ أصْحابَ أبِي حَنِيفَةَ قالُوا: إنْ كانَ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا، ورِثَ. وقالَ عُثْمانُ اللَّيْثِيُّ: يَرِثُ قاتِلُ الخَطَأِ. وقالَ ابْنُ وهْبٍ، عَنْ مالِكٍ: لا يَرِثُ قاتِلُ العَمْدِ مِن دِيَتِهِ، ولا مِن مالِهِ. وإنْ قَتَلَهُ خَطَأً يَرِثُ مِن مالِهِ دُونَ دِيَتِهِ. ويُرْوى مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ. وقالَ المُزَنِيُّ، عَنِ الشّافِعِيِّ: إذا قَتَلَ الباغِي العادِلَ، أوِ العادِلُ الباغِيَ، لا يَتَوارَثانِ لِأنَّهُما قاتِلانِ. وقالُوا: اسْتَدَلَّ مالِكٌ في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ وابْنِ وهْبٍ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالقَسامَةِ، بِقَوْلِ المَقْتُولِ: دَمِي عِنْدَ فُلانٍ، أوْ فُلانٌ قَتَلَنِي، وقالَ الجُمْهُورُ خِلافَهُ. وقالُوا في صِفَةِ البَقَرَةِ اسْتِدْلالٌ لِمَن قالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ الفُقَهاءِ، قالُوا: في هَذِهِ الآياتِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى حَصْرِ الحَيَوانِ بِصِفاتِهِ، أنَّهُ إذا حُصِرَ بِصِفَةٍ يُعْرَفُ بِها جازَ السَّلَمُ فِيهِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ السَّلَمُ في الحَيَوانِ. ودَلائِلُ هَذِهِ المَسائِلِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ خِلافِ الفُقَهاءِ، ولا يَظْهَرُ اسْتِنْباطُ شَيْءٍ مِن هَذا مِن هَذِهِ القِصَّةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ اللَّهُ أنْ يُحْيِيَ مَيِّتَهم لِيُفْصِحَ بِالشَّهادَةِ عَلى قاتِلِهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ حَيَوانٍ لَهم، فَجَعَلَ سَبَبَ حَياةِ مَقْتُولِهِمْ بِقَتْلِ حَيَوانٍ لَهم، صارَتِ الإشارَةُ مِنهُ أنَّ مَن أرادَ حَياةَ قَلْبِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إلّا بِذَبْحِ نَفْسِهِ. فَمَن ذَبَحَ نَفْسَهُ بِالمُجاهَداتِ حَيِيَ قَلْبُهُ بِأنْوارِ المُشاهَداتِ، وكَذَلِكَ مَن أرادَ حَياةً في الأبَدِ أماتَ في الدُّنْيا ذِكْرَهُ بِالخُمُولِ.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، مَعْنى ثُمَّ قَسَتْ: اسْتِبْعادُ القَسْوَةِ بَعْدَما ذَكَرَ ما يُوجِبُ لِينَ القُلُوبِ ورِقَّتَها ونَحْوَهُ، ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ. انْتَهى. وهو يُذْكَرُ (p-٢٦٢)عَنْهُ أنَّ العَطْفَ بِثُمَّ يَقْتَضِي الِاسْتِبْعادَ، ولِذَلِكَ قِيلَ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . وهَذا الِاسْتِبْعادُ لا يُسْتَفادُ مِنَ العَطْفِ بِثُمَّ، وإنَّما يُسْتَفادُ مِن مَجِيءِ هَذِهِ الجُمَلِ ووُقُوعِها بَعْدَما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَقْتَضِي وُقُوعَها، ولِأنَّ صُدُورَ هَذا الخارِقِ العَظِيمِ الخارِجِ عَنْ مِقْدارِ البَشَرِ فِيهِ مِنَ الِاعْتِبارِ والعِظاتِ ما يَقْتَضِي لِينَ القُلُوبِ والإنابَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، والتَّسْلِيمَ لِأقْضِيَتِهِ، فَصَدَرَ مِنهم غَيْرُ ذَلِكَ مِن غِلَظِ القُلُوبِ وعَدَمِ انْتِفاعِها بِما شاهَدَتْ، والتَّعَنُّتِ والتَّكْذِيبِ، حَتّى نُقِلَ أنَّهم بَعْدَما حَيِيَ القَتِيلُ، وأخْبَرَ بِمَن قَتَلَهُ قالُوا: كَذَبَ. والضَّمِيرُ في ”قُلُوبُكم“ ضَمِيرُ ورَثَةِ القَتِيلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُ، وأنْكَرُوا قَتْلَهُ. وقِيلَ: قُلُوبُ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا قَسَتْ بِمَعاصِيهِمْ وما ارْتَكَبُوهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ. وكَنّى بِالقَسْوَةِ عَنْ نُبُوِّ القَلْبِ عَنِ الِاعْتِبارِ، وأنَّ المَواعِظَ لا تَجُولُ فِيها. وأتى بِمِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ إشْعارًا بِأنَّ القَسْوَةَ كانَ ابْتِداؤُها عَقِيبَ مُشاهَدَةِ ذَلِكَ الخارِقِ، ولَكِنَّ العَطْفَ بِثُمَّ يَقْتَضِي المُهْلَةَ، فَيَتَدافَعُ مَعْنى ثُمَّ، ومَعْنى مِن، فَلا بُدَّ مِن تَجَوُّزٍ في أحَدِهِما. والتَّجَوُّزُ في ثُمَّ أوْلى؛ لِأنَّ سَجاياهم تَقْتَضِي المُبادَرَةَ إلى المَعاصِي بِحَيْثُ يُشاهِدُونَ الآيَةَ العَظِيمَةَ، فَيَنْحَرِفُونَ إثْرَها إلى المَعْصِيَةِ عِنادًا وتَكْذِيبًا، والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ: إلى إحْياءِ القَتِيلِ، وقِيلَ: إلى كَلامِ القَتِيلِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ مِن مَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ورَفْعِ الجَبَلِ، وانْبِجاسِ الماءِ، وإحْياءِ القَتِيلِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾: يُرِيدُ في القَسْوَةِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ حُكِمَ فِيها بِتَشْبِيهِ قُلُوبِهِمْ بِالحِجارَةِ، إذِ الحَجَرُ لا يَتَأثَّرُ بِمَوْعِظَةٍ، ويَعْنِي أنَّ قُلُوبَهم صُلْبَةٌ، لا تُخَلْخِلُها الخَوارِقُ، كَما أنَّ الحَجَرَ خُلِقَ صُلْبًا. وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ اعْتِياصَ قُلُوبِهِمْ لَيْسَ لِعارِضٍ، بَلْ خُلِقَ ذَلِكَ فِيها خَلْقًا أوَّلِيًّا، كَما أنَّ صَلابَةَ الحَجَرِ كَذَلِكَ. والكافُ المُفِيدَةُ مَعْنى التَّشْبِيهِ: حَرْفٌ وفاقًا لِسِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ، خِلافًا لِمَنِ ادَّعى أنَّها تَكُونُ اسْمًا في الكَلامِ، وهو عَنِ الأخْفَشِ. فَتَعَلُّقُهُ هُنا بِمَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: فَهي كائِنَةٌ كالحِجارَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، إذْ زَعَمَ أنَّ كافَ التَّشْبِيهِ لا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ، ودَلائِلُ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. والألِفُ واللّامُ في الحِجارَةِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ. وجُمِعَتِ الحِجارَةُ ولَمْ تُفْرَدْ، فَيُقالَ كالحَجْرِ، فَيَكُونَ أخْصَرَ، إذْ دَلالَةُ المُفْرَدِ عَلى الجِنْسِ كَدَلالَةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ قُلُوبَهم جَمْعٌ، فَناسَبَ مُقابَلَتَهُ بِالجَمْعِ، ولِأنَّ قُلُوبَهم مُتَفاوِتَةٌ في القَسْوَةِ، كَما أنَّ الحِجارَةَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّلابَةِ. فَلَوْ قِيلَ: كالحَجَرِ، لَأفْهَمَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّفاوُتِ، إذْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِن حَيْثُ الإفْرادُ ذَلِكَ.
﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾، أوْ: بِمَعْنى الواوِ، أوْ بِمَعْنى أوْ لِلْإبْهامِ، أوْ لِلْإباحَةِ، أوْ لِلشَّكِّ، أوْ لِلتَّخْيِيرِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ، أقْوالٌ: وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مَثَلًا لِهَذِهِ المَعانِي، والأحْسَنُ القَوْلُ الأخِيرُ. وكَأنَّ قُلُوبَهم عَلى قِسْمَيْنِ: قُلُوبٌ كالحِجارَةِ قَسْوَةً، وقُلُوبٌ أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ، فَأجْمَلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ثُمَّ فَصَّلَ ونَوَّعَ إلى مُشَبَّهٍ بِالحِجارَةِ، وإلى أشَدَّ مِنها، إذْ ما كانَ أشَدُّ، كانَ مُشارِكًا في مُطْلَقِ القَسْوَةِ، ثُمَّ امْتازَ بِالأشَدِّيَّةِ. وانْتِصابُ ”قَسْوَةً“ عَلى التَّمْيِيزِ، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى تَقْتَضِيهِ الكافُ ويَقْتَضِيهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَنْتَصِبُ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. تَقُولُ: زَيْدٌ كَعَمْرٍو حِلْمًا، وهَذا التَّمْيِيزُ مُنْتَصِبٌ بَعْدَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، وهو نَقْلٌ غَرِيبٌ، فَتُؤَخِّرُ هَذا التَّمْيِيزَ وتُقِيمُ ما كانَ مُضافًا إلَيْهِ مُقامَهُ. تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنُ وجْهًا مِن عَمْرٍو، وتَقْدِيرُهُ: وجْهُ زَيْدٍ أحْسَنُ مِن وجْهِ عَمْرٍو، فَأخَّرْتَ وجْهًا وأقَمْتَ ما كانَ مُضافًا مُقامَهُ، فارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ، كَما كانَ وجْهُ مُبْتَدَأً، ولَمّا تَأخَّرَ أدّى إلى حَذْفِ وجْهٍ مِن قَوْلِكَ: مِن وجْهِ عَمْرٍو، وإقامَةِ عَمْرٍو مُقامَهُ، فَقُلْتَ: مِن عَمْرٍو، وإنَّما كانَ الأصْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِزِيادَةِ الحُسْنِ حَقِيقَةً لَيْسَ الرَّجُلَ إنَّما هو الوَجْهُ، ونَظِيرُ هَذا: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الحَسَنِ الوَجْهِ، أوِ الوَجْهُ أصْلُ هَذا الرَّفْعِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالحُسْنِ حَقِيقَةً لَيْسَ هو الرَّجُلَ إنَّما هو الوَجْهُ، وإنَّما أوْضَحْنا هَذا؛ لِأنَّ ذِكْرَ مَجِيءِ التَّمْيِيزِ مَنقُولًا مِنَ (p-٢٦٣)المُبْتَدَأِ غَرِيبٌ، وأفْرَدَ ”أشَدُّ“، وإنْ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جَمْعٍ؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَها هُنا هو بِمِن، لَكِنَّها حُذِفَتْ، وهو مَكانٌ حَسَّنَ حَذْفَها، إذْ وقَعَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، وعُطِفَ أوْ أشَدُّ عَلى قَوْلِهِ: كالحِجارَةِ، فَهو عَطْفُ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُفْرَدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عَلى سَفَرٍ، أوْ مُقِيمٌ، فالضَّمِيرُ الَّذِي في ”أشَدُّ“ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، ولا حاجَةَ إلى ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ ارْتِفاعَهُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ هي أشَدُّ قَسْوَةً، فَيَصِيرَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ مِثْلُ أشَدِّ، فُحُذِفَ مِثْلُ وأُقِيمَ أشَدُّ مُقامَهُ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ في ”أشَدُّ“ إذْ ذاكَ غَيْرَ عائِدٍ عَلى القُلُوبِ، إذْ كانَ الأصْلُ أوْ مِثْلُ شَيْءٍ أشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ، فالضَّمِيرُ في ”أشَدُّ“ عائِدٌ عَلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ بِـ ”أشَدُّ“ المَحْذُوفِ. ويُعَضِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ الثّانِيَ قِراءَةُ الأعْمَشِ، بِنَصْبِ الدّالِ عَطْفًا عَلى كالحِجارَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَنْبَغِي أنْ لا يُصارَ إلى هَذا إلّا في هَذِهِ القِراءَةِ خاصَّةً. وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، فَلَها التَّوْجِيهُ السّابِقُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا إضْمارَ فِيهِ، فَكانَ أرْجَحَ.
وقَدْ رَدَّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ في مُنْتَخَبِهِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلَهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ، فَقالَ: هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، لا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يُجِيزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا إلّا في الشِّعْرِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ في الكَلامِ، فَكَيْفَ في القُرْآنِ ؟ فَأوْلى أنْ يَكُونَ أشَدُّ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ وهي أشَدُّ. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ صَحِيحٌ، ولا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ، أنَّ الكافَ اسْمٌ، إنَّما يُرِيدُ مَعْطُوفًا عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ مَرْفُوعٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الكافِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ. وقَوْلَهُ: فالأوْلى أنْ يَكُونَ أشَدُّ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ هي أشَدُّ، قَدْ بَيَّنّا أنَّ الأوْلى غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ أشَدُّ قَسْوَةً ؟ وفِعْلُ القَسْوَةِ مِمّا يَخْرُجُ مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وفِعْلُ التَّعَجُّبِ، قُلْتُ: لِكَوْنِهِ أبْيَنَ وأدَلَّ عَلى فَرْطِ القَسْوَةِ. ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ لا يُقْصَدَ مَعْنى الأقْسى، ولَكِنْ قُصِدَ وصْفُ القَسْوَةِ بِالشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَدَّتْ قَسْوَةُ الحِجارَةِ، وقُلُوبُهم أشَدُّ قَسْوَةً. انْتَهى كَلامُهُ. ومَعْنى قَوْلِهِ: وفِعْلُ القَسْوَةِ مِمّا يَخْرُجُ مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وفِعْلُ التَّعَجُّبِ أنَّ قَسا يَجُوزُ أنْ يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وفِعْلُ التَّعَجُّبِ بِجَوازِ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ المُجَوِّزَةِ لِبِناءِ ذَلِكَ، وهي كَوْنُهُ مِن فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ مُتَصَرِّفٍ تامٍّ قابِلٍ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ مُثْبَتٍ. وفي كَوْنِهِ مِن أفْعَلَ، أوْ مِن كَوْنٍ، أوْ مِن مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ خِلافٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أوْ أشَدُّ قَساوَةً، وهو مَصْدَرٌ لِقَسا أيْضًا.
﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾: لَمّا شَبَّهَ تَعالى قُلُوبَهم بِالحِجارَةِ في القَسْوَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها أشَدُّ قَسْوَةً عَلى اخْتِلافِ النّاسِ (p-٢٦٤)فِي مَفْهُومِ ”أوْ“، بَيَّنَ أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِما عَلِمَهُ المُخاطَبُ مِن صَلابَةِ الأحْجارِ، وأخَذَ يَذْكُرُ جِهَةَ كَوْنِ قُلُوبِهِمْ أشَدَّ قَسْوَةً: والمَعْنى أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ جاسِيَةٌ صُلْبَةٌ لا تُلَيِّنُها المَواعِظُ، ولا تَتَأثَّرُ لِلزَّواجِرِ، وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَقْبَلُ التَّخَلْخُلَ، وأنَّها مُتَفاوِتَةٌ في قَبُولِ ذَلِكَ، عَلى حَسَبِ التَّقْسِيمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ تَعالى ونَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ. فَقَدْ فُضِّلَتِ الأحْجارُ عَلى قُلُوبِهِمْ في أنَّ مِنها ما يَقْبَلُ التَّخَلْخُلَ، وأنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ في شِدَّةِ القَساوَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ إلى آخِرِهِ، هو عَلى سَبِيلِ المَثَلِ، بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَ الحَجَرُ مِمَّنْ يَعْقِلُ لَسَقَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَشَقَّقَ مِن هَيْبَتِهِ، وأنْتُمْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيكُمُ العَقْلَ الَّذِي بِهِ إدْراكُ الأُمُورِ، والنَّظَرُ في عَواقِبِ الأشْياءِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقُلُوبُكم أشَدُّ قَسْوَةً، وأبْعَدُ عَنِ الخَيْرِ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ: بَلْ أخْبَرَ عَنِ الحِجارَةِ بِعَيْنِها، وقَسَّمَها لِهَذِهِ الأقْسامِ، وتَبَيَّنَ بِهَذا التَّقْسِيمِ كَوْنُ قُلُوبِهِمْ أشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وإنَّ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ قَتادَةُ: وإنْ مُخَفَّفَةً، وكَذا في المَوْضِعَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُعْمَلَةً، ويَكُونَ مِنَ الحِجارَةِ في مَوْضِعِ خَبَرِها، و”ما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، وهو اسْمُها، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، أُدْخِلَتْ عَلى الِاسْمِ المُتَأخِّرِ، والِاسْمُ إذا تَأخَّرَ جازَ دُخُولُ اللّامِ عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ [القلم: ٣]، وإعْمالُها مُخَفَّفَةً لا يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِنَ العَرَبِ، وهو قَوْلُهم: إنْ عَمْرًا لَمُنْطَلِقٌ، بِسُكُونِ النُّونِ، إلّا أنَّها إذا خُفِّفَتْ لا تَعْمَلُ في ضَمِيرِ لا، تَقُولُ: إنَّكَ مُنْطَلِقٌ، إلّا إنْ ورَدَ في الشَّعْرِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا تَكُونَ مُعْمَلَةً، بَلْ تَكُونُ مُلْغاةً، و”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. واللّامُ في ”لَما“ مُخْتَلَفٌ فِيها، فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ لَزِمَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنَّ المُؤَكِّدَةِ وإنِ النّافِيَةِ، وهو مَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ الصَّغِيرِ. وأكْثَرِ نُحاةِ بَغْدادَ، وبِهِ قالَ مِن نُحاةِ بِلادِنا أبُو الحَسَنِ بْنُ الأخْضَرِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها لامٌ اخْتُلِسَتْ لِلْفَرْقِ، ولَيْسَتْ لامَ الِابْتِداءِ، وبِهِ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. ومِن كُبَراءِ بِلادِنا ابْنُ أبِي العالِيَةِ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ والمُعْرِبُونَ في إنِ المُخَفَّفَةِ هُنا إلّا هَذا الوَجْهَ الثّانِيَ، وهو أنَّها المُلْغاةُ، وأنَّ اللّامَ في ”لَما“ لَزِمَتْ لِلْفَرْقِ. قالَ المَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ إنْ، فَهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ لازِمَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ إنِ الَّتِي بِمَعْنى ما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ لامُ التَّوْكِيدِ في لَما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: وإنْ بِالتَّخْفِيفِ، وهي إنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ الَّتِي يَلْزَمُها اللّامُ الفارِقَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ [يس: ٣٢]، وجَعْلُهم إنْ هي المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الفَرّاءُ فَزَعَمَ فِيما ورَدَ مِن ذَلِكَ أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، فَإذا قُلْتَ: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، فَمَعْناهُ عِنْدَهُ: ما زَيْدٌ إلّا قائِمٌ. وأمّا الكِسائِيُّ فَزَعَمَ أنَّها إنْ ولِيَها فِعْلٌ كانَتْ إنْ نافِيَةً، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وإنْ ولِيَها اسْمٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وذَهَبَ قُطْرُبٌ إلى أنَّها إذا ولِيَها فِعْلٌ كانَتْ بِمَعْنى قَدْ، والكَلامُ عَلى هَذا المَذْهَبِ في كُتُبِ النَّحْوِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَما بِمِيمٍ مُخَفَّفَةٍ وهي مَوْصُولَةٌ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، قالَهُ في المَوْضِعَيْنِ، ولَعَلَّهُ سَقَطَتْ واوٌ أيْ وفي المَوْضِعَيْنِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ، وما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّها غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ لا يَتَمَشّى إلّا إذا نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ يَقْرَأُ وإنَّ بِالتَّشْدِيدِ، فَحِينَئِذٍ يَعْسُرُ تَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءَةِ. أمّا إذا قَرَأ بِتَخْفِيفِ إنْ، وهو المَظْنُونُ بِهِ ذَلِكَ، فَيَظْهَرُ تَوْجِيهُها بَعْضَ ظُهُورٍ، إذْ تَكُونُ إنْ نافِيَةً، وتَكُونُ لَمّا بِمَنزِلَةِ إلّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥]، في قِراءَةِ مَن قَرَأ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ، ويَكُونُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المُبْتَدَأُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وما مِنَ الحِجارَةِ حَجَرٌ إلّا يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، وكَذَلِكَ ”ما“ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٦٥)﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، أيْ وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، أيْ وما مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ، وحَذْفُ هَذا المُبْتَدَأِ أحْسَنُ، لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ يُشَكِّلُ مَعْنى الحَصْرِ، إذْ يَظْهَرُ بِهَذا التَّفْضِيلِ أنَّ الأحْجارَ مُتَعَدِّدَةٌ، فَمِنها ما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، ومِنها ما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، ومِنها ما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. وإذا حَصَرْتَ، أفْهَمَ المَفْهُومُ قَبْلَهُ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الأحْجارِ فِيهِ هَذِهِ الأوْصافُ كُلُّها، أيْ تَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، ويَتَشَقَّقُ مِنهُ الماءُ، ويَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. ولا يَبْعُدُ ذَلِكَ إذا حُمِلَ اللَّفْظُ عَلى القابِلِيَّةِ، إذْ كُلُّ حَجَرٍ يَقْبَلُ ذَلِكَ، ولا يَمْتَنِعُ فِيهِ، إذا أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ. فَإذا تَلَخَّصَ هَذا كُلُّهُ كانَتِ القِراءَةُ مُتَوَجِّهَةً عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَقْرَأ طَلْحَةُ وإنْ بِالتَّخْفِيفِ. وأمّا إنْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ يَقْرَأُ وإنَّ بِالتَّشْدِيدِ، فَيَعْسُرُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ. وأمّا مَن زَعَمَ أنَّ إنَّ المُشَدَّدَةَ هي بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ، ولا يَثْبُتُ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ. ويُمْكِنُ أنْ تُوَجَّهَ قِراءَةُ طَلْحَةَ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ، مَعَ قِراءَةِ إنَّ بِالتَّشْدِيدِ، بِأنْ يَكُونَ اسْمُ إنَّ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ:
؎ولَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافِرِ
وفِي قَوْلِهِ:
؎فَلَيْتَ دَفَعْتَ الهَمَّ عَنِّي ساعَةً
وتَكُونُ لَمّا بِمَعْنى حِينَ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ، أوْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وإنَّ مِنها مُنْقادًا، أوْ لَيِّنًا، وما أشْبَهَ هَذا. فَإذا كانُوا قَدْ حَذَفُوا الِاسْمَ والخَبَرَ عَلى ما تَأوَّلَهُ بَعْضُهم في لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، فَقالَ: إنَّ وصاحِبَها، فَحَذْفُ الِاسْمِ وحْدَهُ أسْهَلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَتَفَجَّرُ بِالياءِ، مُضارِعُ تَفَجَّرَ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يَنْفَجِرُ بِالياءِ، مُضارِعُ انْفَجَرَ، وكِلاهُما مُطاوِعٌ. أمّا يَتَفَجَّرُ فَمُطاوِعُ تَفَجَّرَ، وأمّا يَنْفَجِرُ فَمُطاوِعُ فَجَرَ مُخَفَّفًا. والتَّفَجُّرُ: التَّفَتُّحُ بِالسَّعَةِ والكَثْرَةِ، والِانْفِجارُ دُونَهُ، والمَعْنى: إنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما فِيهِ خُرُوقٌ واسِعَةٌ يَنْدَفِقُ مِنها الماءُ الكَثِيرُ الغَمْرُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والضَّحّاكُ: مِنها الأنْهارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنهُ. فالقِراءَةُ الأُولى حَمْلٌ عَلى المَعْنى، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ ما لَها هُنا لَفْظٌ ومَعْنًى؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الحِجارَةُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ مُفْرَدًا لِمَعْنًى، فَيَكُونَ لَفْظُهُ ومَعْناهُ واحِدًا، إذْ لَيْسَ المَعْنى ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ لَلْحَجَرَ الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنهُ الماءُ، إنَّما المَعْنى لَلْأحْجارَ الَّتِي يَتَفَجَّرُ مِنها الأنْهارُ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى الأنْهارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] الآيَةَ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الحَجَرَ الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، هو الحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences