Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:77–81

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:77–81

2:77–78Page 12

أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧

But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?

وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾: هَذا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لَهم، أيْ إذا كانَ عِلْمُ اللَّهِ مُحِيطًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ، وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم أنْ يُنافِقُوا ويَتَظاهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهم خِلافَهُ، فَلا يُجامِعُ حالَةَ نِفاقِهِمْ بِحالَةِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِذَلِكَ، والأوْلى حَمْلُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ عَلى العُمُومِ، إذْ هو ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِيلَ: الَّذِي أسَرُّوهُ الكُفْرُ، والَّذِي أعْلَنُوهُ الإيمانُ. وقِيلَ: العَداوَةُ والصَّداقَةُ. وقِيلَ: قَوْلُهم لِشَياطِينِهِمْ إنّا مَعَكم، وقَوْلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا. وقِيلَ: صِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وتَغْيِيرُ صِفَتِهِ إلى صِفَةٍ أُخْرى، حَتّى لا تَقُومَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: أوَلا تَعْلَمُونَ بِالتّاءِ، قالُوا: فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى جَهْلِهِمْ بِعالِمِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لَهم، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى سَماعِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ وأعادَ الضَّمِيرَ إلى الغَيْبَةِ، إهْمالًا لَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، ويَكُونُ حِكْمَتُهُ في الحالَتَيْنِ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِثْلَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾، أنَّ الفاءَ والواوَ فِيهِما لِلْعَطْفِ، وأنَّ (p-٢٧٥)أصْلَهُما أنْ يَكُونا أوَّلَ الكَلامِ، لَكِنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَتْ. وذَكَرْنا طَرِيقَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ في ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. و﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المُفْرَدِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَعَرَفَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، كَظَنَنْتُ، وهَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ. وأمّا الأخْفَشُ، فَإنَّها تَسُدُّ عِنْدَهُ مَسَدَّ مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَجْعَلُ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ هَذا الخِلافِ، والعائِدُ عَلى ”ما“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُسِرُّونَهُ ويُعْلِنُونَهُ. وظاهِرُ هَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهم أنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، أيْ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ والعَلانِيَةَ، أيْ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلا يُناسِبُهُمُ النِّفاقُ والتَّكْذِيبُ بِما يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. وقِيلَ: ذَلِكَ تَقْرِيعٌ لَهم وحَثٌّ عَلى التَّفَكُّرِ، فَيَعْلَمُونَ بِالتَّفَكُّرِ ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ التَّوْراةِ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَزِمَهُمُ الِاعْتِرافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ودَلَّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِها، أقْبَحُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ وما أشْبَهَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُغْضِي عَنِ المُنافِقِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ، وذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا، فَأغْضى عَنْهم، حَتّى قَبِلَ اللَّهُ مِنهم مَن قَبِلَ، وأهْلَكَ مَن أهْلَكَ. واخْتُلِفَ، هَلْ هَذا الحُكْمُ باقٍ، أوْ نُسِخَ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: نُسِخَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﷺ تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ. وقَدْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأغْنى عَنْهم، فَلا حاجَةَ إلى التَّأْلِيفِ. وقالَ قَوْمٌ: هو باقٍ إلى الآنَ؛ لِأنَّ أهْلَ الكُفْرِ أكْثَرُ مِن أهْلِ الإيمانِ، فَيَحْتاجُونَ إلى زِيادَةِ الأنْصارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾، حُجَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، بَلْ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ.

﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾: ظاهِرُ الكَلامِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: في المَجُوسِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: في نَصارى العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا لا يُحْسِنُونَ الكِتابَةَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، رُفِعَ كِتابُهم لِذُنُوبٍ ارْتَكَبُوها، فَصارُوا أُمِّيِّينَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكِتابٍ ولا بِرَسُولٍ، فَكَتَبُوا كِتابَهم وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَسُمُّوا: أُمِّيِّينَ، لِجُحُودِهِمُ الكِتابَ، فَصارُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يُحْسِنُ شَيْئًا. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ إنَّما هو مَعَ اليَهُودِ، فالضَّمِيرُ لَهم.

ومُناسَبَةُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الفِرْقَةِ الضّالَّةِ الَّتِي حَرَّفَتْ كِتابَ اللَّهِ، وهم قَدْ عَقَلُوهُ وعَلِمُوا بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أمْرَ الفِرْقَةِ الثّانِيَةِ، المُنافِقِينَ، وأمْرَ الثّالِثَةِ، المُجادِلَةِ، أخَذَ يُبَيِّنُ أمْرَ الفِرْقَةِ الرّابِعَةِ، وهي: العامَّةُ الَّتِي طَرِيقُها التَّقْلِيدُ، وقَبُولُ ما يُقالُ لَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودُ المَذْكُورُونَ، فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى عامَّتِهِمْ وأتْباعِهِمْ، أيْ أنَّهم لا يُطْمَعُ في إيمانِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أُمِيُّونَ، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأُمِّيَّ هو الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ، أيْ لا يُحْسِنُونَ الكُتُبَ، فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها.

و﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والكِتابُ هو التَّوْراةُ.

﴿إلّا أمانِيَّ﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الأمانِيَّ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ الكِتابِ ولا مُنْدَرِجَةً تَحْتَ مَدْلُولِهِ، وهو أحَدُ قِسْمَيِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو الَّذِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ العامِلُ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ لا يَعْلَمُونَ إلّا أمانِيَّ لَكانَ مُسْتَقِيمًا ؟ وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ يَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والوَجْهُ الثّانِي: الإتْباعُ عَلى البَدَلِ بِشَرْطِ التَّأخُّرِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. فَنَصْبُ ”أمانِيَّ“ مِنَ الوَجْهَيْنِ، والمَعْنى: إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ، وأمانِيُّهم: أنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْهم ويَرْحَمُهم ولا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم، وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم، أوْ ما يُمَنِّيهِمْ أحْبارُهم مِن أنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، أوْ لا يَعْلَمُونَ إلّا أكاذِيبَ مُخْتَلَقَةً سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ فَنَقَلُوها عَلى التَّقْلِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا تِلاوَةً، أيْ لا يَعْلَمُونَ فِقْهَ (p-٢٧٦)الكِتابِ، إنَّما يَقْتَصِرُونَ عَلى ما يَسْمَعُونَهُ يُتْلى عَلَيْهِمْ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمانِيُّ، بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ وابْنُ جَمّازٍ عَنْ نافِعٍ وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أمانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، جَمْعُهُ عَلى أفاعِلَ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِحَرْفِ المَدِّ الَّذِي في المُفْرَدِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: كُلُّ ما جاءَ مِن هَذا النَّحْوِ واحِدُهُ مُشَدَّدٌ، فَلَكَ فِيهِ التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ مِثْلُ: أنانِيٌّ، وأغانِيُّ، وأمانِيُّ، ونَحْوِهِ. قالَ الأخْفَشُ هَذا، كَما يُقالُ في جَمْعِ مِفْتاحٍ مَفاتِيحُ ومَفاتِحُ، وقالَ النَّحّاسُ: الحَذْفُ في المُعْتَلِّ أكْثَرُ، كَما قالَ:

؎وهَلْ رَجَعَ التَّسْلِيمَ أوْ يَكْشِفُ العَمى ثَلاثُ الأثافِي والرُّسُومُ البَلاقِعُ

﴿وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾، إنْ هُنا: هي النّافِيَةُ، بِمَعْنى ما، وهم: مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وإلّا يَظُنُّونَ: في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وهو مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. وإذا كانَتْ إنْ نافِيَةً، فَدَخَلَتْ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم، ومَن أجازَ شَرْطَ نَفْيِ الخَبَرِ وتَأْخِيرِهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مِن ذَلِكَ إلّا بَيْتٌ نادِرٌ وهو:

؎إنْ هو مُسْتَوْلِيًا عَلى أحَدٍ ∗∗∗ إلّا عَلى أضْعَفِ المَجانِينِ

وقَدْ نَسَبَ السُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهُ إلى سِيبَوَيْهِ جَوازَ إعْمالِها إعْمالَ ما، ولَيْسَ في كِتابِهِ نَصٌّ عَلى ذَلِكَ. ومَعْنى يَظُنُّونَ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكْذِبُونَ، وقالَ آخَرُونَ: يَتَحَدَّثُونَ، وقالَ آخَرُونَ: يَشُكُّونَ، وهو التَّرَدُّدُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى النّاظِرِ فِيهِما، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى مَوْضُوعِهِ الأصْلِيِّ، وهو التَّرْجِيحُ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى الآخَرِ، إذْ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى اليَقِينِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ التَّرْجِيحِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ تَرْجِيحًا في نَفْسِ الأمْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ، إنْ كَذَبَ الرُّؤَساءُ، أوْ صَدَقُوا، بايَعُوهم. انْتَهى كَلامُهُ. وأتى بِالخَبَرِ فِعْلًا مُضارِعًا، ولَمْ يَأْتِ بِاسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الظَّنِّ وتَجَدُّدِهِ لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَيْسُوا ثابِتِينَ عَلى ظَنٍّ واحِدٍ، بَلْ يَتَجَدَّدُ لَهم ظُنُونٌ دالَّةٌ عَلى اضْطِرابِ عَقائِدِهِمْ واخْتِلافِ أهْوائِهِمْ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعارِفَ كَسَبِيَّةٌ، وعَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، وعَلى أنَّ المُغْتَرَّ بِإضْلالِ المُضِلِّ مَذْمُومٌ، وعَلى أنَّ الِاكْتِفاءَ بِالظَّنِّ في الأُصُولِ غَيْرُ جائِزٍ، وعَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ باطِلٌ، وعَلى أنَّ ما تَساوى وجُودُهُ وعَدَمُهُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلى أحَدِهِما إلّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وتَمَسَّكَ بِها أيْضًا مُنْكِرُو القِياسِ وخَبَرِ الواحِدِ، لِأنَّهُما لا يُفِيدانِ العِلْمَ.

2:79–80Page 12

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩

So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠

And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ غَيَّرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَدَّلُوا نَعْتَهُ، فَجَعَلُوهُ آدَمَ سَبْطًا طَوِيلًا، وكانَ في كِتابِهِمْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هو بِها، فَقالُوا لِأصْحابِهِمْ وأتْباعِهِمُ: انْظُرُوا إلى صِفَةِ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ، لَيْسَ يُشْبِهُ نَعْتَ هَذا، وكانَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ يَخافُونَ أنْ يَذْهَبَ مَأْكَلَتُهم بِإبْقاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِها، فَلِذَلِكَ غَيَّرُوها. وقِيلَ: خافَ مُلُوكُهم عَلى مُلْكِهِمْ، إذا آمَنَ النّاسُ كُلُّهم، فَجاءُوا إلى أحْبارِ اليَهُودِ فَجَعَلُوا لَهم عَلَيْهِمْ وضائِعَ ومَآكِلَ، وكَشَطُوها مِنَ التَّوْراةِ، وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، ولَمْ يَتَّبِعُوا كِتابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو مالِكٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَرْحٍ، كاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُغَيِّرُهُ فارْتَدَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ويْلٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وذُكِرَ عَنْ عُثْمانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ جَبَلٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ، وذُكِرَ أنَّ أبا سَعِيدٍ رَوى: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، يَهْوِي فِيهِ الهاوِي، وذُكِرَ أنَّ سُفْيانَ وعَطاءَ بْنَ يَسارٍ رَوَيا أنَّهُ وادٍ يَجْرِي بِفِناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ وجَماعَةٌ: أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. (p-٢٧٧)وقِيلَ: هو صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. وقِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، لَوْ سُجِّرَتْ فِيهِ جِبالُ الدُّنْيا لانْماعَتْ مِن حَرِّهِ، ولَوْ صَحَّ في تَفْسِيرِ الوَيْلِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في نَظْمِها ونَثْرِها بِلَفْظَةِ الوَيْلِ قَبْلَ أنْ يَجِيءَ القُرْآنُ، ولَمْ تُطْلِقْهُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ التَّفاسِيرِ، وإنَّما مَدْلُولُهُ ما فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو نَكِرَةٌ فِيها مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ جازَ الِابْتِداءُ بِها، إذِ الدُّعاءُ أحَدُ المُسَوِّغاتِ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، وهي تُقارِبُ ثَلاثِينَ مُسَوِّغًا، وذَكَرْناها في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا.

والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، ويُقالُ: أوَّلُ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ، وقِيلَ: آدَمُ. والكِتابُ هُنا قِيلَ: كَتَبُوا أشْياءَ اخْتَلَقُوها، وأحْكامًا بَدَّلُوها مِنَ التَّوْراةِ حَتّى اسْتَقَرَّ حُكْمُها بَيْنَهم. وقِيلَ: كَتَبُوا في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَثُّوها في سُفَهائِهِمْ، وفي العَرَبِ، وأخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كانَتْ عِنْدَهم بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وصارَ سُفَهاؤُهم، ومَن يَأْتِيهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، إذا سَألُوهم عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: ما هو هَذا المَوْصُوفَ عِنْدَنا في التَّوْراةِ المُبْدَلَةِ المُغَيَّرَةِ، ويَقْرَءُونَها عَلَيْهِمْ ويَقُولُونَ لَهم: هَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. بِأيْدِيهِمْ: تَأْكِيدٌ يَرْفَعُ تَوَهُّمَ المَجازِ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ يَكْتُبُ، ظاهِرُهُ أنَّهُ يُباشِرُ الكِتابَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ، ويَكُونَ آمِرًا بِذَلِكَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ، وإنَّما المَعْنى: أمَرَ بِالكِتابَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، وهو الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . ونَظِيرُ هَذا التَّأْكِيدِ ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] (ويَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ)، وقَوْلُهُ:

؎نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ بِعَيْنَيْكَ مَنظَرًا

فَهَذِهِ كُلُّها أُتِيَ بِها لِتَأْكِيدِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ، ولِرَفْعِ المَجازِ الَّذِي كانَ يَحْتَمِلُهُ. وفي هَذا التَّأْكِيدِ أيْضًا تَقْبِيحٌ لِفِعْلِهِمْ، إذْ لَمْ يَكْتَفُوا بِأنْ يَأْمُرُوا بِالِاخْتِلاقِ والتَّغْيِيرِ، حَتّى كانُوا هُمُ الَّذِينَ تَعاطَوْا ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، واجْتَرَحُوهُ بِأيْدِيهِمْ. وقالَ ابْنُ السَّرّاحِ: ذِكْرُ الأيْدِي كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُمُ اخْتَلَقُوا ذَلِكَ مِن تِلْقائِهِمْ، ومِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، مِن غَيْرِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّ مُباشَرَةَ الشَّيْءِ بِاليَدِ لا تَقْتَضِي الِاخْتِلاقَ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حالٍ مَحْذُوفَةٍ يَدُلُّ عَلَيْها ما بَعْدَها، التَّقْدِيرُ: يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ مُحَرَّفًا، أوْ نَحْوَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، إذْ لا إنْكارَ عَلى مَن يُباشِرُ الكِتابَ بِيَدِهِ إلّا إذا وضَعَهُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، فَلِذَلِكَ قَدَّرْنا هَذِهِ الحالَ.

﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾: أيْ لِأتْباعِهِمُ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم، ومَعْمُولُ القَوْلِ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا﴾، عِلَّةٌ في القَوْلِ، وهي لامُ كَيْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها قَبْلُ. وهي مَكْسُورَةٌ لِأنَّها حَرْفُ جَرٍّ، فَيَتَعَلَّقُ بِـ (يَقُولُونَ) . وقَدْ أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ، وبَنُو العَنْبَرِ يَفْتَحُونَ لامَ كَيْ، قالَهُ مَكِّيٌّ في إعْرابِ القُرْآنِ لَهُ.

﴿بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، بِهِ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لِيَشْتَرُوا، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وهو المَكْتُوبُ المُحَرَّفُ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في الِاشْتِراءِ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] . والثَّمَنُ هُنا: هو عَرَضُ الدُّنْيا، أوِ الرِّشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ووُصِفَ بِالقِلَّةِ لِكَوْنِهِ فانِيًا، أوْ حَرامًا، أوْ حَقِيرًا، أوْ لا يُوازِنُهُ شَيْءٌ لا ثَمَنٌ، ولا مُثَمَّنٌ. وقَدْ جَمَعُوا في هَذا الفِعْلِ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ حُبَّ الدُّنْيا. وهَذا الوَعِيدُ مُرَتَّبٌ عَلى كِتابَةِ الكِتابِ المُحَرَّفِ، وعَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. وكِلاهُما مُنْكَرٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما أنْكَرُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ أخْذِ المالِ عَلى الباطِلِ، وإنْ كانَ بِرِضا المُعْطِي.

﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾: كِتابَتُهم مُقَدِّمَةٌ، نَتِيجَتُها كَسْبُ المالِ الحَرامِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ الوَيْلُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الوَعِيدَ هو عَلى المَجْمُوعِ فَقَطْ. فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ (p-٢٧٨)مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِالهَلاكِ. وظاهِرُ الكَسْبِ هو ما أخَذُوهُ عَلى تَحْرِيفِهِمُ الكِتابَ مِنَ الحَرامِ، وهو الألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِما يَكْسِبُونَ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، فَيُحْتاجُ في كِلا القَوْلَيْنِ إلى اخْتِصاصٍ؛ لِأنَّ ما يَكْسِبُونَ عامٌّ، والأوْلى أنْ يُقَيَّدَ بِما ذَكَرْناهُ.

﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهم زَعَمُوا أنَّهم وجَدُوا في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، إلى أنْ يَنْتَهُوا إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، قالُوا: إنَّما نُعَذَّبُ حَتّى نَنْتَهِيَ إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَتَذْهَبَ جَهَنَّمَ وتَهْلِكَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اليَهُودُ مِن أهْلِ النّارِ ”قالُوا: نَحْنُ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ:“ كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكم» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ سَبْعَةَ أيّامٍ، عَدَدَ أيّامِ الدُّنْيا، سَبْعَةَ آلافٍ لِكُلِّ ألْفٍ يَوْمٌ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ. ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ القَسَمِ. وقِيلَ: أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يُنادى: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والضَّمِيرُ في: وقالُوا، عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ. جَمَعُوا إلى تَبْدِيلِ كِتابِ اللَّهِ وتَحْرِيفِهِ، وأخْذِهِمْ بِهِ المالَ الحَرامَ، وكَذِبِهِمْ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، الإخْبارَ بِالكَذِبِ البَحْتِ عَنْ مُدَّةِ إقامَتِهِمْ في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَسَّ هو الإصابَةُ، أيْ لَنْ تُصِيبَنا النّارُ إلّا أيّامًا، اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، أيْ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ أبَدًا إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العَدَدِ في الأيّامِ بِأنَّها سَبْعَةٌ أوْ أرْبَعُونَ. وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: مَعْدُودَةً، أيْ قَلائِلَ يَحْصُرُها العَدُّ، لِأنَّها مُعَيَّنَةُ العَدِّ في نَفْسِها.

ثُمَّ أخَذَ في رَدِّ هَذِهِ الدَّعْوى والأخْبارِ الكاذِبَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أيْ مِثْلَ هَذا الإخْبارِ، الجَزْمُ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنِ اتَّخَذَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا بِذَلِكَ، وأنْتُمْ لَمْ تَتَّخِذُوا بِهِ عَهْدًا، فَهو كَذِبٌ وافْتِراءٌ. وأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى إنْكارِ ما قالُوهُ. وهَمْزَةُ الوَصْلِ مَنِ اتَّخَذَ انْحَذَفَتْ لِأجْلِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، ومَن سَهَّلَ بِنَقْلِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وحَذْفِها قالَ: قُلَ اتَّخَذْتُمْ، بِفَتْحِ اللّامِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ كانَتْ مَفْتُوحَةً. وعِنْدَ اللَّهِ: ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِاتَّخَذْتُمْ، وهي هُنا تَتَعَدّى لِواحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ الثّانِي الظَّرْفَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والعَهْدُ هُنا: المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وآمَنتُمْ وأطَعْتُمْ فَتُدَلُّونَ بِذَلِكَ وتَعْلَمُونَ خُرُوجَكم مِنَ النّارِ ؟ فَعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللَّهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ ؟ وعَلى الثّانِي: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ ؟ .

﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، كَقَوْلِكَ: أيَقْصِدُنا زَيْدٌ ؟ فَلَنْ نُجِيبَ مِن بِرِّنا. وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في جَوابِ هَذِهِ الأشْياءِ، هَلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ أيْ يُضَمَّنُ الِاسْتِفْهامُ والتَّمَنِّي والأمْرُ والنَّهْيُ إلى سائِرِ بِاقِيها مَعْنى الشَّرْطِ ؟ أمْ يَكُونُ الشَّرْطُ مَحْذُوفًا بَعْدَها ؟ ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَنْ يُخْلِفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَهُ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، كَأنَّهُ اخْتارَ القَوْلَ الثّانِيَ مِن أنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، اعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ، كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، فَصارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيْنَ هاتَيْنِ اللَّتَيْنِ وقَعَ بَيْنَهُما التَّعادُلُ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّ هَذَيْنِ واقِعٌ ؟ أتِّخاذُكُمُ العَهْدَ عِنْدَ اللَّهِ ؟ أمْ قَوْلُكم عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ وأخْرَجَ ذَلِكَ مُخْرَجَ المُتَرَدَّدِ في تَعْيِينِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ وُقُوعَ أحَدِهِما، وهو قَوْلُهم عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، ونَظِيرُهُ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] . وقَدْ عُلِمَ أيُّهُما عَلى هُدًى، وأيُّهُما هو في ضَلالٍ. وقِيلَ: أمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ فَيَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم قَوْلُهم: عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، (p-٢٧٩)فَأنْكَرُوا عَلَيْهِمْ صُدُورَ هَذا مِنهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. واخْتُلِفَ في الوَعِيدِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يُخْلِفُهُ، كَما لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى جَوازِ إخْلافِ إيعادِهِ، وقالُوا: خِلافُ الوَعْدِ قَبِيحٌ وإخْلافُ الوَعِيدِ حَسَنٌ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ.

2:81Page 12

بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١

Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿بَلى﴾: حَرْفُ جَوابٍ يُثْبَتُ بِهِ ما بَعْدَ النَّفْيِ، فَإذا قُلْتُ: ما قامَ زَيْدٌ، فَقُلْتَ: نَعَمْ، كانَ تَصْدِيقًا في نَفْيِ قِيامِ زَيْدٍ. وإذا قُلْتَ: بَلى، كانَ نَقْضًا لِذَلِكَ النَّفْيِ. فَلَمّا قالُوا: (لَنْ تَمَسَّنا النّارُ)، أُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: بَلى، ومَعْناها: تَمَسُّكُمُ النّارُ. والمَعْنى عَلى التَّأْبِيدِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِالخُلُودِ.

﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ مَن: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والمُسَوِّغاتُ لِجَوازِ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا مَوْجُودَةٌ هُنا، ويُحَسِّنُهُ المَجِيءُ في قِسْمَيْهِ بِالَّذِينَ، وهو مَوْصُولٌ. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والشِّرْكُ، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ. وقِيلَ: المُوجِبَةُ لِلنّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مَن فَسَّرَ السَّيِّئَةَ بِالكَبائِرِ، لِأنَّها هي الَّتِي تُوجِبُ النّارَ، أيْ يَسْتَحِقُّ فاعِلُها النّارَ إنْ لَمْ تُغْفَرْ لَهُ.

﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ، ونافِعٌ: خَطِيئاتُهُ جَمْعَ سَلامَةٍ، وبَعْضُ القُرّاءِ: خَطاياهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، والمَعْنى أنَّها أخَذَتْهُ مِن جَمِيعِ نَواحِيهِ. ومَعْنى الإحاطَةِ بِهِ أنَّهُ يُوافى عَلى الكُفْرِ والإشْراكِ، هَذا إذا فُسِّرَتِ الخَطِيئَةُ بِالشِّرْكِ. ومَن فَسَّرَها بِالكَبِيرَةِ، فَمَعْنى الإحاطَةِ بِهِ أنْ يَمُوتَ وهو مُصِرٌّ عَلَيْها، فَيَكُونُ الخُلُودُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُرادُ بِهِ الإقامَةُ، لا إلى انْتِهاءٍ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي المُرادُ بِهِ الإقامَةُ دَهْرًا طَوِيلًا، إذْ مَآلُهُ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ. قالَ الكَلْبِيُّ: أوْثَقَتْهُ ذُنُوبُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحْبَطَتْ حَسَناتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَشِيَتْ قَلْبَهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أصَرَّ عَلَيْها. وقالَ الرَّبِيعُ: ماتَ عَلى الشِّرْكِ. قالَ الحَسَنُ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَهو الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ. ومَن - كَما تَقَدَّمَ - لَها لَفْظٌ ومَعْنًى، فَحَمَلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ، فَقالَ: مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وحَمَلَ ثانِيًا عَلى المَعْنى، وهو قَوْلُهُ: (فَأُولَئِكَ)، إلى آخِرِهِ. وأفْرَدَ سَيِّئَةً لِأنَّهُ كَنّى بِهِ عَنْ مُفْرَدٍ، وهو الشِّرْكُ. ومَن أفْرَدَ الخَطِيئَةَ أرادَ بِها الجِنْسَ ومُقابَلَةَ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّ السَّيِّئَةَ مُفْرَدَةٌ، ومَن جَمَعَها فَلِأنَّ الكَبائِرَ كَثِيرَةٌ، فَراعى المَعْنى وطابَقَ بِهِ اللَّفْظَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ السَّيِّئَةَ والخَطِيئَةَ واحِدَةٌ، وأنَّ الخَطِيئَةَ وصْفٌ لِلسَّيِّئَةِ. وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما فَقالَ: السَّيِّئَةُ الكُفْرُ، والخَطِيئَةُ ما دُونَ الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو وائِلٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: إنَّ الخَطِيئَةَ الشِّرْكُ، والسَّيِّئَةُ هُنا ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ المَعاصِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ تِلْكَ، واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ، كَما يُحِيطُ العَدُوُّ، ولَمْ يَتَفَصَّ عَنْها بِالتَّوْبَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا مِن دَسائِسِهِ الَّتِي ضَمَّنَها كِتابَهُ، إذِ اعْتِقادُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ مَن أتى كَبِيرَةً ولَمْ يَتُبْ مِنها، وماتَ، كانَ خالِدًا في النّارِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ الكُفّارُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «أمّا أهْلُ النّارِ الَّذِينَ هم أهْلُها فَلا يَمُوتُونَ ولا يَحْيَوْنَ» . وقَدْ رُتِّبَ كَوْنُهم أصْحابَ النّارِ عَلى وُجُودِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما، كَسْبُ السَّيِّئَةِ، والآخَرُ: إحاطَةُ الخَطِيئَةِ. وما رُتِّبَ عَلى وُجُودِ شَرْطَيْنِ لا يَتَرَتَّبُ عَلى وُجُودِ أحَدِهِما، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكْسِبْ سَيِّئَةً، وهي الشِّرْكُ، وإنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وهي الكَبائِرُ، لا يَكُونُ مِن أصْحابِ النّارِ، ولا مِمَّنْ يَخْلُدُ فِيها. ويَعْنِي بِأصْحابِ النّارِ: الَّذِينَ هم أهْلُها حَقِيقَةً، لا مَن دَخَلَها ثُمَّ خَرَجَ مِنها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском