Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:6–9

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:6–9, continued

ولا تَكادُ تَجِدُ هَذا الِاسْتِعْمالَ في حالِ سَعَةٍ واخْتِيارٍ، فَقِراءَةُ الرَّفْعِ أحْسَنُ، وتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. انْتَهى كَلامُ أبِي عَلِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - . ولا أدْرِي ما مَعْنى قَوْلِهِ: لِأنَّ النَّصْبَ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى خَتْمِ الظّاهِرِ، وكَيْفَ تَحْمِلُ غِشاوَةً المَنصُوبَ عَلى خَتْمِ الَّذِي هو فِعْلٌ ؟ هَذا ما لا حَمْلَ فِيهِ اللَّهُمَّ إلّا إنْ أرادَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ دُعاءً عَلَيْهِمْ لا خَبَرًا، فَإنَّ ذَلِكَ يُناسِبُ مَذْهَبَهُ لِاعْتِزالِهِ، ويَكُونُ غِشاوَةً في مَعْنى المَصْدَرِ المَدْعُوِّ بِهِ عَلَيْهِمُ القائِمِ مَقامَ الفِعْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وغَشّى اللَّهُ عَلى أبْصارِهِمْ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْطُوفًا عَلى خَتَمَ عَطْفَ المَصْدَرِ النّائِبِ مَنابَ فِعْلِهِ في الدُّعاءِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ زَيْدًا وسُقْيًا لَهُ، وتَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ حُلْتَ بَيْنَ غِشاوَةٍ المَعْطُوفِ وبَيْنَ خَتَمَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ. وأمّا إنْ جَعَلْتَ ذَلِكَ خَبَرًا مَحْضًا وجَعَلْتَ غِشاوَةً في مَوْضِعِ المَصْدَرِ البَدَلِ عَنِ الفِعْلِ في الخَبَرِ فَهو ضَعِيفٌ لا يَنْقاسُ ذَلِكَ بَلْ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَوْرِدِ السَّماعِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِاخْتِلافٍ عَنْهُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: غُشاوَةٌ بِضَمِّ الغَيْنِ ورَفْعِ التّاءِ، وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ وسُكُونِ الشِّينِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ التّاءَ. وقَرَأ بَعْضُهم: غِشْوَةٌ بِالكَسْرِ والرَّفْعِ، وبَعْضُهم: غِشْوَةً وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، والأعْمَشُ قَرَأ بِالفَتْحِ والرَّفْعِ والنَّصْبِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَها غَشْيَةٌ بِفَتْحِ الغَيْنِ والياءِ والرَّفْعِ. اهـ. وقالَ يَعْقُوبُ: غُشْوَةٌ بِالضَّمِّ لُغَةٌ، ولَمْ يُؤْثِرْها عَنْ أحَدٍ مِنَ القُرّاءِ. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وأصْوَبُ هَذِهِ القِراءاتِ المَقْرُوءِ بِها ما عَلَيْهِ السَّبْعَةُ مِن كَسْرِ الغَيْنِ عَلى وزْنِ عِمامَةٍ، والأشْياءُ الَّتِي هي أبَدًا مُشْتَمِلَةٌ، فَهَذا يَجِيءُ وزْنُها كالصِّمامَةِ، والعِمامَةِ، والعِصابَةِ، والرَّيّانَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ بَعْضُهم: غِشاوَةٌ بِالعَيْنِ المُهْمِلَةِ المَكْسُورَةِ والرَّفْعِ مِنَ العَشِيِّ، وهو شِبْهُ العَمى في العَيْنِ. وتَقْدِيمُ القُلُوبِ عَلى السَّمْعِ مِن بابِ التَّقْدِيمِ بِالشَّرَفِ (p-٥٠)وتَقْدِيمُ الجُمْلَةِ الَّتِي انْتَظَمَتْها عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ الأبْصارَ مِن هَذا البابِ أيْضًا. وذَكَرَ أهْلُ البَيانِ أنَّ التَّقْدِيمَ يَكُونُ بِاعْتِباراتٍ خَمْسَةٍ: تَقَدُّمُ العِلَّةِ والسَّبَبِ عَلى المَعْلُولِ والمُسَبَّبِ، كَتَقْدِيمِ الأمْوالِ عَلى الأوْلادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، فَإنَّهُ إنَّما يَشْرَعُ في النِّكاحِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ عَلى المُؤْنَةِ، فَهي سَبَبٌ إلى التَّزَوُّجِ، والنِّكاحُ سَبَبٌ لِلتَّناسُلِ، والعِلَّةُ: كَتَقَدُّمِ المُضِيءِ عَلى الضَّوْءِ، ولَيْسَ تَقَدُّمُ زَمانٍ؛ لِأنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الضَّوْءِ، وتَقَدُّمٌ بِالذّاتِ، كالواحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ، ولَيْسَ الواحِدُ عِلَّةً لِلِاثْنَيْنِ بِخِلافِ القِسْمِ الأوَّلِ، وتَقَدُّمٌ بِالشَّرَفِ، كَتَقَدُّمِ الإمامِ عَلى المَأْمُومِ، وتَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ، كَتَقَدُّمِ الوالِدِ عَلى الوَلَدِ بِالوُجُودِ، وزادَ بَعْضُهم سادِسٌ وهو: التَّقَدُّمُ بِالوُجُودِ حَيْثُ لا زَمانَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في الدُّنْيا، أخْبَرَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ. ولَمّا كانَ قَدْ أعَدَّ لَهُمُ العَذابَ صَيَّرَ كَأنَّهُ مِلْكٌ لَهم لازِمٌ، والعَظِيمُ هو الكَبِيرُ. وقِيلَ: العَظِيمُ فَوْقُ؛ لِأنَّ الكَبِيرَ يُقابِلُهُ الصَّغِيرُ، والعَظِيمُ يُقابِلُهُ الحَقِيرُ. قِيلَ: والحَقِيرُ دُونَ الصَّغِيرِ، وأصْلُ العِظَمِ في الجُثَّةِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في المَعْنى، وعِظَمُ العَذابِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابٍ دُونَهُ يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وبِهَذا التَّخَلُّلِ المُتَصَوَّرِ يَصِحُّ أنْ يَتَفاضَلَ العَرَضانِ كَسَوادَيْنِ أحَدُهُما أشْنَعُ مِنَ الآخَرِ، إذْ قَدْ تَخَلَّلَ الآخَرَ ما لَيْسَ بِسَوادٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: (عَظِيمٌ) أقْوالًا: (أحَدُها): أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ يُسَمِّيهِمُ. (الثّانِي): نَزَلَتْ في قادَةِ الأحْزابِ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. (الثّالِثُ): في أبِي جَهْلِ وخَمْسَةٍ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. (الرّابِعُ): في أصْحابِ القَلِيبِ: وهم أبُو جَهْلٍ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وعُتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. (الخامِسُ): في مُشْرِكِي العَرَبِ قُرَيْشٍ وغَيْرِها. (السّادِسُ): في المُنافِقِينَ، فَإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في ناسٍ بِأعْيانِهِمْ وافَوْا عَلى الكُفْرِ، فالَّذِينَ كَفَرُوا مَعْهُودُونَ، وإنْ كانَتْ لا في ناسٍ مَخْصُوصِينَ وافَوْا عَلى الكُفْرِ، فَيَكُونُ عامًّا مَخْصُوصًا. ألا تَرى أنَّهُ قَدْ أسْلَمَ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرِها ومِنَ المُنافِقِينَ ومِنَ اليَهُودِ خَلْقٌ كَثِيرٌ بَعْدَ نُزُولِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ؟ . وذَكَرُوا أيْضًا أنَّ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ أنْواعًا: (الأوَّلُ): الخِطابُ العامُّ اللَّفْظِ الخاصُّ المَعْنى. (الثّانِي): الِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُرادُ بِهِ تَقْرِيرُ المَعْنى في النَّفْسِ، أيْ يَتَقَرَّرُ أنَّ الإنْذارَ وعَدَمَهُ سَواءٌ عِنْدَهم. (الثّالِثُ): المَجازُ، ويُسَمّى الِاسْتِعارَةَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾، وحَقِيقَةُ الخَتْمِ وضْعُ مَحْسُوسٍ عَلى مَحْسُوسٍ يَحْدُثُ بَيْنَهُما رَقْمٌ يَكُونُ عَلامَةً لِلْخاتَمِ، والخَتْمُ هُنا مَعْنَوِيٌّ، فَإنَّ القَلْبَ لَمّا لَمْ يَقْبَلِ الحَقَّ مَعَ ظُهُورِهِ اسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ المَخْتُومِ عَلَيْهِ فَبَيَّنَ أنَّهُ مِن مَجازِ الِاسْتِعارَةِ. (الرّابِعُ): الحَذْفُ، وهو في مَواضِعَ، مِنها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أيْ إنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِكَ وبِما جِئْتَ بِهِ. ومِنها: لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِما أخْبَرْتَهم بِهِ عَنْهُ. ومِنها: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا تَعِي وعَلى أسْماعِهِمْ فَلا تُصْغِي. ومِنها: وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً عَلى مَن نَصَبَ، أيْ وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً فَلا يُبْصِرُونَ سَبِيلَ الهِدايَةِ. ومِنها: ولَهم عَذابٌ، أيْ ولَهم يَوْمَ القِيامَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ دائِمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ أوْ بِالإذْلالِ ووَضْعِ الجِزْيَةِ وفي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ في نارِ جَهَنَّمَ. (الخامِسُ): التَّعْمِيمُ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، فَإنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ عَذابٌ ولَمْ يَقُلْ عَظِيمٌ لاحْتَمَلَ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَلَمّا وصَفَهُ بِالعَظِيمِ تَمَّمَ المَعْنى وعَلِمَ أنَّ العَذابَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ عَظِيمٌ، إمّا في المِقْدارِ وإمّا في الإيلامِ والدَّوامِ. (السّادِسُ): الإشارَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ السَّواءَ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِمْ وبالُهُ ونَكالُهُ عَلَيْهِمْ ومُسْتَعْلٍ فَوْقَهم؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ بَيانَ أنَّ ذَلِكَ مِن وصْفِهِمْ فَحَسْبُ لَقالَ: سَواءٌ عِنْدَهم، فَلَمّا قالَ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ (p-٥١)مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ كَلِمَةَ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ وهو الَّذِي قالَهُ هَذا القائِلُ مِن أنَّ عَلى تُشْعِرُ بِالِاسْتِعْلاءِ صَحِيحٌ، وأمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ تَضَّمَنَ مَعْنى الوَبالِ والنَّكالِ عَلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلِ المَعْنى في قَوْلِكَ سَواءٌ عَلَيْكَ وعِنْدَكَ كَذا وكَذا واحِدٌ، وإنْ كانَ أكْثَرُ الِاسْتِعْمالِ بِعَلى، قالَ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦]، ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١]، سَواءٌ عَلَيْها رِحْلَتِي ومَقامِي، وكُلُّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى مَعْنى الوَبالِ والنَّكالِ عَلَيْهِمْ. (السّابِعُ): مَجازُ التَّشْبِيهِ، شَبَّهَ قُلُوبَهم لِتَأبِّيها عَنِ الحَقِّ، وأسْماعَهم لِإضْرابِها عَنْ سَماعِ داعِيَ الفَلاحِ، وأبْصارَهم لِامْتِناعِها عَنْ تَلَمُّحِ نُورِ الهِدايَةِ بِالوِعاءِ المَخْتُومِ عَلَيْهِ المَسْدُودِ مَنافِذُهُ المُغَشّى بِغِشاءٍ يَمْنَعُ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ ما يُصْلِحُهُ، لَمّا كانَتْ مَعَ صِحَّتِها وقُوَّةِ إدْراكِها مَمْنُوعَةً عَنْ قَبُولِ الخَيْرِ وسَماعِهِ وتَلَمُّحِ نُورِهِ، وهَذا كُلُّهُ مِن مَجازِ التَّشْبِيهِ، إذِ الخَتْمُ والغِشاوَةُ لَمْ يُوجَدا حَقِيقَةً، وهو بِالِاسْتِعارَةِ أوْلى، إذْ مِن شَرْطِ التَّشْبِيهِ أنْ يُذْكَرَ المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ.

2:8–9Page 3

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨

And of the people are some who say, "We believe in Allāh and the Last Day," but they are not believers.

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩

They [think to] deceive Allāh and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

(p-٥٢)﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ النّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومُرادِفُهُ: أناسِيُّ، جَمْعُ إنْسانٍ أوْ إنْسِيٍّ. قَدْ قالَتِ العَرَبُ: ناسٌ مِنَ الجِنِّ، حَكاهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وهو مَجازٌ إذْ أصْلُهُ في بَنِي آدَمَ، ومادَّتُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - والفَرّاءِ: هَمْزَةٌ ونُونٌ وسِينٌ، وحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ شُذُوذًا، وأصْلُهُ أُناسٌ ونُطِقَ بِهَذا الأصْلِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، فَمادَّتُهُ ومادَّةُ الإنْسِ واحِدَةٌ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى أنَّ مادَّتَهُ نُونٌ وواوٌ وسِينٌ، ووَزْنُهُ فَعَلَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوَسِ وهو الحَرَكَةُ، يُقالُ: ناسَ يَنُوسُ نَوَسًا إذا تَحَرَّكَ، والنَّوَسُ: تَذَبْذُبُ الشَّيْءِ في الهَواءِ، ومِنهُ نَوَسَ القِرْطُ في الأُذُنِ وذَلِكَ لِكَثْرَةِ حَرَكَتِهِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِن نَسِيَ، وأصْلُهُ نَسِيَ ثُمَّ قُلِبَ فَصارَ نَيِسَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: ناسٌ، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. مَن: مَوْصُولَةٌ، وشَرْطِيَّةٌ، واسْتِفْهامِيَّةٌ، ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وتَقَعُ عَلى ذِي العِلْمِ، وتَقَعُ أيْضًا عَلى غَيْرِ ذِي العِلْمِ إذا عُومِلَ مُعامَلَةَ العالِمِ، أوِ اخْتَلَطَ بِهِ فِيما وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ فِيما فُصِلَ بِها، ولا تَقَعُ عَلى آحادِ ما لا يَعْقِلُ مُطْلَقًا خِلافًا لِزاعِمِ ذَلِكَ. وأكْثَرُ لِسانِ العَرَبِ أنَّها لا تَكُونُ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلّا في مَوْضِعٍ يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ، كَقَوْلِ سُوَيْدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ:

؎رَبِّ مَن أنْضَجْتَ غَيْظًا صَدْرَهُ لَوْ تَمَنّى لِيَ مَوْتًا لَمْ يُطَعْ

ويَقِلُّ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعٍ لا يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎فَكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرَنا ∗∗∗ حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيّانا

وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُ مِن نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلّا بِشَرْطِ وُقُوعِها في مَوْضِعٍ لا يَقَعُ فِيهِ إلّا النَّكِرَةَ، وزَعَمَ هو وأبُو الحَسَنِ الهُنائِيُّ أنَّها تَكُونُ زائِدَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: لا تُزادُ. وتَقَعُ مِن عَلى العاقِلِ المَعْدُومِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وُجُودٌ، تَتَوَهَّمُهُ، مَوْجُودًا خِلافًا لِبِشْرٍ المَرِيسِيِّ، وِفاقًا لِلْفَرّاءِ، وصَحَّحَهُ أصْحابُنا. فَأمّا قَوْلُ العَرَبِ: أصْبَحْتَ كَمَن لَمْ يُخْلَقْ. فَتُرِيدُ: كَمَن قَدْ ماتَ، وأكْثَرُ المُعْرِبِينَ لِلْقُرْآنِ مَتى صَلَحَ عِنْدَهم تَقْدِيرُ ما أوْ مَن بِشَيْءٍ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وإثْباتُ كَوْنِ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولا دَلِيلَ قاطِعٌ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِما مُعْجِبٌ لَكَ لِإمْكانِ الزِّيادَةِ، فَإنِ اطَّرَدَ ذَلِكَ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ مِن كَلامِ العَرَبِ، كَأنْ سَرَّنِي ما مُعْجِبٌ لَكَ وأحْبَبْتُ ما مُعْجِبًا لَكَ، كانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِما دَعى النَّحْوِيُّونَ مِن ذَلِكَ، ولَوْ سُمِعَ لَأمْكَنَتِ الزِّيادَةُ أيْضًا لِأنَّهم زادُوا ما بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ والفِعْلِ ومَنصُوبِهِ. والزِّيادَةُ أمْرٌ ثابِتٌ لِما، فَإذا أمْكَنَ ذَلِكَ فِيها فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى ذَلِكَ ولا يُثْبَتُ لَها مَعْنًى إلّا بِدَلِيلٍ قاطِعٍ. وأمْعَنْتُ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَقَعُ في هَذا الكِتابِ مِن عِلْمِ النَّحْوِ لِما يَنْبَنِي عَلى ذَلِكَ في فَهْمِ القُرْآنِ.

القَوْلُ: هو اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِمَعْنًى ويَنْطَلِقُ عَلى اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى النِّسْبَةِ الإسْنادِيَّةِ، وهو الكَلامُ وعَلى الكَلامِ النَّفْسانِيِّ، ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨]، وتَراكِيبُهُ السِّتُّ تَدُلُّ عَلى مَعْنى الخِفَّةِ والسُّرْعَةِ، وهو مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، فَإنْ وقَعَتْ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ولِلْقَوْلِ فَصْلٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ. الخِداعُ: قِيلَ إظْهارُ غَيْرِ ما في النَّفْسِ، وأصْلُهُ الإخْفاءُ، ومِنهُ سُمِّيَ البَيْتُ المُفْرَدُ في المَنزِلِ مَخْدَعًا لِتَسَتُّرِ أهْلَ صاحِبِ المَنزِلِ فِيهِ، ومِنهُ الأخْدَعانِ: وهُما العِرْقانِ المُسْتَبْطِنانِ في العُنُقِ، وسُمِّيَ الدَّهْرُ خادِعًا لِما يُخْفِي مِن غَوائِلِهِ، وقِيلَ: الخَدْعُ أنْ يُوهِمَ صاحِبَهُ خِلافَ ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَبٌّ خادِعٌ وخَدِعٌ إذا أمَرَّ الحارِثُ وهو صائِدُ الضَّبِّ، يَدَهُ عَلى بابِ جُحْرِهِ أوْهَمَهُ إقْبالَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِن بابٍ آخَرَ، وهو راجِعٌ إلى مَعْنى القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: أصْلُهُ الفَسادُ، مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎أبْيَضَ اللَّوْنِ لَذِيذًا طَعْمُهُ ∗∗∗ طَيِّبَ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ

أيْ فَسَدَ. إلّا: حَرْفٌ، وهو أصْلٌ لِذَواتِ الِاسْتِثْناءِ، وقَدْ يَكُونُ ما بَعْدَهُ وصْفًا، وشَرْطُ الوَصْفِ بِهِ جَوازُ (p-٥٣)صَلاحِيَةِ المَوْضِعِ لِلِاسْتِثْناءِ. وأحْكامُ إلّا مُسْتَوْفاةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. النَّفْسُ: الدَّمُ، أوِ النَّفْسُ: المُودَعُ في الهَيْكَلِ القائِمُ بِهِ الحَياةُ، والنَّفْسُ: الخاطِرُ، ما يَدْرِي أيُّ نَفْسَيْهِ يُطِيعُ، وهَلِ النَّفْسُ الرُّوحُ أمْ هي غَيْرُهُ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ. وفي حَقِيقَةِ النَّفْسِ خِلافٌ كَثِيرٌ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفُسٍ ونُفُوسٍ، وهُما قِياسُ فَعْلٍ الِاسْمِ الصَّحِيحِ العَيْنِ في جَمْعَيْهِ القَلِيلِ والكَثِيرِ. الشُّعُورُ: إدْراكُ الشَّيْءِ مِن وجْهٍ يَدِقُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الشِّعْرِ، والإدْراكُ بِالحاسَّةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الشِّعارِ، وهو ثَوْبٌ يَلِي الجَسَدَ ومَشاعِرُ الإنْسانِ حَواسُّهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском