Abu HayyanTaha · 20:111–121

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Taha 20:111–121

20:111–112Page 319

۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١

And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2

وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا ١١٢

But he who does of righteous deeds while he is a believer - he will neither fear injustice nor deprivation.

﴿وقَدْ خابَ﴾ أيْ لَمْ يَنْجَحْ ولا ظَفَرَ بِمَطْلُوبِهِ، والظُّلْمُ يَعُمُّ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وخَيْبَةَ كُلِّ حامِلٍ بِقَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الظُّلْمِ، فَخَيْبَةُ المُشْرِكِ دائِمًا وخَيْبَةُ المُؤْمِنِ العاصِي مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتٍ في العُقُوبَةِ إنْ عُوقِبَ. ولَمّا خَصَّ الزَّمَخْشَرِيُّ الوُجُوهَ بِوُجُوهِ العُصاةِ قالَ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أنَّهُ اعْتِراضٌ كَقَوْلِكَ: خابُوا وخَسِرُوا حَتّى تَكُونَ الجُمْلَةُ دَخَلَتْ بَيْنَ العُصاةِ وبَيْنَ مَن يَعْمَلُ مِنَ الصّالِحاتِ، فَهَذا عِنْدَهُ قَسِيمٌ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ . وأمّا ابْنُ عَطِيَّةَ فَجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْمَلْ﴾ - إلى - ﴿هَضْمًا﴾ مُعادِلًا لِقَوْلِهِ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ عامَّةً في وُجُوهِ الخَلائِقِ. و﴿مِنَ الصّالِحاتِ﴾ بِيَسِيرٍ في الشَّرْعِ لِأنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ والظُّلْمُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في عِظَمِ سَيِّئاتِهِ، والهَضْمُ نَقْصٌ مِن حَسَناتِهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: الظُّلْمُ أنْ يُزادَ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظُّلْمُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ. وقِيلَ: الظُّلْمُ أنْ يَأْخُذَ مِن صاحِبِهِ فَوْقَ حَقِّهِ، والهَضْمُ أنْ يَكْسِرَ مِن حَقِّ أخِيهِ فَلا يُوَفِّيَهُ لَهُ كَصِفَةِ المُطَفِّفِينَ يَسْتَرْجِحُونَ لِأنْفُسِهِمْ إذا اكْتالُوا ويُخْسِرُونَ إذا كالُوا. انْتَهى.

والظُّلْمُ والهَضْمُ مُتَقارِبانِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ أنَّ الظُّلْمَ مَنعُ الحَقِّ كُلِّهِ والهَضْمُ مَنعُ بَعْضِهِ.

20:113–114Page 319

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا ١١٣

And thus We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 and have diversified therein the warnings that perhaps they will avoid [sin] or it would cause them remembrance.

فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤

So high [above all] is Allāh, the Sovereign,1 the Truth.2 And, [O Muḥammad], do not hasten with [recitation of] the Qur’ān before its revelation is completed to you, and say, "My Lord, increase me in knowledge."

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا يَخافُ﴾ [طه: ١١٢] عَلى الخَبَرِ أيْ فَهو لا يَخافُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيدٌ فَلا يَخَفْ عَلى النَّهْيِ (وكَذَلِكَ) عَطَفَ عَلى كَذَلِكَ نَقُصُّ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ أوْ كَما أنْزَلَنا عَلَيْكَ هَذِهِ الآياتِ المُضَمَّنَةَ الوَعِيدَ أنْزَلْنا القُرْآنَ كُلَّهُ عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ مُكَرِّرِينَ فِيهِ آياتِ الوَعِيدِ لِيَكُونُوا بِحَيْثُ يُرادُ مِنهم تَرْكُ المَعاصِي أوْ فِعْلُ الخَيْرِ والطّاعَةِ، والذِّكْرُ يُطْلَقُ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ. وقِيلَ: كَما قَدَّرْنا هَذِهِ الأُمُورَ وجَعَلْناها حَقِيقَةً بِالمِرْصادِ لِلْعِبادِ كَذَلِكَ حَذَّرْنا هَؤُلاءِ أمْرَها و﴿أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وتَوَعَّدْنا فِيهِ بِأنْواعٍ ﴿مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ﴾ بِحَسَبِ تَوَقُّعِ الشَّرِّ وتَرَجِّيهِمْ (يَتَّقُونَ) اللَّهَ ويَخْشَوْنَ عِقابَهُ فَيُؤْمِنُونَ ويَتَذَكَّرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، وما حَذَّرَهم مِن ألِيمِ عِقابِهِ هَذا تَأْوِيلُ فِرْقَةٍ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أوْ يُكْسِبُهم شَرَفًا ويُبْقِي عَلَيْهِمْ إيمانَهم ذِكْرًا في الغابِرِينَ. وقِيلَ: المَعْنى كَما رَغَّبْنا أهْلَ الإيمانِ بِالوَعْدِ حَذَّرْنا أهْلَ الشِّرْكِ بِالوَعِيدِ ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ كالطُّوفانِ والصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ والمَسْخِ، ولَمْ يُذْكَرِ الوَعْدُ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ مَساقَ التَّهْدِيدِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ لِيَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يُوقِعَ في قُلُوبِهِمُ الِاتِّقاءَ أوْ يَتَّقُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِمَن تَقَدَّمَهم أيْ ﴿يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ أيْ عِظَةً وفِكْرًا واعْتِبارًا. وقالَ قَتادَةُ ورَعًا. وقِيلَ: أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَصِيرُوا مُحْتَرِزِينَ عَمّا لا يَنْبَغِي ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ يَدْعُوهم إلى الطّاعاتِ، وأسْنَدَ تَرَجِّيَ التَّقْوى إلَيْهِمْ وتَرَجِّيَ إحْداثِ الذِّكْرِ لِلْقُرْآنِ لِأنَّ التَّقْوى عِبارَةٌ عَنِ انْتِفاءِ فِعْلِ القَبِيحِ، وذَلِكَ اسْتِمْرارٌ عَلى العَدَمِ الأصْلِيِّ فَلَمْ يُسْنِدِ القُرْآنَ وأسْنَدَ إحْداثَ الذِّكْرِ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ أمْرٌ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ والظّاهِرُ أنَّ أوْ هُنا لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. قِيلَ: (أوْ) كَهي في جالِسٍ أوِ ابْنِ سِيرِينَ أيْ لا تَكُنْ خالِيًا مِنهُما. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿أوْ يُحْدِثُ﴾ ساكِنَةَ الثّاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ومُجاهِدٌ وأبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ في رِوايَةٍ والجَحْدَرِيُّ وسَلامٌ، أوْ نُحْدِثْ بِالنُّونِ وجَزْمِ الثّاءِ، وذَلِكَ حَمْلُ وصْلٍ عَلى وقْفٍ أوْ تَسْكِينُ حَرْفِ الإعْرابِ اسْتِثْقالًا لِحَرَكَتِهِ نَحْوَ قَوْلِ جَرِيرٍ:

؎أوْ نَهْرُ تِيرَيْ فَلا تَعْرِفُكُمُ العَرَبُ

ولَمّا كانَ فِيما سَبَقَ تَعْظِيمُ القُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ذَكَرَ عَظَمَةَ مَنزِلِهِ تَعالى ثُمَّ ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وهي صِفَةُ (المَلِكِ) الَّتِي تَضَمَّنَتِ القَهْرَ، والسَّلْطَنَةَ والحَقَّ وهي الصِّفَةُ الثّابِتَةُ لَهُ إذْ كُلُّ مَن يَدَّعِي إلَهًا دُونَهُ باطِلٌ لا سِيَّما الإلَهُ الَّذِي صاغُوهُ مِنَ الحُلِيِّ ومُضْمَحِلُّ مُلْكُهُ ومُسْتَعارٌ، وتَقَدَّمَ أيْضًا صِفَةُ سُلْطانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وعِظَمُ (p-٢٨٢)قُدْرَتِهِ وذِلَّةُ عَبِيدِهِ وحُسْنُ تَلَطُّفِهِ بِهِمْ، فَناسَبَ تَعالِيَهُ ووَصْفَهُ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ولِما ذَكَرَ القُرْآنُ وإنْزالُهُ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ طالِبًا مِنهُ التَّأنِّيَ في تَحَفُّظِ القُرْآنِ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ أيْ تَأنَّ حَتّى يَفْرَغَ المُلْقِي إلَيْكَ الوَحْيَ ولا تُساوِقْ في قِراءَتِكَ قِراءَتَهُ وإلْقاءَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] وقِيلَ: مَعْناهُ لا تُبَلِّغْ ما كانَ مِنهُ مُجْمَلًا حَتّى يَأْتِيَكَ البَيانُ.

وقِيلَ: سَبَبُ الآيَةِ أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى النَّبِيِّ أنَّ زَوْجَها لَطَمَها، فَقالَ لَها (بَيْنَكُما القِصاصُ) ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤] ونَزَلَتْ هَذِهِ بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَّثَبُّتِ في الحُكْمِ بِالقُرْآنِ. وقِيلَ: كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ أمْرَ بِكَتْبِهِ لِلْحِينِ، فَأمَرَ أنْ يَتَأتّى حَتّى يُفَسَّرَ لَهُ المَعانِي ويَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: مَعْناهُ ولا تَسْألْ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ إنَّ أهْلَ مَكَّةَ وأسْقُفَ نَجْرانَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنْ كَذا وقَدْ ضَرَبْنا لَكَ أجَلًا ثَلاثَةَ أيّامٍ فَأبْطَأ الوَحْيُ عَلَيْهِ، وفَشَتِ المَقالَةُ بَيْنَ اليَهُودِ قَدْ غُلِبَ مُحَمَّدٌ فَنَزَلَتْ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ أيْ بِنُزُولِهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ بِقِراءَتِهِ في نَفْسِكَ أوْ في تَأْدِيَتِهِ إلى غَيْرِكَ أوْ في اعْتِقادِ ظاهِرِهِ أوْ في تَعْرِيفِ غَيْرِكَ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُهُ احْتِمالاتٌ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ أيْ تَمامُهُ أوْ بَيانُهُ احْتِمالاتٌ، فالمُرادُ إذًا أنْ لا يُنَصِّبَ نَفْسَهُ ولا غَيْرَهُ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ بِالوَحْيِ تَمامُهُ أوْ بَيانُهُ أوْ هُما جَمِيعًا، لِأنَّهُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ في المَعْنى لِما يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ مِنِ اسْتِثْناءٍ أوْ شَرْطٍ أوْ غَيْرِهِما مِنَ المُخَصَّصاتِ، وهَذِهِ العَجَلَةُ لَعَلَّهُ فَعَلَها بِاجْتِهادٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُقْضى إلَيْكَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (وحْيُهُ) مَرْفُوعٌ بِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ ويَعْقُوبُ وسَلامٌ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ (نَقْضِي) بِنُونِ العَظَمَةِ مَفْتُوحَ الياءِ وحْيَهُ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الأعْمَشُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ مِن يَقْضِي. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن لا يَرى فَتْحَ الياءِ بِحالٍ إذا انْكَسَرَ ما قَبْلَها وحَلَّتْ طَرَفًا. انْتَهى.

20:115–121Page 320

وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا ١١٥

And We had already taken a promise from Adam before, but he forgot; and We found not in him determination.1

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ ١١٦

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except Iblees;1 he refused.

فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ ١١٧

So We said, "O Adam, indeed this is an enemy to you and to your wife. Then let him not remove you from Paradise so you would suffer.

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ ١١٨

Indeed, it is [promised] for you not to be hungry therein or be unclothed.

وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ ١١٩

And indeed, you will not be thirsty therein or be hot from the sun."

فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ ١٢٠

Then Satan whispered to him; he said, "O Adam, shall I direct you to the tree of eternity and possession that will not deteriorate?"

فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١

And they [i.e., Adam and his wife] ate of it, and their private parts became apparent to them, and they began to fasten over themselves from the leaves of Paradise. And Adam disobeyed his Lord and erred.

﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] قالَ مُقاتِلٌ أيْ قُرْآنًا. وقِيلَ: فَهْمًا. وقِيلَ: حِفْظًا وهَذا القَوْلُ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّواضُعِ لِلَّهِ والشُّكْرِ لَهُ عِنْدَ ما عُلِمَ مِن تَرْتِيبِ التَّعَلُّمِ أيْ عَلَّمْتَنِي مَآرِبَ لَطِيفَةً في بابِ التَّعَلُّمِ وأدَبًا جَمِيلًا ما كانَ عِنْدِي، فَزِدْنِي عِلْمًا. وقِيلَ: ما أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ في شَيْءٍ إلّا في طَلَبِ العِلْمِ.

(p-٢٨٣)﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤] ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧] .

تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ آدَمَ في البَقَرَةِ والأعْرافِ والحِجْرِ والكَهْفِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَهُنا لِما تَقَدَّمَ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] كانَ مِن هَذا الإنْباءِ قِصَّةُ آدَمَ لِيَتَحَفَّظَ بَنُوهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ويَتَنَبَّهُوا عَلى غَوائِلِهِ، ومَن أطاعَ الشَّيْطانَ مِنهم ذُكِّرَ بِما جَرى لِأبِيهِ آدَمَ مَعَهُ وأنَّهُ أُوضِحَتْ لَهُ عَداوَتُهُ، ومَعَ ذَلِكَ نَسِيَ ما عَهِدَ إلَيْهِ رَبُّهُ وأيْضًا لَمّا أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] كانَ مِن ذَلِكَ ذِكْرُ قِصَّةِ آدَمَ وذِكْرُ شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ فِيها لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها، فَكانَ في ذَلِكَ مَزِيدُ عِلْمٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والعَهْدُ عِنْدَ الجُمْهُورِ الوَصِيَّةُ. والظّاهِرُ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ المَحْذُوفَ بَعْدَ قَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) تَقْدِيرُهُ (مِن قَبْلُ) هَؤُلاءِ الَّذِينَ صُرِفَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ في القُرْآنِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ، وهُمُ النّاقِضُو عَهْدِ اللَّهِ والتّارِكُو الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: (مِن قَبْلُ) الرَّسُولُ والقُرْآنُ. وقِيلَ: (مِن قَبْلُ) أنْ يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ.

وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى أنْ يُعْرِضَ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ عَنْ آياتِي ويُخالِفُوا رُسُلِي ويُطِيعُوا إبْلِيسَ، فَقِدَمًا فَعَلَ ذَلِكَ أبُوهم آدَمُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ وذَلِكَ أنَّ كَوْنَ آدَمَ مِثالًا لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ بِاللَّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما عَصى بِتَأْوِيلٍ فَفي هَذا غَضاضَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما الظّاهِرُ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ قِصَصٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وإمّا أنْ يَجْعَلَ تَعَلُّقَهُ إنَّما هو لِما عُهِدَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنْ لا يَعْجَلَ بِالقُرْآنِ مَثَّلَ لَهُ بِنَبِيٍّ قَبْلَهُ عُهِدَ إلَيْهِ (فَنَسِيَ) فَعَرَفَ لِيَكُونَ أشَدَّ في التَّحْذِيرِ وأبْلَغَ في العَهْدِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ في أوامِرِ المُلُوكِ ووَصاياهم: تَقَدَّمَ المَلِكُ إلى فُلانٍ وأوْغَرَ عَلَيْهِ وعَزَمَ عَلَيْهِ وعَهِدَ إلَيْهِ، عَطَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قِصَّةَ آدَمَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [طه: ١١٣] والمَعْنى وأُقْسِمُ قَسَمًا لَقَدْ أمَرْنا أباهم آدَمَ ووَصَّيْناهُ أنْ لا يَقْرَبَ الشَّجَرَةَ، وتَوَعَّدْناهُ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ الظّالِمِينَ إنْ قَرَبَها وذَلِكَ (مِن قَبْلُ) وُجُودِهِمْ (مِن قَبْلُ) أنْ نَتَوَعَّدَهم فَخالَفَ إلى ما نُهِيَ عَنْهُ وتَوَعَّدَ في ارْتِكابِهِ مُخالَفَتَهم، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى الوَعِيدِ كَما لا يَلْتَفِتُونَ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ أساسَ أمْرِ بَنِي آدَمَ عَلى ذَلِكَ وعِرْقُهم راسِخٌ فِيهِ. انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ النِّسْيانَ هُنا التَّرْكُ إنْ تَرَكَ ما وُصِّيَ بِهِ مِنَ الِاحْتِراسِ عَنِ الشَّجَرَةِ وأكْلِ ثَمَرَتِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنِّسْيانِ الَّذِي هو نَقِيضُ الذِّكْرِ وأنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِالوَصِيَّةِ العِنايَةَ الصّادِقَةَ ولَمْ يَسْتَوْثِقْ مِنها بِعَقْدِ القَلْبِ عَلَيْها وضَبْطِ النَّفْسِ حَتّى تَوَلَّدَ مِن ذَلِكَ (p-٢٨٤)النِّسْيانُ. انْتَهى. وقالَهُ غَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونِسْيانُ الذُّهُولِ لا يُمْكِنُ هُنا لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِالنّاسِي عِقابٌ. انْتَهى. وقَرَأ اليَمانِيُّ والأعْمَشُ فَنُسِّيَ بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ أيْ نَسّاهُ الشَّيْطانُ، والعَزْمُ التَّصْمِيمُ والمُضِيُّ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ عَلى تَرْكِ الأكْلِ وأنْ يَتَصَلَّبَ في ذَلِكَ تَصَلُّبًا يُؤَيِّسُ الشَّيْطانَ مِنَ التَّسْوِيلِ لَهُ، والوُجُودُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العِلْمِ ومَفْعُولاهُ (لَهُ عَزْمًا) وأنْ يَكُونَ نَقِيضَ العَدَمِ كَأنَّهُ قالَ وعْدٌ مِنّا (لَهُ عَزْمًا) . انْتَهى.

وقِيلَ ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ عَلى المَعْصِيَةِ وهَذا يَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ فَعَلَ نِسْيانًا. وقِيلَ: حِفْظًا لِما أُمِرَ بِهِ. وقِيلَ: صَبْرًا عَنْ أكْلِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ ﴿عَزْمًا﴾ في الِاحْتِياطِ في كَيْفِيَّةِ الِاجْتِهادِ.

* *

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ و(أبى) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ أنَّ امْتِناعَهُ مِنَ السُّجُودِ إنَّما كانَ عَنْ إباءٍ مِنهُ وامْتِناعٍ، والظّاهِرُ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ (أبى) وأنَّهُ يُقَدَّرُ هُنا ما صُرِّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أبى) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ جَوابُ قائِلٍ قالَ: لِمَ لَمْ يَسْجُدْ ؟ والوَجْهُ أنْ لا يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُولٌ وهو السُّجُودُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (اسْجُدُوا) وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ أظْهَرَ الإباءَ وتَوَقَّفَ وتَثَبَّطَ. انْتَهى.

و(هَذا) إشارَةٌ إلى إبْلِيسَ و(عَدُوٌّ) يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ، عَرَّفَ تَعالى آدَمَ عَداوَةَ إبْلِيسَ لَهُ ولِزَوْجَتِهِ لِيَحْذَراهِ فَلَنْ يُغْنِيَ الحَذَرُ عَنِ القَدَرِ، وسَبَبُ العَداوَةِ فِيما قِيلَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ حَسُودًا فَلَمّا رَأى آثارَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى آدَمَ حَسَدَهُ وعاداهُ. وقِيلَ: العَداوَةُ حَصَلَتْ مِن تَنافِي أصْلَيْهِما إذْ إبْلِيسُ مِنَ النّارِ وآدَمُ مِنَ الماءِ والتُّرابِ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ النَّهْيُ لَهُ والمُرادُ غَيْرُهُ أيْ لا يَقَعُ مِنكُما طاعَةٌ لَهُ في إغْوائِهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ خُرُوجِكُما مِنَ الجَنَّةِ، وأسْنَدَ الإخْراجَ إلَيْهِ وإنْ كانَ المُخْرِجُ هو اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ بِوَسْوَسَتِهِ هو الَّذِي فَعَلَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الخُرُوجُ (فَتَشْقى) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ في جَوابِ النَّهْيِ وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ فَأنْتَ تَشْقى. وأسْنَدَ الشَّقاءَ إلَيْهِ وحْدَهُ بَعْدَ اشْتِراكِهِ مَعَ زَوْجِهِ في الإخْراجِ مِن حَيْثُ كانَ هو المُخاطَبَ أوَّلًا والمَقْصُودُ بِالكَلامِ ولِأنَّ في ضِمْنِ شَقاءِ الرَّجُلِ شَقاءَ أهْلِهِ، وفي سَعادَتِهِ سَعادَتَها فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ دُونَها مَعَ المُحافَظَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

وقِيلَ: أرادَ بِالشَّقاءِ التَّعَبَ في طَلَبِ القُوتِ وذَلِكَ راجِعٌ إلى الرَّجُلِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ لَهُ ثَوْرٌ أحْمَرُ يَحْرُثُ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُ بِكَدِّ يَمِينِهِ وعَرَقِ جَبِينِهِ. وقَرَأ شَيْبَةُ ونافِعٌ وحَفْصٌ وابْنُ سَعْدانَ (وإنَّكَ لا تَظْمَأُ) بِكَسْرِ هَمْزَةٍ وإنَّكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِها فالكَسْرُ عَطْفٌ عَلى أنَّ لَكَ، والفَتْحُ عَطْفٌ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ لا تَجُوعَ، أيْ أنَّ لَكَ انْتِفاءَ جَوْعِكَ وانْتِفاءَ ظَمَئِكَ، وجازَ عَطْفُ (أنَّكَ) عَلى أنَّ لِاشْتِراكِهِما في المَصْدَرِ، ولَوْ باشَرَتْها إنَّ المَكْسُورَةُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وإنْ كانَ عَلى تَقْدِيرِها ألا تَرى أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى اسْمِ إنَّ، وهو أنْ لا تَجُوعَ لَكِنَّهُ يَجُوزُ في العَطْفِ ما لا يَجُوزُ في المُباشَرَةِ، ولَمّا كانَ الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والسَّكَنُ هي الأُمُورَ الَّتِي هي ضَرُورِيَّةٌ لِلْإنْسانِ اقْتَصَرَ عَلَيْها لِكَوْنِها كافِيَةً لَهُ. وفي الجَنَّةِ ضُرُوبٌ مِن أنْواعِ النَّعِيمِ والرّاحَةِ ما هَذِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالعَدَمِ فَمِنها الأمْنُ مِنَ المَوْتِ الَّذِي هو مُكَدِّرٌ لِكُلِّ لَذَّةٍ، والنَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورِضاهُ تَعالى عَنْ أهْلِها، وأنْ لا سَقَمَ ولا حُزْنَ ولا ألَمَ ولا كِبَرَ ولا هَرَمَ ولا غِلَّ ولا غَضَبَ ولا حَدَثَ ولا مَقاذِيرَ ولا تَكْلِيفَ ولا حُزْنَ ولا خَوْفَ ولا مَلَلَ، وذُكِرَتْ هَذِهِ الأرْبَعَةُ بِلَفْظِ النَّفْيِ لِإثْباتِ أضْدادِها وهو الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والسَّكَنُ، وكانَتْ نَقائِضُها بِلَفْظِ النَّفْيِ وهو الجُوعُ والعُرْيُ والظَّمَأُ والضَّحْوُ لِيُطْرَقَ سَمْعُهُ بِأسامِي أصْنافِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ مِنها حَتّى يَتَحامى السَّبَبَ المُوقِعَ فِيها كَراهَةً لَها.

* *

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَ عُرْفَ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الجُوعُ مَعَ الظَّمَأِ والعُرْيُ مَعَ الضِّحاءِ لِأنَّها تَتَضادُّ إذِ العُرْيُ نَفْسُهُ البَرْدُ فَيُؤْذِي والحَرُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالضّاحِي، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَهْيَعٌ في كَلامِ (p-٢٨٥)العَرَبِ أنْ يَقْرِنَ النَّسَبَ. ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ

؎ولَمْ أسْبَأِ الرِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كَرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الأُدَباءِ إلى أنَّ بَيْتَيِ امْرِئِ القَيْسِ كافْطانِي لِلنَّسَبِ، وأنَّ رُكُوبَ الخَيْلِ لِلصَّيْدِ وغَيْرِهِ مِنَ المَلاذِّ يُناسِبُ تَبَطُّنَ الكاعِبِ. انْتَهى.

وقِيلَ: هَذا الجَوابُ عَلى قَدْرِ السُّؤالِ لَمّا أمَرَ اللَّهُ آدَمَ بِسُكْنى الجَنَّةِ قالَ: إلَهِي ألِيَ فِيها ما آكُلُ ؟ ألِيَ فِيها ما ألْبَسُ ؟ ألِيَ فِيها ما أشْرَبُ ؟ ألِيَ فِيها ما أسْتَظِلُّ بِهِ ؟ وقِيلَ: هي مُقابَلَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، فالجُوعُ خُلُوُّ الباطِنِ، والتَّعَرِّي خُلُوُّ الظّاهِرِ، والظَّمَأُ إحْراقُ الباطِنِ، والضَّحْوُ إحْراقُ الظّاهِرِ فَقابَلَ الخُلُوَّ بِالخَوْلِ والإحْراقَ بِالإحْراقِ. وقِيلَ: جَمَعَ امْرُؤُ القَيْسِ في بَيْتَيْهِ بَيْنَ رُكُوبِ الخَيْلِ لِلَّذَّةِ والنُّزْهَةِ، وبَيْنَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ لِلَّذَّةِ الحاصِلَةِ فِيهِما، وجَمَعَ بَيْنَ سِباءِ الرِّقِّ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِخَيْلِهِ كَرِّي لِما فِيهِما مِنَ الشَّجاعَةِ ولِما عِيبَ عَلى أبِي الطَّيِّبِ قَوْلُهُ:

؎وقَفَتْ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهو نائِمُ

؎تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ هَزْمى كَلِيمَةً ∗∗∗ ووَجْهُكُ وضّاحٌ وثَغْرُكُ باسِمُ

فَقالَ: إنْ كُنْتُ أخْطَأْتُ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿فَوَسْوَسَ﴾ والخِلافُ في كَيْفِيَّتِها في الأعْرافِ، وتَعَدّى وسْوَسَ هُنا بِإلى وفي الأعْرافِ بِاللّامِ، فالتَّعَدِّي بِإلى مَعْناهُ أنْهى الوَسْوَسَةَ إلَيْهِ والتَّعَدِّيَ بِلامِ الجَرِّ، قِيلَ مَعْناهُ: لِأجْلِهِ ولَمّا وسْوَسَ إلَيْهِ ناداهُ بِاسْمِهِ لِيَكُونَ أقْبَلَ عَلَيْهِ وأمْكَنَ لِلِاسْتِماعِ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ ما يَلْقى بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أدُلُّكَ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يُشْعِرُ بِالنَّضْحِ. ويُؤْثِرُ قَبُولَ مَن يُخاطِبُهُ كَقَوْلِ مُوسى ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] وهو عَرْضٌ فِيهِ مُناصَحَةٌ، وكانَ آدَمُ قَدْ رَغَّبَهُ اللَّهُ تَعالى في دَوامِ الرّاحَةِ وانْتِظامِ المَعِيشَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ الآيَةَ ورَغَّبَهُ إبْلِيسُ في دَوامِ الرّاحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ﴾ فَجاءَهُ إبْلِيسُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي رَغَّبَهُ اللَّهُ فِيها. وفي الأعْرافِ ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] . وهُنا ﴿هَلْ أدُلُّكَ﴾ والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أدُلُّكَ﴾ يَكُونُ سابِقًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ما نَهاكُما﴾ [الأعراف: ٢٠] لَمّا رَأى إصْغاءَهُ ومَيْلَهُ إلى ما عَرَضَ عَلَيْهِ انْتَقَلَ إلى الإخْبارِ والحَصْرِ.

ومَعْنى ﴿عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ أيِ الشَّجَرَةِ الَّتِي مَنَ أكَلَ مِنها خُلِّدَ وحَصَلَ لَهُ مُلْكٌ لا يَخْلَقُ، وهَذا يَدُلُّ لِقِراءَةِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا شُبْهَةَ في أنَّ آدَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْتَثِلْ ما رَسَمَ اللَّهُ لَهُ وتَخَطّى فِيهِ ساحَةَ الطّاعَةِ، وذَلِكَ هو العِصْيانُ. ولَمّا عَصى خَرَجَ فِعْلُهُ مِن أنْ يَكُونَ رُشْدًا وخَيْرًا فَكانَ غَيًّا لا مَحالَةَ لِأنَّ الغَيَّ خِلافُ الرُّشْدِ. ولَكِنَّ قَوْلَهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ بِهَذا الإطْلاقِ وهَذا التَّصْرِيحِ، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ وزَلَّ آدَمُ وأخْطَأ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزَّلّاتِ والفُرُطاتِ فِيهِ لُطْفٌ بِالمُكَلَّفِينَ ومَزْجَرَةٌ بَلِيغَةٌ ومَوْعِظَةٌ كافَّةٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: انْظُرُوا واعْتَبِرُوا كَيْفَ نَعْتِبُ عَلى النَّبِيِّ المَعْصُومِ حَبِيبِ اللَّهِ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ اقْتِرافُ الصَّغِيرَةِ غَيْرِ المُنَفِّرَةِ زَلَّتُهُ بِهَذِهِ الغِلْظَةِ وبِهَذا اللَّفْظِ الشَّنِيعِ، فَلا تَتَهاوَنُوا بِما يُفَرِّطُ مِنكم مِنَ السَّيِّئاتِ والصَّغائِرِ فَضْلًا عَنْ أنْ تَجْسُرُوا عَنِ التَّوَرُّطِ في الكَبائِرِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ (فَغَوى) فَسَئِمَ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ، وهَذا وإنْ صَحَّ عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ المَكْسُورَةَ ما قَبْلَها ألِفًا فَيَقُولُ في فَنى وبَقى فَنا وبَقا، وهم بَنُو طَيِّئٍ تَفْسِيرٌ خَبِيثٌ. انْتَهى.

* *

وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا يَجُوزُ لِأحَدِنا اليَوْمَ أنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْهُ عَلَيْهِ (p-٢٨٦)السَّلامُ إلّا إذا ذَكَرْناهُ في أثْناءِ قَوْلِهِ تَعالى أوْ قَوْلِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإمّا أنْ يَبْتَدِئَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِجائِزٍ لَنا في آبائِنا الأدْنَيْنَ إلَيْنا المُماثِلِينَ لَنا، فَكَيْفَ فَفي أبِينا الأقْدَمِ الأعْظَمِ الأكْرَمِ النَّبِيِّ المُقَدَّمِ الَّذِي اجْتَباهُ اللَّهُ وتابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ لَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وإذا كانَ هَذا في المَخْلُوقِ لا يَجُوزُ والإخْبارُ عَنْ صِفاتِ اللَّهِ كاليَدِ والرِّجْلِ والأُصْبُعِ والجَنْبِ والنُّزُولِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ أوْلى بِالمَنعِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا في أثْناءِ قِراءَةِ كِتابِهِ أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِهَذا قالَ الإمامُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: مَن وصَفَ شَيْئًا مِن ذاتِ اللَّهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] فَأشارَ بِيَدِهِ إلى عُنُقِهِ قَطَعْتُ يَدَهُ وكَذَلِكَ في السَّمْعِ والبَصَرِ يُقْطَعُ ذَلِكَ مِنهُ لِأنَّهُ شَبَّهَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском