Abu HayyanTaha · 20:83–89

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Taha 20:83–89

20:83–88Page 317

۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣

[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"

قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤

He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."

قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥

[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."

فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦

So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧

They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."

فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨

And he extracted for them [the statue of] a calf which had a lowing sound, and they said, "This is your god and the god of Moses, but he forgot."

﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] .

لَمّا نَهَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَفُ العاجِلِ والآجِلِ، رَأى عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ أنْ يُقْدِمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى أمْرِ اللَّهِ وحِرْصًا عَلى القُرْبِ مِنهُ وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهم مُوسى: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُّورِ فَلَمّا (p-٢٦٧)انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القَوْمِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا (وما) اسْتِفْهامٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْهم ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ قَدْ مَضى مَعَ النُّقَباءِ إلى الطُّورِ عَلى المَوْعِدِ المَضْرُوبِ ثُمَّ تَقَدَّمَهم شَوْقًا إلى كَلامِ رَبِّهِ ويُنْجِزُ ما وعَدَ بِهِ بِناءً عَلى اجْتِهادِهِ، وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ، وزالَ عَنْهُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما وقَّتَ أفْعالَهُ إلّا نَظَرًا إلى دَواعِي الحِكْمَةِ وعِلْمًا بِالمَصالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وقْتٍ، فالمُرادُ بِالقَوْمِ النُّقَباءُ. انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ لا السَبْعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ يَقُولُ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ جَمِيعُ قَوْمِهِ وأنْ يَكُونَ قَدْ فارَقَهم قَبْلَ المِيعادِ وجْهٌ صَحِيحٌ ما يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ . انْتَهى.

﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وأجابَ بِقَوْلِهِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ تَضَمَّنَ تَأخُّرَ قَوْمِهِ عَنْهُ، فَأجابَ مُشِيرًا إلَيْهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ إنَّهم عَلى أثَرِهِ جائِينَ لِلْمَوْعِدِ، وذَلِكَ عَلى ما كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ أنْ يَجِيئُوا لِلْمَوْعِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِ لِتَرْضى﴾ مِن طَلَبِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى في السَّبْقِ إلى ما وعَدَهُ رَبُّهُ ومَعْنى ﴿إلَيْكَ﴾ إلى مَكانِ وعْدِكَ و﴿لِتَرْضى﴾ أيْ لِيَدُومَ رِضاكَ ويَسْتَمِرَّ، لِأنَّهُ تَعالى كانَ عَنْهُ راضِيًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ، فَكانَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الجَوابِ أنْ يُقالَ: طَلَبَ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقِ إلى كَلامِكَ ويُنْجِزُ مَوْعِدَكَ وقَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ كَما تَرى غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ تَضَمَّنَ ما واجَهَهُ بِهِ رَبُّ العِزَّةِ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما إنْكارُ العَجَلَةِ في نَفْسِها، والثّانِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ المُسْتَنْكَرِ والحامِلِ عَلَيْهِ، فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ إلى مُوسى بَسْطَ العُذْرِ وتَمْهِيدَ العِلَّةِ في نَفْسِ ما أنْكَرَ عَلَيْهِ، فاعْتَلَّ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ مِثْلُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في العادَةِ ولا يُحْتَفَلُ بِهِ، ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا مَسافَةٌ قَرِيبَةٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِها الوَفْدُ رَأسُهم ومُقَدَّمُهم، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ فَقالَ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ. انْتَهى. وفِيهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ أُولائِي بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ﴿أُولاءِ﴾ بِالقَصْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُولايَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ إثْرِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ. وحَكى الكِسائِيُّ أُثْرِي بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُولاءِ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ عَلى ﴿أثَرِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزِ والثّاءِ و﴿عَلى أثَرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالقَوْمِ المَفْتُونِينَ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فَإنْ قُلْتَ: في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسَبُوا أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها، وقالُوا قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى عِنْدَ مَقْدَمِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقِّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ، وافْتَرَضَ السّامِرِيُّ غَيْبَتَهُ فَعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ غَبَّ انْطِلاقِهِ. وأخَذَ في تَدْبِيرِ ذَلِكَ فَكانَ بَدْءُ الفِتْنَةِ مَوْجُودًا. انْتَهى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأضَلَّهُمْ﴾ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وفِرْقَةٌ وأضَلُّهم بِرَفْعِ اللّامِ مُبْتَدَأٌ والسّامِرِيُّ خَبَرُهُ وكانَ أشَدَّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ في نَفْسِهِ مُضِلٌّ غَيْرَهُ. وفي (p-٢٦٨)القِراءَةِ الشُّهْرى أسْنَدَ الضَّلالَ إلى السّامِرِيِّ لِأنَّهُ كانَ السَّبَبَ في ضَلالِهِمْ، وأسْنَدَ الفِتْنَةَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَها في قُلُوبِهِمْ.

و(السّامِرِيُّ) قِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ. وقِيلَ: مَنجا وهو ابْنُ خالَةِ مُوسى أوِ ابْنُ عَمِّهِ أوْ عَظِيمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، أوْ عِلْجٌ مِن كِرْمانَ، أوْ مِن باجِرْما أوْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ القِبْطِ آمَنَ بِمُوسى وخَرَجَ مَعَهُ، وكانَ جارَهُ أوْ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي اسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ أقْوالٌ وتَقُومُ في الأعْرافِ كَيْفِيَّةُ اتِّخاذِ العِجْلِ وقَبْلَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِها هُنا.

20:89Page 318

أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩

Did they not see that it could not return to them any speech [i.e., response] and that it did not possess for them any harm or benefit?

﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ [طه: ٨٦] وذَلِكَ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ وانْتَصَبَ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ [طه: ٨٦] عَلى الحالِ، والأسَفُ أشَدُّ الغَضَبِ. وقِيلَ: الحُزْنُ وغَضَبُهُ مِن حَيْثُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَغْيِيرِ مُنَكَرِهِمْ، وأسَفُهُ وهو حُزْنُهُ مِن حَيْثُ عَلِمَ أنَّهُ مَوْضِعُ عُقُوبَةٍ لا يَدَ لَهُ بِمَدْفَعِها ولا بُدَّ مِنها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأسَفُ في كَلامِ العَرَبِ مَتى كانَ مِن ذِي قُدْرَةٍ عَلى مَن دُونَهُ فَهو غَضَبٌ، ومَتى كانَ مِنَ الأقَلِّ عَلى الأقْوى فَهو حُزْنٌ، وتَأمَّلْ ذَلِكَ فَهو مُطَّرِدٌ، ثُمَّ أخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُوَبِّخُهم عَلى إضْلالِهِمْ والوَعْدِ الحَسَنِ ما وعَدَهم مِنَ الوُصُولِ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفُتُوحِ في الأرْضِ والمَغْفِرَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا وعَدَ اللَّهُ أهْلَ طاعَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَدَهَمُ اللَّهُ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ أنْ يُعْطِيَهُمُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها هُدًى ونُورٌ، ولا وعْدٌ أحْسَنُ مِن ذاكَ وأجْمَلُ. وقالَ الحَسَنُ: الوَعْدُ الحَسَنُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: أنْ يُسْمِعَهم كَلامَهُ والعَهْدُ الزَّمانُ، يُرِيدُ مُفارَقَتَهُ لَهم يُقالُ طالَ عَهْدِي بِكَذا أيْ طالَ زَمانِي بِسَبَبِ مُفارَقَتِكَ، وعَدُوهُ أنْ يُقِيمُوا عَلى أمْرِهِ وما تَرَكَهم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ فَأخْلَفُوا مَوْعِدَهُ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ. انْتَهى.

وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى المَصْدَرِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِيَعِدُكم مَحْذُوفٌ أوْ أطْلَقَ الوَعْدَ ويُرادُ بِهِ المَوْعُودُ فَيَكُونُ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ، وفي قَوْلِهِ (أفَطالَ) إلى آخِرِهِ تَوْقِيفٌ عَلى أعْذارٍ لَمْ تَكُنْ، ولا تَصِحُّ لَهم وهو طُولُ العَهْدِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم خُلْفٌ في المَوْعِدِ وإرادَةُ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ ولَكِنَّهم عَمِلُوا عَمَلَ مَن لَمْ يَتَدَبَّرْ. وسُمِّيَ العَذابُ غَضَبًا مِن حَيْثُ هو ناشِئٌ عَنِ الغَضَبِ، فَإنْ جُعِلَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَصِفَةُ ذاتٍ أوْ عَنْ ظُهُورِ النِّقْمَةِ والعَذابِ فَصِفَةُ فِعْلٍ و(مَوْعِدِي) مَصْدَرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ إلى الفاعِلِ، أيْ: أوَجَدْتُمُونِي أخْلَفْتُ ما وعَدْتُكم، مِن قَوْلِ العَرَبِ ”فُلانٌ أخْلَفَ وعْدَ فُلانٍ“ إذا وجَدَهُ وقْعُ فِيهِ الخُلْفُ، قالَهُ المُفَضَّلُ، وأنْ يُضافَ إلى المَفْعُولِ، وكانُوا وعَدُوهُ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ وسُنَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ أبَدًا فَأخْلَفُوا مَوْعِدَهُ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ. وقَرَأ الأخَوانِ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وقَعْنَبٌ (بِمُلْكِنا) بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ سَعْدانَ بِفَتْحِها، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها. وقَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (بِمَلَكِنِا) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وحَقِيقَتُهُ بِسُلْطانِنا، فالمَلْكُ والمُلْكُ بِمَنزِلَةِ النَّقْضِ والنُّقْضِ. والظّاهِرُ أنَّها لُغاتٌ والمَعْنى واحِدٌ، وفَرَّقَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ بَيْنَ مَعانِيها، فَمَعْنى الضَّمِّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَنا مُلْكٌ فَنُخْلِفَ مَوْعِدَكَ بِسُلْطانِهِ، وإنَّما أخْلَفْناهُ بِنَظَرٍ أدّى إلَيْهِ ما فَعَلَ السّامِرِيُّ، فَلَيْسَ المَعْنى أنَّ لَهم مُلْكًا، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:

؎لا يَشْتَكِي سَقْطٌ مِنها وقَدْ رَقَصَتْ بِها المَفاوِزُ حَتّى ظَهْرُها حَدِبُ

أيْ: لا يَكُونُ مِنها سَقْطَةٌ فَتَشْتَكِيَ، وفَتْحُ المِيمِ مَصْدَرٌ مِن مَلَكَ، والمَعْنى: ما فَعَلْنا ذَلِكَ بِأنّا مَلَكْنا الصَّوابَ ولا وقَفْنا لَهُ، بَلْ غَلَبَتْنا أنْفُسُنا، وكَسْرُ المِيمِ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما تَحُوزُهُ اليَدُ ولَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الَّتِي يُبْرِمُها الإنْسانُ، ومَعْناها كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها. والمَصْدَرُ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، أيْ (يَمْلِكُنا) الصَّوابُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ (ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ) بِأنْ مَلَكْنا أمْرَنا (p-٢٦٩)أيْ لَوْ مَلَكْنا أمَرْنا وخَلَّيْنا ورَأيْنا لَما أخْلَفْناهُ، ولَكِنْ غُلِبْنا مِن جِهَةِ السّامِرِيِّ وكَيْدِهِ. وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ، وأبُو رَجاءٍ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وحُمَيدٌ، ويَعْقُوبُ غَيْرَ رَوْحٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم شَدَّدُوا المِيمَ، والأوْزارُ الأثْقالُ أطْلَقَ عَلى ما كانُوا اسْتَعارُوا مِن لَقِيطٍ بِرَسْمِ التَّزَيُّنِ أوْزارًا لِثِقَلِها، أوْ لِسَبَبِ أنَّهم أثِمُوا في ذَلِكَ فَسُمِّيَتْ أوْزارًا لَمّا حَصَلَتِ الأوْزارُ الَّتِي هي الآثامُ بِسَبَبِها. والقَوْمُ هُنا القِبْطُ. وقِيلَ: أمَرَهم بِالِاسْتِعارَةِ مُوسى. وقِيلَ: أمَرَ اللَّهُ مُوسى بِذَلِكَ. وقِيلَ: هو ما ألْقاهُ البَحْرُ مِمّا كانَ عَلى الَّذِينَ غَرِقُوا. وقِيلَ: الأوْزارُ الَّتِي هي الآثامُ مِن جِهَةِ أنَّهم لَمْ يَرُدُّوها إلى أصْحابِها، ومَعْنى أنَّهم حَمَلُوا الآثامَ وقَذَفُوها عَلى ظُهُورِهِمْ كَما جاؤُهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ. وقِيلَ مَعْنى (فَقَذَفْناهم) أيِ الحُلِيَّ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا. وقِيلَ (فَقَذَفْناها) في النّارِ أيْ ذَلِكَ الحُلِيَّ، وكانَ أشارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ السّامِرِيُّ فَحُفِرَتْ حُفْرَةً وسُجِّرَتْ فِيها النّارُ وقَذَفَ كُلُّ مَن مَعَهُ شَيْءٌ ما عِنْدَهُ مِن ذَلِكَ في النّارِ. وقَذَفَ السّامِرِيُّ ما مَعَهُ. ومَعْنى (فَكَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ قَذْفِنا إيّاها ﴿ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] ما كانَ مَعَهُ. وظاهِرُ هَذِهِ الألْفاظِ أنَّ العِجْلَ لَمْ يَصْنَعْهُ السّامِرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] أراهم أنَّهُ يُلْقِي حُلِيًّا في يَدِهِ مِثْلَ ما ألْقَوْا وإنَّما ألْقى التُّرْبَةَ الَّتِي أخَذَها مِن مَوْطِئِ حَيْزُومِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْحى إلَيْهِ ولَيُّهُ الشَّيْطانُ أنَّها إذا خالَطَتْ مَواتًا صارَ حَيَوانًا فَأخْرَجَ لَهُمُ السّامِرِيُّ مِنَ الحُفْرَةِ عِجْلًا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الحُلِيِّ الَّتِي سَبَكَتْها النّارُ تَخُورُ كَخَوْرِ العَجاجِيلِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ [طه: ٨٥] هو خَلْقُ العِجْلِ لِلِامْتِحانِ أيِ امْتَحَنّاهم بِخَلْقِ العِجْلِ وحَمَلَهُمُ السّامِرِيُّ عَلى الضَّلالِ وأوْقَعَهم فِيهِ حِينَ قالَ لَهم ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] . انْتَهى.

وقِيلَ: مَعْنى (جَسَدًا) شَخْصًا. وقِيلَ: لا يَتَغَذّى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] في الأعْرافِ. والضَّمِيرُ في (فَقالُوا) لِبَنِي إسْرائِيلَ أيْ ضَلُّوا حِينَ قالَ كِبارُهم لِصِغارِهِمْ و(هَذا) إشارَةٌ إلى العِجْلِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (فَقالُوا) عائِدٌ عَلى السّامِرِيِّ أخْبَرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِ. وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى تابِعِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ فَنَسِي بِسُكُونِ الياءِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] عائِدٌ عَلى السّامِرِيِّ أيْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] إسْلامَهُ وإيمانَهُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ فَتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ قالَهُ مَكْحُولٌ، وهو كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] أنَّ العِجْلَ ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ و﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وأنَّ الإلَهَ لا يَحُلُّ في شَيْءٍ ولا يَحُلُّ فِيهِ شَيْءٌ وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] إخْبارًا مِنَ اللَّهِ عَنِ السّامِرِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] مُوسى أنْ يَذْكُرَ لَكم أنَّ هَذا إلَهُكم أوْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ قالَهُ قَتادَةُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ مِن كَلامِ السّامِرِيِّ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا تَصْلُحُ لِمَن سُلِبَتْ عَنْهُ هَذِهِ الصِّفاتُ فَقالَ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ وهَذا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَها أنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ كَما جاءَ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] بِأنَّ الثَّقِيلَةَ وبِرَفْعِ يَرْجِعُ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (ألّا يَرْجِعَ) بِنَصْبِ العَيْنِ قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ وفي الكامِلِ ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ وعَلى نَصْبِ (ولا يَمْلِكُ) الزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ صُبَيْحٍ وأبانُ والشّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الإمامُ المُطَّلِبِيُّ جَعَلُوها أنِ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ وتَكُونُ الرُّؤْيَةُ مِنَ الإبْصارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском