Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:36–50
21:36–43Page 325
وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٦
And when those who disbelieve see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one who mentions [i.e., insults] your gods?" And they are, at the mention of the Most Merciful, disbelievers.
خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧
Man was created of haste [i.e., impatience]. I will show you My signs [i.e., vengeance], so do not impatiently urge Me.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٣٩
If those who disbelieved but knew the time when they will not avert the Fire from their faces or from their backs and they will not be aided...1
بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٤٠
Rather, it will come to them unexpectedly and bewilder them, and they will not be able to repel it, nor will they be reprieved.
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤١
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by what they used to ridicule.
قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢
Say, "Who can protect you at night or by day from the Most Merciful?" But they are, from the remembrance of their Lord, turning away.
أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣
Or do they have gods to defend them other than Us? They are unable [even] to help themselves, nor can they be protected from Us.
(p-٣١٢)﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾:
قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: مَرَّ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأبِي جَهْلٍ وأبِي سُفْيانَ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا نَبِيُّ عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: وما تُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا في بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَسَمِعَهُما الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ لِأبِي جَهْل: (ما تَنْتَهِي حَتّى يَنْزِلَ بِكَ ما نَزَلَ بِعَمِّكِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأمّا أنْتَ يا أبا سُفْيانَ فَإنَّما قُلْتَ ما قُلْتَ حَمِيَّةً) فَنَزَلَتْ.
ولَمّا كانَ الكُفّارُ يَغُمُّهم ذِكْرُ آلِهَتِهِمْ بِسُوءٍ شَرَعُوا في الِاسْتِهْزاءِ وتَنْقِيصِ مَن يَذْكُرُهم عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ و(إنْ) نافِيَةٌ بِمَعْنى ما، والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ (إذا) هو ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ وجَوابُ إذا بِإنِ النّافِيَةِ لَمْ يَرِدْ مِنهُ في القُرْآنِ إلّا هَذا وقَوْلُهُ في القُرْآنِ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الفرقان: ٤١] ولَمْ يَحْتَجْ إلى الفاءِ في الجَوابِ كَما لَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ ما إذا وقَعَتْ جَوابًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾ [الجاثية: ٢٥] بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ، فَإنَّها إذا كانَ الجَوابُ مُصَدَّرًا بِما النّافِيَةِ فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ، نَحْوَ إنْ تَزُورُنا فَما نُسِيءُ إلَيْكَ. وفي الجَوابِ لِإذا بِـإنْ وما النّافِيَتَيْنِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ (إذا) لَيْسَتْ مَعْمُولَةً لِلْجَوابِ، بَلِ العامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها ولَيْسَتْ مُضافَةً لِلْجُمْلَةِ خِلافًا لِأكْثَرِ النُّحاةِ. وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذا مِنَ الأدِلَّةِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ.
وقِيلَ: جَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ وهو يَقُولُونَ المَحْكِيُّ بِهِ قَوْلُهم ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ (إذا) وجَوابِهِ و﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والثّانِي (هُزُوًا) أيْ مَهْزُوأً بِهِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ فِيهِ إنْكارٌ وتَعَجُّبٌ. والذِّكْرُ يَكُونُ بِالخَيْرِ وبِالشَّرِّ، فَإذا لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلَّقُهُ فالقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ مِن صَدِيقٍ فالذِّكْرُ ثَناءٌ أوْ مِن غَيْرِهِ فَذَمٌّ، ومِنهُ ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أيْ بِسُوءٍ، وكَذَلِكَ هُنا ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ .
ثُمَّ نَعى عَلَيْهِ إنْكارَهم عَلَيْهِ ذِكْرَ آلِهَتِهِمْ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ وهي ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ يُنْكِرُونَ وهَذِهِ حالُهم يَكْفُرُونَ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ، وهو ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ فَمَن هَذِهِ حالُهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكِرَ عَلى مَن يَعِيبُ آلِهَتَهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُولُونَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ (يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا) وهم عَلى حالٍ هي أصْلُ الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ وهي الكُفْرُ بِاللَّهِ. انْتَهى. فَجَعَلَ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ العامِلَ فِيها (يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا) المَحْذُوفَةَ وكَرَّرَهم عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ أنْكَرُوا لَفْظَةَ (الرَّحْمَنِ) وقالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا في اليَمامَةِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَنِ هُنا اللَّهُ، كَأنَّهُ قِيلَ ﴿وهم بِذِكْرِ﴾ اللَّهِ ولَمّا كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى الإقْرارِ والعِلْمِ نَهاهم تَعالى عَنِ الِاسْتِعْجالِ وقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ وأنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلَيْها، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِالإنْسانِ هُنا اسْمُ الجِنْسِ وكَوْنُهُ (خُلِقَ) ﴿مِن عَجَلٍ﴾ وهو عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لَمّا كانَ يَصْدُرُ مِنهُ كَثِيرًا. كَما يَقُولُ لِمُكْثِرِ اللَّعِبِ أنْتَ مِن لَعِبٍ، وفي الحَدِيثِ (لَسْتُ مَن دَدٍ ولا دَدٌ مِنِّي) . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنّا لَمِمّا يَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ
لَمّا كانُوا أهْلَ ضَرْبِ الهامِ ومُلازَمَةِ الحَرْبِ قالَ: إنَّهم مِنَ الضَّرْبِ، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَتِمُّ مَعْنى الآيَةِ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ آياتِ الوَعِيدِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ في رُؤْيَتِكُمُ العَذابَ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، ومَن يَدَّعِي القَلْبَ فِيهِ وهو أبُو عَمْرٍو وأنَّ التَّقْدِيرَ خَلْقُ العَجَلِ مِنَ الإنْسانِ وكَذا قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ جُعِلَ طَبِيعَةً مِن طَبائِعِهِ وجُزْءًا مِن أخْلاقِهِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِجَيِّدٍ لِأنَّ القَلْبَ الصَّحِيحَ (p-٣١٣)فِيهِ أنْ لا يَكُونَ في كَلامٍ فَصِيحٍ وإنَّ بابَهُ الشِّعْرُ. قِيلَ: فَمِمّا جاءَ في الكَلامِ مِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: إذا طَلَعَتِ الشِّعْرى اسْتَوى العُودُ عَلى الحِرْباءِ. وقالُوا: عُرِضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ وفي الشِّعْرِ قَوْلُهُ:
؎حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبالِ آخُذُهُ
وقالَ مُجاهِد وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ (الإنْسانُ) هُنا آدَمُ. قالَ مُجاهِد: لَمّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ وعَيْنَيْهِ رَأى الشَّمْسَ قارَبَتِ الغُرُوبَ فَقالَ: يا رَبِّ عَجِّلْ تَمامَ خَلْقِي قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ. وقالَ سَعِيدٌ: لَمّا بَلَغَتِ الرُّوحُ رُكْبَتَيْهِ كادَ يَقُومُ فَقالَ اللَّهُ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلى عَجَلَةٍ في خَلْقِهِ. وقالَ الأخْفَشُ ﴿مِن عَجَلٍ﴾ لِأنَّ اللَّهَ قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ يَعْنِي النُّطْفَةَ. وقِيلَ: خُلِقَ بِسُرْعَةٍ وتَعْجِيلٍ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبِ الآدَمِيِّينَ مِنَ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ، وهَذا يَرْجِعُ لِقَوْلِ الأخْفَشِ. وقِيلَ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ مِن طِينٍ والعَجَلُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ الطِّينُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِبَعْضِ الحِمْيَرِيِّينَ:
؎النَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ مَنبَتُهُ ∗∗∗ والنَّخْلُ مَنبَتُهُ في الماءِ والعَجَلِ
وقِيلَ: ﴿الإنْسانُ﴾ هُنا النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلَيْهِ هو القَوْلُ الأوَّلُ وهو الَّذِي يُناسِبُ آخِرَها. والآياتُ هُنا قِيلَ: الهَلاكُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ أيْ يَأْتِيكم في وقْتِهِ. وقِيلَ: أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: آثارُ القُرُونِ الماضِيَةِ بِالشّامِ واليَمَنِ، والقَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقُ أيْ سَيَأْتِي ما يَسُؤُوكم إذا دُمْتُمْ عَلى كُفْرِكم، كَأنَّهُ يُرِيدُ يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ نَهاهم عَنِ الِاسْتِعْجالِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] ألَيْسَ هَذا مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ ؟ قُلْتُ: هَذا كَما رُكِّبَ فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ وأمَرَهُ أنْ يَغْلِبَها لِأنَّهُ أعْطاهُ القُدْرَةَ الَّتِي يَسْتَطِيعُ بِها قَمْعَ الشَّهْوَةِ وتَرْكَ العَجَلَةِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيدٌ وابْنُ مِقْسَمٍ (خَلَقَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (الإنْسانَ) بِالنَّصْبِ أيْ (خَلَقَ) اللَّهُ (الإنْسانَ) وقَوْلُهُ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ الهُزْءِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَتَوَعَّدُونَهم عَلى لِسانِ الشَّرْعِ و(مَتى) في مَوْضِعِ الجَرِّ لِهَذا فَمَوْضِعُهُ رَفْعٌ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّ مَوْضِعَ (مَتى) نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ يَكُونُ أوْ يَجِيءُ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وحَذْفُهُ أبْلَغُ وأهْيَبُ مِنَ النَّصِّ عَلَيْهِ فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لَمّا اسْتَعْجَلُوا ونَحْوَهُ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمّا كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ. وقِيلَ: لَعَلِمُوا صِحَّةَ البَعْثِ. وقِيلَ: لَعَلِمُوا صِحَّةَ المَوْعُودِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: لَسارَعُوا إلى الإيمانِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السّاعَةِ وحِينَ يُرادُ بِهِ وقْتُ السّاعَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً. انْتَهى.
و(حِينَ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمَ أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمُ النّارُ مِن وراءُ وقُدّامُ، ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عِنْدَهم. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَعْلَمُ) مَتْرُوكًا فَلا تَعْدِيَةَ بِمَعْنى (لَوْ) كانَ مَعَهم عِلْمٌ ولَمْ يَكُونُوا جاهِلِينَ لَما كانُوا مُسْتَعْجِلِينَ، و(حِينَ) مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ يَعْلَمُونَ أنَّهم كانُوا عَلى الباطِلِ، ويَنْتَفِي عَنْهم هَذا الجَهْلُ العَظِيمُ أيْ لا يَكُفُّونَها. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَفْعُولَ (يَعْلَمُ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ أيْ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَجِيءَ المَوْعُودِ الَّذِي سَألُوا عَنْهُ واسْتَنْبَطُوهُ. و(حِينَ) مَنصُوبٌ بِالمَفْعُولِ الَّذِي هو مَجِيءٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وأُعْمِلَ الثّانِي والمَعْنى لَوْ يَعْلَمُونَ مُباشَرَةَ النّارِ حِينَ لا يَكُفُّونَها عَنْ وُجُوهِهِمْ، وذَكَرَ الوُجُوهَ لِأنَّها أشْرَفُ ما في الإنْسانِ ومَحَلُّ حَواسِّهِ، والإنْسانُ أحْرَصُ عَلى الدِّفاعِ عَنْهُ مِن غَيْرِهِ مِن أعْضائِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها الظُّهُورَ والمُرادُ عُمُومُ النّارِ لِجَمِيعِ أبْدانِهِمْ ولا أحَدَ (p-٣١٤)يَمْنَعُهم مِنَ العَذابِ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ أيْ تَفْجَؤُهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ اسْتِدْراكٌ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ نَفْيٌ تَقْدِيرُهُ إنَّ الآياتِ لا تَأْتِي بِحَسَبِ اقْتِراحِهِمْ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (تَأْتِيهِمْ) عائِدٌ عَلى النّارِ. وقِيلَ: عَلى السّاعَةِ الَّتِي تُصَبِّرُهم إلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى العُقُوبَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى النّارِ أوْ إلى الوَعْدِ لِأنَّهُ في مَعْنى النّارِ وهي الَّتِي وعَدُوها، أوْ عَلى تَأْوِيلِ العِدَةِ والمَوْعِدَةِ أوْ إلى الحِينِ لِأنَّهُ في مَعْنى السّاعَةِ أوْ إلى البَعْثَةِ. انْتَهى.
وقَرَأ الأعْمَشُ بَلْ يَأْتِيهِمْ بِالياءِ بَغْتَةً بِفَتْحِ الغَيْنِ فَيَبْهَتُهم بِالياءِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الوَعْدِ أوِ الحِينِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: لَعَلَّهُ جَعَلَ النّارَ بِمَعْنى العَذابِ فَذَكَرَ ثُمَّ رَدَّ رَدَّها إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُؤَخَّرُونَ عَمّا حَلَّ بِهِمْ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ سَلّاهُ تَعالى بِأنَّ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ وقَعَ مِن أُمَمِهِمُ الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، وأنَّ ثَمَرَةَ اسْتِهْزائِهِمْ جَنَوْها هَلاكًا وعِقابًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكَذَلِكَ حالُ هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في الأنْعامِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَسْألَهم مَنِ الَّذِي يَحْفَظُكم في أوْقاتِكم مِن بَأْسِ اللَّهِ أيْ لا أحَدَ يَحْفَظُكم مِنهُ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وفي آخِرِ الكَلامِ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ لَيْسَ لَهم مانِعٌ ولا كالِئٌ، وعَلى هَذا النَّفْيِ تَرْكِيبُ بَلْ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِهِ لا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ فَضْلًا أنْ يَخافُوا بَأْسَهُ حَتّى إذا رُزِقُوا الكِلاءَةَ مِنهُ عَرَفُوا مَنِ الكالِئُ وصَلَحُوا لِلسُّؤالِ عَنْهُ، والمُرادُ أنَّهُ أمَرَ رَسُولَهُ بِسُؤالِهِمْ عَنِ الكالِئِ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ لِإعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِ مَن يَكْلَؤُهم. انْتَهى.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وشَيْبَةُ: يَكْلُوكم بِضَمَّةٍ خَفِيفَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ يَكْلُوكم بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ.
﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ﴾ بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ كَأنَّهُ قِيلَ بَلْ ألَهم آلِهَةٌ فَأضْرَبَ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ ﴿مِن دُونِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَمْنَعُهم. انْتَهى. قِيلَ: والمَعْنى ألْهم آلِهَةٌ تَجْعَلُهم في مَنَعَةٍ وعِزٍّ مِن أنْ يَنالَهم مَكْرُوهٌ مِن جِهَتِنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم تَقُولُ: مَنَعْتُ دُونَهُ كَفَفْتُ أذاهُ فَمِن دُونِنا هو مِن صِلَةٍ ﴿آلِهَةٌ﴾ أيْ أمْ لَهم آلِهَةٌ دُونَنا أوْ مِن صِلَةٍ ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ أيْ ﴿أمْ لَهُمْ﴾ مانِعٌ مِن سِوانا. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ آلِهَتِهِمْ فَبَيَّنَ أنَّ ما لَيْسَ بِقادِرٍ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ ومَنعِها ولا بِمَصْحُوبٍ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ كَيْفَ يَمْنَعُ غَيْرَهُ ويَنْصُرُهُ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يُمْنَعُونَ. وقالَ مُجاهِد: يُنْصُرُونَ. وقالَ قَتادَةُ: لا يُصْحَبُونَ مِنَ اللَّهِ بِخَيْرٍ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِ
وقالَ مُجاهِد: يُحْفَظُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ: لا يَصْحَبُهم مِنَ المَلائِكَةِ مَن يَدْفَعُ عَنْهم، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿ولّاهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٢] عَلى الأصْنامِ وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: عَلى الكُفّارِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي التَّحْرِيرِ مَدارُ هَذِهِ الكَلِمَةِ يَعْنِي ﴿يُصْحَبُونَ﴾ عَلى مَعْنَيَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُ مِن صَحِبَ يَصْحَبُ، والثّانِي مِنَ الإصْحابِ أصْحَبَ الرَّجُلَ مَنَعَهُ مِنَ الآفاتِ.
21:44–50Page 325
بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
But, [on the contrary], We have provided good things for these [disbelievers] and their fathers until life was prolonged for them. Then do they not see that We set upon the land, reducing it from its borders?1 Is it they who will overcome?
قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥
Say, "I only warn you by revelation." But the deaf do not hear the call when they are warned.
وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦
And if [as much as] a whiff of the punishment of your Lord should touch them, they would surely say, "O woe to us! Indeed, we have been wrongdoers."
وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧
And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous
ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩
Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.
وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠
And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1
(p-٣١٥)﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: .
﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى المُخاطَبِينَ قَبْلُ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً مَن دُونِ اللَّهِ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَتَّعَ ﴿هَؤُلاءِ﴾ الكُفّارَ ﴿وآباءَهُمْ﴾ مِن قَبْلِهِمْ بِما رَزَقَهم مِن حُطامِ الدُّنْيا حَتّى طالَتْ أعْمارُهم في رَخاءٍ ونِعْمَةٍ، وتَدَعَّسُوا في الضَّلالَةِ بِإمْهالِهِ تَعالى إيّاهم وتَأْخِيرِهِمْ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَأْخُذُهم فِيهِ ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ الرَّعْدِ. واقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تِلْكَ الأقْوالِ عَلى مَعْنى أنّا نَنْقُصُ أرْضَ الكُفْرِ ودارَ الحَرْبِ ونَحْذِفُ أطْرافَها بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها وإظْهارِهِمْ عَلى أهْلِها ورَدِّها دارَ إسْلامٍ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ ؟ قُلْتُ: الفائِدَةُ فِيهِ تَصْوِيرُ ما كانَ اللَّهُ يُجْرِيهِ عَلى أيْدِي المُسْلِمِينَ، وأنَّ عَساكِرَهم وسَراياهم كانَتْ تَغْزُو أرْضَ المُشْرِكِينَ وتَأْتِيها غالِبَةً عَلَيْها ناقِصَةً مِن أطْرافِها. انْتَهى.
وفِي ذَلِكَ تَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ وفي قَوْلِهِمْ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ إذِ المَعْنى أنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، فَهو اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما يَجْرِي عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ أُعْلِمُكم بِما تَخافُونَ مِنهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، وما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ فَهو الصِّدْقُ الواقِعُ لا مَحالَةَ كَما رَأيْتُمْ بِالعِيانِ مِن نُقْصانِ الأرْضِ مِن أطْرافِها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم مَعَ إنْذارِهِمْ مُعْرِضُونَ عَمّا أُنْذِرُوا بِهِ فالإنْذارُ لا يُجْدِي فِيهِمْ إذْ هم صُمٌّ عَنْ سَماعِهِ، ولَمّا كانَ الوَحْيُ مِنَ المَسْمُوعاتِ كانَ ذِكْرُ الصَّمَمِ مُناسِبًا و﴿الصُّمُّ﴾ هُمُ المُنْذِرُونَ، فَـ (أل) فِيهِ لِلْعَهْدِ ونابَ الظّاهِرُ مَنابَ المُضْمَرِ لِأنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِتَصامِّهِمْ وسَدِّ أسْماعِهِمْ إذا أُنْذِرُوا، ولَمْ يَكُنِ الضَّمِيرُ لِيُفِيدَ هَذا المَعْنى ونَفْيُ السَّماعِ هُنا نَفْيُ جَدْواهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَسْمَعُ) بِفَتْحِ الياءِ والمِيمِ (الصُّمُّ) رُفِعَ بِهِ و(الدُّعاءَ) نُصِبَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنُ الصَّلْتِ عَنْ حَفْصٍ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَضْمُومَةً وكَسْرِ المِيمِ ﴿الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ بِنَصْبِهِما والفاعِلُ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ ﷺ . وقَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ أيْ ﴿ولا يَسْمَعُ﴾ الرَّسُولُ وعَنْهُ أيْضًا (ولا يُسْمَعُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (الصُّمُّ) رُفِعَ بِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ اليَزِيدِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (p-٣١٦)(يُسْمِعُ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ (الصُّمَّ) نَصْبًا (الدُّعاءُ) رَفَعًا بِيُسْمِعُ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الدُّعاءِ اتِّساعًا والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يُسْمَعُ النِّداءُ الصُّمَّ شَيْئًا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَمُّوا عَنْ سَماعِ ما أُنْذِرُوا بِهِ إذا نالَهم شَيْءٌ مِمّا أُنْذِرُوا بِهِ، ولَوْ كانَ يَسِيرًا نادَوْا بِالهَلاكِ وأقَرُّوا بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، نُبِّهُوا عَلى العِلَّةِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُمُ العَذابَ وهو ظُلْمُ الكُفْرِ وذُلُّوا وأذْعَنُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿نَفْحَةٌ﴾ طَرَفٌ وعَنْهُ هو الجُوعُ الَّذِي نَزَلَ بِمَكَّةَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَصِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ نَفَحَ لَهُ مِنَ العَطاءِ نَفْحَةً إذا أعْطاهُ نَصِيبًا وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ﴾ ثَلاثُ مُبالَغاتِ لَفْظِ المَسِّ، وما في مَدْلُولِ النَّفْحِ مِنَ القِلَّةِ إذْ هو الرِّيحُ اليَسِيرُ أوْ ما يَرْضَخُ مِنَ العَطِيَّةِ، وبِناءُ المَرَّةِ مِنهُ ولَمْ يَأْتِ نَفْحٌ فالمَعْنى أنَّهُ بِأدْنى إصابَةٍ مِن أقَلِّ العَذابِ أذْعَنُوا وخَضَعُوا وأقَرُّوا بِأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ظُلْمُهُمُ السّابِقُ.
ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا إذا أُصِيبُوا بِشَيْءٍ اسْتَطْرَدَ لِما يَكُونُ في الآخِرَةِ الَّتِي هي مَقَرُّ الثَّوابِ والعِقابِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ عَدْلِهِ وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ بِنُونِ العَظَمَةِ فَقالَ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ﴾ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ في أوَّلِ الأعْرافِ، واخْتِلافُ النّاسِ في ذَلِكَ هَلْ ثَمَّ مِيزانٌ حَقِيقَةً وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أوْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ عَنِ المُبالَغَةِ في العَدْلِ التّامِّ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ ؟ قالا: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ ولَكِنَّهُ العَدْلُ والقِسْطُ مَصْدَرٌ وُصِفَتْ بِهِ المَوازِينُ مُبالَغَةً كَأنَّها جُعِلَتْ في أنْفُسِها القِسْطَ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذَواتِ ﴿القِسْطَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ أيْ لِأجْلِ ﴿القِسْطَ﴾ . وقُرِئَ القِصْطِ بِالصّادِ. واللّامُ في ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُها في قَوْلِكَ: جِئْتُ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ. ومِنهُ بَيْتُ النّابِغَةِ:
؎تَرَسَّمَتْ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
انْتَهى. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ تَكُونُ بِمَعْنى في ووافَقَهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، وابْنُ مالِكٍ مِن أصْحابِنا المُتَأخِّرِينَ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ في يَوْمٍ، وكَذَلِكَ لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو أيْ في وقْتِها وأنْشَدَ شاهِدًا عَلى ذَلِكَ لِمِسْكِينٍ الدّارِمِيِّ:
؎أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ∗∗∗ كَما قَدْ مَضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وكُلُّ أبٍ وابْنٍ وإنْ عَمَّرا مَعًا ∗∗∗ مُقِيمِينَ مَفْقُودٌ لِوَقْتٍ وفاقِدُ
وقِيلَ اللّامُ هُنا لِلتَّعْلِيلِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِحِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ و(شَيْئًا) مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ مَصْدَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِثْقالَ) بِالنَّصْبِ خَبَرُ (كانَ) أيْ وإنْ كانَ الشَّيْءُ أوْ وإنْ كانَ العَمَلُ وكَذا في لُقْمانَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ (مِثْقالُ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ و(كانَ) تامَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أتَيْنا﴾ مِنَ الإتْيانِ أيْ جِئْنا بِها، وكَذا قَرَأ أُبَيٌّ أعْنِي جِئْنا وكَأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِأتَيْنا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعَلاءُ بْنُ سَيابَةَ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ شُرَيْحٍ الأصْبَهانِيُّ آتَيْنا بِمَدِّهِ عَلى وزْنِ فاعَلْنا مِنَ المُواتاةِ وهي المُجازاةُ والمُكافَأةُ، فَمَعْناهُ جازَيْنا بِها ولِذَلِكَ تَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، ولَوْ كانَ عَلى أفْعَلْنا مِنَ الإيتاءِ بِالمَدِّ عَلى ما تَوَهَمَّهُ بَعْضُهم لَتَعَدّى مُطْلَقًا دُونَ جازٍ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى مَعْنى: و﴿أتَيْنا﴾ مِنَ المُواتاةِ، ولَوْ كانَ آتَيْنا أعْطَيْنا لَما تَعَدَّتْ بِحَرْفِ جَرٍّ، ويُوهِنُ هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ بَدَلَ الواوِ المَفْتُوحَةِ هَمْزَةٌ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ في المَضْمُومَةِ والمَكْسُورَةِ. انْتَهى. وقَرَأ حُمَيْدٌ: أثَبْنا بِها مِنَ الثَّوابِ وأنَّثَ الضَّمِيرَ في (بِها) وهو عائِدٌ عَلى مُذَكَّرٍ وهو (مِثْقالَ) لِإضافَتِهِ إلى مُؤَنَّثٍ ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ فِيهِ تَوَعُّدٌ وهو إشارَةٌ إلى ضَبْطِ أعْمالِهِمْ مِنَ الحِسابِ وهو (p-٣١٧)العَدُّ والإحْصاءُ، والمَعْنى أنَّهُ لا يَغِيبُ عَنّا شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿حاسِبِينَ﴾ تَمْيِيزٌ لِقَبُولِهِ مِن، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا. ولَمّا ذَكَرَ ما أتى بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِنَ الذِّكْرِ وحالِ مُشْرِكِي العَرَبِ مَعَهُ، وقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّهُ عادَةُ اللَّهِ في أنْبِيائِهِ فَذَكَرَ ما آتى ﴿مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّتِهِما مَعَ قَوْمِهِما مَعَ ما أُوتُوا مِنَ الفُرْقانِ والضِّياءِ والذِّكْرِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى ما آتى رَسُولَهُ مِنَ الذِّكْرِ المُبارَكِ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى سَبِيلِ الذِّكْرِ عَلى إنْكارِهِمْ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى ما آتى رَسُولَهُ ﷺ . و﴿الفُرْقانَ﴾ التَّوْراةُ وهو الضِّياءُ، والذِّكْرُ أيْ كِتابًا هو فُرْقانٌ وضِياءٌ، وذِكْرٌ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ ضِياءً وذِكْرًا بِغَيْرِ واوٍ في ضِياءٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: القُرْآنُ ما رَزَقَهُ اللَّهُ مِن نَصْرِهِ وظُهُورِ حُجَّتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا فَرَّقَ بَيْنَ أمْرِهِ وأمْرِ فِرْعَوْنَ والضِّياءُ التَّوْراةُ، والذِّكْرُ التَّذْكِرَةُ والمَوْعِظَةُ أوْ ذِكْرُ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في دِينِهِمْ ومَصالِحِهِمْ أوِ الشَّرَفُ والعَطْفُ بِالواوِ يُؤْذِنُ بِالتَّغايُرِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (الفُرْقانَ) الفَتْحُ لِقَوْلِهِ (يَوْمَ الفُرْقانِ) . وعَنِ الضَّحّاكِ: قَلَقُ البَحْرِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: المُخْرِجُ مِنَ الشُّبَهاتِ و(الَّذِينَ) صِفَةٌ تابِعَةٌ أوْ مَقْطُوعَةٌ بِرَفْعٍ أوْ نَصْبٍ أوْ بَدَلٍ. ولَمّا ذَكَرَ التَّقْوى ذَكَرَ ما أنْتَجَتْهُ وهو خَشْيَةُ اللَّهِ والإشْفاقُ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والسّاعَةُ القِيامَةُ وبِالغَيْبِ. قالَ الجُمْهُورُ: يَخافُونَهُ ولَمْ يَرَوْهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَخافُونَ عَذابَهُ ولَمْ يَرَوْهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَخافُونَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَخافُونَهُ إذا غابُوا عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، والإشْفاقُ شِدَّةُ الخَوْفِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ عَنْهم، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى صِلَةِ (الَّذِينَ)، وتَكُونُ الصِّلَةُ الأوْلى مُشْعِرَةً بِالتَّجَدُّدِ دائِمًا كَأنَّها إحالَتُهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، والصِّلَةُ الثّانِيَةُ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ عَنْهُ بِالِاسْمِ المُشْعِرِ بِثُبُوتِ الوَصْفِ كَأنَّها حالَتُهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما آتى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ أشارَ إلى ما آتى مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ (وهَذا) أيِ القُرْآنُ ﴿ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيْ كَثِيرٌ مَنافِعُهُ غَزِيرٌ خَبَرُهُ، وجاءَ هُنا الوَصْفُ بِالِاسْمِ ثُمَّ بِالجُمْلَةِ جَرْيًا عَلى الأشْهَرِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ في الأنْعامِ ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] وبَيَّنّا هُناكَ حِكْمَةَ تَقْدِيمِ الجُمْلَةِ عَلى الِاسْمِ ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وهو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، والضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى (ذِكْرٌ) وهو القُرْآنُ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ إذا أنْكَرَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ كَما أنْكَرَ أسْلافُ اليَهُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences