Abu HayyanAl‑Hajj · 22:38–51

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:38–51, continued

وقَدْ عَيَّنَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ البِئْرَ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ لِأهْلِ عَدَنَ مِنَ اليَمَنِ وهي الرَّسُّ. وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ القَصْرَ بَناهَ عادٌ الثّانِي وهو مُنْذِرُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ عادٍ. وعَنِ الضَّحّاكِ وغَيْرِهِ: أنَّ البِئْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَن أرْضَ الشَّحْرِ، والقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا يُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا يَسْقُطُ فِيها. رُوِيَ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ عَلَيْها مَعَ أرْبَعَةِ آلافِ نَفَرٍ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ ونَجّاهُمُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ. وهي بِحَضْرَمَوْتَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ صالِحًا حِينَ حَضَرَها ماتَ وثَمَّ بَلْدَةٌ عِنْدَ البِئْرِ اسْمُها حاضُورا بَناها قَوْمُ صالِحٍ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ جَلِيسُ بْنُ جُلاسٍ، وأقامُوا بِها زَمَنًا ثُمَّ كَفَرُوا وعَبَدُوا صَنَمًا، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ، وقِيلَ: اسْمُهُ شُرَيْحُ بْنُ صَفْوانَ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ في السُّوقِ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ وعَطَّلَ بِئْرَهم وخَرَّبَ قَصْرَهم. وعَنِ الإمامِ أبِي القاسِمِ الأنْصارِيِّ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ قَبْرَ صالِحٍ بِالشّامِ في بَلْدَةٍ يُقالُ لَها عَكّا فَكَيْفَ يَكُونُ بِحَضْرَمَوْتَ.

22:46–51Page 337

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦

So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨

And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩

Say, "O people, I am only to you a clear warner."

فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠

And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١

But the ones who strove against Our verses, [seeking] to cause failure1 - those are the companions of Hellfire.

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .

لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ وكانَ عِنْدَ العَرَبِ أشْياءُ مِن أحْوالِهِمْ يَنْقُلُونَها وهم عارِفُونَ بِبِلادِهِمْ وكَثِيرًا ما يَمُرُّونَ عَلى كَثِيرٍ مِنها قالَ (أفَلَمْ يَسِيرُوا) فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ حَثًّا عَلى السَّفَرِ لِيُشاهِدُوا مَصارِعَ الكُفّارِ فَيَعْتَبِرُوا، أوْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا وشاهَدُوا فَلَمْ يَعْتَبِرُوا فَجُعِلُوا كَأنْ لَمْ يُسافِرُوا ولَمْ يَرَوْا. وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: فَيَكُونُ بِالياءِ والجُمْهُورِ بِالتّاءِ (فَتَكُونَ) مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى جَوابِ التَّقْرِيرِ قالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: عَلى جَوابِ النَّفْيِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ النَّصْبَ بِإضْمارِ أنْ ويَنْسَبِكُ مِنها ومِنَ الفِعْلِ مَصْدَرٌ يُعْطَفُ (p-٣٧٨)عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الصَّرْفِ إذْ مَعْنى الكَلامِ الخَبَرُ صَرَفُوهُ عَنِ الجَزْمِ عَلى العَطْفِ عَلى (يَسِيرُ)، ورَدُّوهُ إلى أخِي الجَزْمِ وهو النَّصْبُ هَذا مَعْنى الصَّرْفِ عِنْدَهم، ومَذْهَبُ الجَرْمِيِّ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ نَفْسِها وإسْنادُ العَقْلِ إلى القَلْبِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَحَلُّهُ، ولا يُنْكَرُ أنَّ لِلدِّماغِ بِالقَلْبِ اتِّصالًا يَقْتَضِي فَسادَ العَقْلِ إذا فَسَدَ الدِّماغُ ومُتَعَلِّقُ ﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾ مَحْذُوفٌ أيْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّابِقَةِ حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم و(يَعْقِلُونَ) ما يَجِبُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وكَذَلِكَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَ) أيْ يَسْمَعُونَ أخْبارَ تِلْكَ الأُمَمِ أوْ ما يَجِبُ سَماعُهُ مِنَ الوَحْيِ. والضَّمِيرُ في (فَإنَّها) ضَمِيرُ القِصَّةِ وحَسُنَ التَّأْنِيثُ هُنا ورَجَّحَهُ كَوْنُ الضَّمِيرِ ولِيَهُ فِعْلٌ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ وهي التّاءُ في (لا تَعْمى) ويَجُوزُ في الكَلامِ التَّذْكِيرُ وقَرَأ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ فَإنَّهُ لا تَعْمى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ (الأبْصارُ) وفي (تَعْمى) راجِعٌ إلَيْهِ. انْتَهى.

وما ذَكَرَهُ لا يَجُوزُ لِأنَّ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مَحْصُورٌ، ولَيْسَ هَذا واحِدًا مِنها وهو في بابِ رُبَّ وفي بابِ نِعْمَ. وبِئْسَ، وفي بابِ الأعْمالِ، وفي بابِ البَدَلِ، وفي بابِ المُتَبَدَّأِ والخَبَرِ عَلى خِلافٍ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ عَلى ما قَرَّرَ ذَلِكَ في أبْوابِهِ. وهَذِهِ الخَمْسَةُ يُفَسِّرُ الضَّمِيرُ فِيها المُفْرَدَ وفي ضَمِيرِ الشَّأْنِ ويُفَسَّرُ بِالجُمْلَةِ عَلى خِلافٍ فِيهِ أيْضًا وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ السِّتَّةِ فَوَجَبَ اطِّراحُهُ والمَعْنى أنَّ أبْصارَهم سالِمَةٌ لا عَمى بِها، وإنَّما العَمى بِقُلُوبِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ قَدْ تَعْمى لَكِنَّ المَنفِيَّ فِيها لَيْسَ العَمى الحَقِيقِيَّ وإنَّما هو ثَمَرَةُ البَصَرِ وهو التَّأْدِيَةُ إلى الفِكْرَةِ فِيما يُشاهِدُ البَصَرُ لَكِنَّ ذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلى العَقْلِ الَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ، ووُصِفَتْ (القُلُوبُ) بِالَّتِي (في الصُّدُورِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مُبالَغَةٌ كَقَوْلِهِ ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكَما تَقُولُ نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي قَدْ تُعُورِفَ واعْتُقِدَ أنَّ العَمى عَلى الحَقِيقَةِ مَكانُ البَصَرِ وهو أنْ تُصابَ الحَدَقَةُ بِما يَطْمِسُ نُورَها، واسْتِعْمالُهُ في القَلْبِ اسْتِعارَةٌ ومَثَلٌ، فَلَمّا أُرِيَ إثْباتُ ما هو خِلافُ المُعْتَقَدِ مِن نِسْبَةِ العَمى إلى القُلُوبِ حَقِيقَةً ونَفْيِهِ عَنِ الأبْصارِ احْتاجَ هَذا التَّصْوِيرُ إلى زِيادَةِ تَعْيِينٍ وفَضْلِ تَعْرِيفٍ لِتَقَرُّرِ أنَّ مَكانَ العَمى هو القُلُوبُ لا الأبْصارُ، كَما تَقُولُ: لَيْسَ المَضاءُ لِلسَّيْفِ ولَكِنَّهُ لِلِسانِكَ الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ، فَقَوْلُكُ: الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ تَقْرِيرٌ لِما ادَّعَيْتَهُ لِلِسانِهِ، وتَثْبِيتٌ لِأنَّ مَحَلَّ المَضاءِ هو هو لا غَيْرُ وكَأنَّكَ قُلْتَ: ما نَفَيْتَ المَضاءَ عَنِ السَّيْفِ وأثْبَتَّهُ لِلِسانِكَ فَلْتَةً ولا سَهْوًا مِنِّي ولَكِنْ تَعَمَّدْتُ بِهِ إيّاهُ بِعَيْنِهِ تَعَمُّدًا. انْتَهى.

وقَوْلُهُ ولَكِنْ تَعَمَّدْتُ بِهِ إيّاهُ بِعَيْنِهِ تَعَمُّدًا فَصْلَ الضَّمِيرِ ولَيْسَ مِن مَواضِعِ فَصْلِهِ، والصَّوابُ ولَكِنْ تَعَمَّدْتُهُ بِهِ كَما تَقُولُ السَّيْفُ ضَرَبْتُكَ بِهِ ولا تَقُولُ: ضَرَبْتُ بِهِ إيّاكَ، وفَصْلُهُ في مَكانِ اتِّصالِهِ عُجْمَةٌ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ القَلْبَ قَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ الخاطِرِ، والتَّدْبِيرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] وعِنْدَ قَوْمٍ أنَّ مَحَلَّ الفِكْرِ هو الدِّماغُ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ هو الصَّدْرُ.

والضَّمِيرُ في (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) لِقُرَيْشٍ، وكانَ ﷺ يُحَذِّرُهم نَقَماتِ اللَّهِ ويُوعِدُهم بِذَلِكَ دُنْيا وآخِرَةً وهم لا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، فَكانَ اسْتِعْجالُهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ وأنَّ ما تَوَعَّدَتْنا بِهِ لا يَقَعُ وإنَّهُ لا بَعْثَ وفي قَوْلِهِ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ إنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ، لَكِنْ لِوُقُوعِهِ أجَلٌ لا يَتَعَدّاهُ. وأضافَ الوَعْدَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْكَرَ اسْتِعْجالَهم بِالمُتَوَعَّدِ بِهِ مِنَ العَذابِ العاجِلِ والآجِلِ، كَأنَّهُ قالَ: ولِمَ يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ كَأنَّهم يُجَوِّزُونَ الفَوْتَ وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى مِيعادِ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ الخُلْفُ واللَّهُ عَزَّ وعُلا لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وما وعَدَهُ لِيُصِيبَهم ولَوْ بَعْدَ حِينٍ وهو سُبْحانُهُ حَلِيمٌ لا يُعَجَّلُ. انْتَهى.

وفِي قَوْلِهِ وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى مِيعادِ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ الخُلْفُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ.

وقِيلَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ في النَّظْرَةِ والإمْهالِ (p-٣٧٩)واخْتَلَفُوا في هَذا التَّشَبُّهِ. فَقِيلَ: في العَدَدِ أيِ اليَوْمُ عِنْدَ اللَّهِ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدَدِكم. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ عامٍ»، فالمَعْنى وإنْ طالَ الإمْهالُ فَإنَّهُ في بَعْضِ يَوْمٍ مِن أيّامِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّشْبِيهُ وقَعَ في الطُّولِ لِلْعَذابِ فِيهِ، والشِّدَّةِ أيْ ﴿وإنَّ يَوْمًا﴾ مِن أيّامِ عَذابِ اللَّهِ لِشِدَّةِ العَذابِ فِيهِ وطُولِهِ ﴿كَألْفِ سَنَةٍ﴾ مِن عَدَدِكم إذْ أيّامُ التَّرِحَةِ مُسْتَطالَةٌ وأيّامُ الفَرْحَةِ مُسْتَقْصِرَةٌ، وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ الواحِدُ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي العَذابِ والمَعْنى أنَّهم لَوْ عَرَفُوا حالَ الآخِرَةِ ما اسْتَعْجَلُوهُ وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِن قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ.

وقِيلَ: التَّشْبِيهُ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وإنْفاذِ ما يُرِيدُ ﴿كَألْفِ سَنَةٍ﴾ واقْتَصَرَ عَلى ألْفِ سَنَةٍ وإنْ كانَ اليَوْمُ عِنْدَهُ كَما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ العَدَدِ لِكَوْنِ الألْفِ مُنْتَهى العَدَدِ دُونَ تَكْرارٍ، وهَذا القَوْلُ لا يُناسِبُ مَوْرِدَ الآيَةِ إلّا إنْ أُرِيدَ أنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، فَإذا لَمْ يَسْتَبْعِدُوا إمْهالَ يَوْمٍ فَلا يَسْتَبْعِدُوا أيْضًا إمْهالَ ألْفِ سَنَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِاليَوْمِ مِنَ الأيّامِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عِيسى يُجْمَعُ لَهم عَذابُ ألْفِ سَنَةٍ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولِأهْلِ الجَنَّةِ سُرُورُ ألْفِ سَنَةٍ في يَوْمٍ واحِدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: تَضَمَّنَتِ الآيَةُ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأُرِيدَ العَذابُ في الدُّنْيا أيْ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ في إنْزالِ العَذابِ بِكم في الدُّنْيا، ﴿وإنَّ يَوْمًا﴾ مِن أيّامِ عَذابِكم في الآخِرَةِ ﴿كَألْفِ سَنَةٍ﴾ مِن سِنِي الدُّنْيا فَكَيْفَ تَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَفَضَّلَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإمْهالِ والمَعْنى أنَّ اليَوْمَ عِنْدَ اللَّهِ والألْفَ سَواءٌ في قُدْرَتِهِ بَيْنَ ما اسْتَعْجَلُوا بِهِ وبَيْنَ تَأخُّرِهِ.

وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ يَعُدُّونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ وعُطِفَتْ (فَكَأيِّنْ) الأُولى بِالفاءِ وهَذِهِ الثّانِيَةُ بِالواوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُولى وقَعَتْ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) وأمّا هَذِهِ فَحُكْمُها حُكْمُ ما تَقَدَّمَها مِنَ الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ بِالواوِ أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ وتَكَرَّرَ التَّكْثِيرُ بِكائِنٍ في القُرى لِإفادَةِ مَعْنى غَيْرِ ما جاءَتْ لَهُ الأُولى لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها القُرى الَّتِي أهْلَكَها دُونَ إمْلاءٍ وتَأْخِيرٍ، بَلْ أعْقَبَ الإهْلاكَ التَّذْكِيرُ وهَذِهِ الآيَةُ لَمّا كانَ تَعالى قَدْ أمْهَلَ قُرَيْشًا حَتّى اسْتَعْجَلَتْ بِالعَذابِ جاءَتْ بِالإهْلاكِ بَعْدَ الإمْلاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قُرَيْشًا وإنْ أمْلى تَعالى لَهم وأمْهَلَهم فَإنَّهُ لا بُدَّ مِن عَذابِهِمْ فَلا يَفْرَحُوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم.

ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ﴾ مِن عَذابِ اللَّهِ مُوَضَّحٌ لَكم ما تَحْذَرُونَ أوْ مُوَضَّحُ النِّذارَةِ لا تَلَجْلُجَ فِيها، وذَكَرَ النِّذارَةَ دُونَ البِشارَةِ وإنْ كانَ التَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقْتَضِيهِما لِأنَّ الحَدِيثَ مَسُوقٌ لِلْمُشْرِكِينَ، و﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ نِداءٌ لَهم وهُمُ المَقُولُ فِيهِمْ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ والمَخْبَرُ عَنْهم بِاسْتِعْجالِ العَذابِ وإنَّما ذُكِرَ المُؤْمِنُونَ هُنا وما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ لِيُغاظَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ ولِيُحَرِّضَهم عَلى نَيْلِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ الجَلِيلَةِ الَّتِي فِيها فَوْزُهم، وحَصَرَ النِّذارَةَ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ لِي تَعْجِيلُ عَذابِكم ولا تَأْخِيرِهِ عَنْكم وإنَّما أنا مُنْذِرُكم بِهِ.

وقالَ الكِرْمانِيُّ: التَّقْدِيرُ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ فَحُذِفَ والتَّقْسِيمُ داخِلٌ في المَقُولِ، والسَّعْيُ الطَّلَبُ والِاجْتِهادُ في ذَلِكَ، ويُقالُ: سَعى فُلانٌ في أمْرِ فُلانٍ فَيَكُونُ بِإصْلاحٍ وبِإفْسادٍ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، يُقالُ فِيهِ: سَعى بِفُلانٍ سِعايَةً أيْ تَحَيَّلَ، وكادَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِ وسَعْيِهِمْ بِالفَسادِ في آياتِ اللَّهِ حَيْثُ طَعَنُوا فِيها فَسَمُّوها سِحْرًا وشِعْرًا وأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وثَبَّطُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السَّمّالِ والزَّعْفَرانِيُّ مُعَجِّزِينَ بِالتَّشْدِيدِ هُنا وفي حَرْفَيْ سَبَأٍ زادَ الجَحْدَرِيُّ في جَمِيعِ القُرْآنِ أيْ مُثَبِّطِينَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ مُعْجِزِينَ بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الزّايِ مَن أعْجَزَنِي إذا سَبَقَكَ فَفاتَكَ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَكِنَّهُ هُنا بِمَعْنى مُعاجِزِينِ أي ظانِّينَ أنَّهم يُعْجِزُونَنا، وذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقِيلَ (p-٣٨٠)فِي (مُعاجِزِينِ) مُعانِدِينَ، وأمّا مُعَجِّزِينِ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ بِمَعْنى مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ الإسْلامِ، ويُقالُ: مُثَبِّطِينَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عاجَزَهُ سابَقَهُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ عَنِ اللَّحاقِ بِهِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، فالمَعْنى سابِقِينَ أوْ مُسابِقِينَ في زَعْمِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ، طامِعِينَ أنَّ كَيْدَهم لِلْإسْلامِ يَتِمُّ لَهم. انْتَهى.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مُعَجِّزِينِ مَعْناهُ ناسِبِينَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ إلى العَجْزِ كَما تَقُولُ: فَسَّقْتُ فُلانًا إذا نَسَبْتَهُ إلى الفِسْقِ. وتَقَدَّمَ شَرَحُ أُخْرى هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ الوارِدَتَيْنِ تَقْسِيمًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском