Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:63–72
22:63–69Page 339
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ٦٣
Do you not see that Allāh has sent down rain from the sky and the earth becomes green? Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.2
لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦٤
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth. And indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٦٥
Do you not see that Allāh has subjected to you whatever is on the earth and the ships which run through the sea by His command? And He restrains the sky from falling upon the earth, unless by His permission. Indeed Allāh, to the people, is Kind and Merciful.
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ ٦٦
And He is the one who gave you life; then He causes you to die and then will [again] give you life. Indeed, mankind is ungrateful.
لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧
For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.
وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨
And if they dispute with you, then say, "Allāh is most knowing of what you do.
ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٦٩
Allāh will judge between you on the Day of Resurrection concerning that over which you used to differ."
(p-٣٨٥)﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ مِن إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ والنَّهارِ في اللَّيْلِ وهُما أمْرانِ مُشاهَدانَ مَجِيءُ الظُّلْمَةِ والنُّورِ، ذَكَرَ أيْضًا ما هو مُشاهَدٌ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ، وهو نُزُولُ المَطَرِ وإنْباتُ الأرْضِ وإنْزالُ المَطَرِ واخْضِرارُ الأرْضِ مَرْئِيّانِ، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلى اللَّهِ تَعالى مُدْرَكٌ بِالعَقْلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الماءُ وإنْ كانَ مَرْئِيًّا إلّا أنَّ كَوْنَ اللَّهِ مُنْزِلَهُ مِنَ السَّماءِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ إذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن تِلْكَ الرُّؤْيَةِ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِها العِلْمُ كانَتْ كَأنَّها لَمْ تَحْصُلْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ فَأصْبَحَتْ ولِمَ صُرِفَ إلى لَفْظِ المُضارِعِ ؟ قُلْتُ: لِنُكْتَةٍ فِيهِ وهي إفادَةُ بَقاءِ أثَرِ المَطَرِ زَمانًا بَعْدَ زَمانٍ. كَما تَقُولُ أنْعَمَ عَلَيَّ فُلانٌ عامَ كَذا، فَأرُوحُ وأغْدُو شاكِرًا لَهُ. ولَوْ قُلْتَ فَرِحْتُ وغَدَوْتُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَوْقِعَ.
فَإنْ قُلْتَ: فَما بالُهُ رَفَعَ ولَمْ يَنْصِبْ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ ؟ قُلْتُ: لَوْ نَصَبَ (p-٣٨٦)لَأعْطى ما هو عَكْسُ الغَرَضِ، لِأنَّ مَعْناهُ إثْباتُ الِاخْضِرارِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّصْبِ إلى نَفْيِ الِاخْضِرارِ مِثالُهُ أنْ تَقُولَ لِصاحِبِكَ: ألَمْ تَرَ أنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرَ إنْ نَصَبْتَهُ فَأنْتَ نافٍ لِشُكْرِهِ شاكٌّ تَفْرِيطَهُ، وإنْ رَفَعْتَهُ فَأنْتُمْ ثَبْتٌ لِلشُكْرِ هَذا وأمْثالِهِ مِمّا يَجِبُ أنْ يَرْغَبَ لَهُ مَنِ اتَّسَمَ بِالعِلْمِ في عِلْمِ الإعْرابِ وتَوْقِيرِ أهْلِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ فَتَضْحى أوْ تَصِيرُ عِبارَةً عَنِ اسْتِعْجالِها أثَرَ نُزُولِ الماءِ واسْتِمْرارِها كَذَلِكَ عادَةً ووَقَعَ قَوْلُهُ (فَتُصْبِحُ) مِن حَيْثُ الآيَةِ خَبَرًا، والفاءُ عاطِفَةٌ ولَيْسَتْ بِجَوابٍ لِأنَّ كَوْنَها جَوابًا لِقَوْلِهِ (ألَمْ تَرَ) فاسِدُ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ هو ولا الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَكُونُ النَّصْبُ نافِيًا لِلِاخْضِرارِ، ولا كَوْنَ المَعْنى فاسِدًا. وقالَ سِيبَوَيْهِ: وسَألْتُهُ يَعْنِي الخَلِيلَ عَنْ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فَقالَ: هَذا واجِبٌ وهو تَنْبِيهٌ. كَأنَّكَ قُلْتَ: أتَسْمَعُ (أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً) فَكانَ كَذا وكَذا. قالَ ابْنُ خَرُوفٍ، وقَوْلُهُ فَقالَ هَذا واجِبٌ، وقَوْلُهُ فَكانَ كَذا يُرِيدُ أنَّهُما ماضِيانِ، وفَسَّرَ الكَلامَ بِأتَسْمَعُ لِيُرِيَكَ أنَّهُ لا يَتَّصِلُ بِالِاسْتِفْهامِ لِضَعْفِ حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ فِيهِ، ووَقَعَ في الشَّرْقِيَّةِ عِوَضُ أتَسْمَعُ انْتَبِهْ. انْتَهى. ومَعْنى في الشَّرْقِيَّةِ في النُّسْخَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ بَعْضُ شُرّاحِ الكِتابِ (فَتُصْبِحُ) لا يُمْكِنُ نَصْبُهُ لِأنَّ الكَلامَ واجِبٌ ألا تَرى أنَّ المَعْنى ﴿أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ فالأرْضُ هَذا حالُها. وقالَ الفَرّاءُ (ألَمْ تَرَ) خَبَرٌ كَما تَقُولُ في الكَلامِ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ كَذا فَيَكُونُ كَذا. انْتَهى.
ويَقُولُ إنَّما امْتَنَعَ النَّصْبُ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ هُنا لِأنَّ النَّفْيَ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ وإنْ كانَ يَقْتَضِي تَقْرِيرًا في بَعْضِ الكَلامِ هو مُعامَلٌ مُعامَلَةَ النَّفْيِ المَحْضِ في الجَوابِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكَذَلِكَ في الجَوابِ بِالفاءِ إذا أجَبْتَ النَّفْيَ كانَ عَلى مَعْنَيَيْنِ في كُلٍّ مِنهُما يَنْتَفِي الجَوابُ، فَإذا قُلْتَ: ما تَأْتِينا فَتُحَدِّثَنا بِالنَّصْبِ، فالمَعْنى ما تَأْتِينا مُحَدِّثًا إنَّما يَأْتِي ولا يُحَدِّثُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّكَ لا تَأْتِي فَكَيْفَ تُحَدِّثُ، فالحَدِيثُ مُنْتَفٍ في الحالَتَيْنِ والتَّقْرِيرُ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ كالنَّفْيِ المَحْضِ في الجَوابِ يُثْبِتُ ما دَخَلَتْهُ الهَمْزَةُ، ويَنْتَفِي الجَوابُ فَيَلْزَمُ مِن هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ إثْباتُ الرُّؤْيَةِ وانْتِفاءُ الِاخْضِرارِ وهو خِلافُ المَقْصُودِ. وأيْضًا فَإنَّ جَوابَ الِاسْتِفْهامِ يَنْعَقِدُ مِنهُ مَعَ الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ شَرْطٌ وجَزاءٌ فَقَوْلُهُ:
؎ألَـمْ تَسْألْ فَتُخْبِـرُكَ الرُّسُومُ
يَتَقَدَّرُ أنْ تَسْألَ فَتُخْبِرُكَ الرُّسُومُ، وهُنا لا يَتَقَدَّرُ أنْ تَرى إنْزالَ المَطَرِ تُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً لِأنَّ اخْضِرارَها لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى عِلْمِكَ أوْ رُؤْيَتِكَ، إنَّما هو مُتَرَتِّبٌ عَلى الإنْزالِ، وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِأنَّ فِيهِ تَصْوِيرًا لِلْهَيْئَةِ الَّتِي الأرْضُ عَلَيْها، والحالَةِ الَّتِي لابَسَتِ الأرْضَ، والماضِي يُفِيدُ انْقِطاعُ الشَّيْءِ وهَذا كَقَوْلِ جَحْدَرِ بْنِ مَعْوَنَةَ العُكْلِيِّ، يَصِفُ حالَهَ مَعَ أشَدِّ نازِلَةٍ في قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ:
؎يَسْمُو بِناظِرَتَيْنِ تَحسَبُ فيهِما ∗∗∗ لَمّا أجالَهُما شُعاعَ سِراجِ
؎لَمّا نَزَلْتُ بِحِصْنٍ أزْبَرَ مُهْصِرٍ ∗∗∗ لِلْقِرْنِ أرْوُاحَ العِدا مَحْاجِ
؎فَأكِرُّ أحْمِلُ وهو يُقْعِي بِاسْتِهِ ∗∗∗ فَإذا يَعُودُ فَراجِعْ أدْراجِي
؎وعَلِمْتُ أنِّي إنْ أبَيْتُ نِزالَهُ ∗∗∗ أنِّي مِنَ الحَجّاجِ لَسْتُ بِناجِي
فَقَوْلُهُ: فَأكِرُّ تَصْوِيرٌ لِلْحالَةِ الَّتِي لابَسَها. والظّاهِرُ تَعَقُّبُ اخْضِرارِ الأرْضِ إنْزالَ المَطَرِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ بِمَكَّةَ وتِهامَةَ فَقَطْ قالَهُ عِكْرِمَةُ وأخَذَ تُصْبِحُ عَلى حَقِيقَتِها أيْ: تُصْبِحُ، مِن لَيْلَةِ المَطَرِ. وذَهَبَ إلى أنَّ الِاخْضِرارَ في غَيْرِ مَكَّةَ وتِهامَةَ يَتَأخَّرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ شاهَدْتُ هَذا في السُّوسِ الأقْصى نَزَلَ المَطَرُ لَيْلًا بَعْدَ قَحْطٍ فَأصْبَحَتْ تِلْكَ الأرْضُ الرَّمَلَةُ الَّتِي قَدْ نَسَفَتْها الرِّياحُ قَدِ اخْضَرَّتْ بِنَباتٍ ضَعْفٍ. انْتَهى.
وإذا جَعَلْنا (فَتُصْبِحُ) بِمَعْنى فَتَصِيرُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاخْضِرارُ في وقْتِ الصَّباحِ، (p-٣٨٧)وإذا كانَ الِاخْضِرارُ مُتَأخِّرًا عَنْ إنْزالِ المَطَرِ فَثَمَّ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ التَّقْدِيرُ، فَتَهْتَزُّ وتَرْبُو فَتُصْبِحُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ﴾ [الحج: ٥] . وقُرِئَ ﴿مُخْضَرَّةً﴾ عَلى وزْنِ مُفْعِلَةٍ ومُسْبِعَةً أي ذاتَ خُضَرٍ، وخَصَّ تُصْبِحُ دُونَ سائِرِ أوْقاتِ النَّهارِ لِأنَّ رُؤْيَةَ الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ أوَّلَ النَّهارِ أبْهَجُ وأسَرُّ لِلرّائِي.
﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أيْ بِاسْتِخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بِالماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ (خَبِيرٌ) بِما يَحْدُثُ عَنْ ذَلِكَ النَّبْتِ مِنَ الحَبِّ وغَيْرِهِ. وقِيلَ (خَبِيرٌ) بِلَطِيفِ التَّدْبِيرِ (خَبِيرٌ) بِالصُّنْعِ الكَثِيرِ. وقِيلَ: (خَبِيرٌ) بِمَقادِيرِ مَصالِحِ عِبادِهِ فَيَفْعَلُ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (لَطِيفٌ) بِأرْزاقِ عِبادِهِ (خَبِيرٌ) بِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ القُنُوطِ. وقالَ الكَلْبِيُّ (لَطِيفٌ) بِأفْعالِهِ (خَبِيرٌ) بِأعْمالِ خَلْقِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (لَطِيفٌ) واصِلٌ عِلْمُهُ أوْ فَضْلُهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ (خَبِيرٌ) بِمَصالِحِ الخَلْقِ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللَّطِيفُ المُحْكِمُ لِلْأُمُورِ بِرِفْقٍ. (ما في الأرْضِ) يَشْمَلُ الحَيَوانَ والمَعادِنَ والمَرافِقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (والفُلْكَ) بِالنَّصْبِ وضَمَّ اللّامَ ابْنُ مِقْسَمٍ والكِسائِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وانْتَصَبَ عَطْفًا عَلى (ما) ونَبَّهَ عَلَيْها وإنْ كانَتْ مُنْدَرِجَةً في عُمُومِ ما تَنْبِيهًا عَلى غَرابَةِ تَسْخِيرِها وكَثْرَةِ مَنافِعِها، وهَذا هو الظّاهِرُ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الجَلالَةِ بِتَقْدِيرِ وأنَّ (الفُلْكَ) وهو إعْرابٌ بَعِيدٌ عَنِ الفَصاحَةِ و(تَجْرِي) حالٌ عَلى الإعْرابِ الظّاهِرِ. وفي مَوْضِعِ الجَرِّ عَلى الإعْرابِ الثّانِي. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والأعْرَجُ وطَلْحَةُ وأبُو حَيْوَةَ والزَّعْفَرانِيُّ بِضَمِّ الكافِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَن أجازَ العَطْفَ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ أجازَهُ هُنا فَيَكُونُ (تَجْرِي) حالًا. والظّاهِرُ أنْ (أنْ) تَقَعُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ ويَمْنَعُ وُقُوعَ السَّماءِ عَلى الأرْضِ. وقِيلَ هو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ يُقَدِّرُهُ البَصْرِيُّونَ كَراهَةَ (أنْ تَقَعَ) والكُوفِيُّونَ لِأنْ لا تَقَعَ. وقَوْلُهُ (إلّا بِإذْنِهِ) أيْ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّ طَيَّ السَّماءِ بَعْضَ هَذِهِ الهَيْئَةِ لِوُقُوعِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وعِيدًا لَهم في أنَّهُ إنْ أذِنَ في سُقُوطِها كِسَفًا عَلَيْكم سَقَطَتْ كَما في قَوْلِهِمْ: أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا و(إلّا بِإذْنِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأنْ تَقَعَ أيْ (إلّا بِإذْنِهِ) فَتَقَعُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ قَوْلُهُ (إلّا بِإذْنِهِ) عَلى الإمْساكِ لِأنَّ الكَلامَ يَقْتَضِي بِغَيْرِ عَمْدٍ ونَحْوِهِ، فَكَأنَّهُ أرادَ إلّا بِإذْنِهِ فِيها يُمْسِكُها. انْتَهى.
ولَوْ كانَ عَلى ما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لَكانَ التَّرْكِيبُ بِإذْنِهِ دُونَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ أيْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُمْسِكُ السَّماءَ بِإذْنِهِ.
﴿وهو الَّذِي أحْياكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ جَمادًا تُرابًا ونُطْفَةً وعَلَقَةً ومُضْغَةً وهي المَوْتَةُ الأُولى المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] و(الإنْسانُ) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكافِرُ. وقالَ أيْضًا: هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ وأبُو جَهْلٍ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ. (لَكَفُورٌ) لَجَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ، يَعْبُدُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ وبِغَيْرِها.
و﴿لِكُلِ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ جِدالِ الكُفّارِ بُدَيْلَ بْنَ ورْقاءَ وبِشْرَ بْنَ سُفْيانَ الخُزاعِيَّيْنِ وغَيْرَهُما في الذَّبائِحِ وقَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ: تَأْكُلُونَ ما ذَبَحْتُمْ وهو مِن قَتْلِكم، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ هَذِهِ المُنازَعَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (هم ناسِكُوهُ) يُعْطِي أنَّ المَنسَكَ المَصْدَرُ ولَوْ كانَ المَوْضِعَ لَقالَ هم ناسِكُونَ فِيهِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ إذْ قَدْ يَتَّسِعُ في مَعْمُولِ اسْمِ الفاعِلِ كَما يَتَّسِعُ في مَعْمُولِ الفِعْلِ فَهو مَوْضِعٌ اتَّسَعَ فِيهِ فَأُجْرِيَ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى السِّعَةِ، ومِنَ الِاتِّساعِ في ظَرْفِ المَكانِ قَوْلُهُ:
؎ومَشْرَبُ أشْرَبُهُ رَسِيلُ ∗∗∗ لا آجِنُ الماءِ ولا وبِيلُ
مَشْرَبٌ مَكانُ الشُّرْبِ عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ، وكانَ أصْلُهُ أشْرَبُ فِيهِ فاتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِ ومِنَ الِاتِّساعِ سِيرَ بِزَيْدٍ فَرْسَخانِ. وقُرِئَ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ أيِ اثْبَتْ عَلى دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَجْذِبُوكَ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨٧] وهَذا النَّهْيُ لَهم عَنِ المُنازَعَةِ مِن بابِ (p-٣٨٨)لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، والمَعْنى فَلا بُدَّ لَهم بِمُنازَعَتِكِ فَيُنازِعُوكَ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ (فَلا يُنازِعُنَّكَ) مِنَ النَّزْعِ بِمَعْنى فَلا يَقْلَعُنَّكَ فَيَحْمِلُونَكَ مِن دِينِكَ إلى أدْيانِهِمْ مِن نَزَعْتُهُ مِن كَذا و(الأمْرُ) هُنا الدِّينُ، وما جِئْتَ بِهِ وعَلى ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ يَكُونُ ﴿فِي الأمْرِ﴾ بِمَعْنى في الذَّبْحِ ﴿لَعَلى هُدًى﴾ أيْ إرْشادٍ. وجاءَ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ [الحج: ٣٤] بِالواوِ وهُنا ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ لِأنَّ تِلْكَ وقَعَتْ مَعَ ما يُدانِيها ويُناسِبُها مِنَ الآيِ الوَرِادَةِ في أمْرِ النِّسائِكِ فَعُطِفَتْ عَلى أخَواتِها، وأمّا هَذِهِ فَواقِعَةٌ مَعَ أباعِدَ عَنْ مَعْناها فَلَمْ تَجِدْ مِعْطَفًا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿وإنْ جادَلُوكَ﴾ آيَةُ مُوادَعَةٍ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ أيْ وإنْ أبَوْا لِلِجاجِهِمْ إلّا المُجادَلَةَ بَعْدَ اجْتِهادِكَ أنْ لا يَكُونَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم تَنازُعٌ فادْفَعَهم بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِأعْمالِكم وبِقُبْحِها وبِما تَسْتَحِقُّونَ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، وهَذا وعِيدٌ وإنْذارٌ ولَكِنْ بِرِفْقٍ ولِينٍ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ أيْ يَفْصِلُ بَيْنَكم بِالثَّوابِ والعِقابِ، ومَسْلاةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما كانَ يَلْقى مِنهم.
22:70–72Page 340
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠
Do you not know that Allāh knows what is in the heaven and earth? Indeed, that is in a Record.1 Indeed that, for Allāh, is easy.
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ٧١
And they worship besides Allāh that for which He has not sent down authority and that of which they have no knowledge. And there will not be for the wrongdoers any helper.
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٢
And when Our verses are recited to them as clear evidences, you recognize in the faces of those who disbelieve disapproval. They are almost on the verge of assaulting those who recite to them Our verses. Say, "Then shall I inform you of [what is] worse than that?1 [It is] the Fire which Allāh has promised those who disbelieve, and wretched is the destination."
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الفَصْلِ بَيْنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أعْقَبَ تَعالى أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ ﴿ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم و﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ قِيلَ: هو أُمُّ الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَتَبَ فِيهِ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: الكِتابُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قِيلَ: إلى الحُكْمِ السّابِقِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى حَصْرِ المَخْلُوقاتِ تَحْتَ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْلُومٌ عِنْدَ العُلَماءِ بِاللَّهِ أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ ما يَحْدُثُ في السَّماواتِ والأرْضِ وقَدْ كَتَبَهُ في اللَّوْحِ قَبْلَ حُدُوثِهِ، والإحاطَةُ بِذَلِكَ وإثْباتُهُ وحِفْظُهُ عَلَيْهِ يَسِيرٌ لِأنَّ العالِمَ الذّاتَ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ولا يَمْتَنِعُ تَعَلُّقٌ بِمَعْلُومٍ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ لِأنَّ العالِمَ الذّاتَ فِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِمْ نَفْيَ الصِّفاتِ فَهو عالِمٌ لِذاتِهِ لا يُعْلَمُ عِنْدَهم.
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أيْ حُجَّةً وبُرْهانًا سَماوِيًّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ والسَّمْعِ ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ضَرُورِيٌّ أوْ غَيْرُهُ.
﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ المُجاوَزِينَ الحَدَّ في عِبادَةِ ما لا يُمْكِنُ عِبادَتُهُ (مِن نَصِيرٍ) يَنْصُرُهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ أوْ إذا حَلَّ بِهِمُ العَذابُ.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ يَتْلُوهُ الرَّسُولُ أوْ غَيْرُهُ (آياتُنا) الواضِحَةُ في رَفْضِ آلِهَتِهِمْ ودُعائِهِمْ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ وغَطُّوهُ وهو واضِحٌ بَيِّنٌ والمُنْكَرُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْكارِ. ونَبَّهَ عَلى مُوجِبِ المُنْكِرِ وهو الكُفْرُ ونابَ الظّاهِرُ مَنابَ المُضْمَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ لَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِظُهُورِ المُنْكَرِ في وُجُوهِهِمْ، والمُنْكَرُ المَساءَةُ والتَّجَهُّمُ والبُسُورُ والبَطْشُ الدّالُّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلى سُوءِ المُعْتَقَدِ وخُبْثِ السَّرِيرَةِ، لِأنَّ الوَجْهَ يَظْهَرُ فِيهِ التَّرَحُ والفَرَحُ اللَّذانِ مَحَلُّهُما القَلْبُ.
﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ أيْ هم دَهْرَهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهم يُقارِبُونَ ذَلِكَ طُولَ زَمانِهِمْ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ مِنهم سَطْوٌ بِبَعْضِ الصَّحابَةِ في شاذٍّ مِنَ الأوْقاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (يَسْطُونَ) يَبْسُطُونَ إلَيْهِمْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يَقَعُونَ بِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَأْخُذُونَهم أخْذًا بِاليَدِ والمَعْنى واحِدٌ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ يُعْرَفُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ المُنْكَرُ ووَقَعَ (قُلْ) هَلْ أُنَبِّئُكم ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ وعِيدٌ وتَقْرِيعٌ والإشارَةُ إلى غَيْظِهِمْ عَلى التّالِينَ وسَطْوِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ إلى (p-٣٨٩)ما أصابَهم مِنَ الكَراهَةِ والبُسُورِ بِسَبَبِ ما تُلِيَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (النّارُ) رَفْعٌا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ قالَ: وما هو ؟ قالَ: النّارُ، أيْ نارُ جَهَنَّمَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ (النّارُ) مُبْتَدَأً و(وعَدَها) الخَبَرَ وأنْ يَكُونَ (وعَدَها) حالًا عَلى الإعْرابِ الأوَّلِ، وأنْ تَكُونَ جُمْلَةَ إخْبارٍ مُسْتَأْنِفَةً وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وذَلِكَ في الإعْرابِ الأوَّلِ، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ شَرُّ خَلْقٍ فَقالَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ ﴿أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ﴾ مِمَّنْ ذَكَرْتُمْ عَلى زَعْمِكم أهْلَ النّارِ فَهم أنْتُمْ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وإبْراهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ الأعْشى وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (النّارَ) بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الِاخْتِصاصِ ومَن أجازَ في الرَّفْعِ أنْ تَكُونَ (النّارُ) مُبْتَدَأً فَقِياسُهُ أنْ يُجِيزَ في النَّصْبِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وإبْراهِيمُ بْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ (النّارِ) بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مَن (شَرٍّ) والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (وعَدَها) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى أنَّهُ تَعالى وعَدَ النّارَ بِالكُفّارِ أنْ يُطْعِمَها إيّاهم، ألا تَرى إلى قَوْلِها هَلْ مِن مَزِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ (والَّذِينَ كَفَرُوا) هو الأوَّلُ كَما قالَ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences