Abu HayyanAl‑Mu'minun · 23:5–16

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:5–16

23:5–11Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥

And they who guard their private parts

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦

Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -

فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧

But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨

And they who are to their trusts and their promises attentive

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩

And they who carefully maintain their prayers -

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠

Those are the inheritors

ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١

Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] .

(p-٣٩٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وفي الصَّحِيحِ لِلْحاكِمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عَشْرِ آياتٍ» . ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بُقُولِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآيَةَ، وفِيها ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْجِيَةِ فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إخْبارًا بِحُصُولِ ما كانُوا رَجَوْهُ مِنَ الفَلاحِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ ادْخُلُوا في الفَلاحِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن فَلَحَ لازِمًا أوْ يَكُونَ أفْلَحَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ وضَمِّ الحاءِ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ يَقْرَأُ ”قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ“ فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، كَما لَحَنَ أصْحابِي، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَرْجُوعَهُ في القِراءَةِ إلى ما رُوِيَ ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَكْتُوبًا بِواوٍ بَعْدَ الحاءِ، وفي اللَّوامِحِ وحُذِفَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ الحاءِ لِالتِقائِهِما في الدَّرَجِ، وكانَتِ الكِتابَةُ عَلَيْها مَحْمُولَةً عَلى الوَصْلِ نَحْوَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْهُ أيْ عَنْ طَلْحَةَ ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمَّةٍ بِغَيْرِ واوٍ اجْتِزاءً بِها عَنْها كَقَوْلِهِ:

؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانُ حَوْلِي

انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الواوَ في ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهُنا حُذِفَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَيْسَتْ مِثْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَقْتَضِيهِ لِما هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ ولِما تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم، فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ، انْتَهى.

والخُشُوعُ لُغَةً الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ هُنا أقْوالٌ: قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: هو السُّكُونُ وحُسْنُ الهَيْئَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ: الخَوْفُ. وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ. وعَنْ عَلِيٍّ: تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ. وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إعْظامُ المَقامِ، وإخْلاصُ المَقالِ، واليَقِينُ التّامُّ، وجَمْعُ الِاهْتِمامِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ»، ومِنَ الخُشُوعِ أنْ تُسْتَعْمَلَ الآدابُ فَيَتَوَقّى كَفَّ الثَّوْبِ، والعَبَثَ بِجَسَدِهِ وثِيابِهِ، والِالتِفاتَ، والتَّمَطِّيَ، والتَّثاؤُبَ، والتَّغْمِيضَ، وتَغْطِيَةَ الفَمِ، والسَّدْلَ، والفَرْقَعَةَ، والتَّشْبِيكَ، والِاخْتِصارَ، وتَقْلِيبَ الحَصى. وفي التَّحْرِيرِ: اخْتُلِفَ في الخُشُوعِ: هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو أوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ؛ قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلَيْهِمْ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الصَّلاةَ دائِرَةٌ بَيْنَ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ، فالمُصَلِّي هو المُنْتَفِعُ بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ فَهي صَلاتُهُ، وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ مُتَعالٍ عَنِ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها.

﴿اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] ما لا يَعْنِيكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كاللَّعِبِ والهَزْلِ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ اطِّراحَهُ يَعْنِي أنَّ بِهِمْ مِنَ الجِدِّ ما يَشْغَلُهم عَنِ الهَزْلِ، لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُمُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، انْتَهى. وإذا تَقَدَّمَ مَعْمُولُ اسْمِ الفاعِلِ جازَ أنْ يُقَوّى تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ كالفِعْلِ، وكَذَلِكَ إذا تَأخَّرَ، لَكِنَّهُ مَعَ التَّقْدِيمِ أكْثَرُ فَلِذَلِكَ جاءَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] بِاللّامِ ولَوْ جاءَ مَنصُوبًا لَكانَ عَرَبِيًّا، والزَّكاةُ إنْ أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ صَحَّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها إذْ كُلُّ ما يَصْدُرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ فُعِلَ، وإنْ أُرِيدَ بِالزَّكاةِ قَدْرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المالِ لِلْفَقِيرِ (p-٣٩٦)فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] إذْ لا يَصِحُّ فِعْلُ الأعْيانِ مِنَ المُزَكِّي أوْ يُضَمَّنُ ”فاعِلُونَ“ مَعْنى مُؤَدُّونَ، وبِهِ شَرَحَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] لِلْعَمَلِ الصّالِحِ كَقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ عَمَلًا صالِحًا؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقِيلَ: ”الزَّكاةُ“ هُنا النَّماءُ والزِّيادَةُ، واللّامُ لامُ العِلَّةِ، ومَعْمُولُ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ لِأجْلِ تَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادَةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: الخَيْرَ. وقِيلَ: المَصْرُوفُ لا يُسَمّى زَكاةً حَتّى يَحْصُلَ بِيَدِ الفَقِيرِ. وقِيلَ: لا تُسَمّى العَيْنُ المُخْرَجَةُ زَكاةً، فَكانَ التَّغْيِيرُ بِالفِعْلِ عَنْ إخْراجِهِ أوْلى مِنهُ بِالأداءِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمِ الأجانِبِ عَنْ ذَوْقِ العَرَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ألا قالَ مُؤَدُّونَ، قالَ في التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وهَذا كَما قِيلَ لا عَقْلَ ولا نَقْلَ، والكِتابُ العَزِيزُ نَزَلَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وأصَحِّها بِلا خِلافٍ. وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ

ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا طَعَنَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُهم يَحْتَجُّونَ بِهِ ويَسْتَشْهِدُونَ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَمْلُ البَيْتِ عَلى هَذا أصَحُّ لِأنَّها فِيهِ مَجْمُوعَةٌ يَعْنِي عَلى أنَّ الزَّكاةَ يُرادُ بِها العَيْنُ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِأداءِ الزَّكَواتِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِجَمْعِها يَعْنِي أنَّها إذا أُرِيدَ بِها العَيْنُ صَحَّ جَمْعُها، وإذا أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، وهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ قَدْ جاءَ مِنها مَجْمُوعًا ألْفاظٌ كالعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتْ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وهُنا اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإخْراجُ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وغَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ، والزَّكاةُ في قَوْلِ أُمَيَّةَ مِمّا جاءَ جَمْعًا مِنَ المَصادِرِ، فَلا يَتَعَدّى حَمْلُهُ عَلى المُخْرَجِ لِجَمْعِهِ.

وحَفِظَ لا يَتَعَدّى بِعَلى. فَقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، أيْ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَتْ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أيْ عَلى القَوْمِ؛ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ ضَمَّنَ ﴿حافِظُونَ﴾ مَعْنى مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وُجُوهًا. فَقالَ ﴿عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ فَماتَ عَنْها فَخَلَّفَ عَلَيْها فُلانًا، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ والِيًا عَلَيْها. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ تَحْتَ فُلانٍ ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ تَعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”غَيْرُ مَلُومِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ عَلَيْهِ أوْ يَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي، عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ، انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَكُونَ حافِظُونَ صُورَتُهُ صُورَةُ المُثْبَتِ وهو مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ والَّذِينَ هم لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مُتَعَلِّقًا فِيهِ عَلى بِما قَبْلَهُ كَما مَثَّلَ بِنَشَدْتُكَ الَّذِي صُورَتُهُ صُورَةُ مُثْبَتٍ، ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما طَلَبْتُ مِنكَ. وهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ.

وقَوْلُهُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ﴾ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، وهُمُ الإناثُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ وهُمُ الإناثُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ هم مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ وهو الإناثُ عَلى لَفْظِ ما أوْ هُنَّ الإناثُ عَلى مَعْنى ما، وهَذا الِاسْتِثْناءُ حَدٌّ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، والتَّسَرِّي خاصٌّ بِالرِّجالِ ولا يَجُوزُ لِلنِّساءِ بِإجْماعٍ، فَلَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يَبْقَيانِ عَلى نِكاحِهِما، وفي قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَعْمِيمِ وطْءِ ما مُلِكَ بِاليَمِينِ وهو مُخْتَصٌّ (p-٣٩٧)بِالإناثِ بِإجْماعٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها؛ خِلافٌ، ويُخَصُّ أيْضًا في الآيَةِ بِتَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمُظاهِرِ مِنها حَتّى يُكَفِّرَ، ويَشْمَلُ قَوْلُهُ: ”وراءَ ذَلِكَ“ الزِّنا، واللِّواطَ، ومُواقَعَةَ البَهائِمِ، والِاسْتِمْناءَ، ومَعْنى ”وراءَ ذَلِكَ“ وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حُدَّ مِنَ الأزْواجِ ومَمْلُوكاتِ النِّساءِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِابْتَغى، أيْ خِلافَ ذَلِكَ. وقِيلَ: لا يَكُونُ وراءَ هُنا إلّا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ ما وراءَ ذَلِكَ.

والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ ويُسَمّى الخَضْخَضَةَ وجَلْدَ عُمَيْرَةَ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُجِيزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ فَضْلَةٌ في البَدَنِ فَجازَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجَةِ كالفَصْدِ والحِجامَةِ، وسَألَ حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جَرى في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ قاضِي القُضاةِ أبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ القُشَيْرِيِّ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ، فاسْتَدَلَّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ بِما اسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنَ الزِّنا والتَّفاخُرِ بِذَلِكَ في أشْعارِها، وكانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيها بِحَيْثُ كانَ في بَغاياهم صاحِباتُ راياتٍ، ولَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وأمّا جَلْدُ عُمَيْرَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِيها ولا ذَكَرُهُ أحَدٌ مِنهم في أشْعارِهِمْ فِيما عَلِمْناهُ فَلَيْسَ بِمُنْدَرِجٍ في قَوْلِهِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ ألا تَرى أنَّ مَحَلَّ ما أُبِيحَ وهو نِساؤُهم بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ فالَّذِي وراءَ ذَلِكَ هو مِن جِنْسِ ما أُحِلَّ لَهم، وهو النِّساءُ، فَلا يَحِلُّ لَهم شَيْءٌ مِنهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ زَوْجٍ. وسَألَ الزُّهْرِيُّ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ: هي مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وتَلا: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ، ولا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”لِأمانَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأماناتِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ائْتَمَنَ تَعالى عَلَيْهِ العَبْدَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ واعْتِقادٍ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وما ائْتَمَنَهُ الإنْسانَ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ الخُصُوصُ في أماناتِ النّاسِ. والأمانَةُ: هي الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومُراعاتُها القِيامُ عَلَيْها لِحِفْظِها إلى أنْ تُؤَدّى، والأمانَةُ أيْضًا المَصْدَرُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، والمُؤَدّى هو العَيْنُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أوِ القَوْلُ إنْ كانَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ لا المَصْدَرُ. وقَرَأ الأخَوانِ عَلى صَلاتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. والخُشُوعُ والمُحافَظَةُ مُتَغايِرانِ بَدَأ أوَّلًا بِالخُشُوعِ، وهو الجامِعُ لِلْمُراقَبَةِ القَلْبِيَّةِ والتَّذَلُّلِ بِالأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، وثَنّى بِالمُحافَظَةِ وهي تَأْدِيَتُها في وقْتِها بِشُرُوطِها مِن طَهارَةِ المُصَلِّي ومَلْبُوسِهِ ومَكانِهِ وأداءِ أرْكانِها عَلى أحْسَنِ هَيْئاتِها، ويَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ، وجُمِعَتْ آخِرًا لِتُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أعْدادِها وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والوِتْرُ، والسُّنَنُ المُرَتَّبَةُ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والجِنازَةِ، والِاسْتِسْقاءِ، والكُسُوفِ والخُسُوفِ، وصَلاةُ الضُّحى، والتَّهَجُّدِ، وصَلاةُ التَّسْبِيحِ، وصَلاةُ الحاجَةِ، وغَيْرُها مِنَ النَّوافِلِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ أنْ يُسَمُّوا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم، ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فَجاءَ بِفَخامَةٍ وجَزالَةٍ لِإرْثِهِمْ لا تَخْفى عَلى النّاظِرِ، ومَعْنى الإرْثِ ما مَرَّ في سُورَةِ مَرْيَمَ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الفِرْدَوْسِ في آخِرِ الكَهْفِ.

23:12–16Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢

And certainly did We create man from an extract of clay.

ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣

Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].

ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤

Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1

ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥

Then indeed, after that you are to die.

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦

Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةَ، لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ هم يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ المَعادَ الأُخْرَوِيَّ، ذَكَرَ النَّشْأةَ الأُولى لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِحَّةِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوُ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا المُناسَبَةَ بَيْنَهُما ولَمْ تَتَبايَنْ في المَعانِي مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. و﴿الإنْسانَ﴾ هُنا. قالَ (p-٣٩٨)قَتادَةُ وغَيْرُهُ ورَواهُ عَنْ سَلْمانَ وابْنِ عَبّاسٍ آدَمُ؛ لِأنَّهُ انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ.

﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ عائِدٌ عَلى ابْنِ آدَمَ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الأمْرِ وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ ونَظِيرُهُ.

﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ثُمَّ جَعَلْنا نَسْلَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ ﴿الإنْسانَ﴾ ابْنُ آدَمَ، و﴿سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ صَفْوَةُ الماءِ يَعْنِي المَنِيَّ وهو اسْمُ جِنْسٍ، والطِّينُ يُرادُ بِهِ آدَمُ إذْ كانَتْ نَشْأتُهُ مِنَ الطِّينِ كَما سُمِّيَ عِرْقَ الثَّرى أوْ جُعِلَ مِنَ الطِّينِ لِكَوْنِهِ سُلالَةً مِن أبَوَيْهِ، وهُما مُتَغَذِّيانِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً، انْتَهى. فَجَعَلَ الإنْسانَ جِنْسًا بِاعْتِبارِ حالَتَيْهِ لا بِاعْتِبارِ كُلِّ مَرْدُودٍ مِنهُ، و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، انْتَهى. ولا تَكُونُ لِلْبَيانِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ السُّلالَةُ هي الطِّينُ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ ما انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ فَتَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ. والقَرارُ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمُرادُ هُنا الرَّحِمُ. والمَكِينُ المُتَمَكِّنُ وُصِفَ القَرارُ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلالٌ، أوْ لِتَمَكُّنِ مَن يَحِلُّ فِيهِ فَوُصِفَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِهِ طَرِيقٌ سائِرٌ لِكَوْنِهِ يُسارُ فِيهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ عِظامًا و﴿العِظامَ﴾ بِالجَمْعِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ وأبانَ والفَضْلِ والحَسَنِ، وقَتادَةُ أيْضًا والأعْرَجُ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإفْرادِ الأوَّلِ وجَمْعِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا بِجَمْعِ الأوَّلِ وإفْرادِ الثّانِي، فالإفْرادُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وُضِعَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ لِزَوالِ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ذُو عِظامٍ كَثِيرَةٍ، انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِنا إلّا في الضَّرُورَةِ، وأنْشَدُوا:

؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا

ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يُلْبِسُ لِأنَّهم كُلَّهم لَيْسَ لَهم بَطْنٌ واحِدٌ، ومَعَ هَذا خَصُّوا مَجِيئَهُ بِالضَّرُورَةِ.

﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: هو نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُّنْيا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَباتُ شَعْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُّنْيا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ وإنَّما هو عامٌّ في هَذا وغَيْرِهِ مِن وُجُودِ النُّطْقِ والإدْراكِ، وأوَّلُ رُتَبِهِ مِن كَوْنِهِ آخِرَ نَفْخِ الرُّوحِ، وآخِرُهُ تَحْصِيلُهُ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ، انْتَهى. مُلَخَّصًا وهو قَرِيبٌ مِمّا رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ .

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها؛ حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا ناطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا، وأوْدَعَ كُلَّ عُضْوٍ وكُلَّ جُزْءٍ مِنهُ عَجائِبَ وغَرائِبَ لا تُدْرَكُ بِوَصْفٍ ولا تُبْلَغُ بِشَرْحٍ، وقَدِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَلى أنَّ غاصِبَ بَيْضَةٍ أفْرَخَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ ولا يَرُدُّ الفَرْخَ. وقالَ ﴿أنْشَأْناهُ﴾ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قِيلَ: وفي هَذا رَدٌّ عَلى النَّظّامِ في زَعْمِهِ أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ فَقَطْ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ورَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، و”تَبارَكَ“ فِعْلٌ ماضٍ لا يَتَصَرَّفُ، ومَعْناهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، و﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخِلافُ فِيها إذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ: هَلْ إضافَتُها مَحْضَةٌ أمْ غَيْرُ مَحْضَةٍ ؟ فَمَن قالَ مَحْضَةٌ أعْرَبَ ﴿أحْسَنُ﴾ صِفَةً، ومَن قالَ غَيْرُ مَحْضَةٍ أعْرَبَهُ بَدَلًا. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، ومَعْنى ﴿الخالِقِينَ﴾ المُقَدِّرِينَ، وهو وصْفٌ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ زُهَيْرٌ:

؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

قالَ الأعْلَمُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ يَعْنِي زُهَيْرًا، والخالِقُ الَّذِي لا يُقَدِّرُ الأدِيمَ ويُهَيِّئُهُ لِأنْ يَقْطَعَهُ ويَخْرِزَهُ (p-٣٩٩)والفَرْيُ القَطْعُ. والمَعْنى أنَّكَ إذا تَهَيَّأْتَ لِأمْرٍ مَضَيْتَ لَهُ وأنْفَذْتَهُ ولَمْ تَعْجِزْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ الصّانِعِينَ يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، وأنْشَدَ بَيْتَ زُهَيْرٍ. قالَ: ولا تُنْفى هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُّنْعِ إنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ﴿الخالِقِينَ﴾؛ لِأنَّهُ أذِنَ لِعِيسى في أنْ يَخْلُقَ وتَمْيِيزُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ، أيْ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ خَلْقًا أيِ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ لَمّا سَمِعَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذٌ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وكانَتْ سَبَبَ ارْتِدادِهِ، ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ”لَمائِتُونَ“ بِالألِفِ، يُرِيدُ حُدُوثَ الصِّفَةِ، فَيُقالُ أنْتَ مائِتٌ عَنْ قَلِيلٍ ومَيِّتٌ، ولا يُقالُ مائِتٌ لِلَّذِي قَدْ ماتَ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُقالُ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ، وكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ، وإذا قُصِدَ اسْتِقْبالُ المَصُوغَةِ مِن ثُلاثِيٍّ عَلى غَيْرِ فاعِلٍ رُدَّتْ إلَيْهِ ما لَمْ يُقَدَّرِ الوُقُوعُ، يَعْنِي إنَّهُ لا يُقالُ لِمَن ماتَ مائِتٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مائِتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا كَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُها ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، انْتَهى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى هَذا التَّطْوِيرِ والإنْشاءِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ وانْقِضاءُ مُدَّةِ حَياتِكم.

﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ونَبَّهَ تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالِاخْتِراعِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإعْدامِ، ثُمَّ بِالإيجادِ، وذِكْرُهُ المَوْتَ والبَعْثَ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحَياةِ في القَبْرِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ، والإماتَةُ، والإعادَةُ في القَبْرِ مِن جِنْسِ الإعادَةِ، ومَعْنى ﴿تُبْعَثُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَإنْ قُلْتَ: المَوْتُ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، والبَعْثُ قَدْ أنْكَرَتْهُ طَوائِفُ واسْتَبْعَدَتْهُ وإنْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ لِإمْكانِهِ في نَفْسِهِ ومَجِيءِ السَّمْعِ بِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ فَما بالُ جُمْلَةِ المَوْتِ جاءَتْ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ وبِاللّامِ ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِإنَّ ؟ (فالجَوابُ): أنَّهُ بُولِغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ المَوْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ ولا يَغْفُلَ عَنْ تَرَقُّبِهِ، فَإنَّ مَآلَهُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ أُكِّدَتْ جُمْلَتُهُ ثَلاثَ مِرارٍ لِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الإنْسانَ في الحَياةِ الدُّنْيا يَسْعى فِيها غايَةَ السَّعْيِ، ويُؤَكِّدُ ويَجْمَعُ حَتّى كَأنَّهُ مُخَلَّدٌ فِيها، فَنُبِّهَ بِذِكْرِ المَوْتِ مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ لِيُقْصِرَ، ولِيَعْلَمَ أنَّ آخِرَهُ إلى الفَناءِ فَيَعْمَلَ لِدارِ البَقاءِ، ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِأنَّ لِأنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ المَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعٌ ولا يُقْبَلُ إنْكارٌ أوْ أنَّهُ حَتْمٌ لا بُدَّ مِن كِيانِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ ثانٍ، وكُنْتَ سَألْتَ لِمَ دَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ ولَمْ تَدْخُلْ في ﴿تُبْعَثُونَ﴾ فَأجَبْتُ: بِأنَّ اللّامَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ غالِبًا فَلا تُجامِعُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ إعْمالَ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبالِ، فَتَنافى الحالُ، وإنَّما قُلْتُ غالِبًا؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَتْ قَلِيلًا مَعَ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤] عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ وإقْرارُ اللّامِ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ بِأنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في يَوْمِ القِيامَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском