Abu HayyanAsh‑Shu'ara · 26:123–159

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:123–159

26:123–140Page 372

كَذَّبَتۡ عَادٌ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣

ʿAad denied the messengers

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤

When their brother Hūd said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٢٥

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٦

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٧

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ١٢٨

Do you construct on every elevation a sign,1 amusing yourselves,

وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ ١٢٩

And take for yourselves constructions [i.e., palaces and fortresses] that you might abide eternally?

وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ ١٣٠

And when you strike, you strike as tyrants.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١

So fear Allāh and obey me.

وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ ١٣٢

And fear He who provided you with that which you know,

أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ ١٣٣

Provided you with grazing livestock and children

وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٣٤

And gardens and springs.

إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣٥

Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."

قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ ٱلۡوَٰعِظِينَ ١٣٦

They said, "It is all the same to us whether you advise or are not of the advisors.

إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣٧

This is not but the custom of the former peoples,

وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨

And we are not to be punished."

فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

And they denied him, so We destroyed them. Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٤٠

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .

كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:

؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ

﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)

؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ

وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:

؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً

أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.

(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.

وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .

26:141–159Page 373

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٤١

Thamūd denied the messengers

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٤٢

When their brother Ṣāliḥ said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٤٣

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٤

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٥

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦

Will you be left in what is here, secure [from death],

فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ١٤٧

Within gardens and springs

وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ ١٤٨

And fields of crops and palm trees with softened fruit?

وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ ١٤٩

And you carve out of the mountains, homes, with skill.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٥٠

So fear Allāh and obey me.

وَلَا تُطِيعُوٓاْ أَمۡرَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٥١

And do not obey the order of the transgressors,

ٱلَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ١٥٢

Who cause corruption in the land and do not amend."

قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٥٣

They said, "You are only of those affected by magic.

مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٥٤

You are but a man like ourselves, so bring a sign, if you should be of the truthful."

قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ١٥٥

He said, "This is a she-camel.1 For her is a [time of] drink, and for you is a [time of] drink, [each] on a known day.

وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥٦

And do not touch her with harm, lest you be seized by the punishment of a terrible day."

فَعَقَرُوهَا فَأَصۡبَحُواْ نَٰدِمِينَ ١٥٧

But they hamstrung her and so became regretful.

فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٥٨

And the punishment seized them. Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٥٩

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .

(أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا

أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ.

وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ.

﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ.

﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ.

﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا.

﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском