Abu HayyanAn‑Naml · 27:1–14

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:1–14, continued

و(مَن): المَشْهُورُ أنَّها لِمَن يُعْلَمُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: أرادَ تَعالى بِمَن في النّارِ ذاتَهُ، (p-٥٦)وعَبَّرَ بَعْضُهم بِعِباراتٍ شَنِيعَةٍ مَرْدُودَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ - تَعالى. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذَكَرَ أوَّلَ عَلى حَذْفٍ، أيْ بُورِكَ مَن قُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ في النّارِ. وقِيلَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أيْ بُورِكَ مَن في المَكانِ أوِ الجِهَةِ الَّتِي لاحَ لَهُ فِيها النّارُ. وقالَ السُّدِّيُّ: مَن لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِها. وقِيلَ: مَن تَقَعُ هُنا عَلى ما لا يَعْقِلُ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ النُّورَ. وقِيلَ: الشَّجَرَةَ الَّتِي تَتَّقِدُ فِيها النّارُ. وقِيلَ: والظّاهِرُ في ﴿ومَن حَوْلَها﴾ أنَّهُ لِمَن يَعْلَمُ تَفْسِيرَ ﴿يا مُوسى﴾ وفُسِّرَ بِالمَلائِكَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ؛ فِيما نَقَلَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي: وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ؛ ومَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ، وتُحْمَلُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، وفُسِّرَ أيْضًا بِمُوسى والمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعًا. وقِيلَ: تَكُونُ لِما لا يَعْقِلُ، وفُسِّرَ بِالأمْكِنَةِ الَّتِي حَوْلَ النّارِ؛ وجَدِيرٌ أنْ يُبارَكَ مَن فِيها ومَن حَوالَيْها إذْ حَدَثَ أمْرٌ عَظِيمٌ، وهو تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَنْبِيئُهُ وبَدْؤُهُ بِالنِّداءِ بِالبَرَكَةِ تَبْشِيرٌ لِمُوسى وتَأْنِيسٌ لَهُ ومُقَدِّمَةٌ لِمُناجاتِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ﴾ . لَمّا نُودِيَ بِبَرَكَةِ مَن ذُكِرَ، نُودِيَ أيْضًا بِما يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ والبَراءَةِ مِن صِفاتِ المُحْدَثِينَ مِمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِبالٍ، ولا سِيَّما إنْ حُمِلَ“ مَن في النّارِ ”عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ“ مَن ”أُرِيدَ بِهِ اللَّهُ - تَعالى - فَإنَّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى التَّحَيُّزِ، فَأتى بِما يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو مِن كَلامِ مُوسى، لَمّا سَمِعَ النِّداءَ قالَ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تَنْزِيهًا لِلَّهِ - تَعالى - عَنْ سِماتِ المُحْدَثِينَ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ، ومَعْناهُ: وبُورِكَ مَن سَبَّحَ اللَّهَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ. وقِيلَ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّنْزِيهُ.

ولَمّا آنَسَهُ تَعالى، ناداهُ وأقْبَلَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يامُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في إنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وأنا اللَّهُ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، والعَزِيزُ الحَكِيمُ: صِفَتانِ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في إنَّهُ راجِعًا إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، يَعْنِي: إنَّ مُكَلَّمَكَ أنا، واللَّهُ بَيانٌ لِـ“ أنا ”، و“ العَزِيزُ الحَكِيمُ ”صِفَتانِ لِلْبَيانِ. انْتَهى. وإذا حُذِفَ الفاعِلُ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، إذْ قَدْ غُيِّرَ الفِعْلُ عَنْ بِنائِهِ لَهُ، وعَزَمَ عَلى أنْ لا يَكُونَ مُحْدَثًا عَنْهُ. فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ مِمّا يُنافِي ذَلِكَ، إذْ يَصِيرُ مَقْصُودًا مُعْتَنًى بِهِ، وهَذا النِّداءُ والإقْبالُ والمُخاطَبَةُ تَمْهِيدٌ لِما أرادَ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُظْهِرَهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزِ، أيْ أنا القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما يَبْعِدَ في الأوْهامِ، الفاعِلُ ما أفْعَلُهُ بِالحِكْمَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ ؟ (قُلْتُ): عَلى بُورِكَ، لِأنَّ المَعْنى: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ . وقِيلَ لَهُ: ألْقِ عَصاكَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ [القصص: ٣١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] عَلى تَكْرِيرِ حَرْفِ التَّفْسِيرِ، كَما تَقُولُ: كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ حُجَّ واعْتَمِرْ، وإنْ شِئْتَ أنْ حُجَّ وأنِ اعْتَمِرْ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: (إنَّهُ) مَعْطُوفٌ عَلى بُورِكَ مُنافٍ لِتَقْدِيرِهِ. وقِيلَ لَهُ:“ ألْقِ عَصاكَ ”، لِأنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى“ بُورِكَ ”، ولَيْسَ جُزْؤُها الَّذِي هو. وقِيلَ: مَعْطُوفًا عَلى بُورِكَ، وإنَّما احْتِيجَ إلى تَقْدِيرٍ. وقِيلَ لَهُ: ألْقِ عَصاكَ، لِتَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً مُناسِبَةً لِلْجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها، كَأنَّهُ يَرى في العَطْفِ تَناسُبَ المُتَعاطِفَيْنِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ عَطَفَ جُمْلَةَ الأمْرِ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ. وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ: جاءَ زَيْدٌ ومَن عَمْرٌو.

﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَألْقاها مِن يَدِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: جَأْنٌ، بِهَمْزَةٍ مَكانَ الألِفِ، كَأنَّهُ فَرَّ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ (p-٥٧)فِي نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ولا الضَّأْلِينَ، بِالهَمْزِ في قِراءَةِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وجاءَ: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ﴾ [طه: ٢٠] ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِانْقِلابِها وتَغْيِيرِ أوْصافِها وأعْراضِها، ولَيْسَ إعْدامًا لِذاتِها وخَلْقِها لِحْيَةٍ وثُعْبانٍ، بَلْ ذَلِكَ مِن تَغْيِيرِ الصِّفاتِ لا تَغْيِيرِ الذّاتِ. وهُنا شَبَّهَها حالَةَ اهْتِزازِها بِالجانِّ، فَقِيلَ: وهو صِغارُ الحَيّاتِ، شَبَّهَها بِها في سُرْعَةِ اضْطِرابِها وحَرَكَتِها، مَعَ عِظَمِ جُثَّتِها. ولَمّا رَأى مُوسى هَذا الأمْرَ الهائِلَ ﴿ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ: ولَمْ يَرْجِعْ. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يَمْكُثْ. وقالَ قَتادَةُ: ولَمْ يَلْتَفِتْ، يُقالُ: عَقَّبَ الرَّجُلُ: تَوَجَّهَ إلى شَيْءٍ كانَ ولّى عَنْهُ، كَأنَّهُ انْصَرَفَ عَلى عَقِبَيْهِ، ومِنهُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ، إذا كَرَّ بَعْدَ الفِرارِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَأعْقَبُوا إذْ قِيلَ هَلْ مِن مُعَقِّبٍ ∗∗∗ ولا نَزَلُوا يَوْمَ الكَرِيهَةِ مَنزِلًا

ولَحِقَهُ ما لَحِقَ طَبْعَ البَشَرِيَّةِ إذا رَأى الإنْسانُ أمْرًا هائِلًا جِدًّا، وهو رُؤْيَةُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً تَسْعى، ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ في ذَلِكَ تَطْمِينٌ إلَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَتِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما رَغِبَ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ . انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وناداهُ اللَّهُ - تَعالى - مُؤْنِسًا ومُقَوِّيًا عَلى الأمْرِ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ فَإنَّ رُسُلِي الَّذِينَ اصْطَفَيْتُهم لِلنُّبُوَّةِ لا يَخافُونَ غَيْرِي. فَأخَذَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الحَيَّةَ، فَرَجَعَتْ عَصًا، ثُمَّ صارَتْ لَهُ عادَةً. انْتَهى. وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُ المُرْسَلُونَ في المَوْضِعِ الَّذِي يُوحى إلَيْهِ فِيهِ، وهم أخْوَفُ النّاسِ مِنَ اللَّهِ. وقِيلَ: إذا أمَرْتُهم بِإظْهارِ مُعْجِزٍ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ، فالمُرْسَلُ يَخافُ اللَّهَ لا مَحالَةَ. انْتَهى.

والأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنْ مَن ظَلَمَ غَيْرُهم، قالَهُ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ، إذِ الأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِن وُقُوعِ الظُّلْمِ الواقِعِ مِن غَيْرِهِمْ. وعَنِ الفَرّاءِ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن جُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّما يَخافُ غَيْرُهم إلّا مَن ظَلَمَ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ وقالَ: الِاسْتِثْناءُ مِن مَحْذُوفٍ مُحالٌ، لَوْ جازَ هَذا لَجازَ أنْ لا يَضْرِبَ القَوْمَ إلّا زَيْدًا، بِمَعْنى: وإنَّما أضْرِبُ غَيْرَهم إلّا زَيْدًا، وهَذا ضِدُّ البَيانِ والمَجِيءِ بِما لا يُعْرَفُ مَعْناهُ. انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إلّا بِمَعْنى الواوِ، والتَّقْدِيرُ: ولا مَن ظَلَمَ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ مَعْنى إلّا مُبايِنٌ لِمَعْنى الواوِ مُبايَنَةً كَثِيرَةً، إذِ الواوُ لِلْإدْخالِ، وإلّا لِلْإخْراجِ، فَلا يُمْكِنُ وُقُوعُ أحَدِهِما مَوْقِعَ الآخَرِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُقاتِلٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، والضَّحّاكِ، ما يَقْتَضِي أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي هي رَذائِلُ، واخْتُلِفَ فِيما عَداها، فَعَسى أنْ يُشِيرَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ إلى ما عَدا ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإلّا بِمَعْنى لَكِنْ، لِأنَّهُ لَمّا أطْلَقَ نَفْيَ الخَوْفِ عَنِ المُرْسَلِ كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ الضُّرِّ والشُّبْهَةِ فاسْتَدْرَكَ ذَلِكَ، والمَعْنى: ولَكِنْ مَن ظَلَمَ مِنهم، أيْ فَرَطَتْ مِنهم صَغِيرَةٌ مِمّا لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، كالَّذِي فَرَطَ مِن آدَمَ ويُونُسَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ وإخْوَةِ يُوسُفَ، ومِن مُوسى، بِوَكْزَةِ القِبْطِيِّ. ويُوشِكُ أنْ يُقْصَدَ بِهَذا التَّعْرِيضِ ما وُجِدَ مِن مُوسى، وهو مِنَ التَّعْرِيضاتِ الَّتِي يَلْطُفُ مَأْخَذُها، وسَمّاهُ ظُلْمًا؛ كَما قالَ مُوسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] . انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ألا مَن ظَلَمَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، حَرْفُ اسْتِفْتاحٍ. ومَن: شَرْطِيَّةٌ. والحُسْنُ: حُسْنُ التَّوْبَةِ، والسُّوءُ: الظُّلْمُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ مُنَوَّنًا. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُنَوَّنْ، جَعَلَهُ فُعْلى، فامْتَنَعَ الصَّرْفُ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِضَمِّ الحاءِ والسِّينِ مُنَوَّنًا. ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ، وأبُو زَيْدٍ، وعِصْمَةُ، وعَبْدُ الوارِثِ، وهارُونُ، وعِياشٌ: بِفَتْحِهِما مُنَوَّنًا.

(وأدْخِلْ) أمْرٌ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن ظُهُورِ المُعْجِزِ العَظِيمِ، لَمّا أظْهَرَ لَهُ مُعْجِزًا في غَيْرِهِ، وهو العَصا، أظْهَرَ لَهُ مُعْجِزًا في نَفْسِهِ، وهو تَلَأْلُؤُ يَدِهِ كَأنَّها قِطْعَةُ (p-٥٨)نُورٍ، إذا فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ. وجَوابُ الأمْرِ الظّاهِرِ أنَّهُ“ تَخْرُجْ ”؛ لِأنَّ خُرُوجَها مُتَرَتِّبٌ عَلى إدْخالِها. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَدْخُلْ، وأخْرِجْها تَخْرُجْ، فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ. قالَ قَتادَةُ: ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ قَمِيصِكَ، كانَتْ لَهُ مِدْرَعَةٌ مِن صُوفٍ لا كُمَّيْنِ لَها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: كانَ كُمُّها إلى بَعْضِ يَدِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: في جَيْبِكَ: أيْ تَحْتَ إبِطِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْهَبْ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ وهَذا الحَذْفُ مِثْلُ قَوْلِهِ:

؎أتَوْا نارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنْتُمْ ∗∗∗ فَقالُوا الجِنُّ قُلْتُ عِمُوا ظَلامًا

؎وقُلْتُ إلى الطَّعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ فَرِيقٌ يَحْسُدُ الإنْسُ الطَّعاما

التَّقْدِيرُ: هَلُمُّوا إلى الطَّعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وألْقِ عَصاكَ، وأدْخِلْ يَدَكَ، في ﴿تِسْعِ آياتٍ﴾ أيْ في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَتِ الآياتُ إحْدى عَشْرَةَ، ثَنَتانِ مِنها: اليَدُ والعَصا، والتِّسْعُ: الفَلْقُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والطَّمْسَةُ، والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ، والنُّقْصانُ مِن مَزارِعِهِمْ. انْتَهى. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ العَصا واليَدُ داخِلَتَيْنِ في التِّسْعِ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ في بِمَعْنى مَعَ، أيْ مَعَ تِسْعِ آياتٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: (ألْقِ، وأدْخِلْ)، وفِيهِ اقْتِضابٌ وحَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: تُمَهَّدْ ذَلِكَ وتُيَسَّرْ لَكَ في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ وهي: العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والطَّمْسُ، والحَجَرُ؛ وفي هَذَيْنِ الأخِيرَيْنِ اخْتِلافٌ، والمَعْنى: يَجِيءُ بِهِنَّ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: في تِسْعِ آياتٍ، أيْ مِن تِسْعِ آياتٍ، كَما تَقُولُ: خُذْ (لِي) عَشْرًا مِنَ الإبِلِ فِيها فَحْلانِ، أيْ مِنها إلى فِرْعَوْنَ، أيْ مُرْسَلًا إلى فِرْعَوْنَ. انْتَهى. وانْتَصَبَ (مُبْصِرَةً) عَلى الحالِ، أيْ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، ونُسِبَ الإبْصارُ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يُبَصِّرُ بِها جُعِلَتْ مُبْصِرَةً، أوْ لَمّا كانَ مَعَها الإبْصارُ والوُضُوحُ. وقِيلَ: لِجَعْلِهِمْ بُصَراءَ، مِن قَوْلِكَ: أبْصَرْتُهُ المُتَعَدِّيَةُ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ مِن بَصَرَ. وقِيلَ: فاعِلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَماءٍ دافِقٍ. وقَرَأ قَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: مَبْصَرَةً، بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِّ، وهو مَصْدَرٌ، كَما تَقُولُ: الوَلَدُ مَجْبَنَةٌ، وأُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتَصَبَ أيْضًا عَلى الحالِ، وكَثُرَ هَذا الوَزْنُ في صِفاتِ الأماكِنِ نَحْوَ: أرْضٌ مَسْبَعَةً، ومَكانٌ مَضَبَّةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ. انْتَهى. والأبْلَغُ في: ﴿واسْتَيْقَنَتْها﴾ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ، أيْ كَفَرُوا بِها وأنْكَرُوها في الظّاهِرِ، وقَدِ اسْتَيْقَنَتْ أنْفُسُهم في الباطِنِ أنَّها آياتٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكابَرُوا وسَمَّوْها سِحْرًا. وقالَ تَعالى، حِكايَةً عَنْ مُوسى في مُحاوَرَتِهِ لِفِرْعَوْنَ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] . (ظُلْمًا) مُجاوَزَةَ الحَدِّ (وعُلُوًّا) ارْتِفاعًا وتَكَبُّرًا عَنِ الإيمانِ، وانْتَصَبا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ظالِمِينَ عالِينَ؛ أوْ مَفْعُولانِ مِن أجْلِهِما، أيْ لِظُلْمِهِمْ وعُلُوِّهِمْ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى الإنْكارِ والجُحُودِ، مَعَ اسْتِيقانِ أنَّها آياتٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو الظُّلْمُ والعُلُوُّ. واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى تَفَعَّلَ نَحْوَ: اسْتَكْبَرَ في مَعْنى تَكَبَّرَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ،“ وعِلِيًّا ": بِقَلْبِ الواوِ ياءً، وكَسْرِ العَيْنِ واللّامِ، وأصْلُهُ فُعُولٌ، لَكِنَّهم كَسَرُوا العَيْنَ إتْباعًا؛ ورُوِيَ ضَمُّها عَنِ ابْنٍ وثّابٍ والأعْمَشِ وطِلْحَةَ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كُفْرِ العِنادِ، هَلْ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ أمْ لا ؟ والعاقِبَةُ: ما آلَ إلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ مِن سُوءِ المُنْقَلَبِ، وما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أشَدُّ، وفي هَذا تَمْثِيلٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، إذْ كانُوا مُفْسِدِينَ مُسْتَعْلِينَ، وتَحْذِيرُهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِمَن كانَ قَبْلَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском