Abu HayyanAl-'Ankabut · 29:36–55

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:36–55

29:36–45Page 400

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢

Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.

وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣

And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤

Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.

ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥

Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وعادًا وثَمُودًا وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ .

(وإلى مَدْيَنَ) أيْ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلْنا، أوْ بَعَثْنا، مِمّا يَتَعَدّى بِإلى. أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ. والأمْرُ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ الرَّجاءُ عَلَيْهِ، أقامَ المُسَبِّبَ مَقامَ السَّبَبِ. والمَعْنى: وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَكُونُ أمْرًا بِالرَّجاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَحْصِيلِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وارْجُوا﴾ خافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ مِنكم؛ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ والرَّجاءِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وقَعَ بِهِمُ العَذابُ؛ كَذَلِكَ جاءَ: (فَكَذَّبُوهُ) وجاءَتْ ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ، وهي: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِدَلالَةِ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في (فَأخَذَتْهم)، وأبْعَدَ الكِسائِيُّ في عَطْفِهِ عَلى الَّذِينَ (p-١٥٢)مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] . وقَرَأ: ثَمُودَ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ حَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”وعادٍ وثَمُودٍ“، بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَدْيَنَ)، أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ وثَمُودَ.

﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ، أيْ: ما وُصِفَ لَكم مِن إهْلاكِهِمْ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ، إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم لَها، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”مَساكِنُهم“، بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ ”مِن“، فَيَكُونُ فاعِلًا بِـ: (تَبَيَّنَ) .

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ (أعْمالَهم) القَبِيحَةَ. (فَصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وهي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ.

﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: في كُفْرِهِمْ لَهم بِهِ بَصَرٌ وإعْجابٌ قالَهُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقِيلَ: عُقَلاءُ، يَعْلَمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا، وجَحَدُوا بِها، واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم. (وقارُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ . (فاسْتَكْبَرُوا) أيْ: عَنِ الإقْرارِ بِالصّانِعِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، إشارَةً إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ، ومَن في السَّماءِ يَشْعُرُ بِالقُوَّةِ، ومَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ مَن في الأرْضِ ؟ ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ. والحاصِبُ لِقَوْمِ لُوطٍ، وهي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصًى، وقِيلَ: مَلَكٌ كانَ يَرْمِيهِمْ. والصَّيْحَةُ لِمَدْيَنَ وثَمُودَ، والخَسْفُ لِقارُونَ، والغَرَقُ لِقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ لا بُدَّ كانَتْ تَحْصُبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ: هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ

ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:

؎تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى تَبِيتَ عَلى العِضاهِ جُفالا

العَنْكَبُوتُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَمِن تَذْكِيرِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ ∗∗∗ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها

ويُجْمَعُ: عَناكِبُ، ويُصَغَّرُ: عُنَيْكِيبٌ. يُشَبِّهُ تَعالى الكُفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وبِنائِهِمْ أُمُورَهم عَلَيْها بِالعَنْكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّهُ ضَعِيفٌ، مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هامَةٍ أوْ هامَّةٍ أذْهَبَتْهُ، فَكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ، وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ، لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما اتَّخَذُوهُ مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا في دِينِهِمْ، وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ، مِمّا هو مَثَلٌ عِنْدِ النّاسِ في الوَهْنِ وضَعْفِ القُوَّةِ، وهو نَسْجُ العَنْكَبُوتِ. ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ ؟ انْتَهى. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشْبِيهِ بِما ذَكَرَ أوَّلًا مِن أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالبَيْتِ، لا تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ بِالعَنْكَبُوتِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ، هو تَشْبِيهُ المُتَّخِذِ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، بِالعَنْكَبُوتِ المُتَّخِذَةِ بَيْتًا، أيْ: فَلا اعْتِمادَ لِلْمُتَّخِذِ عَلى ولِيِّهِ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما أنَّ العَنْكَبُوتَ لا اعْتِمادُها عَلى بَيْتِها في اسْتِظْلالٍ وسُكْنى، بَلْ لَوْ دَخَلَتْ فِيهِ خَرَقَتْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ بَيْتِها، وأنَّهُ في غايَةِ الوَهْنِ، بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تُجْدِي شَيْئًا البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لَيْسَ مَرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ فِيهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ وإنَّما المَعْنى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهم، وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ مِنَ الوَهْنِ هَذِهِ الغايَةَ لَأقْلَعُوا عَنْهُ، وما اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا صَحَّ تَشْبِيهُ ما اعْتَمَدُوهُ في دِينِهِمْ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ دِينَهم أوْهَنَ الأدْيانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ أوْ أُخْرِجَ الكَلامُ بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّشْبِيهِ مَخْرَجَ المَجازِ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ (p-١٥٣)أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ، بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ، مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ يَتَّخِذُ بَيْتًا، بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ. فَكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا، بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ، إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا، عِبادَةُ الأوْثانِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. انْتَهى.

وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إلَخْ. لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلامٌ: (يَعْلَمُ ما)، بِالإدْغامِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ؛ والجُمْهُورُ: ”تَدْعُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِخِلافٍ، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وجَوَّزُوا في (ما) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ: (يَدْعُونَ)، أيْ: يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ: يَعْلَمُ حالَهم، وأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم. وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قُدِّرَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وهي في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُقْتَطَعَةٌ مِن (يَعْلَمُ)، واعْتِراضٌ بَيْنَ يَعْلَمُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِـ: (يَدْعُونَ)، و(يَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ؛ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أمْ غَيْرَها لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وإذا كانَتْ (ما) نافِيَةً، كانَ في الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى المَثَلِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى ما يَدْعُونَهُ شَيْئًا. (وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ) فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم، حَيْثُ عَبَدُوا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مَعَهُ مُصَحَّحُ العِلْمِ والقُدْرَةِ أصْلًا، وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِحِكْمَةٍ.

﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها وفائِدَتَها.

وكانَ جَهَلَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ، وما عَلِمُوا أنَّ الأمْثالَ والتَّشْبِيهاتِ طُرُقٌ إلى المَعانِي المُحْتَجَبَةِ، فَتُبْرِزُها وتُصَوِّرُها لِلْفَهْمِ، كَما صَوَّرَ هَذا التَّشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلى هَذا المَثَلِ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْثالِ في السُّوَرِ. وعَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقِلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ».

﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوْثانِ الَّتِي عَبَدُوها. ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالواجِبِ الثّابِتِ، لا بِالعَبَثِ واللَّعِبِ، إذْ جَعَلَها مَساكِنَ عِبادِهِ، وعِبْرَةً ودَلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي المَعْهُودَةُ، والمَعْنى: مِن شَأْنِها أنَّها إذا أُدِّيَتْ عَلى ما يَجِبُ مِن فُرُوضِها وسُنَنِها والخُشُوعِ فِيها، والتَّدَبُّرِ لِما يَتْلُو فِيها، وتَقْدِيرُ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أنْ ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَنْهى ما دامَ المُصَلِّي فِيها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلاةُ هُنا القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الصَّلاةُ: الدُّعاءُ، أيْ: أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمّا مَن تَراهُ مِنَ المُصَلِّينَ يَتَعاطى المَعاصِيَ، فَإنَّ صَلاتَهُ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالوَصْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ.

«وفِي الحَدِيثِ أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَّرِقَةِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقالَ: ”إنَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ“ . فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألَمْ أقُلْ لَكم ؟“» ولا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى أنَّ كُلَّ صَلاةٍ تَنْهى، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيها، ولا يَكُونُ عَلى العُمُومِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ يَأْمُرُ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ (أكْبَرُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وسَلْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قُرَّةَ: مَعْناهُ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنهُ خارِجَ الصَّلاةِ، أيْ: أكْبَرُ ثَوابًا؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ نَهْيُهُ أكْبَرُ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ؛ وقِيلَ: أكْبَرُ مِن كُلِّ (p-١٥٤)العِبادَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَنْهى، كَما يَنْهى في غَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرِ اللَّهِ مُراقِبِهِ، وثَوابُ ذَلِكَ الذّاكِرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ، والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَّلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في النَّهْيِ، والذِّكْرُ النّافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ. وأمّا ما لا يُجاوِزُ اللِّسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطّاعاتِ، وسَمّاها بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإنَّما قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لِتَسْتَقِلَّ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قالَ: والصَّلاةُ أكْبَرُ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ مِمّا تَصْنَعُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم، وفِيهِ وعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.

29:46–55Page 402

۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦

And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧

And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨

And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.

بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩

Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠

But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."

أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١

And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢

Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣

And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.

يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤

They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers

يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥

On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."

﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

(p-١٥٥)و(أهْلَ الكِتابِ) اليَهُودَ والنَّصارى.

﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ المُلاطَفَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِ.

﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً ونَصَبَ الحَرْبَ، وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. (إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ) أيْ: بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ.

﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وعْدٌ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا)، حَرْفُ اسْتِثْناءٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: ”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، وتَقْدِيرُهُ: ألا جادِلُوهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. (وقُولُوا آمَنّا) هَذا مِنَ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ.

﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ وهو التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ.

«وفِي صَحِيحِ» البُخارِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْكم“» . (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ.

﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.

﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقِيلَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ، يُؤْمِنُونَ بِهِ: أيْ: بِالقُرْآنِ، إذْ هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِمَّنْ في عَهْدِهِ مِنهم.

﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُّبْهَةِ عَنْها ﴿إلّا الكافِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ.

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا، فَنَزَلَتْ: (وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ عَلَيْكَ (مِن كِتابٍ) أيْ: كِتابًا، و”مِن“ زائِدَةٌ لِأنَّها في مُتَعَلَّقِ النَّفْيِ (ولا تَخُطُّهُ) أيْ: لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ (بِيَمِينِكَ) وهي الجارِحَةُ الَّتِي يُكْتَبُ بِها، وذِكْرُها زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الكِتابَةِ، لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ، مُتَضَمَّنًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والأُمُورِ المَغِيبَةِ ما أعْجَزَ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أخَذَ يُحَقِّقُ، كَوْنُهُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِأنَّهُ ظَهَرَ عَنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ، لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يُخالِطُ أهْلَ العِلْمِ. وظُهُورُ هَذا القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ قَطُّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالنَّظَرِ في كِتابٍ.

ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى كَتَبَ وأسْنَدَ النِّقاشَ. حَدِيثُ أبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأخْبَرَ بِمَعْناها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ كَتَبَ مُباشَرَةً، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهم أبُو ذَرٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، والقاضِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ وغَيْرُهُما. واشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ بِلادِنا عَلى أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، حَتّى كانَ بَعْضُهم يَسُبُّهُ ويَطْعَنُ فِيهِ عَلى المِنبَرِ. وتَأوَّلَ أكْثَرُ العُلَماءِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ كَتَبَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ بِالكِتابَةِ، كَما تَقُولُ: كَتَبَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَ بِالكَتْبِ.

﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ يَقْرَأُ كُتُبًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أوْ يَكْتُبُ، لَحَصَلَتِ الرِّيبَةُ لِلْمُبْطِلِينَ، إذا كانُوا يَقُولُونَ: حَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَتْلُوهُ مِمّا قَرَأهُ، قِيلَ: وخَطَّهُ واسْتَحْفَظَهُ؛ فَكانَ يَكُونُ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ شُبْهَةٍ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. والمُبْطِلُونَ: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وسُمُّوا مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وهو أُمِّيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَبِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا، كانَ ارْتِيابُهم لا وجْهَ لَهُ.

(بَلْ هو) أيِ: القُرْآنُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتُ الإعْجازِ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ، مُؤْمَنٌ بِها، مَحْفُوظَةٌ في صُدُورِهِمْ، يَتْلُوها أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا، بِخِلافِ غَيْرِهِ (p-١٥٦)مِنَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، ولا يُقْرَأُ إلّا مِنَ الصُّحُفِ. وجاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: صُدُورُهم أناجِيلُهم. وكَوْنُهُ القُرْآنَ يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”بَلْ هي آياتٌ“ . وقِيلَ: بَلْ هو، أيِ: النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ: بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو، أيْ: كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. ويُقالُ: جَحَدْتَهُ وجَحَدْتَ بِهِ، وكَفَرْتَهُ وكَفَرْتَ بِهِ، قِيلَ: والجُحُودُ الأوَّلُ مُعَلَّقٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، والثّانِي: مُعَلَّقٌ بِالنُّبُوَّةِ، وخُتِمَتْ تِلْكَ بِالكافِرِ. ولِأنَّهُ قَسِيمُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ﴾ وهَذِهِ بِالظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ صَدَرَ مِنهُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَهُمُ الظّالِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ.

﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ، وبَعْضُ اليَهُودِ كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذا الِاقْتِراحِ يَقُولُونَ لَهُ: ألا يَأْتِيكم بِآيَةٍ مِثْلِ آياتِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها ؟ وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: (آياتٌ)، عَلى الجَمْعِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى التَّوْحِيدِ.

﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ، ولَوْ شاءَ أنْ يُنْزِلَ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَفَعَلَ.

﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: «كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ»، فَنَزَلَتْ: (أوَلَمْ يَكْفِهِمْ) .

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةً مُغْنِيَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ، إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ، هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ ؟ فَلا تَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ وُجُودِها، ويَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ لَرَحْمَةٌ لَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا تُنْكَرُ وتُذْكَرُ. وقِيلَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ( أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ورُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قَدْ بَلَّغْتُ وأنْذَرْتُ، وأنَّكم جَحَدْتُمْ وكَذَّبْتُمْ، وهو العالِمُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرِي وأمْرَكم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ. وقِيلَ: بِالصَّنَمِ.

(ويَسْتَعْجِلُونَكَ) أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وقَوْلِ النَّضِرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو اسْتِعْجالٌ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والأجَلُ المُسَمّى: ما سَمّاهُ اللَّهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ لِعَذابِهِمْ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: أجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وهو ما ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي السِّنِينَ السَّبْعِ. ثُمَّ كَرَّرَ فِعْلَهم وقَبَّحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمْ﴾ بِـ: ”مُحِيطَةٌ“ . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، ونافِعٌ: (ويَقُولُ) أيِ: اللَّهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنُّونِ، نُونِ العَظَمَةِ، أوْ نُونِ جَماعَةِ المَلائِكَةِ؛ وأبُو البَرِّ هُثَيْمٌ: بِالتّاءِ، أيْ: جَهَنَّمُ؛ كَما نُسِبَ القَوْلُ إلَيْها في: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ويُقالُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском