Abu HayyanAli 'Imran · 3:113–120

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:113–120, continued

﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ جَوَّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُنْفِقِينَ، أيْ: ما ظَلَمَهم بِأنْ لَمْ تُقْبَلْ نَفَقاتُهم، وأنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الحَرْثِ أيْ: ما ظَلَمَهم بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في ”ظَلَمَهم“ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرَهم في يُنْفِقُونَ، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ، ولا لِتَبَيُّنِ ظُلْمِهِمْ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ. انْتَهى. وهو تَرْجِيحٌ حَسَنٌ. وقُرِئَ شاذًا: ”ولَكِنَّ“، بِالتَّشْدِيدِ، واسْمُها ”أنْفُسُهم“، والخَبَرُ يَظْلِمُونَ. والمَعْنى: يَظْلِمُونَها هم. وحَسَّنَ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ - وإنْ كانَ الحَذْفُ في مِثْلِهِ قَلِيلًا - كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَزالَ هَذا المَعْنى. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ اسْمَ ”لَكِنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وحُذِفَ، وأنْفُسَهم مَفْعُولٌ بِـ ”يَظْلِمُونَ“؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِن يَهُودٍ لِلْجِوارِ والحِلْفِ والرَّضاعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم، شَبَّهَ الصِّدِّيقُ الصِّدْقَ بِما يُباشِرُ بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ. يُقالُ لَهُ: بِطانَةٌ ووَلِيجَةٌ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِكم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِبِطانَةٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم، وهُمُ المُسْلِمُونَ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ”مِن“ بِقَوْلِهِ: ”لا تَتَّخِذُوا“ . وقِيلَ: ”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ بِطانَةِ دُونِكم. والمَعْنى: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَّخِذُوا أصْفِياءَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. ودَلَّ هَذا النَّهْيُ عَلى المَنعِ مِنِ اسْتِكْتابِ أهْلِ الذِّمَّةِ وتَصْرِيفِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ والِاسْتِنابَةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ عَتَبَ عُمَرُ أبا مُوسى عَلى اسْتِكْتابِهِ ذِمِّيًّا، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ قِيلَ لِعُمَرَ في كاتِبٍ مُجِيدٍ مِن نَصارى الحِيرَةِ: ألا يَكْتُبُ عَنْكَ ؟ فَقالَ: إذَنْ أتَّخِذُ بِطانَةً.

والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ إذْ جاءَتْ بَيانًا لِحالِ البِطانَةِ الكافِرَةِ هي والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها؛ لِتَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِفَةٌ لِلْبِطانَةِ أوْ حالٌ مِمّا تَعَلَّقَتْ بِهِ ”مِن“ فَبَعِيدٌ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الفَصِيحِ؛ لِأنَّهم نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ كافِرَةٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أشْياءَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنِ ابْتِغاءِ الغَوائِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووِدادَةِ مَشَقَّتِهِمْ، وظُهُورِ بُغْضِهِمْ. والتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ أوْ بِالحالِ يُؤْذِنُ بِجَوازِ الِاتِّخاذِ عِنْدَ انْتِفائِهِما، و”ألا“ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: ما ألَوْتُ في الأمْرِ، أيْ ما قَصَّرْتُ فِيهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”خَبالًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم خَبالَكم، أيْ في خَبالِكِمْ. فَكانَ أصْلُ هَذا المَفْعُولِ حَرْفُ الجَرِّ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفٍ، التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم في تَخْبِيلِكم. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. (p-٣٩)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكم. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَدْ تَعَدّى لِلضَّمِيرِ عَلى إسْقاطِ اللّامِ، ولِلْخَبالِ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو، إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَهُ. انْتَهى.

﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ودُّوا إضْلالَكم. وقالَ الزَّجّاجُ: مَشَقَّتَكم. وقالَ الرّاغِبُ: المُعانَدَةُ والمُعانَتَةُ يَتَقارَبانِ، لَكِنَّ المُعانَدَةَ هي المُمانَعَةُ، والمُعانَتَةُ أنْ تَتَحَرّى مَعَ المُمانَعَةِ المَشَقَّةَ. انْتَهى. ويُقالُ: عَنِتَ - بِكَسْرِ النُّونِ - وأصْلُهُ انْهِياضُ العَظْمِ بَعْدَ جَبْرِهِ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ما عَنِتُّمْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِبِطانَةٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْلُونَكم، و(قَدْ) مَعَهُ مُرادَةٌ.

﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”قَدْ“ بَدا ”؛ لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازًا أوْ عَلى مَعْنى البُغْضِ، أيْ لا يَكْتَفُونَ بِبُغْضِكم بِقُلُوبِهِمْ حَتّى يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ. وذَكَرَ الأفْواهَ دُونَ الألْسِنَةِ؛ إشْعارًا بِأنَّ ما تَلَفَّظُوا بِهِ يَمْلَأُ أفْواهَهم، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الفَمَ، إذا تَشَدَّقَ بِها. وقِيلَ: المَعْنى لا يَتَمالَكُونَ مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلَهم عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. انْتَهى.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِن وِدادِهِمْ عَنَتِ المُؤْمِنِينَ، وهو إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ قَلْبِيٍّ، ذَكَرَ ما أنْتَجَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ القَلْبِيُّ مِنَ الفِعْلِ البَدَنِيِّ، وهو: ظُهُورُ البُغْضِ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ في أقْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ كَراهَةِ القُلُوبِ وبَذاذَةِ الألْسُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أبَطَنُوهُ مِنَ الشَّرِّ والإيذاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ والبُغْضِ لَهم أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم، فَقالَ:

﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ أيْ أكْثَرُ مِمّا ظَهَرَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ بُدُوَّ البَغْضاءِ مِنهم هو لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أظْهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ البُغْضَ. وقالَقَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: بَدَتْ بِإقْرارِهِمْ بَعْدَ الجُحُودِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُجاهِرِ. وأسْنَدَ الإخْفاءَ إلى الصُّدُورِ مَجازًا؛ إذْ هي مَحالُّ القُلُوبِ الَّتِي تُخْفى كَما قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .

﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ، ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاداةِ الكُفّارِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ما بَيَّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ، لَكِنْ عَلَّقَهُ عَلى هَذا الشَّرْطِ عَلى سَبِيلِ الهَزِّ لِلنُّفُوسِ كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَلا تُصافُوهم، بَلْ عامِلُوهم مُعامَلَةَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مَعْنى“ إنْ ”مَعْنى“ إذْ ”، أيْ إذْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ.

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِها“ أنْتُمْ أُولاءِ ”في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦] قِراءَةً وإعْرابًا. وتَلْخِيصُهُ هُنا أنْ يَكُونَ أُولاءِ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ، وتُحِبُّونَهم مُسْتَأْنَفٌ أوْ حالٌ أوْ صِلَةٌ، عَلى أنْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مَوْصُولًا أوْ خَبَرًا لِـ“ أنْتَمِ ”و“ أُولاءِ ”مُنادى، أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مُبْتَدَأً ثانِيًا، و“ تُحِبُّونَهم ”خَبَرًا عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَحْوَ: أنا زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَيَكُونُ مِنَ الِاشْتِغالِ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ واقِعٌ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ أنْتُمْ؛ لِأنَّ أنْتُمْ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، و“ أُولاءِ " إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ. وفي الأوْجُهِ السّابِقَةِ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ أنْتُمْ واحِدٌ. (p-٤٠)وهُوَ: المُؤْمِنُونَ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ في تُحِبُّونَهم، لا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ إلّا بِإضْمارِ وصْفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، إذْ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، حَيْثُ يَبْذُلُونَ المَحَبَّةَ لِمَن يَبْغَضُهم، وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تُحِبُّونَهم قالُوا: لِمُنافِقِي اليَهُودِ. وفي الزَّمَخْشَرِيِّ: لِمُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى بِطانَةٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَهو كُلُّ مُنافِقٍ حَتّى مُنافِقِ المُشْرِكِينَ.

والمَحَبَّةُ هُنا: المَيْلُ بِالطَّبْعِ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ والرَّضاعِ والحِلْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ إظْهارِ الإيمانِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الرَّحْمَةُ لَهم لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إرادَةُ الإسْلامِ لَهم، قالَهُ المُفَضَّلُ والزَّجّاجِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ تَوْبِيخٌ عَلى مَعْنى إرادَةِ إسْلامِ الكافِرِ أوِ المُصافاةِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ المَحَبَّةِ.

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ الكِتابُ: اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوِ التَّوْراةُ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، وثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُها: ولا تُؤْمِنُونَ بِهِ كُلِّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ. يَدُلُّ عَلَيْها إثْباتُ المُقابِلِ في تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. والواوُ في ”وتُؤْمِنُونَ“ لِلْعَطْفِ عَلى ”﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾“، فَلَها مِنَ الإعْرابِ ما لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في ”وتُؤْمِنُونَ“ لِلْحالِ، وانْتِصابُها مِن لا يُحِبُّونَكم أيْ لا يُحِبُّونَكم، والحالُ: إنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ كُلِّهِ، وهم مَعَ ذَلِكَ يَبْغَضُونَكم، فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن كِتابِكم ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم ونَحْوِهُ. ”﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]“ . انْتَهى كَلامُهُ وهو حَسَنٌ. إلّا أنَّهُ فِيهِ مِنَ الصِّناعَةِ النَّحْوِيَّةِ ما يَخْدِشُهُ، وهو أنَّهُ جَعَلَ الواوَ في ”وتُؤْمِنُونَ“ لِلْحالِ، وأنَّها مُنْتَصِبَةٌ مِن (p-٤١)لا يُحِبُّونَكم. والمُضارِعُ المُثْبَتُ إذا وقَعَ حالًا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ، تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ يَضْحَكُ، ولا يَجُوزُ: ويَضْحَكُ. فَأمّا قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، فَفي غايَةِ الشُّذُوذِ. وقَدْ أُوِّلَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ قُمْتُ وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ، فَتَصِيرُ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً. ويُحْتَمَلُ هَذا التَّأْوِيلُ هُنا، أيْ: ولا يُحِبُّونَكم وأنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ، لَكِنَّ الأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِها لِلْعَطْفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في مُنافِقِي اليَهُودِ، لا مُنافِقِي العَرَبِ. ويَعْتَرِضُها: أنَّ مُنافِقِي اليَهُودِ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهم أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ في الظّاهِرِ إيمانًا مُطْلَقًا ويَكْفُرُونَ في الباطِنِ، كَما كانَ المُنافِقُونَ مِنَ العَرَبِ، إلّا ما رُوِيَ مِن أمْرِ زَيْدِ بْنِ الصَّيْفِ القَيْنُقاعِيِّ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ قَوْلَهم: آمَنّا، مَعْناهُ صَدَّقْنا أنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكم. أيْ فَكُونُوا عَلى دِينِكم ونَحْنُ أوْلِياؤُكم وإخْوانِكم لا نُضْمِرُ لَكم إلّا المَوَدَّةَ؛ ولِهَذا كانَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَتَّخِذُهم بِطانَةً. وهَذا مَنزَعٌ قَدْ حَفِظَ أنْ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ المُعادِلَ لِقَوْلِهِمْ: آمِنّا عَضُّ الأنامِلِ مِنَ الغَيْظِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي الِارْتِدادَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] بَلْ هو ما يَقْتَضِي البُغْضَ وعَدَمَ المَوَدَّةِ. وكانَ أبُو الجَوْزاءِ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: هُمُ الأباضِيَّةُ. وهَذِهِ الصِّفَةُ قَدْ تَتَرَتَّبُ في أهْلِ البِدَعِ مِنَ النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.

وما ذَكَرَ مِن أنَّ مُنافِقِي اليَهُودِ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهم أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ في الظّاهِرِ إيمانًا مُطْلَقًا ويَكْفُرُونَ في الباطِنِ إلّا ما رُوِيَ مِن أمْرِ زَيْدٍ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنهم كانُوا يَعْتَمِدُونَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ. ولَوْ لَمْ يَرْوِ ذَلِكَ إلّا عَنْ زَيْدٍ القَيْنُقاعِيِّ لَكانَ في ذَلِكَ مَذَمَّةٌ لَهم بِذَلِكَ؛ إذْ وُجِدَ ذَلِكَ في جِنْسِهِمْ. وكَثِيرًا ما تَمْدَحُ العَرَبُ أوْ تَذُمُّ بِفِعْلِ الواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ، ويُؤَيِّدُ صُدُورَ ذَلِكَ مِنَ اليَهُودِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] .

﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ هَذا الإخْبارُ جَرى عَلى مُنازَعَتِهِمْ في التَّوْراةِ والسِّتْرِ والخُبْثِ، إذْ لَمْ يَذْكُرُوا مُتَعَلِّقَ الإيمانِ، ولَكِنَّهم يُوهِمُونَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّهم مُؤْمِنُونَ.

﴿وإذا خَلَوْا﴾ أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وانْفَرَدُوا دُونَكم. والمَعْنى: خَلَتْ مَجالِسُهم مِنكم، فَأسْنَدَ الخُلُوَّ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ وظاهِرُهُ فِعْلُ ذَلِكَ، وأنَّهُ يَقَعُ مِنهم عَضُّ الأنامِلِ لِشِدَّةِ الغَيْظِ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى إنْفاذِ ما يُرِيدُونَ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ:

؎وقَدْ صالَحُوا قَوْمًا عَلَيْنا أشِحَّةً يَعَضُّونَ عَضًّا خَلْفَنا بِالأباهِمِ

وقالَ الآخَرُ:

؎إذا رَأوْنِي أطالَ اللَّهُ غَيْظَهُمُ ∗∗∗ عَضُّوا مِنَ الغَيْظِ أطْرافَ الأباهِيمِ

وقالَ الآخَرُ:

؎وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضَّها بِالأباهِمِ

وقالَ الحَرْثُ بْنُ ظالِمٍ المُرِّيُّ:

؎وأقْبَلَ أقْوامًا لِئامًا أذِلَّةً ∗∗∗ يَعَضُّونَ مِن غَيْظٍ رُءُوسَ الأباهِمِ

ويُوصَفُ المُغْتاظُ والنّادِمُ بِعَضِّ الأنامِلِ والبَنانِ والإبْهامِ. وهَذا العَضُّ هو بِالأسْنانِ، وهي هَيْئَةٌ في بَدَنِ الإنْسانِ تَتْبَعُ هَيْئَةَ النَّفْسِ الغاضِبَةِ. كَما أنَّ ضَرْبَ اليَدِ عَلى اليَدِ يَتْبَعُ هَيْئَةَ النَّفْسِ المُتَلَهِّفَةِ عَلى فائِتٍ قَرِيبِ الفَوْتِ. وكَما أنَّ قَرْعَ السِّنِّ هَيْئَةٌ تَتْبَعُ هَيْئَةَ النَّفْسِ النّادِمَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن عَدِّ الحَصى والخَطِّ في الأرْضِ لِلْمَهْمُومِ ونَحْوِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ ثَمَّ عَضُّ أنامِلٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ، عُبِّرَ بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الغَيْظِ والتَّأسُّفِ عَلى ما يَفُوتُهم مِن إذايَتِكم. ونَبَّهَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن كانَ (p-٤٢)بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن بُغْضِ المُؤْمِنِينَ، والكُفْرِ بِالقُرْآنِ، والرِّياءِ بِإظْهارِ ما لا يَنْطَوِي عَلَيْهِ باطِنُهُ - جَدِيرٌ بِأنْ لا يُتَّخَذَ صَدِيقًا.

﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ. وهي صِيغَةُ أمْرٍ، ومَعْناها الدُّعاءُ، أذِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَمّا يَئِسَ مِن إيمانِهِمْ، هَذا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ. وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: فَلَهُ أنْ يَدْعُوَ مُواجَهَةً. وقِيلَ: أُمِرَ هو وأُمَّتُهُ أنْ يُواجِهُوهم بِهَذا. فَعَلى هَذا زالَ مَعْنى الدُّعاءِ، وبَقِيَ مَعْنى التَّقْرِيعِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: صُورَتُهُ أمْرٌ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، والباءُ لِلْحالِ، أيْ تَمُوتُونَ ومَعَكُمُ الغَيْظُ وهو عَلى جِهَةِ الذَّمِّ عَلى قَبِيحِ ما عَمِلُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يُهْلَكُوا بِهِ. والمُرادُ بِزِيادَةِ الغَيْظِ ما يَغِيظُهم مِن قُوَّةِ الإسْلامِ وعِزَّةِ أهْلِهِ، وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والخِزْيِ والتَّبارِ. انْتَهى كَلامُهُ.

ولَيْسَ ما فَسَّرَ بِهِ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، ويَكُونُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ يُشْبِهُ قَوْلَهم: مِتْ بِدائِكَ، أيْ أبْقى اللَّهُ داءَكَ حَتّى تَمُوتَ بِهِ. لَكِنْ في لَفْظِ الزَّمَخْشَرِيِّ زِيادَةُ الغَيْظِ، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ. قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: هَذا لَيْسَ بِأمْرٍ جازِمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا لَماتُوا مِن فَوْرِهِمْ كَما جاءَ: ”﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]“ . ولَيْسَ بِدُعاءٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ أمَرَهُ بِالدُّعاءِ لَماتُوا جَمِيعَهم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَإنَّ دَعْوَتَهُ لا تُرَدُّ. وقَدْ آمَنَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرٌ، ولَيْسَ بِخَبَرٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرُ الوَقْعِ عَلى حُكْمٍ ما أخْبَرَ بِهِ، يَعْنِي ولَمْ يُؤْمِن أحَدٌ بَعْدُ، وإنَّما هو أمْرٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ، كَقَوْلِهِ: ”﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]“، ”إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ“ . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ ثَمَّ قَوْلٌ، وأنْ يَكُونَ أمْرًا بِطِيبِ النَّفْسِ، وقُوَّةِ الرَّجاءِ، والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُهْلَكُوا غَيْظًا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، والمَعْنى: أخْبِرْهم بِما يُسِرُّونَهُ مِن عَضِّهِمُ الأنامِلَ غَيْظًا إذا خَلَوْا وقُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُسِرُّونَهُ بَيْنَكم وهو مُضْمَراتُ الصُّدُورِ، فَلا تَظُنُّوا أنَّ شَيْئًا مِن أسْرارِكم يَخْفى عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ لا تَدْخُلَ تَحْتَ القَوْلِ، ومَعْناهُ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ولا تَتَعَجَّبْ مِنِ اطْلاعِي إيّاكَ عَلى ما يُسِرُّونَ، فَإنِّي أعْلَمُ ما هو أخْفى مِن ذَلِكَ وهو مُضْمَراتُ صُدُورِهِمْ، لَمْ يُظْهِرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ مُواجَهُونَ بِهِ.

والذّاتُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ، ومَعْناهُ هُنا أنَّهُ تَأْنِيثُ ”ذِي“ بِمَعْنى صاحِبٍ. فَأصْلُهُ هُنا: عَلِيمٌ بِالمُضْمَراتِ ذَواتِ الصُّدُورِ، ثُمَّ حَذَفَ المَوْصُوفَ، وغَلَبَتْ إقامَةُ الصِّفَةِ مَقامَهُ. ومَعْنى صاحِبَةِ الصُّدُورِ: المُلازِمَةُ لَهُ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْهُ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ صاحِبُ فُلانٍ، ومِنهُ: أصْحابُ الجَنَّةِ، أصْحابُ النّارِ. واخْتَلَفُوا في الوَقْفِ عَلى ”ذاتٍ“ . فَقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وابْنُ كَيْسانَ: بِالتّاءِ؛ مُراعاةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ. وقالَ الكِسائِيُّ والجِرْمِيُّ: بِالهاءِ؛ لِأنَّها تاءُ تَأْنِيثٍ.

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ الحَسَنَةُ هُنا ما يَسُرُّ مِن رَخاءٍ وخَصْبٍ ونُصْرَةٍ وغَنِيمَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ. والسَّيِّئَةُ ضِدُّ ذَلِكَ. بَيَّنَ تَعالى بِذَلِكَ فَرْطَ عَداوَتِهِمْ حَيْثُ يَسُوؤُهم ما نالَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْرِ، ويَفْرَحُونَ بِما يُصِيبُهم مِنَ الشِّدَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَسُّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الإصابَةِ، فَكانَ المَعْنى واحِدًا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] الآيَةَ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى المَسَّ في الحَسَنَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّ بِأدْنى طُرُوءِ الحَسَنَةِ تَقَعُ المَساءَةُ بِنُفُوسِ هَؤُلاءِ المُبْغِضِينَ، ثُمَّ عادَلَ ذَلِكَ في السَّيِّئَةِ بِلَفْظِ الإصابَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُصِيبَ لِشَيْءٍ هو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، أوْ فِيهِ. فَدَلَّ هَذا النَّوْعُ البَلِيغُ عَلى شِدَّةِ العَداوَةِ، إذْ هو حِقْدٌ لا يَذْهَبُ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ، بَلْ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الشَّدائِدِ بِالمُؤْمِنِينَ. انْتَهى كَلامُهُ.

والنَّكِرَةُ هُنا في سِياقِ الشَّرْطِ بِأنْ تَعُمَّ عُمُومَ البَدَلِ، ولَمْ يَأْتِ مُعَرَّفًا لِإيهامِ التَّعْيِينِ بِالعَهْدِ، ولِإيهامِ العُمُومِ الشُّمُولِيِّ. وقابَلَ الحَسَنَةَ بِالسَّيِّئَةِ، والمُساءَةَ بِالفَرَحِ (p-٤٣)وهِيَ مُقابَلَةٌ بَدِيعَةٌ.

قالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ: الحَسَنَةُ بِظُهُورِكم عَلى العَدُوِّ، والغَنِيمَةِ مِنهم، والتَّتابُعِ بِالدُّخُولِ في دِينِكم، وخَصْبِ مَعاشِكم. والسَّيِّئَةُ بِإخْفاقِ سَرِيَّةٍ مِنكم، أوْ إصابَةِ عَدُوٍّ مِنكم، أوِ اخْتِلافٍ بَيْنَكم. وقالَ الحَسَنُ: الحَسَنَةُ: الأُلْفَةُ واجْتِماعُ الكَلِمَةِ. والسَّيِّئَةُ إصابَةُ العَدُوِّ، واخْتِلافُ الكَلِمَةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَسَنَةُ النِّعْمَةُ. والسَّيِّئَةُ المُصِيبَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَيْسَتْ عَلى سَبِيلِ التَّعْيِينِ.

﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى أذاهم، وتَتَّقُوا اللَّهَ، ولا تَقْنَطُوا، ولا تَسْأمُوا أذاهم وتَكَرَّرَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى أمْرِ اللَّهِ، وتَتَّقُوا مُباطَنَتَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى الإيمانِ وتَتَّقُوا الشِّرْكَ. وقِيلَ: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى الطّاعَةِ وتَتَّقُوا المَعاصِيَ. وقِيلَ: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى حَرْبِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هُنا مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ، ولا مُتَعَلِّقَ التَّقْوى. لَكِنَّ الصَّبْرَ هو حَبْسُ النَّفْسِ عَلى المَكْرُوهِ، والتَّقْوى اتِّخاذُ الوِقايَةِ مِن عَذابِ اللَّهِ. فَيَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مِن جِنْسِ ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الصَّبْرِ ولَفْظُ التَّقْوى. وفي هَذا تَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَثْبِيتٌ لِنُفُوسِهِمْ، وإرْشادٌ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى كَيْدِ العَدُوِّ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنْ تَمْسَسْكم بِالتّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِالياءِ مُعْجَمَةٌ مِن أسْفَلَ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الحَسَنَةِ مَجازِيٌّ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ في رِوايَةٍ عَنْهُ: لا يَضُرُّكم مِن ضارَ يَضِيرُ. ويُقالُ: ضارَ يَضُورُ، وكِلاهُما بِمَعْنى ضَرَّ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: لا يَضُرُّكم - بِضَمِّ الضّادِ والرّاءِ المُشَدَّدَةِ، مِن ضَرَّ يَضُرُّ. واخْتُلِفَ، أحَرَكَةُ الرّاءِ إعْرابٌ فَهو مَرْفُوعٌ، أمْ حَرَكَةُ إتْباعٍ لِضَمَّةِ الضّادِ وهو مَجْزُومٌ كَقَوْلِكَ: مَدَّ ؟ ونُسِبَ هَذا إلى سِيبَوَيْهِ، فَخَرَجَ الإعْرابُ عَلى التَّقْدِيمِ. والتَّقْدِيرُ: لا يَضُرُّكم أنْ تَصْبِرُوا، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى سِيبَوَيْهِ. وخَرَجَ أيْضًا عَلى أنَّ ”لا“ بِمَعْنى لَيْسَ، مَعَ إضْمارِ الفاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ يَضُرُّكم، وقالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْهُ بِضَمِّ الضّادِ وفَتْحِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ. وهي أحْسَنُ مِن قِراءَةِ ضَمِّ الرّاءِ نَحْوَ لَمْ يَرُدَّ زَيْدٌ، والفَتْحُ هو الكَثِيرُ المُسْتَعْمَلُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ بِضَمِّ الضّادِ وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأمّا الكَسْرُ فَلا أعْرِفُهُ قِراءَةً، وعِبارَةُ الزَّجّاجِ في ذَلِكَ مُتَجَوَّزٌ فِيها؛ إذْ يَظْهَرُ مِن دَرَجِ كَلامِهِ أنَّها قِراءَةٌ. انْتَهى. وهي قِراءَةٌ كَما ذَكَرْنا عَنِ الضَّحّاكِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لا يَضْرُرْكم“ - بِفَكِّ الإدْغامِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وعَلَيْها في الآيَةِ: إنْ تَمْسَسْكم. ولُغَةُ سائِرِ العَرَبِ الإدْغامُ في هَذا كُلِّهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ مَن قَرَأ بِالياءِ فَهو وعِيدٌ، والمَعْنى: مُحِيطٌ جَزاؤُهُ. وعَبَّرَ بِالإحاطَةِ عَنْ الِاطِّلاعِ التّامِّ والقُدْرَةِ والسُّلْطانِ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ - وهو الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - فَعَلى الِالتِفاتِ لِلْكُفّارِ، أوْ عَلى إضْمارِ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. أوْ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ تَضَمَّنَ تَوَعُّدَهم في اتِّخاذِ بِطانَةٍ مِنَ الكُفّارِ.

قالُوا: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ. مِنها: الوَصْلُ والقَطْعُ في ”﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]“ . والتَّكْرارُ في ”﴿أصْحابُ النّارِ هُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦]“ . والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الفاعِلِ إلى غَيْرِهِ في: ”يَتْلُونَ“ وما بَعْدَهُ، وفي ”يَظْلِمُونَ“ . والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِ بَعْضِ الشَّيْءِ عَنْ كُلِّهِ إذا كانَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الباقِي في: ”﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]“ . والمُقابَلَةُ في: ”تَأْمُرُونَ“ و”تُنْهَوْنَ“، وفي المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طِباقًا مَعْنَوِيًّا، وفي ”حَسَنَةٌ“ و”سَيِّئَةٌ“، وفي ”تَسُؤْهم“ و”يَفْرَحُوا“ . والِاخْتِصاصُ في ”﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]“ . والتَّشْبِيهُ في: ”﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]“، وفي ”﴿بِطانَةً﴾ [آل عمران: ١١٨]“، وفي ”﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]“ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وفي ”﴿تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ﴾“ و”﴿تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾“ . شَبَّهَ حُصُولَهُما بِالمَسِّ والإصابَةِ، وهو مِن بابِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ. وفي مُحِيطٍ شَبَّهَ القُدْرَةَ عَلى الأشْياءِ والعِلْمَ بِها بِالشَّيْءِ المُحْدِقِ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وهو مِن (p-٤٤)تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ”ظَلَمَهم“ و”يَظْلِمُونَ“، وفي ”﴿تُحِبُّونَهم ولا﴾ [آل عمران: ١١٩]“ ﴿يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] ”، وفي“ تُؤْمِنُونَ ”و“ آمَنّا ”، وفي“ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ”و“ ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] ”. والِالتِفاتُ: في و“ ما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ ”عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ، وفي“ ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] ”عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ في“ ﴿مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] " عَبَّرَ بِها عَنِ الألْسِنَةِ؛ لِأنَّها مَحَلُّها. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском