Abu HayyanAli 'Imran · 3:157–161

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:157–161

3:157–158Page 70

وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧

And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨

And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذا تَكْذِيبُ الكُفّارِ في دَعْواهم أنَّ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ في سَفَرٍ وغَزْوٍ لَوْ كانَ أقامَ ما ماتَ وما قُتِلَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلتَّخاذُلِ عَنِ الغَزْوِ، وأخْبَرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ إنْ تَمَّ ما يَحْذَرُونَهُ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ المَوْتِ فِيهِ، فَما يَحْصُلُ لَهم مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَنافِعِها لَوْ لَمْ يَهْلَكُوا بِالقَتْلِ أوِ المَوْتِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ اللّامَ في ”لَئِنْ“ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ هو: ”لَمَغْفِرَةٌ“، وكانَ نَكِرَةً إشارَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ المُؤْمِنِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ؛ (p-٩٦)لِأنَّهُ وصْفٌ بِقَوْلِهِ: ”مِنَ اللَّهِ“، وعَطَفَ عَلَيْهِ نَكِرَةً، ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها كَوْنُها عُطِفَتْ عَلى ما يَسُوغُ بِهِ الِابْتِداءُ. أوْ كَوْنُها مَوْصُوفَةً في المَعْنى، إذِ التَّقْدِيرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ. وثَمَّ صِفَةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ لا بُدَّ مِنها وتَقْدِيرُها: ورَحْمَةٌ لَكم. وخَيْرٌ هُنا عَلى بابِها مِن كَوْنِها أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن طِلاعِ الأرْضِ ذَهَبَةٌ حَمْراءُ. وارْتِفاعُ خَيْرٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: لَمَغْفِرَةٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَمَغْفِرَةٌ إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً؛ إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ. ويَجِيءُ التَّقْدِيرُ لِذَلِكَ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ. وقَوْلُهُ: خَيْرٌ صِفَةٌ لا خَبَرُ ابْتِداءٍ. انْتَهى قَوْلُهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو ”إنْ قُتِلْتُمْ“ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: سَدَّ مَسَدَّ جَوابَ الشَّرْطِ، إنْ عَنى أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، فَصَحِيحٌ، وإنْ عَنى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جُعِلَتِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ لِمَنِ اتَّفَقَ لَهُ أحَدُ هَذَيْنِ: القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوِ المَوْتُ فِيهِ.

وقالَ الرّازِيُّ: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ، ورَحْمَةٌ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ لِطَلَبِ ثَوابِهِ. انْتَهى. ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، وقَدَّمَ القَتْلَ هُنا لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ في تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ؛ إذِ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أعْظَمُ ثَوابًا مِنَ المَوْتِ في سَبِيلِهِ.

قالَ الرّاغِبُ: تَضَمَّنَتْ هاتانِ الآيَتانِ إلْزامًا هو جارٍ مَجْرى قِياسَيْنِ شَرْطِيَّيْنِ اقْتَضَيا الحِرْصَ عَلى القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَمْثِيلُهُ: إنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ، حَصَلَتْ لَكُمُ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، وهُما خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. فَإذا المَوْتُ والقَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ فالحَشْرُ لَكم حاصِلٌ. وإذا كانَ المَوْتُ والقَتْلُ لا بُدَّ مِنهُ والحَشْرُ، فَنَتِيجَةُ ذَلِكَ أنَّ القَتْلَ والمَوْتَ اللَّذَيْنِ يُوجِبانِ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ خَيْرٌ مِنَ القَتْلِ والمَوْتِ اللَّذَيْنِ لا يُوجِبانِهِما. انْتَهى.

وقَرَأ الِابْنانِ والأبَوانِ بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وحَفْصٍ في هَذَيْنِ: ”﴿أوْ مُتُّمْ﴾“، ”﴿ولَئِنْ مُتُّمْ﴾“، وكَسَرَ الباقُونَ، والضَّمُّ أقْيَسُ وأشْهَرُ. والكَسْرُ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا وهو شاذٌّ في القِياسِ، جَعَلَهُ المازِنِيُّ مِن فَعَلَ يَفْعَلُ، نَظِيرُ دُمْتَ تَدُومُ، وفَضَّلْتَ تُفَضِّلُ، وكَذا أبُو عَلِيٍّ، فَحَكَما عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ. وقَدْ نَقَلَ غَيْرُهُما فِيهِ لُغَتَيْنِ إحْداهُما: فَعَلَ يَفْعُلُ، فَتَقُولُ ماتَ يَمُوتُ. والأُخْرى: فَعَلَ يَفْعَلُ نَحْوَ ماتَ يَماتُ، أصْلُهُ مَوَتَ، فَعَلى هَذا لَيْسَ بِشاذٍّ؛ إذْ هو مِثْلُ خافَ يَخافُ، فَأصْلُهُ مَوَتَ يَمُوتُ. فَمَن قَرَأ بِالكَسْرِ فَعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، ولا شُذُوذَ فِيهِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ يَقُولُونَ: مُتُّمْ مِن ماتَ يَماتُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎عِيشِي ولا تُومِي بِأنْ تَماتِي

وسُفْلى مُضَرَ يَقُولُونَ: مُتُّمْ بِضَمِّ المِيمِ مِن ماتَ يَمُوتُ، نَقَلَهُ الكُوفِيُّونَ: وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَجْمَعُونَ“ بِالتّاءِ عَلى سِياقِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ولَئِنْ قُتِلْتُمْ. وقَرَأ قَوْمٌ مِنهم حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ، أيْ مِمّا يَجْمَعُهُ الكُفّارُ المُنافِقُونَ وغَيْرُهم.

﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ هَذا خِطابٌ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ. أعْلَمَ فِيهِ أنَّ مَصِيرَ الجَمِيعِ إلَيْهِ، فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، هَكَذا قالَ بَعْضُهم. وكَأنَّهُ لَمّا رَأى المَوْتَ والقَتْلَ أُطْلِقا ولَمْ يُقَيَّدا بِذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ كَما قُيِّدا في الآيَةِ، فَهِمَ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كالخِطابِ السّابِقِ؛ ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَإلى الرَّحِيمِ الواسِعِ الرَّحْمَةِ المُمِيتِ العَظِيمِ الثَّوابِ تُحْشَرُونَ. قالَ: ولِوُقُوعِ اسْمِ اللَّهِ هَذا المَوْقِعَ مَعَ تَقْدِيمِهِ وإدْخالِ اللّامِ عَلى الحَرْفِ المُتَّصِلِ بِهِ سِيّانِ لَيْسَ بِالخَفِيِّ. انْتَهى. يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى مَذْهَبِهِ: مِن أنَّ التَّقْدِيمَ يُؤْذِنُ بِالِاخْتِصاصِ، فَكانَ المَعْنى عِنْدَهُ: فَإلى اللَّهِ لا غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ. وهو عِنْدَنا لا يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما يَدُلُّ التَّقْدِيمُ عَلى الِاعْتِناءِ بِالشَّيْءِ والِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ، كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: وزادَهُ حُسْنًا هُنا أنَّ تَأخُّرَ الفِعْلِ هُنا فاصِلَةٌ، فَلَوْ تَأخَّرَ المَجْرُورُ لَفاتَ هَذا الغَرَضُ وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَحْقِيرَ أمْرِ الدُّنْيا والحِرْصَ عَلى الشَّهادَةِ، وأنَّ مَصِيرَ العالَمِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ، فالمُوافاةُ عَلى الشَّهادَةِ أمْثَلُ بِالمَرْءِ لِيُحْرِزَ ثَوابَها ويَجِدْهُ وقْتَ الحَشْرِ. وقَدَّمَ المَوْتَ (p-٩٧)هُنا عَلى القَتْلِ؛ لِأنَّها آيَةُ وعْظٍ بِالآخِرَةِ والحَشْرِ، وتَزْهِيدٌ في الدُّنْيا والحَياةِ، والمَوْتُ فِيها مُطْلَقٌ لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ. فَإمّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُخْتَصًّا بِمَن خُوطِبَ قَبْلُ، أوْ عامًّا وانْدَرَجَ أُولَئِكَ فِيهِ، فَقُدِّمَ لِعُمُومِهِ؛ ولِأنَّهُ أغْلَبُ في النّاسِ مِنَ القَتْلِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ. ”﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، فَقَدَّمَ المَوْتَ عَلى القَتْلِ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] وتَقَدَّمَ القَتْلُ عَلى المَوْتِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ تَحْرِيضٍ عَلى الجِهادِ، فَقَدَّمَ الأهَمَّ والأشْرَفَ. وقَدَّمَ المَوْتَ هُنا لِأنَّهُ الأغْلَبُ، ولَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ الواقِعُ جَوابًا لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ لِأنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ اللّامِ المُتَلَقّى بِها القَسَمُ وبَيْنَهُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ. ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ: لَتُحْشَرُنَّ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: لِيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ. وسَواءٌ كانَ الفَصْلُ بِمَعْمُولِ الفِعْلِ كَهَذا، أوْ بِسَوْفَ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩] أوْ بِقَدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎كَذَبْتِ لَقَدْ أصْبى عَلى المَرْءِ عِرْسِهِ ∗∗∗ وأمْنَعُ عِرْسِي أنْ يَزِنَّ بِها الخالِي

قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ دُخُولُ النُّونِ فَرْقًا بَيْنَ لامِ اليَمِينِ ولامِ الِابْتِداءِ، ولامُ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى الفَضَلاتِ، فَبِدُخُولِ لامِ اليَمِينِ عَلى الفَضْلَةِ وقَعَ الفَصْلُ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى النُّونِ. وبِدُخُولِها عَلى سَوْفَ وقَعَ الفَرْقُ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى النُّونِ؛ لِأنَّ لامَ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ إلّا إذا كانَ حالًا، أمّا إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا فَلا.

3:159Page 71

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ المُؤْمِنُونَ. فالمَعْنى: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِنْتَ لَهم، فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ امْتُنَّ بِها عَلَيْهِمْ. أيْ: دَمِثَتْ أخْلاقُكَ ولانَ جانِبُكَ لَهم بَعْدَ ما خالَفُوا أمَرَكَ وعَصَوْكَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ إيّاهم. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ المُخاطَبُ، أيْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ إيّاكَ جَعَلَكَ لَيِّنَ الجانِبِ مُوَطَّأ الأكْنافِ، فَرَحِمْتَهم ولِنْتَ لَهم، ولَمْ تُؤاخِذْهم بِالعِصْيانِ والفِرارِ وإفْرادِكَ لِلْأعْداءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ جَعَلَهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبَعْثَهُ بِتَتْمِيمِ مَحاسِنِ الأخْلاقِ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ لَيَّنَهُ لَهم.

و”ما“ هُنا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وزِيادَتُها بَيْنَ الباءِ وعَنْ ومِن والكافِ، وبَيْنَ مَجْرُوراتِها شَيْءٌ مَعْرُوفٌ في اللِّسانِ، مُقَرَّرٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّها نَكِرَةٌ تامَّةٌ، و”رَحْمَةٍ“ بَدَلٌ مِنها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِشَيْءٍ أُبْهِمَ، ثُمَّ أُبْدِلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْضِيحِ، فَقالَ: رَحْمَةٌ. وكَأنَّ قائِلَ هَذا يَفِرُّ مِنَ الإطْلاقِ عَلَيْها أنَّها زائِدَةٌ. وقِيلَ: ”ما“ هُنا اسْتِفْهامِيَّةٌ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ المُحَقِّقُونَ: دُخُولُ اللَّفْظِ المُهْمَلِ الوَضْعِ في كَلامِ أحْكَمِ الحاكِمِينَ غَيْرُ جائِزٍ، وهُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّعَجُّبِ تَقْدِيرُهُ: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، وذَلِكَ بِأنَّ جِنايَتَهم لَمّا كانَتْ عَظِيمَةً (p-٩٨)ثُمَّ إنَّهُ ما أظْهَرَ ألْبَتَّةَ تَغْلِيظًا في القَوْلِ، ولا خُشُونَةً في الكَلامِ، عَلِمُوا أنَّ هَذا لا يَتَأتّى إلّا بِتَأْيِيدٍ رَبّانِيٍّ قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وما قالَهُ المُحَقِّقُونَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ زِيادَةَ ”ما“ لِلتَّوْكِيدِ لا يُنْكِرُهُ في أماكِنِهِ مَن لَهُ أدْنى تَعَلُّقٍ بِالعَرَبِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ مَن يَتَعاطى تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ، ولَيْسَ ما في هَذا المَكانِ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ أحَدٌ مُهْمَلًا فَلا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَأْوِيلِها بِأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا لِلتَّعَجُّبِ. ثُمَّ إنَّ تَقْدِيرَهُ ذَلِكَ: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ما مُضافَةً لِلرَّحْمَةِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا تُضافُ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، ولا أسْماءُ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ ”أيٍّ“ بِلا خِلافٍ، و”كَمْ“ عَلى مَذْهَبِ أبِي إسْحاقَ. والثّانِي: إذا لَمْ تَصِحَّ الإضافَةُ فَيَكُونُ إعْرابُهُ بَدَلًا، وإذا كانَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ فَلا بُدَّ مِن إعادَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في البَدَلِ، وهَذا الرَّجُلُ لَحَظَ المَعْنى ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ مِن أحْكامِ الألْفاظِ، وكانَ يُغْنِيهِ عَنْ هَذا الِارْتِباكِ والتَّسَلُّقِ إلى ما لا يُحْسِنُهُ والتَّسَوُّرُ عَلَيْهِ قَوْلُ الزَّجّاجِ في ”ما“ هَذِهِ: إنَّها صِلَةٌ فِيها مَعْنى التَّوْكِيدِ بِإجْماعِ النَّحْوِيِّينَ.

﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ثَمَرَةَ اللِّينِ هي المَحَبَّةُ، والِاجْتِماعُ عَلَيْهِ. وأنَّ خِلافَها مِنَ الجَفْوَةِ والخُشُونَةِ مُؤَدٍّ إلى التَّفَرُّقِ، والمَعْنى: لَوْ شافَهْتُهم بِالمَلامَةِ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ والفِرارِ لِتَفَرَّقُوا مِن حَوْلِكَ هَيْبَةً مِنكَ وحَياءً، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَفَرُّقِ كَلِمَةِ الإسْلامِ وضَعْفِ مادَّتِهِ، وإطْماعًا لِلْعَدُوِّ واللِّينِ والرِّفْقِ، فَيَكُونُ فِيما لَمْ يُفْضِ إلى إهْمالِ حَقٍّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وفي وصْفِهِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ. والوَصْفانِ قِيلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَجُمِعا لِلتَّأْكِيدِ. وقِيلَ: الفَظاظَةُ الجَفْوَةُ قَوْلًا وفِعْلًا. وغِلَظُ القَلْبِ: عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ خُلِقَ صُلْبًا لا يَلِينُ ولا يَتَأثَّرُ، وعَنِ الغِلَظِ تَنْشَأُ الفَظاظَةُ، تَقَدَّمَ ما هو ظاهِرٌ لِلْحِسِّ عَلى ما هو خافٍ، وإنَّما يُعْلَمُ بِظُهُورِ أثَرِهِ.

﴿فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾: أمَرَهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنْهم، وذَلِكَ فِيما كانَ خاصًّا بِهِ مِن تَبِعَةٍ لَهُ عَلَيْهِمْ، وبِالِاسْتِغْفارِ لَهم فِيما هو مُخْتَصٌّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وبِمُشاوَرَتِهِمْ. وفِيها فَوائِدُ: تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ، والرَّفْعُ مِن مِقْدارِهِمْ بِصَفاءِ قَلْبِهِ لَهم، حَيْثُ أهَّلَهم لِلْمُشاوَرَةِ، وجَعَلَهم خَواصَّ بَعْدَ ما صَدَرَ مِنهم، وتَشْرِيعُ المُشاوَرَةِ لِمَن بَعْدَهُ، والِاسْتِظْهارُ بِرَأْيِهِمْ فِيما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وحْيٌ؛ فَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهم مِن أُمُورِ الدُّنْيا ما يَنْتَفِعُ بِهِ، واخْتِبارُ عُقُولِهِمْ فَيُنْزِلُهم مَنازِلَهم، واجْتِهادُهم فِيما فِيهِ وجْهُ الصَّلاحِ. وجَرى عَلى مَناهِجِ العَرَبِ وعادَتِها في الِاسْتِشارَةِ في الأُمُورِ، وإذا لَمْ يُشاوِرْ أحَدًا مِنهم حَصَلَ في نَفْسِهِ شَيْءٌ؛ ولِذَلِكَ عَزَّ عَلى عَلِيٍّ وأهْلِ البَيْتِ كَوْنُهُمُ اسْتَبَدَّ عَلَيْهِمْ في المَشُورَةِ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ. وفِيماذا أُمِرَ أنْ يُشاوِرَهم: قِيلَ: في أمْرِ الحَرْبِ والدُّنْيا. وقِيلَ: في الدِّينِ والدُّنْيا ما لَمْ يَرِدْ نَصٌّ؛ ولِذَلِكَ اسْتَشارَ في أسْرى بَدْرٍ.

وظاهِرُ هَذِهِ الأوامِرِ يَقْتَضِي أنَّهُ أمَرَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ولا تَدُلُّ عَلى تَرْتِيبٍ زَمانِيٍّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمَرَ بِتَدْرِيجٍ بَلِيغٍ، أمَرَ بِالعَفْوِ عَنْهم فِيما (p-٩٩)يَخُصُّهُ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَّرَجَةِ أمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ فِيما لِلَّهِ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَّرَجَةِ صارُوا أهْلًا لِلِاسْتِشارَةِ في الأُمُورِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، ولا يَظْهَرُ هَذا التَّدْرِيجُ مِنَ اللَّفْظِ، ولَكِنْ هَذِهِ حِكْمَةُ تَقْدِيمِ هَذِهِ الأوامِرِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. أمَرَ أوَّلًا بِالعَفْوِ عَنْهم، إذْ عَفْوُهُ عَنْهم مُسْقِطٌ لِحَقِّهِ، ودَلِيلٌ عَلى رِضاهُ عَلَيْهِمْ، وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ. ولَمّا سَقَطَ حَقُّهُ بِعَفْوِهِ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ اللَّهُ لِيَكْمُلَ لَهم صَفْحُهُ وصَفْحُ اللَّهِ عَنْهم، ويَحْصُلُ لَهم رِضاهُ ورِضا اللَّهِ تَعالى. ولَمّا زالَتْ عَنْهُمُ التَّبِعاتُ مِنَ الجانِبَيْنِ شاوَرَهم إيذانًا بِأنَّهم أهْلٌ لِلْمَحَبَّةِ الصّادِقَةِ والخُلَّةِ النّاصِحَةِ، إذْ لا يَسْتَشِيرُ الإنْسانُ إلّا مَن كانَ مُعْتَقِدًا فِيهِ المَوَدَّةَ والعَقْلَ والتَّجْرِبَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: فاعْفُ عَنْهم أمْرٌ لَهُ بِالعَفْوِ. وقِيلَ: مَعْناهُ سَلْنِي العَفْوَ عَنْهم لِأعْفُوَ عَنْهم، والمَعْفُوُّ عَنْهُ والمَسْئُولُ الِاسْتِغْفارُ لِأجْلِهِ. قِيلَ: فِرارُهم يَوْمَ أُحُدٍ، وتَرْكُ إجابَتِهِ، وزَوالُ الرُّماةِ عَنْ مَراكِزِهِمْ. وقِيلَ: ما يُبْدُونَ مِن هَفَواتِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ مِنَ السَّقَطاتِ الَّتِي لا يَعْتَقِدُونَها، كَمُناداتِهِمْ مِن وراءِ الحُجُراتِ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أنْ كانَ ابْنُ عَمَّتِكَ، وجَرُّ رِداءِهِ حَتّى أثَّرَ في عُنُقِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ مِنهم عَلى سَبِيلِ الهَفْوَةِ. ومِن غَرِيبِ النُّقُولِ والمَقُولِ وضَعِيفِهِ الَّذِي يُنَزَّهُ عَنْهُ القُرْآنُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ”﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾“، أنَّهُ مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: ولِيُشاوِرُوكَ في الأمْرِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا جُمْلَةً مِمّا ورَدَ في المُشاوَرَةِ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ والآثارِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الشُّورى مِن قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ وعَزائِمِ الأحْكامِ، ومَن لا يَسْتَشِيرُ أهْلَ العِلْمِ والدِّينِ فَعَزْلُهُ واجِبٌ، هَذا ما لا خِلافَ لَهُ. والمُسْتَشارُ في الدِّينِ عالِمُ دِينٍ، وقَلَّ ما يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في عاقِلٍ. قالَ الحَسَنُ: ما كَمُلَ دِينُ امْرِئٍ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ، وفي الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ عاقِلٌ مُجَرِّبٌ وادٍ في المُسْتَشِيرِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ”﴿فِي الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]“، ولَيْسَ عَلى العُمُومِ. إذْ لا يُشاوِرُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. والأمْرُ: اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكُلِّ ولِلْبَعْضِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: في بَعْضِ الأمْرِ.

﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾: أيْ: فَإذا عَقَدْتَ قَلْبَكَ عَلى أمْرٍ بَعْدَ الِاسْتِشارَةِ فاجْعَلْ تَفْوِيضَكَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ العالِمُ بِالأصْلَحِ لَكَ، والأرْشَدِ لِأمْرِكَ، لا يَعْلَمُهُ مَن أشارَ عَلَيْكَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المُشاوَرَةِ وتَخْمِيرِ الرَّأْيِ وتَنْقِيحِهِ، والفِكْرِ فِيهِ. وإنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا خِلافًا لِما كانَ عَلَيْهِ بَعْضُ العَرَبِ مِن تَرْكِ المَشُورَةِ، ومِنَ الِاسْتِبْدادِ بِرَأْيِهِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ في عاقِبَةٍ، كَما قالَ:

؎إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ونَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ العَواقِبِ جانِبًا

؎ولَمْ يَسْتَشِرْ في رَأْيِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَرْضَ إلّا قائِمَ السَّيْفِ صاحِبا

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”عَزَمْتَ“ عَلى الخِطابِ كالَّذِي قَبْلَهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو نَهِيكٍ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ ”عَزَمْتُ“ بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّها ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى فَإذا عَزَمْتُ لَكَ عَلى شَيْءٍ أيْ أرْشَدْتُكَ إلَيْهِ وجَعَلْتُكَ تَقْصِدُهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”عَلى اللَّهِ“ مِن بابِ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى نَسَقِ ضَمِّ التّاءِ لَكانَ: فَتَوَكَّلْ عَلَيَّ، ونَظِيرُهُ في نِسْبَةِ العَزْمِ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾: حَثَّ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، إذْ أخْبَرَ أنَّهُ يُحِبُّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، والمَرْءُ ساعٍ فِيما يُحَصِّلُ لَهُ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ والإبْهامِ في: ”﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]“، فَمَن قالَ: هو الرَّسُولُ، أبْهَمَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ولِأنَّ التَّصْرِيحَ فِيهِ هَضْمٌ لِقَدْرِهِ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ”﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣]“، ”﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤]“ . والطِّباقُ في: يُخْفُونَ ويُبْدُونَ، وفي: فاتَكم وأصابَكم. والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: تَظُنُّونَ وظَنَّ، وفي: فَتَوَكَّلْ والمُتَوَكِّلِينَ. وذَكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ في: فَظًّا ولانْفَضُّوا، ولَيْسَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَتِ المادَّتانِ. والتَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ في: ما لا يُبْدُونَ يَقُولُونَ. والِاحْتِجاجُ النَّظَرِيُّ في: ”﴿لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]“، (p-١٠٠)والِاعْتِراضُ في: ”﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]“ . والِاخْتِصاصُ في: ”﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]“، وفي ”﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، وفي ﴿يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ . والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ”﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً﴾ [آل عمران: ١٥٦]“ . والِاسْتِعارَةُ في: ”﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، وفي: ”لِنْتَ“، وفي ”﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾“، والتَّكْرارُ في: ”﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، وما بَعْدَهُما، وفي: عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ. وزِيادَةُ الحَرْفِ لِلتَّأْكِيدِ في: ”﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾“ . والِالتِفاتُ والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

3:160–161Page 71

إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠

If Allāh should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allāh let the believers rely.

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦١

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾: هَذا التِفاتٌ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى الخِطابِ. ولَمّا أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ وبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْضَحَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ النَّصْرِ أوِ الخِذْلانِ إنَّما هو راجِعٌ لِما يَشاءُ. وأنَّهُ مَتى نَصَرَكم لا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ، ومَتى خَذَلَكم فَلا ناصِرَ لَكم فِيما وقَعَ لَكم مِنَ النَّصْرِ، أوْ بِكم مِنَ الخِذْلانِ كَيَوْمَيْ بَدْرٍ وأُحُدٍ، فَبِمَشِيئَتِهِ. وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهم عَمّا وقَعَ لَهم مِنَ الفِرارِ. ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ، وناطَ الأمْرَ بِالمُؤْمِنِينَ، فَنَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يُناسِبُ مَعَهُ التَّوَكُّلَ وهو الإيمانُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُصَدِّقٌ بِأنَّ اللَّهَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ بِيَدِهِ النَّصْرُ والخِذْلانُ. وأشْرَكَهم مَعَ نَبِيِّهِمْ في مَطْلُوبِيَّةِ التَّوَكُّلِ، وهو إضافَةُ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِها إلَيْهِ.

والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ مِن فُرُوضِ الإيمانِ، ولَكِنَّهُ يَقْتَرِنُ بِالتَّشْمِيرِ في الطّاعَةِ والجَزامَةِ بِغايَةِ الجُهْدِ، ومُعاطاةِ أسْبابِ التَّحَرُّزِ، ولَيْسَ الإلْقاءُ بِاليَدِ والإهْمالُ لِما يَجِبُ مُراعاتُهُ بِتَوَكُّلٍ، وإنَّما هو كَما قالَ: ”قَيِّدْها وتَوَكَّلْ“ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] والضَّمِيرُ في ”مِن بَعْدِهِ“ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، أيْ مِن بَعْدِ ما يُخْذَلُ مِنَ الَّذِي يُنْصَرُ. وإمّا أنْ لا يُحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: إذا جاوَزْتَهُ إلى غَيْرِهِ وقَدْ خَذَلَكَ فَمَن ذا الَّذِي تُجاوِزُهُ إلَيْهِ فَيَنْصُرُكَ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“، أيْ: مِن بَعْدِ الخِذْلانِ. وجاءَ جَوابُ: إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ بِصَرِيحِ النَّفْيِ العامِّ، وجَوابُ ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ وهو الِاسْتِفْهامُ، وهو مِن تَنْوِيعِ الكَلامِ في الفَصاحَةِ والتَّلَطُّفِ بِالمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يُصَرِّحَ لَهم بِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهم، بَلْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي السُّؤالَ عَنِ النّاصِرِ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى نَفْيِ النّاصِرِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ والمُتَضَمِّنِ، فَلَمْ يُجْرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ مَجْرى الكُفّارِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ بِالصَّرِيحِ أنَّهُ لا ناصِرَ لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] وظاهِرُ النُّصْرَةِ أنَّها في لِقاءِ العَدُوِّ، والإعانَةِ عَلى مُكافَحَتِهِ، والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا النُّصْرَةَ بِالحُجَّةِ القاهِرَةِ، وبِالعاقِبَةِ في الآخِرَةِ. فَقالُوا: المَعْنى إنْ حَصَلَتْ لَكُمُ النُّصْرَةُ فَلا تَعُدُّوا ما يَعْرِضُ مِنَ العَوارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ في بَعْضِ الأحْوالِ غَلَبَةً، وإنْ خَذَلَكم في ذَلِكَ فَلا تَعُدُّوا ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ القَهْرِ في الدُّنْيا نُصْرَةً، فالنُّصْرَةُ والخِذْلانُ مُعْتَبَرانِ بِالمَآلِ. وفي قَوْلِهِ: ”﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾“ إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ نَصَرَهُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ”وعَلى اللَّهِ“، ولِيَخُصَّ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ عَلَّمَهم أنَّهُ لا ناصِرَ سِواهُ؛ ولِأنَّ إيمانَكم يُوجِبُ ذَلِكَ ويَقْتَضِيهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وأخَذَ الِاخْتِصاصَ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يُوجِبُ الحَصْرَ والِاخْتِصاصَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَخْذُلُكم مِن خَذَلَ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يَخْذُلُكم مِن أخْذَلَ رُباعِيًّا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ أيْ: يَجْعَلُكم.

(p-١٠١)﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْراءُ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ مَن كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، فَنَزَلَتْ، وقائِلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ لَمْ يَظُنَّ في ذَلِكَ حَرَجًا. وقِيلَ: مُنافِقٌ، ورُوِيَ أنَّ المَفْقُودَ سَيْفٌ. وقالَ النَّقّاشُ: قالَتِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ: الغَنِيمَةُ الغَنِيمَةُ، أيُّها النّاسُ إنّا نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ: ”خَشِيتُمْ أنْ نَغُلَّ“ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقِيلَ غَيْرُ هَذا، مِن ذَلِكَ ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما نَزَلَتْ إعْلامًا بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِمّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّها تَضَمَّنَتْ حُكْمًا مِن أحْكامِ الغَنائِمِ في الجِهادِ، وهي مِنَ المَعاصِي المُتَوَعَّدِ عَلَيْها بِالنّارِ كَما جاءَ في قِصَّةِ مِدْعَمٍ، فَحَذَّرَهم مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في مَعْنى ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٍ ”أنْ يَغُلَّ“ مِن غَلَّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ، لِأنَّ الغُلُولَ مَعْصِيَةٌ، والنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ المَعاصِي، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ في شَيْءٍ مِنها. وهَذا النَّفْيُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِ ذَلِكَ، ولا أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وباقِي السَّبْعَةِ: ”أنْ يُغَلَّ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو مِن غَلَّ. والمَعْنى: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخُونَهُ في الغَنِيمَةِ، فَهي نَهْيٌ لِلنّاسِ عَنِ الغُلُولِ في المَغانِمِ، وخُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ حَرامًا مَعَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أشْنَعُ لِما يَجِبُ مِن تَعْظِيمِهِ وتَوْقِيرِهِ، كالمَعْصِيَةِ بِالمَكانِ الشَّرِيفِ، واليَوْمِ المُعَظَّمِ. وقِيلَ: هو مِن أغَلَّ رُباعِيًّا، والمَعْنى: أنَّهُ يُوجَدُ غالًّا كَما تَقُولُ: أحْمَدَ الرَّجُلُ: وجَدَ مَحْمُودًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن أغَلَّ، أيْ نُسِبَ إلى الغُلُولِ. وقِيلَ لَهُ: غَلَلْتَ كَقَوْلِهِمْ: أكْفَرَ الرَّجُلُ، نُسِبَ إلى الكُفْرِ.

﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: ظاهِرُ هَذا أنَّهُ يَأْتِي بِعَيْنِ ما غَلَّ، ورَدَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ. فَفي الحَدِيثِ ذَكَرَ الغُلُولَ وعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: ما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ» الحَدِيثَ. وكَذَلِكَ ما جاءَ في حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنها شَيْئًا إلّا جاءَ بِهِ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ، إنْ كانَ بَعِيرًا لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةٌ لَها خُوارٌ، أوْ شاةٌ تَيْعِرُ» . ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: «وفَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ» . وفي حَدِيثِ مِدْعَمٍ: «إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غُلَّتْ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا، ومَجِيئُهُ بِما غَلَّ فَضِيحَةٌ لَهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ يَوْمَ القِيامَةِ» . وقالَ الكَلْبِيُّ: يُمَثَّلُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي غَلَّهُ في النّارِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: انْزِلْ فَخُذْهُ، فَيَنْزِلُ فَيَحْمِلُهُ عَلى ظَهْرِهِ، فَإذا بَلَغَ صَوْمَعَتَهُ وقَعَ في النّارِ، ثُمَّ كُلِّفَ أنْ يَنْزِلَ إلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ. وقِيلَ: يَأْتِي حامِلًا إثْمَ ما غَلَّ. وقِيلَ: يُؤْخَذُ مِن حَسَناتِهِ عِوَضَ ما غَلَّ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في تَعْظِيمِ الغُلُولِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ.

﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، لَمّا ذَكَرَ مِن مَسْألَةِ الغُلُولِ، وما يَجْرِي لِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِمَن غَلَّ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ تُوَفّى جَزاءَ ما كَسَبَتْ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ، فَصارَ الغالُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِخُصُوصِهِ، ومَرَّةً بِانْدِراجِهِ في هَذا العامِّ؛ لِيَعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ مِن تَبِعَةِ ما غَلَّ، ومِن تَبِعَةِ ما كَسَبَ مِن غَيْرِ الغُلُولِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском