Abu HayyanAli 'Imran · 3:166–169

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:166–169

3:166–167Page 72

وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦

And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers

وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -

﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾: هو يَوْمُ أُحُدٍ. والجَمْعانِ: جَمْعُ النَّبِيِّ ﷺ وكُفّارُ قُرَيْشٍ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. و”ما“ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: فَبِإذْنِ اللَّهِ، وهو عَلى إضْمارٍ أيْ: فَهو بِإذْنِ اللَّهِ. ودُخُولُ الفاءِ هُنا قالَ الحَوْفِيُّ: ”لَمّا“ في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِطِلْبَتِهِ لِلْفِعْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَخَلَتِ الفاءُ رابِطَةً مُسَدِّدَةً، وذَلِكَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في ”ما“ فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ، وهَذا كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: الَّذِي قامَ فَلَهُ دِرْهَمانِ، فَيَحْسُنُ دُخُولَ الفاءِ إذا كانَ القِيامُ سَبَبَ الإعْطاءِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو أحْسَنُ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ؛ لِأنَّ الحَوْفِيَّ زَعَمَ أنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ. ودُخُولُ الفاءِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ وقَرَّرُوهُ قَلَقٌ هُنا؛ وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا في جَوازِ دُخُولِ الفاءِ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ أنَّ الصِّلَةَ تَكُونُ مُسْتَقِلَّةً، فَلا يُجِيزُونَ: الَّذِي قامَ أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِشِبْهِهِ بِالشَّرْطِ. فَكَما أنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ لا يَكُونُ ماضِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، فَكَذَلِكَ الصِّلَةُ.

والَّذِي أصابَهم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ هو ماضٍ حَقِيقَةً، فَهو إخْبارٌ عَنْ ماضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى. فَعَلى ما قَرَّرُوهُ يُشْكِلُ دُخُولُ الفاءِ هُنا. والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ الصِّلَةِ ماضِيَةً مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِوُرُودِ هَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا ماضٍ مَعْنًى، مَقْطُوعٌ بِوُقُوعِهِ صِلَةً وخَبَرًا، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ: وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم. كَما تَأوَّلُوا: ”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ [يوسف: ٢٦]“ أيْ إنْ تَبَيَّنَ كَوْنُ قَمِيصِهِ قُدَّ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فَإنَّ ظاهِرَ هَذِهِ كُلِّها إخْبارٌ عَنِ الأُمُورِ الماضِيَةِ. ويَكُونُ المَعْنى عَلى التَّبَيُّنِ المُسْتَقْبَلِ.

وفُسِّرَ الإذْنَ هُنا بِالعِلْمِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِهِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ بِتَمْكِينِ اللَّهِ وتَخْلِيَتِهِ بَيْنَ الجَمْعَيْنِ. قالَهُ القَفّالُ. أوْ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أوْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَهو كائِنٌ بِإذْنِ اللَّهِ، اسْتَعارَ الإذْنَ لِتَخْلِيَةِ الكُفّارِ، وأنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِنهم لِيَبْتَلِيَهم؛ لِأنَّ الآذِنَ مُخِلٌّ بَيْنَ المَأْذُونِ لَهُ ومُرادِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ؛ لِأنَّ قَتْلَ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبِيحٌ عِنْدَهُ، فَلا إذَنْ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْسُنُ دُخُولُ الفاءِ إذا كانَ سَبَبُ الإعْطاءِ، وكَذَلِكَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ. فالمَعْنى: إنَّما هو وما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ فَهو الَّذِي أصابَ، لَكِنْ قَدَّمَ الأهَمَّ في نُفُوسِهِمْ والأقْرَبَ إلى حِسِّهِمْ، والإذْنُ: التَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. لَمّا كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ (p-١٠٩)الإصابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى تَمْكِينِ اللَّهِ، مِن ذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وادَّعى تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، ولا تَحْتاجُ الآيَةُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا وجَزاءً فَيَحْتاجُ فِيهِ إلى ذَلِكَ، بَلْ هَذا مِن بابِ الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ ماضٍ، والإخْبارُ صَحِيحٌ. أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِي أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ كانَ لا مَحالَةَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَهَذا إخْبارٌ صَحِيحٌ، ومَعْنًى صَحِيحٌ، فَلا نَتَكَلَّفُ تَقْدِيمًا ولا تَأْخِيرًا، ونَجْعَلُهُ مِن بابِ الشَّرْطِ والجَزاءِ.

* *

﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولِيَعْلَمَ إيمانَ المُؤْمِنِينَ، ويَعْلَمَ نِفاقَ الَّذِينَ نافَقُوا. أوِ المَعْنى: ولِيُمَيِّزَ أعْيانَ المُؤْمِنِينَ مِن أعْيانِ المُنافِقِينَ. وقِيلَ: لِيَكُونَ العِلْمُ مَعَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ مُساوِقًا لِلْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ. وقِيلَ: لِيُظْهِرَ إيمانَ هَؤُلاءِ ونِفاقَ هَؤُلاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالُوا: تَتَعَلَّقُ الآيَةُ بِمَحْذُوفٍ أيْ: ولِكَذا فَعَلَ ذَلِكَ. والَّذِي يَظْهَرُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”بِإذْنِ اللَّهِ“ عَطَفَ السَّبَبِ عَلى السَّبَبِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ الباءِ واللّامِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ مِن قَوْلِهِ: فَهو كائِنٌ. والَّذِينَ نافَقُوا هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ.

﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾: القائِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، أبُو جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، لَمّا انْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في نَحْوِ ثَلاثِمِائَةٍ تَبِعَهم عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيَّكم، وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا، ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: ما أرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ، ولَوْ عَلِمْناهُ لَكُنّا مَعَكم. فَلَمّا يَئِسَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ قالَ: اذْهَبُوا أعْداءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكم، ومَضى حَتّى اسْتُشْهِدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: كَثِّرُوا السَّوادَ وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا فَتَدْفَعُونَ القَوْمَ بِالتَّكْثِيرِ. وقالَ أبُو عَوْنٍ الأنْصارِيُّ مَعْناهُ: رابِطُوا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المُرابِطَ في الثُّغُورِ دافِعٌ لِلْعَدُوِّ؛ إذْ لَوْلاهُ لَطَرَقَها. قالَ أنَسٌ: رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَوْمَ القادِسِيَّةِ وعَلَيْهِ دِرْعٌ يَجُرُّ أطْرافَها، وبِيَدِهِ رايَةٌ سَوْداءُ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَكَ ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنِّي أُكَثِّرُ المُسْلِمِينَ بِنَفْسِي. وقِيلَ: القِتالُ بِالأنْفُسِ، والدَّفْعُ بِالأمْوالِ. وقِيلَ: المَعْنى: أوِ ادْفَعُوا حَمِيَّةً؛ لِأنَّهُ لَمّا دَعاهم أوَّلًا إلى أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وجَدَ عَزائِمَهم مُنْحَلَّةً عَنْ ذَلِكَ، إذْ لا باعِثَ لَهم في ذَلِكَ؛ لِنِفاقِهِمْ، فاسْتَدْعى مِنهم أنْ يَدْفَعُوا عَنِ الحَوْزَةِ، فَنَبَّهَ عَلى ما يُقاتِلُ لِأجْلِهِ: إمّا لِإعْلاءِ الدِّينِ، أوْ لِحِمى الذِّمارِ. ألا تَرى إلى قَوْلِ قُزْمانَ: واللَّهِ ما قاتَلْتُ إلّا عَلى أحْسابِ قَوْمِي، وقَوْلِ الأنْصارِيِّ وقَدْ رَأى قُرَيْشًا تَرْعى زَرْعَ قَناهُ: أتَرْعى زُرُوعَ بَنِي قِيلَةَ ولَمّا تَضارَبُ، مَعَ أنَّهُ أمَرَ أنْ لا يُقاتِلَ أحَدٌ حَتّى يَأْمُرَهُ.

و”أوْ“ عَلى بابِها مِن أنَّها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ، فَطَلَبَ مِنهُمُ الشَّيْئَيْنِ: القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والدَّفْعَ عَنِ الحَرِيمِ والأهْلِ والمالِ. فَكُفّارُ قُرَيْشٍ لا تُفَرِّقُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ في القَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وقِيلَ لَهم: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. قَسَّمَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ، أوْ يَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ. حَكى اللَّهُ عَنْهم ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِمْ في هَذا السُّؤالِ والجَوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وقِيلَ لَهم مَعْطُوفٌ عَلى نافَقُوا، فَيَكُونُ مِنَ الصِّلَةِ.

﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾: إنَّما لَمْ تَرِدْ بِالفاءِ لِأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ اقْتَضاهُ دُعاؤُهم إلى القِتالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا ؟ فَقِيلَ: قالُوا لَوْ نَعْلَمُ، ونَعْلَمُ هُنا في مَعْنى عَلِمْنا؛ لِأنَّ لَوْ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي تُخْلِصُ المُضارِعَ لِمَعْنى الماضِي إذا كانَتْ حَرْفًا لَما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَإذا كانَتْ بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ تُخْلِصُ المُضارِعَ لِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ. ومَضْمُونُ هَذا الجَوابِ أنَّهم عَلَّقُوا الِاتِّباعَ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ عِلْمِ القِتالِ، وعِلْمُهم لِلْقِتالِ مُنْتَفٍ، فانْتَفى الِاتِّباعُ، وإخْبارُهم بِانْتِفاءِ عِلْمِ القِتالِ مِنهم إمّا عَلى سَبِيلِ المُكابَرَةِ والمُكاذَبَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أنَّهُ إذا خَرَجَ عَسْكَرانِ وتَلاقَيا وقَدْ قَصَدَ أحَدُهُما الآخَرَ مِن شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ في عَدَدٍ كَثِيرٍ وعُدَدٍ، وخَرَجَ إلَيْهِمُ العَسْكَرُ الآخَرُ مِن (p-١١٠)بَلَدِهِمْ لِلِقائِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا بَلَدَهم واثِقِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ مُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنْ كانُوا أقَلَّ مِن أُولَئِكَ - أنَّهُ سَيَنْشُبُ بَيْنَهم قِتالٌ لا مَحالَةَ، فَأنْكَرُوا عِلْمَ ذَلِكَ رَأْسًا؛ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ والدَّغَلِ والفَرَحِ بِالِاسْتِيلاءِ عَلى المُؤْمِنِينَ. وإمّا عَلى سَبِيلِ التَّخْطِئَةِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ ذَلِكَ قِتالٌ في سَبِيلِ اللَّهِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو رَمْيُ النُّفُوسِ في التَّهْلُكَةِ؛ إذْ لا مُقاوَمَةَ لَهم بِحَرْبِ الكُفّارِ لِكَثْرَتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كانَ في الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ وجَعْلِها ظَهْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وما كانَ يَسْتَصْوِبُ الخُرُوجَ كَما مَرَّ ذِكْرُهُ في قِصَّةِ أُحُدٍ.

﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ﴾: وجْهُ الأقْرَبِيَّةِ الَّتِي هي الزِّيادَةُ في القُرْبِ أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ، ولَمْ تَكُنْ تَظْهَرُ لَهم أمارَةٌ تَدُلُّ عَلى الكُفْرِ، فَلَمّا انْخَذَلُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ وقالُوا ما قالُوا زادُوا قُرْبًا لِلْكُفْرِ، وتَباعَدُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ؛ لِأنَّ تَقْلِيلَهم سَوادَ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِذالِ تَقْوِيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ.

وأقْرَبُ هُنا أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهي مِنَ القُرْبِ المُقابِلِ لِلْبُعْدِ. ويُعَدّى بِإلى وبِاللّامِ وبِمِن، فَيُقالُ: زَيْدٌ أقْرَبُ لِكَذا، وإلى كَذا، ومِن كَذا مِن عَمْرٍو. فَمِنِ الأُولى لَيْسَتِ الَّتِي يَتَعَدّى بِها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مُطْلَقًا في نَحْوِ: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وحَرْفا الجَرِّ هُنا يَتَعَلَّقانِ بِأقْرَبَ، وهَذا مِن خَواصِّ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفا جَرٍّ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ولَيْسَ أحَدُهُما مَعْطُوفًا عَلى الآخَرِ، ولا بَدَلًا مِنهُ، بِخِلافِ سائِرِ العَوامِلِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفا جَرٍّ مِن جِنْسٍ واحِدٍ إلّا بِالعَطْفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ. فَتَقُولُ: زَيْدٌ بِالنَّحْوِ أبْصَرُ مِنهُ بِالفِقْهِ.

والعامِلُ في ”يَوْمَئِذٍ“: ”أقْرَبُ“ . و”مِنهم“ مُتَعَلِّقٌ بِأقْرَبَ أيْضًا، والجُمْلَةُ المُعَوَّضُ مِنها التَّنْوِينُ هي السّابِقَةُ، أيْ: هم قَوْمٌ إذْ قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما حَكى النَّقّاشُ: إلى أنَّ أقْرَبَ لَيْسَ هو هُنا المُقابِلُ لِلْأبْعَدِ، وإنَّما هو مِنَ القَرَبِ بِفَتْحِ القافِ والرّاءِ وهو المَطْلَبُ، والقارِبُ طالِبُ الماءِ، ولَيْلَةُ القَرَبِ لَيْلَةُ الوِدادِ، فاللَّفْظَةُ بِمَعْنى الطَّلَبِ. ويَتَعَيَّنُ عَلى هَذا القَوْلِ التَّعْدِيَةُ بِاللّامِ، ولا يَجُوزُ أنْ تُعَدّى بِإلى ولا بِمِنِ الَّتِي لا تَصْحَبُ كُلَّ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وصارَ نَظِيرَ: زَيْدٌ أقْرَبُ لِعَمْرٍو مِن بَكْرٍ. وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَضَمَّنَتِ النَّصَّ عَلى كُفْرِهِمْ. قالَ الحَسَنُ: إذا قالَ اللَّهُ: أقْرَبُ، فَهو اليَقِينُ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ. كَقَوْلِهِ: ”﴿مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]“، فالزِّيادَةُ لا شَكَّ فِيها، والمُكَلَّفُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الكُفْرِ أوِ الإيمانِ. فَلَمّا دَلَّتْ عَلى الأقْرَبِيَّةِ مِنَ الكُفْرِ لَزِمَ حُصُولُ الكُفْرِ.

وقالَ الواحِدِيُّ في الوَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أتى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَكْفُرْ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِقِ القَوْلَ عَلَيْهِمْ بِتَكْفِيرِهِمْ، مَعَ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ مَعَ إظْهارِهِمْ لِقَوْلِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: أقْرَبُ أيْ ألْزَمُ عَلى الكُفْرِ، وأقْبَلَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الكُفْرِ مِنهم حَقِيقَةً، لا عَلى القُرْبِ إلَيْهِ قَبْلَ الوُقُوعِ والوُجُودِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] أيْ هي لَهم لا عَلى القُرْبِ قَبْلَ الوُجُودِ، لَكِنَّهم لَمّا كانُوا أهْلَ نِفاقٍ والكُفْرُ لَمْ يُفارِقْ قُلُوبَهم، وما كانَ مِن إيمانِهِمْ كانَ بِظاهِرِ اللِّسانِ قَدْ يُفارِقُها في أكْثَرِ أوْقاتِهِمْ، وُصِفُوا بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى القُرْبِ مِن حَيْثُ كانُوا شاكِّينَ في الأمْرِ، والشّاكُّ في أمْرِ الكُفْرِ والإيمانِ تارِكٌ لِلْإيمانِ، فَهو أقْرَبُ إلى الكُفْرِ. أوْ مِن حَيْثُ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ”﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]“، ولِلْكافِرِينَ: ”﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]“ أوْ مِن حَيْثُ ما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ كَذِبٌ، والكُفْرُ نَفْسُهُ كَذِبٌ. فَما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ فَهو كَذِبٌ إلى الكَذِبِ الَّذِي هم أقْرَبُ إلَيْهِ وهو الكُفْرُ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّهم أحَقُّ بِهِ أنْ يَعْرِفُوا. كَما جَعَلَ اللَّهُ لَهم أعْلامًا يُعْرَفُونَ بِها، أوْ مِن حَيْثُ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ولا يَعْرِفُونَهُ، بَلْ هم عِبادُ الأصْنامِ لِاتِّخاذِهِمْ لَها أرْبابًا، أوْ لِتَقَرُّبِهِمْ بِها إلى اللَّهِ، فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ فَزِعُوا إلى اللَّهِ، والمُؤْمِنُونَ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ.

﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾: أيْ يُظْهِرُونَ مِنَ الإسْلامِ ما يَحْقِنُونَ بِهِ دِماءَهم، ويَحْفَظُونَ أهْلِيهِمْ (p-١١١)مِنَ السَّبْيِ، وأمْوالَهم مِنَ النَّهْبِ. ولَيْسَ ما يُظْهِرُونَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمائِرُهم، بَلْ هو لا يَتَجاوَزُ أفْواهَهم ومَخارِجَ الحُرُوفِ مِنها، ولَمْ تَعِ قُلُوبُهم مِنهُ شَيْئًا. وذِكْرُ الأفْواهِ مَعَ القُلُوبِ تَصْوِيرٌ لِنِفاقِهِمْ، وأنَّ إيمانَهم مَوْجُودٌ في أفْواهِهِمْ، مَعْدُومٌ في قُلُوبِهِمْ، بِخِلافِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ في مُواطَأةِ عَقْدِ قُلُوبِهِمْ لِلَفْظِ ألْسِنَتِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِأفْواهِهِمْ تَوْكِيدٌ مِثْلُ: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ تَوْكِيدٌ؛ إذِ القَوْلُ يَنْطَلِقُ عَلى اللِّسانِيِّ والنَّفْسانِيِّ، فَهو مُخَصَّصٌ لِأحَدِ الِانْطِلاقَيْنِ، إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ إطْلاقَهُ عَلى النَّفْسانِيِّ مَجازٌ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ تَوْكِيدًا لِحَقِيقَةِ القَوْلِ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾: أيْ مِنَ الكُفْرِ وعَداوَةِ الدِّينِ. وقالَ: ”أعْلَمُ“؛ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِهِمْ عِلْمُ إحاطَةٍ بِتَفاصِيلِ ما يَكْتُمُونَهُ وكَيْفِيّاتِهِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ بَعْضَ ذَلِكَ عِلْمًا مُجْمَلًا. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ التَّوَعُّدَ الشَّدِيدَ لَهم؛ إذِ المَعْنى: تَرَتُّبُ الجَزاءِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِما يَكْتُمُونَ.

3:168Page 72

ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ”﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]“ الآيَةَ. وفُسِّرَ الإخْوانُ هُنا بِما فُسِّرَ بِهِ هُناكَ. وتَحْتَمِلُ لامُ الجَرِّ ما احْتَمَلَتْهُ في تِلْكَ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ الَّذِينَ وُجُوهًا: الرَّفْعُ عَلى النَّعْتِ لِلَّذِينِ نافَقُوا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ في يَكْتُمُونَ، والنَّصْبُ عَلى الذَّمِّ أيْ: أذُمُّ الَّذِينَ، والجَرُّ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في بِأفْواهِهِمْ أوْ في قُلُوبِهِمْ.

والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”وقَعَدُوا“ حالِيَّةٌ أيْ: وقَدْ قَعَدُوا. ووُقُوعُ الماضِي حالًا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَصْحُوبًا بِقَدْ، أوْ بِالواوِ، أوْ بِهِما، أوْ دُونِهِما - ثابِتٌ مِن لِسانِ العَرَبِ بِالسَّماعِ. ومُتَعَلِّقُ الطّاعَةِ هو تَرْكُ الخُرُوجِ. والقُعُودُ كَما قَعَدُوا هم، وهَذا مِنهم قَوْلٌ بِالأجَلَيْنِ أيْ: لَوْ وافَقُونا في التَّخَلُّفِ والقُعُودِ ما قُتِلُوا، كَما لَمْ نُقْتَلْ نَحْنُ. وقَرَأ الحَسَنُ: ما قُتِلُوا بِالتَّشْدِيدِ.

﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في دَعْواهم ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: القَتْلُ ضَرْبٌ مِنَ المَوْتِ، فَإنْ كانَ لَكم سَبِيلٌ إلى دَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِكم بِفِعْلٍ اخْتِيارِيٍّ فادْفَعُوا عَنْها المَوْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّكم مُبْطِلُونَ في دَعْواكم. والدَّرْءُ: الدَّفْعُ، وتَقَدَّمَتْ مادَّتُهُ في قَوْلِهِ: ”فادّارَأْتُمْ فِيها“ وقالَ دَغْفَلٌ النَّسّابَةُ:

؎صادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ دَرْأً يَدْفَعُهُ والعِبْءُ لا تَعْرِفُهُ أوْ تَرْفَعُهُ

والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكم أنَّ التَّحَيُّلَ والتَّحَرُّزَ يُنْجِي مِنَ المَوْتِ، فَجِدُّوا أنْتُمْ في دَفْعِهِ، ولَنْ تَجِدُوا إلى ذَلِكَ سَبِيلًا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِكم بَعْضُ أسْبابِ المَنُونِ. وهَبْ أنَّكم عَلى زَعْمِكم دَفَعْتُمْ بِالقُعُودِ هَذا السَّبَبَ الخاصَّ، فادْفَعُوا سائِرَ أسْبابِ المَوْتِ، وهَذا لا يُمْكِنُ لَكم ألْبَتَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَقَدْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّهم دَفَعُوا القَتْلَ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالقُعُودِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ (قُلْتَ): مَعْناهُ أنَّ النَّجاةَ مِنَ القَتْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها القُعُودَ عَنِ القِتالِ، وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ أسْبابَ النَّجاةِ كَثِيرَةٌ. وقَدْ يَكُونُ قِتالُ الرَّجُلِ نَجاتَهُ، ولَوْ لَمْ يُقاتِلْ لَقُتِلَ، فَما يُدْرِيكم أنَّ سَبَبَ نَجاتِكُمُ القُعُودُ، وأنَّكم صادِقُونَ في مُقاتَلَتِكم وما أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ غَيْرَهُ ؟ ووَجْهٌ آخَرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم: لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا ما قُتِلُوا، يَعْنِي: أنَّهم لَوْ أطاعُوكم وقَعَدُوا لَقُتِلُوا قاعِدِينَ، كَما قُتِلُوا مُقاتِلِينَ. وقَوْلُهُ: فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا دَفّاعِينَ لِأسْبابِ المَوْتِ فادْرَءُوا جَمِيعَ أسْبابِهِ حَتّى لا تَمُوتُوا. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ عَلى طُولِهِ.

3:169Page 72

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩

And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (p-١١٢)قِيلَ: هم قَتْلى أُحُدٍ، وقِيلَ: شُهَداءُ بِئْرِ مَعُونَةَ. وقِيلَ: شُهَداءُ بَدْرٍ. وهَلْ سَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ وقَدْ دَخَلَ الجَنَّةَ فَأكَلَ مِن ثِمارِها: مَن يُبَلِّغُ عَنّا إخْوانَنا أنّا في الجَنَّةِ نُرْزَقُ، لا تَزْهَدُوا في الجِهادِ. فَقالَ اللَّهُ: أنّا أُبَلِّغُ عَنْكم، فَنَزَلَتْ. أوْ قَوْلُ مَن لَمْ يَسْتَشْهِدْ مِن أوْلِياءِ الشُّهَداءِ: إذا أصابَتْهم نِعْمَةٌ نَحْنُ في النِّعْمَةِ والسُّرُورِ، وآباؤُنا وأبْناؤُنا وإخْوانُنا في القُبُورِ، فَنَزَلَتْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، أيْ ولا تَحْسَبَنَّ أيُّها السّامِعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وهِشامٌ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالياءِ، أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ هو، أيْ: حاسِبٌ واحِدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرى هَذِهِ القِراءَةَ بِضَمِّ الياءِ، فالمَعْنى: ولا يُحْسَبَنَّ النّاسُ. انْتَهى.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قُتِلُوا فاعِلًا، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أمْواتًا، أيْ: لا تَحْسَبَّنَ الَّذِينَ قَتَلُوا أنْفُسَهم أمْواتًا. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ حَذْفُ المَفْعُولِ الأوَّلِ ؟ (قُلْتُ): هو في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ المُبْتَدَأُ في قَوْلِهِ: أحْياءٌ. والمَعْنى: هم أحْياءٌ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أمْواتًا، لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ، وهو مَحْصُورٌ في أماكِنَ لا تَتَعَدّى، وهي: بابُ رُبَّ بِلا خِلافٍ، نَحْوَ: رُبَّهُ رَجُلًا أكْرَمْتُهُ. وبابُ نِعْمَ وبِئْسَ في نَحْوِ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وبابُ التَّنازُعِ، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، في نَحْوِ: ضَرَبانِي وضَرَبْتُ الزَّيْدَيْنِ، وضَمِيرِ الأمْرِ والشَّأْنِ وهو المُسَمّى بِالمَجْهُولِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ نَحْوَ: هو زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. وبابُ البَدَلِ عَلى خِلافٍ فِيهِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ في نَحْوِ: مَرَرْتُ بِهِ زَيْدٌ، وزادَ بَعْضُ أصْحابِنا أنْ يَكُونَ الظّاهِرُ المُفَسَّرُ خَبَرًا لِلضَّمِيرِ، وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] التَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: ما الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الأماكِنِ المَذْكُورَةِ. وأمّا سُؤالُهُ وجَوابُهُ فَإنَّهُ قَدْ يَتَمَشّى عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ في أنَّهُ: يَجُوزُ حَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها اخْتِصارًا، وحَذْفُ الِاخْتِصارِ هو لِفَهْمِ المَعْنى، لَكِنَّهُ عِنْدَهم قَلِيلٌ جِدًّا. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَذْفُهُ عَزِيزٌ جِدًّا، كَما أنَّ حَذْفَ خَبَرِ كانَ كَذَلِكَ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا القُبْحِ. انْتَهى قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ. وقَدْ ذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ إبْراهِيمُ بْنُ مَلْكُونَ الحَضْرَمِيُّ الإشْبِيلِيُّ إلى مَنعِ ذَلِكَ اقْتِصارًا، والحُجَّةُ لَهُ وعَلَيْهِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وما كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ مَمْنُوعًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَزِيزًا حَذْفُهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، يَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. فَتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ الفاعِلَ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ المَعْنى، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ هو، أيْ أحَدٌ، أوْ حاسِبٌ أوْلى. وتَتَّفِقُ القِراءَتانِ في كَوْنِ الفاعِلِ ضَمِيرًا، وإنِ اخْتَلَفَتْ بِالخِطابِ والغَيْبَةِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى مَوْتِ الشُّهَداءِ (p-١١٣)وحَياتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عامِرٍ ”قُتِّلُوا“ بِالتَّشْدِيدِ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”قاتَلُوا“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”قُتِلُوا“ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بَلْ أحْياءٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بَلْ هم أحْياءٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أحْياءً بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى مَعْنى بَلْ احْسَبْهم أحْياءً. انْتَهى. وتَبِعَ في إضْمارِ هَذا الفِعْلِ الزَّجّاجَ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى: بَلْ احْسَبْهم أحْياءً. ورَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في الإغْفالِ وقالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ بِمَحْسَبَةٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُضْمَرَ لَهُ إلّا فِعْلُ المَحْسَبَةِ. فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ أنْ يُضْمِرَ فِعْلًا غَيْرَ المَحْسَبَةِ اعْتَقِدْهم أوِ اجْعَلْهم، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ إذْ لا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى ما يُضْمَرُ. انْتَهى كَلامُ أبِي عَلِيٍّ. وقَوْلُهُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ بِمَحْسَبَةٍ مَعْناهُ: أنَّ المُتَيَقَّنَ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَحْسَبَةِ، لِأنَّها لا تَكُونُ لِلْيَقِينِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هو الأكْثَرُ، وقَدْ يَقَعُ حَسِبَ لِلْيَقِينِ كَما تَقَعُ ظَنَّ، لَكِنَّهُ في ظَنَّ كَثِيرٌ، وفي حَسِبَ قَلِيلٌ. ومِن ذَلِكَ في حَسِبَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎حَسِبْتُ التُّقى والحَمْدَ خَيْرَ تِجارَةٍ رَباحًا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلا

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎شَهِدْتُ وفاتُونِي وكُنْتُ حَسِبْتِنِي ∗∗∗ فَقِيرًا إلى أنْ يَشْهَدُوا وتَغِيبِي

فَلَوْ قُدِّرَ بَعْدَ: بَلْ احْسَبْهم بِمَعْنى اعْلَمْهم، لَصَحَّ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، لا لِدَلالَةِ لَفْظِ ”ولا تَحْسَبَنَّ“، لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيْهِما. وإذا اخْتَلَفَ المَدْلُولُ فَلا يَدُلُّ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ. وقَوْلُهُ: ولا يَصِحُّ أنْ يُضْمَرَ لَهُ إلّا فِعْلُ المَحْسَبَةِ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ، لِأنَّهُ إذا امْتَنَعَ مِن حَيْثُ المَعْنى إضْمارُهُ أضْمَرَ غَيْرَهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ لا اللَّفْظِ. وقَوْلُهُ: أوِ اجْعَلْهم، هَذا لا يَصِحُّ ألْبَتَّةَ، سَواءٌ كانَتْ اجْعَلْهم بِمَعْنى اخْلَقْهم، أوْ صَيِّرْهم، أوْ سَمِّهِمْ، أوْ ألْقِهِمْ. وقَوْلُهُ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ أيِ النَّصْبُ، وقَوْلُهُ: إذْ لا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى ما يُضْمَرُ. إنْ عَنى مِن حَيْثُ اللَّفْظِ فَصَحِيحٌ، وإنْ عَنى مِن حَيْثُ المَعْنى فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ، بَلِ المَعْنى يُسَوِّغُ النَّصْبَ عَلى مَعْنى أعْتَقِدُهم، وهَذا عَلى تَسْلِيمِ أنَّ حَسِبَ لا يُذْهَبُ بِها مَذْهَبَ العِلْمِ.

ومَعْنى عِنْدَ رَبِّهِمْ: بِالمَكانَةِ والزُّلْفى، لا بِالمَكانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيهِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَ كَرامَةِ رَبِّهِمْ؛ لِأنَّ عِنْدَ تَقْتَضِي غايَةَ القُرْبِ؛ ولِذَلِكَ يَصْغُرُ. قالَهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ عِنْدَ رَبِّهِمْ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وصِفَةً، وحالًا. وكَذَلِكَ يُرْزَقُونَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثالِثًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً ثانِيَةً. وقَدَّمَ صِفَةَ الظَّرْفِ عَلى صِفَةِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ الأفْصَحَ هَذا وهو: أنْ يُقَدِّمَ الظَّرْفَ أوِ المَجْرُورَ عَلى الجُمْلَةِ إذا كانا وصْفَيْنِ؛ ولِأنَّ المَعْنى في الوَصْفِ بِالزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ والقُرْبِ مِنهُ أشْرَفُ مِنَ الوَصْفِ بِالرِّزْقِ. وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ، ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ في الحَقِيقَةِ هو العامِلُ في الظَّرْفِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ تَعالى عَنِ الشُّهَداءِ أنَّهم في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ، هَذا مَوْضِعُ الفائِدَةِ. ولا مَحالَةَ أنَّهم ماتُوا، وأنَّ أجْسادَهم في التُّرابِ، وأرْواحَهم حَيَّةٌ كَأرْواحِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ. وفُضِّلُوا بِالرِّزْقِ في الجَنَّةِ مِن وقْتِ القَتْلِ، حَتّى كَأنَّ حَياةَ الدُّنْيا دائِمَةٌ لَهم. فَقَوْلُهُ: ”بَلْ أحْياءٌ“ مُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ: ”يُرْزَقُونَ“؛ إذْ لا يُرْزَقُ إلّا حَيٌّ. وهَذا كَما يَقُولُ لِمَن ذَمَّ رَجُلًا: بَلْ هو رَجُلٌ فاضِلٌ، فَتَجِيءُ بِاسْمِ الجِنْسِ الَّذِي تَرَكَّبَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِالفَضْلِ. انْتَهى ما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ لَفْظَةَ أحْياءٍ جِيءَ بِها مُجْتَلَبَةً لِذِكْرِ الرِّزْقِ، لِكَوْنِ الحَياةِ مُشْتَرِكًا فِيها الشَّهِيدُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الإخْبارُ بِحَياةِ الشُّهَداءِ مُتَقَدِّمًا عَلى الإخْبارِ بِأنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ حَيَّةٌ، فاسْتُفِيدَ أوَّلًا حَياةُ أرْواحِ الشُّهَداءِ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ الإخْبارِ بِحَياةِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ. وأيْضًا فَفي ذِكْرِهِ النَّصُّ عَلى نَقِيضِ ما حَسِبُوهُ وهو كَوْنُ الشُّهَداءِ أمْواتًا. والبُعْدُ (p-١١٤)عَنْ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: يُرْزَقُونَ، ما يَحْتَمِلُهُ المُضارِعُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، فَإذا سَبَقَهُ ما يَدُلُّ عَلى الِالتِباسِ بِالوَصْفِ حالَةَ الإخْبارِ كانَ حُكْمُ ما بَعْدَهُ حُكْمُهُ، إذِ الأصْلُ في الإخْبارِ أنْ يَكُونَ مَن أُسْنِدَتْ إلَيْهِ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ في الحالِ، إلّا إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلى مُضِيٍّ أوِ اسْتِقْبالٍ مِن لَفْظٍ أوْ مَعْنًى، فَيُصارُ إلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском