Abu HayyanAli 'Imran · 3:179–184

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:179–184

3:179Page 73

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩

Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: الخِطابُ في ”أنْتُمْ“ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنِ اخْتِلاطِكم بِالمُنافِقِينَ وإشْكالِ أمْرِهِمْ وإجْراءِ المُنافِقِ مَجْرى المُؤْمِنِ، ولَكِنَّهُ مَيَّزَ بَعْضًا مِن بَعْضٍ بِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أيُّها الكُفّارُ مِنِ اخْتِلاطِكم بِالمُؤْمِنِينَ. قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: قالَ الكُفّارُ في بَعْضِ جَدَلِهِمْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ في الرَّجُلِ مِنّا أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّهُ إذا اتَّبَعَكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا ؟ ولَكِنْ أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ مِنّا، وبِمَن يَبْقى عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتْ. فَقِيلَ لَهم: لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ بَدَّلَ الكافِرِينَ بِالمُنافِقِينَ، فَقالَ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَنِ الخِطابُ في أنْتُمْ ؟ (قُلْتُ): لِلْمُصَدِّقِينَ جَمِيعًا مِن أهْلِ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ مِنكم عَلى الحالِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنِ اخْتِلاطِ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، وأنَّهُ لا يُعْرَفُ مُخْلِصُكم مِن مُنافِقِكم، لِاتِّفاقِكم عَلى التَّصْدِيقِ جَمِيعًا حَتّى يُمَيِّزَهم مِنكم بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بِإخْبارِهِ بِأحْوالِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ، بِأنْ يُكَلِّفَكُمُ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا الخُلَّصُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم، كَبَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ، وإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ عِيارًا عَلى عَقائِدِكم، وشاهِدًا بِضَمائِرِكم، حَتّى يَعْلَمَ بَعْضُكم ما في قَلْبِ بَعْضٍ مِن طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، لا مِن جِهَةِ الوُقُوفِ عَلى ذاتِ الصُّدُورِ والِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ. انْتَهى. ومَعْنى هَذا القَوْلِ لِابْنِ كَيْسانَ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى ما يَذَرُكم عَلى الإقْرارِ حَتّى يَخْتَبِرَكم بِالشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، فَأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والقَوْلَ الَّذِي قَبْلَهُ ونَمَّقَهُما بِبَلاغَتِهِ وحُسْنِ خَطابَتِهِ.

وقِيلَ: المَعْنى ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ أوْلادَكُمُ الَّذِينَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ حَتّى يُفَرِّقَ بَيْنَكم وبَيْنَهم. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِءُونُ بِالمُؤْمِنِينَ سِرًّا، فَقالَ: لا يَدَعُكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِمْ والِاسْتِهْزاءِ، ولَكِنْ يَمْتَحِنُكم لِتَفْتَضِحُوا ويَظْهَرَ نِفاقُكم عِنْدَهم، لا في دارٍ واحِدَةٍ، ولَكِنْ يَجْعَلُ لَهم دارًا أُخْرى يُمَيِّزُ فِيها الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَيَجْعَلُ الخَبِيثَ في النّارِ، والطَّيِّبَ في الجَنَّةِ. والخَبِيثُ الكافِرُ، والطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، وتَمْيِيزُهُ بِالهِجْرَةِ والجِهادِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، والخَبِيثُ المُنافِقُ، (p-١٢٦)مَيَّزَ بَيْنَهُما يَوْمَ أُحُدٍ. وقِيلَ: الخَبِيثُ الكافِرُ، والطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، وتَمْيِيزُهُ بِإخْراجِ أحَدِهِما مِن صَلْبِ الآخَرِ. وقِيلَ: تَمْيِيزُ الخَبِيثِ هو إخْراجُ الذُّنُوبِ مِن أحْياءِ المُؤْمِنِينَ بِالبَلايا والرَّزايا. وقِيلَ: الخَبِيثُ العاصِي، والطَّيِّبُ المُطِيعُ، والألِفُ واللّامُ في الخَبِيثِ والطَّيِّبِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ؛ إذْ كانَ المَعْهُودُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّ الخَبِيثَ هو الكافِرُ والطَّيِّبَ هو المُؤْمِنُ كَما قالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] الآيَةَ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: لِيَذَرَ هي المُسَمّاةُ لامُ الجُحُودِ، وهي عِنْدَ الكُوفِيِّينَ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وتَعْمَلُ بِنَفْسِها النَّصْبَ في المُضارِعِ. وخَبَرُ كانَ هو الفِعْلُ بَعْدَها فَتَقُولُ: ما كانَ زَيْدٌ يَقُومُ، وما كانَ زَيْدٌ لِيَقُومَ، إذا أكَّدْتَ النَّفْيَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ خَبَرَ كانَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ النَّصْبَ بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ بِأنْ مُضْمَرَةٍ واجِبَةِ الإضْمارِ، وأنَّ اللّامَ مُقَوِّيَةٌ لِطَلَبِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ لِما بَعْدَها، وأنَّ التَّقْدِيرَ: ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًا لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، أيْ: ما كانَ مُرِيدًا لِتَرْكِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّكْمِيلِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وحَتّى لِلْغايَةِ المُجَرَّدَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلى أنْ يُمَيِّزَها. كَذا قالُوا، وهو مُشْكِلٌ عَلى أنْ تَكُونَ غايَةً عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: لا يَتْرُكُهم مُخْتَلِطِينَ إلى أنْ يُمَيِّزَ، فَيَكُونُ قَدْ غَيّا نَفْيَ التَّرْكِ إلى وُجُودِ التَّمْيِيزِ، فَإذا وُجِدَ التَّمْيِيزُ تَرَكَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاخْتِلاطِ، وصارَ نَظِيرَ ما أضْرِبُ زَيْدًا إلى أنْ يَجِيءَ عَمْرٌو، فَمَفْهُومُهُ: إذا جاءَ عَمْرٌو ضَرَبْتُ زَيْدًا، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى، وإنَّما هي غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ المَعْنى الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَكُونَ غايَةً لَهُ. ومَعْنى ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يُخَلِّصُ ما بَيْنَكم بِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، إلى أنْ يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ. وقَرَأ الأخَوانِ: ”يُمَيِّزَ“ مِن مَيَّزَ، وباقِي السَّبْعَةِ ”يَمِيزَ“ مِن مازَ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرِ: ”يُمَيِّزُ“ مِن أمازَ، والهَمْزَةُ لَيْسَتْ لِلنَّقْلِ، كَما أنَّ التَّضْعِيفَ لَيْسَ لِلنَّقْلِ، بَلْ أفْعَلَ وفَعِلَ بِمَعْنى الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ كَحَزِنَ وأحْزَنَ، وقَدَرَ اللَّهُ وقَدَّرَ.

﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾: لَمّا قَدَّمَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ ولَيْسَ لَهم تَمْيِيزُ ذَلِكَ، أخْبَرَ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ أحَدًا مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى الغَيْبِ.

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي﴾: أيْ: يَخْتارُ ويَصْطَفِي.

﴿مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾: فَيُطْلِعَهُ عَلى ما شاءَ مِنَ المُغَيَّباتِ. فَوُقُوعُ لَكِنَّ هُنا لِكَوْنِ ما بَعْدَها ضِدًّا لِما قَبْلَها في المَعْنى. إذْ تَضَمَّنَ اجْتِباءَ مَن شاءَ مِن رُسُلِهِ إطْلاعَهُ إيّاهُ عَلى ما أرادَ تَعالى مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَإطْلاعُ الرَّسُولِ عَلى الغَيْبِ هو بِإطْلاعِ اللَّهِ تَعالى بِوَحْيٍ إلَيْهِ، فَيُخْبِرُ بِأنَّ في الغَيْبِ كَذا مِن نِفاقِ هَذا وإخْلاصِ هَذا، فَهو عالِمٌ بِذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، لا مِن جِهَةِ إطْلاعِهِ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ وحْيٍ عَلى المُغَيَّباتِ. قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ فِيمَن يُؤْمِنُ، ومَن يَبْقى كافِرًا، ولَكِنَّ هَذا رَسُولٌ مُجْتَبًى. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: هي في أمْرِ أحَدٍ أيْ: لِيُطْلِعَكم عَلى أنَّكم تُهْزَمُونَ، أوْ تَكُفُّونَ عَنِ القِتالِ. وقِيلَ: لِيُطْلِعَكم عَلى المُنافِقِينَ تَصْرِيحًا بِهِمْ، وتَسْمِيَةً بِأعْيانِهِمْ، ولَكِنْ بِقَرائِنِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ. والغَيْبُ هُنا ما غابَ عَنِ البَشَرِ مِمّا هو في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ، ومِنَ الأسْرارِ الَّتِي في قُلُوبِ المُنافِقِينَ، ومِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُونَها إذا غابُوا عَنِ النّاسِ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ قالَ: لِمَ لا يَكُونُ جَمِيعُنا أنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا: لِمَ لَمْ يُوحَ إلَيْنا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ؟ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا، فَهَلّا كانَ الوَحْيُ إلَيْنا، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتِ الشَّياطِينُ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَرْقُونَ السَّمْعَ، فَيَأْتُونَ بِأخْبارِها إلى الكَهَنَةِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَها اللَّهُ بَعْدَ بِعْثَتِهِ. ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن يَشاءُ فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا فَيُوحِي إلَيْهِ، أيْ: لَيْسَ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ لِغَيْرِ الأنْبِياءِ. وظاهِرُ الآيَةِ هو ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، أخْبَرَ أنَّكم لا تُدْرِكُونَ أنْتُمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِعْكم عَلى ما (p-١٢٧)أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَخْتارُ مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَيُطْلِعُهُ عَلى ذَلِكَ، فَتُطْلَعُونَ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ بِإخْبارِهِ لَكم عَنْ ذَلِكَ بِوَحْيِ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: حُكِمَ بِأنَّهُ يَظْهَرُ هَذا التَّمْيِيزُ. ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ هَذا التَّمْيِيزُ في عَوامِّ النّاسِ بِأنْ يُطْلِعَهم عَلى غَيْبَهِ فَيَقُولُونَ: إنَّ فُلانًا مُنافِقٌ، وفُلانًا مُؤْمِنٌ. بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ بِأنْ لا يُطْلِعَ عَوامَّ النّاسِ، ولا سَبِيلَ لَهم إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلّا بِالِامْتِحانِ. فَأمّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ فَهو مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ”﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾“، فَيَخُصُّهم بِإعْلامِ أنَّ هَذا مُؤْمِنٌ وهَذا مُنافِقٌ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها والتَّفاسِيرُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ هَذا الغَيْبَ الَّذِي نَفى اللَّهُ إطْلاعَ النّاسِ عَلَيْهِ راجِعٌ إلى أحْوالِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ. أيْ: ما كانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَكم كُلَّكم عالِمِينَ بِالمُغَيَّباتِ مِن حَيْثُ يَعْلَمُ الرَّسُولُ حَتّى تَصِيرُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْهُ، بَلِ اللَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِذَلِكَ وهو الرَّسُولُ، فَتَنْدَرِجُ أحْوالُ المُنافِقِ والمُؤْمِنِ في هَذا العامِّ.

﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يَخْتارُ مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَيُطْلِعُهُ عَلى المُغَيَّباتِ، أمَرَ بِالتَّصْدِيقِ بِالمُجْتَبى، والمُجْتَبى ومَن يَشاءُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، إذْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ بِإطْلاعِ اللَّهِ إيّاهُ عَلى المُغَيَّباتِ، وإخْبارِهِ لَكم بِها في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ. وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ”ورُسُلِهِ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَ إثْباتِ نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ، وهو ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلى أيْدِيهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾“، بِأنْ تُقَدِّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وتُعْلِمُونَهُ وحْدَهُ مُطَّلِعًا عَلى الغُيُوبِ، وأنْ يُنْزِلُوهم مَنازِلَهم بِأنْ تَعْلَمُوهم عِبادًا مُجْتَبِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، ولا يُخْبِرُونَ إلّا بِما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الغُيُوبِ، ولَيْسُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ في شَيْءٍ. انْتَهى.

﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: رَتَّبَ حُصُولَ الأجْرِ العَظِيمِ عَلى الإيمانِ، والمَعْنى: الإيمانُ السّابِقُ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وعَلى التَّقْوى وهي زائِدَةٌ عَلى الإيمانِ، وكَأنَّها مُرادَةٌ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ واتَّقُوا اللَّهَ.

3:180–184Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣

[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤

Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ، وتِبْيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: في النَّفَقَةِ عَلى العِيالِ وذَوِي الأرْحامِ.

ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ في الآياتِ السّابِقَةِ، شَرَعَ في التَّحْرِيضِ هُنا عَلى بَذْلِ الأمْوالِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، والبُخْلُ الشَّرْعِيُّ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ بَذْلِ الواجِبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ”تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، فَتَكُونُ الَّذِينَ (p-١٢٨)أوَّلَ مَفْعُولَيْنِ لِتَحْسَبَنَّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: بُخْلُهم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ. وحَذْفُهُ - كَما قُلْنا - عَزِيزٌ جِدًّا عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ فَلِذَلِكَ الأوْلى تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى قِراءَةِ التّاءِ مِن كَوْنِ الَّذِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو فَصْلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْقاطِ ”هو“، وخَيْرًا هو المَفْعُولُ بِتَحْسَبَنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ”يَبْخَلُونَ“ عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ، كَما دَلَّ السَّفِيهُ عَلى السَّفَهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ

والمَعْنى: جَرى إلى السَّفَهِ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الدَّلالَةُ فِيهِما سَواءً؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الدّالَّ في الآيَةِ هو الفِعْلُ، وفي البَيْتِ هو اسْمُ الفاعِلِ، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى المَصْدَرِ أقْوى مِن دَلالَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ إضْمارُ المَصْدَرِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ولَمْ تَكْثُرْ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المَصْدَرِ إنَّما جاءَ في هَذا البَيْتِ أوْ في غَيْرِهِ إنْ وُجِدَ. والثّانِي أنَّ في الآيَةِ حَذْفًا لِظاهِرٍ؛ إذْ قَدَّرُوا المَحْذُوفَ ”بُخْلُهم“، وأمّا في البَيْتِ فَهو إضْمارٌ، لا حَذْفٌ. ويَظْهَرُ لِي تَخْرِيجٌ غَرِيبٌ في الآيَةِ تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ، وهو أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ إذا جَعَلْنا الفِعْلَ مُسْنَدًا لِلَّذِينِ، وذَلِكَ أنَّ تَحْسَبَنَّ تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ، ويَبْخَلُونَ يَطْلَبُ مَفْعُولًا بِحَرْفِ جَرٍّ، فَقَوْلُهُ: ما آتاهم يَطْلُبُهُ يَحْسَبَنَّ، عَلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، ويَكُونُ هو فَصْلًا، وخَيْرًا المَفْعُولُ الثّانِي ويَطْلُبُهُ يَبْخَلُونَ بِتَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَأعْمَلَ الثّانِي عَلى الأفْصَحِ في لِسانِ العَرَبِ، وعَلى ما جاءَ في القُرْآنِ وهو يَبْخَلُونَ. فَعُدِّيَ بِحَرْفِ الجَرِّ واحِدٌ مَعْمُولُهُ، وحُذِفَ مَعْمُولُ تَحْسَبَنَّ الأوَّلُ، وبَقِيَ مَعْمُولُهُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَنازَعْ فِيهِ، إنَّما التَّنازُعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ. وساغَ حَذْفُهُ وحْدَهُ، كَما ساغَ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في مَسْألَةِ سِيبَوَيْهِ: مَتى رَأيْتُ أوْ قُلْتُ: زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ؛ لِأنَّ رَأيْتُ وقُلْتُ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَنازَعا زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ، وفي الآيَةِ: لَمْ يَتَنازَعا إلّا في المَفْعُولِ الواحِدِ، وتَقْدِيرُ المَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِهِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّخْرِيجِ يَكُونُ هو فَصْلًا لِما آتاهُمُ المَحْذُوفُ، لا لِتَقْدِيرِهِمْ بُخْلَهم. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ: ظَنَّ الَّذِي مَرَّ بِهِنْدٍ هي المُنْطَلِقَةُ. المَعْنى: ظَنَّ هَنْدًا الشَّخْصَ الَّذِي مَرَّ بِها هي المُنْطَلِقَةُ، فالَّذِي تَنازَعَهُ الفِعْلانِ هو الِاسْمُ الأوَّلُ، فَأعْمَلَ الفِعْلُ الثّانِيَ وبَقِيَ الأوَّلُ يَطْلُبُ مَحْذُوفًا، ويَطْلُبُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مُثْبَتًا، إذْ لَمْ يَقَعُ فِيهِ التَّنازُعُ. ولَمّا تَضَمَّنَ النَّهْيُ انْتِفاءَ كَوْنِ البُخْلِ أوِ المَبْخُولِ بِهِ خَيْرًا لَهم، وكانَ تَحْتَ الِانْتِفاءِ قَسَمانِ: أحَدُهُما أنْ لا خَيْرَ ولا شَرَّ، والآخَرُ إثْباتُ الشَّرِّ - أتى بِالجُمْلَةِ الَّتِي تُعَيِّنُ أحَدَ القِسْمَيْنِ وهو إثْباتُ كَوْنِهِ شَرًّا لَهم.

﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، أيْ (p-١٢٩)سَيُلْزَمُونَ عِقابَهُ إلْزامَ الطَّوْقِ، وفي المَثَلِ لِمَن جاءَ بِهَنَةٍ: تَقَلَّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: سَيُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ طَوْقٌ مِن نارٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مِنَ الطّاقَةِ لا مِنَ التَّطْوِيقِ، والمَعْنى: سَيَحْمِلُونَ عِقابَ ما بَخِلُوا بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: إنَّ البُخْلَ هو العِلْمُ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ. وقالَ أبُو وائِلٍ: هو الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مالًا فَيَمْنَعُ مِنهُ قَرابَتَهُ الحَقَّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهم في مالِهِ، فَيُجْعَلُ حَيَّةً يُطَوَّقُها فَيَقُولُ: ما لِي ولَكَ، فَيَقُولُ: أنا مالُكَ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إلّا أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ مِنَ النّارِ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ» . والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا مِن مَنعِ الزَّكاةِ واكْتِنازِ المالِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ.

﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَعالى لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ ما يَقَعُ مِن إرْثٍ في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ هو المالِكُ لَهُ حَقِيقَةً، فَكُلُّ ما يَحْصُلُ لِمَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِلْكُهُ هو مالِكُهُ حَقِيقَةً. وهَذا كانَ هو مالِكُهُ، فَما لَكم تَبْخَلُونَ بِشَيْءٍ أنْتُمْ مُمَتَّعُونَ بِهِ، لا مالِكُوهُ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَّرَ بِفَناءِ العالَمِ، وأنَّ جَمِيعَ ما يَخْلُقُونَهُ فَهو وارِثُهُ. وهو خِطابٌ عَلى ما يَفْهَمُ البَشَرُ، دَلَّ عَلى فَناءِ الجَمِيعِ، وأنَّهُ لا يَبْقى مالِكٌ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ مِلْكُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ.

﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خَتَمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ومَعْناها التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ عَلى قَبِيحِ مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ البُخْلِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَعْمَلُونَ“ عَلى الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى يَبْخَلُونَ وسَيُطَوَّقُونَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْباخِلِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٧٩] . انْتَهى. فَلا يَكُونُ عَلى قَوْلِهِ التِفاتًا، والأحْسَنُ الِالتِفاتُ.

وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ: الِاخْتِصاصُ في: أجْرَ المُؤْمِنِينَ. والتَّكْرارُ في: يَسْتَبْشِرُونَ، وفي: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، وفي اسْمِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وفي: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وفي ذِكْرِ الإمْلاءِ. والطِّباقِ في: اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وفي: لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ. والِاسْتِعارَةُ في: يُسارِعُونَ، وفي: اشْتَرَوْا، وفي: نُمْلِي، وفي: لِيَزْدادُوا إثْمًا، وفي: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: فَآمِنُوا وإنْ تُؤْمِنُوا. والِالتِفاتُ في: أنْتُمْ، إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ جَرى عَلى لَفْظِ المُؤْمِنِينَ لَكانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإنْ كانَ خِطابًا لِغَيْرِهِمْ كانَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وفي: تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فِيمَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском