Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:26–28
3:26–27Page 53
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦
Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.
تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧
You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."
﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ أيْ: بِقُدْرَتِكَ وتَصْدِيقِكَ وقَعَ الخَيْرُ، ويَسْتَحِيلُ وُجُودُ اليَدِ بِمَعْنى الجارِحَةِ لِلَّهِ تَعالى. قِيلَ: المَعْنى والشَّرُّ، نَحْوَ: تَقِيكُمُ الحُرَّ، أيْ والبَرْدَ. وحَذْفُ المَعْطُوفِ جائِزٌ لِفَهْمِ المَعْنى، إذْ أحَدُ الضِّدَّيْنِ يُفْهَمُ مِنهُ الآخَرُ، وهو تَعالى قَدْ ذَكَرَ إيتاءَ المُلْكِ ونَزْعَهُ، والإعْزازَ والإذْلالَ، وذَلِكَ خَيْرٌ لِناسٍ وشَرٌّ لِآخَرِينَ، فَلِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، ثُمَّ خَتَمَها بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَجاءَ بِهَذا العامِ المُنْدَرِجِ تَحْتَهُ الأوْصافُ السّابِقَةُ، وجَمَعَ الخُيُورَ والشُّرُورَ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ تَعْلِيمٌ لَنا كَيْفَ نَمْدَحُ ؟ بِأنْ نَذْكُرَ أفْضَلَ الخِصالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالَ ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ فَذَكَرَ الخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في الخَيْرِ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي أنْكَرَتْهُ الكَفَرَةُ، فَقالَ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تُؤْتِيهِ أوْلِياءَكَ عَلى رَغْمِ أعْدائِكَ؛ ولِأنَّ كُلَّ أفْعالِ اللَّهِ مِن نافِعٍ وضارٍّ صادِرٌ عَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ فَهو خَيْرٌ كُلُّهُ انْتَهى كَلامُهُ، وهو يُدافِعُ آخِرُهُ أوَّلَهُ، لِأنَّهُ ذَكَرَ في السُّؤالِ؛ لِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ ؟
وأجابَ بِالجَوابِ الأوَّلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بِيَدِهِ تَعالى الخَيْرَ والشَّرَّ، وإنَّما كانَ اقْتِصارُهُ عَلى الخَيْرِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ فِيما يَسُوقُهُ تَعالى مِنَ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَناسَبَ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ فَقَطْ. وأجابَ بِالجَوابِ الثّانِي: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَمِيعُ أفْعالِهِ خَيْرٌ لَيْسَ فِيها شَرٌّ، وهَذا الجَوابُ يُناقِضُ الأوَّلَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ، وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٌ؛ إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ ورَغْبَةٍ، فَكانَ المَعْنى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ فَأجْزِلْ حَظِي مِنهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: لَمّا كانَتْ في الحَمْدِ والشُّكْرِ لا لِلْحُكْمِ، ذَكَرَ الخَيْرَ إذْ هو المَشْكُورُ عَلَيْهِ. وقالَ الرّازِيُّ: الخَيْرُ فِيهِ الألِفُ واللّامُ الدّالَّةُ عَلى العُمُومِ، وتَقْدِيمُ: بِيَدِكَ، يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، فَدَلَّ عَلى أنْ لا خَيْرَ إلّا بِيَدِهِ، وأفْضَلُ الخَيْراتِ الإيمانُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. ولِأنَّ فاعِلَ الأشْرَفِ أشْرَفُ، والإيمانُ أشْرَفُ.
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ (p-٤٢١)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَّهارِ يَزِيدُ في اللَّيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَّيْلِ يَزِيدُ في النَّهارِ، دَأْبًا كُلُّ فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ، قِيلَ: حَتّى يَصِيرَ النّاقِصُ تِسْعَ ساعاتٍ، والزّائِدُ خَمْسَ عَشْرَةَ ساعَةً. وذَكَرَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: أجْمَعَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ، عَلى أنَّ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّيادَةُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِأخْذِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ثَلاثِينَ دَرَجَةً، فَتَنْتَهِي زِيادَةُ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ إلى أرْبَعَ عَشْرَةَ ساعَةً، وكَذَلِكَ العَكْسُ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ المَعْنى في الوُلُوجِ هُنا تَغْطِيَةُ اللَّيْلِ بِالنَّهارِ إذا أقْبَلَ، وتَغْطِيَةُ النَّهارِ بِاللَّيْلِ إذا أقْبَلَ، فَصَيْرُورَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في زَمانِ الآخَرِ كالوُلُوجِ فِيهِ، وأوْرَدَ هَذا القَوْلَ احْتِمالًا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكانَ زَوالُ أحَدِهِما وُلُوجَ الآخَرِ.
﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْنى الإخْراجِ: التَّكْوِينُ هُنا، والإخْراجُ حَقِيقَةً: هو إخْراجُ الشَّيْءِ مِنَ الظَّرْفِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالَةَ إبْراهِيمَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. تُخْرِجُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ وهي مَيِّتَةٌ إذا انْفَصَلَتِ النُّطْفَةُ مِنَ الحَيَوانِ، وتُخْرِجُ النُّطْفَةَ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الرَّجُلِ وهو حَيٌّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَوْتُ مَجازًا إذِ النُّطْفَةُ لَمْ يَسْبِقْ لَها حَياةٌ، ويَكُونُ المَعْنى: وتُخْرِجُ الحَيَّ مِن ما لا تَحِلُّهُ الحَياةُ، وتُخْرِجُ ما لا تَحِلُّهُ الحَياةُ مِنَ الحَيِّ، والإخْراجُ عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الحالِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ؛ أيِ: الفَرْخَ مِنَ البَيْضَةِ، والبَيْضَةَ مِنَ الطَّيْرِ، والمَوْتُ أيْضًا هُنا مَجازٌ، والإخْراجُ حَقِيقَةٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ، والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ، والنَّواةَ مِنَ النَّخْلَةِ، والحَبَّةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ، والمَوْتُ والحَياةُ في هَذا مَجازٌ. وقالَ الحَسَنُ: ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ: تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وهُما أيْضًا مَجازٌ. وفي الحَدِيثِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«سُبْحانَ اللَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ“ . وقَدْ رَأى امْرَأةً صالِحَةً ماتَ أبُوها كافِرًا»، وهي خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الحَبِّ، ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ. وقِيلَ: الطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ، والخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: ويُحْتَمَلُ: يُخْرِجُ الجَلْدَ الفَطِنَ مِنَ البَلِيدِ العاجِزِ، والعَكْسُ؛ لِأنَّ الفِطْنَةَ حَياةُ الحِسِّ، والبَلادَةَ مَوْتُهُ. وقِيلَ: يُخْرِجُ الحِكْمَةَ مِن قَلْبِ الفاجِرِ؛ لِأنَّها لا تَسْتَقِرُّ فِيهِ، والسَّقْطَةُ مِن لِسانِ العارِفِ، وهَذِهِ كُلُّها مَجازاتٌ بَعِيدَةٌ. والأظْهَرُ في قَوْلِهِ ﴿الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ تَصَوُّرُ اثْنَيْنِ. وقِيلَ: عَنى بِذَلِكَ شَيْئًا واحِدًا يَتَغَيَّرُ بِهِ الحالُ، فَيَكُونُ مَيِّتًا ثُمَّ يَحْيا، وحَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ. نَحْوَ قَوْلِكَ: جاءَ مِن فُلانٍ أسَدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ هُنا حَقِيقَتانِ لا اسْتِعارَةَ فِيهِما، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المَثَلِ الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ، وذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَوْلَ عِكْرِمَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ، ولا يُمْكِنُ الحَمْلُ إذْ ذاكَ عَلى الحَقِيقَةِ أصْلًا، وكَذَلِكَ في المَوْتِ، وشَدَّدَ حَفْصٌ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: المَيِّتُ، في هَذِهِ الآيَةِ. وفي الأنْعامِ، والأعْرافِ، ويُونُسَ، والرُّومِ، وفاطِرٍ، زادَ نافِعٌ تَشْدِيدَ الياءِ في: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] في الأنْعامِ و﴿الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] في يس ﴿لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] في الحُجُراتِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفَ ذَلِكَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ التَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ في الِاسْتِعْمالِ، كَما تَقُولُ: لَيِّنٌ ولَيْنٌ، وهَيِّنٌ وهَيْنٌ. ومَن زَعَمَ أنَّ المُخَفَّفَ لِما قَدْ ماتَ، والمُشَدَّدَ لِما قَدْ ماتَ ولِما لَمْ يَمُتْ فَيَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ.
﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ، فَذَكَرَ حالَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في المُعاقَبَةِ بَيْنَهُما، وحالَ الحَيِّ والمَيِّتِ في إخْراجِ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ العَظِيمَةِ المُحَيِّرَةِ لِلْأفْهامِ، ثُمَّ قَدَرَ أنْ يَرْزُقَ بِغَيْرِ حِسابٍ (p-٤٢٢)مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم، ويُؤْتِيَهُ العَرَبُ ويُعِزَّهُمُ انْتَهى. وهو حَسَنٌ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ، والبَلاغَةِ، والبَدِيعِ. الِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّعَجُّبُ في ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [آل عمران: ٢٣] . والإشارَةُ في ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] فَإدْخالُ: مِن، يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُحِيطُوا بِالتَّوْراةِ عِلْمًا، ولا حِفْظًا، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإزْراءِ بِهِمْ، وتَنْقِيصِ قَدْرِهِمْ وذَمِّهِمْ؛ إذْ يَزْعُمُونَ أنَّهم أخْيارٌ وهم بِخِلافِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٤] إشارَةٌ إلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمُ اللَّذَيْنِ سَبَبُهُما افْتِراؤُهم، وفي ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [آل عمران: ٢٥] إشارَةٌ إلى أنَّ جَزاءَ أعْمالِهِمْ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ.
والتَّكْرارُ في ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] إمّا في اللَّفْظِ والمَعْنى إنْ كانَ المَدْلُولُ واحِدًا، وإمّا في اللَّفْظِ إنْ كانَ مُخْتَلِفًا. وفي التَّوَلِّي والإعْراضِ إنْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ. وفي: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ﴾ ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ﴾ وتَكْرارُهُ في جُمَلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، إنْ كانَ المُرادُ واحِدًا، وإنِ اخْتَلَفَ كانَ مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ فَقَطْ، وتَكْرارُ ﴿مَن تَشاءُ﴾ وفي (تُولِجُ) وفي (تُخْرِجُ) وفي مُتَعَلِّقَيْهِما. والِاتِّساعُ في جَعْلِ في بِمَعْنى عَلى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ: عَلى النَّهارِ، ﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: عَلى اللَّيْلِ.
وعَبَّرَ بِالإيلاجِ عَنِ العُلُوِّ والتَّغْشِيَةِ. والنَّفْيُ المُتَضَمِّنُ الأمْرَ في ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ، أيْ: لا تَرْتابُوا فِيهِ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ والطِّباقُ: في: تُؤْتِي وتَنْزِعُ، وتُعِزُّ وتُذِلُّ، وفي اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي الحَيِّ والمَيِّتِ. ورَدُّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ في: تُولِجُ، وما بَعْدَهُ، والحَذْفُ وهو في مَواضِعَ مِمّا يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِها. كَقَوْلِهِ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ أيْ: مَن تَشاءُ أنْ تُؤْتِيَهُ. والإسْنادُ المَجازِيُّ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] أسْنَدَ الحُكْمَ إلى الكِتابِ؛ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ الأحْكامَ فَهو سَبَبُ الحُكْمِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ مَن أرادَ قَضاءَ دَيْنِهِ قَرَأ كُلَّ يَوْمٍ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وبُقُولِ: رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما، تُعْطِي مِنهُما مَن تَشاءُ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي. فَلَوْ كانَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَأدّاهُ اللَّهُ» .
﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] قِيلَ: نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ؛ كانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ فَأرادَ أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ. وقِيلَ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ كانُوا يَتَوالَوْنَ اليَهُودَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، وهُمُ: الحَجّاجُ بْنُ عُمَرَ، وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وقَيْسُ بْنُ يَزِيدَ، كانُوا يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ فَنَهاهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ، هَذِهِ الأقْوالُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: في حاطِبِ بْنِ بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ كانُوا يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ.
ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ اللُّطْفُ بِهِمْ في المُعاشَرَةِ؛ وذَلِكَ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ، قَبْلَ الإسْلامِ، أوْ يَدٍ سابِقَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا فِيما يَظْهَرُ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وأمّا أنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ونِيَّتِهِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، والمَنهِيُّونَ هُنا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الإيمانَ، فالنَّهْيُ هُنا إنَّما مَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ اللُّطْفِ بِهِمْ والمَيْلِ إلَيْهِمْ، واللُّطْفُ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْصارِ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا في القُرْآنِ.
ويَكْفِيكَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةَ، والمَحَبَّةُ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، عَلى النَّهْيِ، وقَرَأ الضَّبِّيُّ بِرَفْعِ الذّالِ عَلى النَّفْيِ، والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ، وقَدْ أجازَ الكِسائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ كَقِراءَةِ الضَّبِّيِّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى - لَمّا ذَكَرَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤَمِنُ عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ بِالأفْعالِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها، ذَكَرَ ما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُعامَلَةِ الخَلْقِ، وكانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ في الكُفّارِ فَنُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ، وأُمِرُوا بِالرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ وعِنْدَ أوْلِيائِهِ دُونَ أعْدائِهِ؛ إذْ هو تَعالى مالِكُ المُلْكِ.
وظاهِرُ الآيَةِ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ مُوالاتِهِمْ إلّا ما فَسَحَ لَنا فِيهِ مِنَ اتِّخاذِهِمْ عَبِيدًا، والِاسْتِعانَةِ بِهِمُ اسْتِعانَةَ العَزِيزِ بِالذَّلِيلِ، والأرْفَعِ بِالأوْضَعِ، والنِّكاحِ فِيهِمْ. فَهَذا كُلُّهُ ضَرْبٌ (p-٤٢٣)مِنَ المُوالاةِ أُذِنَ لَنا فِيهِ، ولَسْنا مَمْنُوعِينَ مِنهُ، فالنَّهْيُ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ.
﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: مِن دُونِ، في قَوْلِهِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
و”يَتَّخِذِ“، هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، ومِن دُونِ: مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ”لا يَتَّخِذِ“؛ ومِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ. قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: أيْ لا تَجْعَلُوا ابْتِداءَ الوِلايَةِ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ.
3:28Page 53
لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨
Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.
﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في تَرْكِ المُوالاةِ، إذْ نَفى عَنْ مُتَوَلِّيهِمْ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلَيْسَ مِن وِلايَةِ اللَّهِ في شَيْءٍ. وقِيلَ: مِن دِينِهِ. وقِيلَ: مِن عِبادَتِهِ. وقِيلَ: مِن حِزْبِهِ. وخَبَرُ: لَيْسَ، هو ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ الفائِدَةُ، وهي: في شَيْءٍ، ومِنَ اللَّهِ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِشَيْءٍ، والتَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن وِلايَةِ اللَّهِ. و”مِن“: تَبْعِيضِيَّةٌ، نَفى وِلايَةَ اللَّهِ عَنْ مَنِ اتَّخَذَ عَدُوَّهُ ولِيًّا؛ لِأنَّ الوِلايَتَيْنِ مُتَنافِيَتانِ، قالَ:
؎تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ
وتَشْبِيهُ مَن شَبَّهَ الآيَةَ بِبَيْتِ النّابِغَةِ:
؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ: مِنكَ ومِنِّي، خَبَرُ لَيْسَ، وتَسْتَقِلُّ بِهِ الفائِدَةُ. وفي الآيَةِ الخَبَرُ قَوْلُهُ: في شَيْءٍ، فَلَيْسَ البَيْتُ كالآيَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ في شَيْءٍ مَرْضِيٍّ عَلى الكَمالِ والصَّوابِ، وهَذا كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» . وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ والتَّزَلُّفِ، ونَحْوُ هَذا مَقُولُهُ: في شَيْءٍ، هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ، يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ مِنَ اللَّهِ خَبَرًا لِلَيْسَ، إذْ لا يَسْتَقِلُّ. فَقَوْلُهُ: في شَيْءٍ، هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونُ خَبَرًا، فَيَبْقى: لَيْسَ، عَلى قَوْلِهِ لا يَكُونُ لَها خَبَرٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. وتَشْبِيهُهُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما بَيَّنّاهُ مِنَ الفَرْقِ في بَيْتِ النّابِغَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآيَةِ.
﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّعٌ مِنَ المَفْعُولِ لَهُ، والمَعْنى لا يَتَّخِذُوا كافِرًا ولِيًّا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِسَبَبِ التَّقِيَّةِ، فَيَجُوزُ إظْهارُ المُوالاةِ بِاللَّفْظِ والفِعْلِ دُونَ ما يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ القَلْبُ والضَّمِيرُ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التَّقِيَّةُ المُشارُ إلَيْها مُداراةٌ ظاهِرَةٌ. وقالَ: يَكُونُ مَعَ الكُفّارِ أوْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَيَتَّقِيهِمْ بِلِسانِهِ، ولا مَوَدَّةَ لَهم في قَلْبِهِ. وقالَ قَتادَةُ: إذا كانَ الكُفّارُ غالِبِينَ، أوْ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ في قَوْمٍ كُفّارٍ فَيَخافُونَهم، فَلَهم أنْ يُحالِفُوهم ويُدارُوهم دَفْعًا لِلشَّرِّ، وقَلْبُهم مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خالِطُوا النّاسَ، وزايِلُوهم وعامِلُوهم بِما يَشْتَهُونَ، ودِينُكم فَلا تُثْلِمُوهُ. وقالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحانَ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: خالِصِ المُؤْمِنَ وخالِقِ الكافِرِ، إنَّ الكافِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ. وقالَ الصّادِقُ: التَّقِيَّةُ واجِبَةٌ، إنِّي لَأسْمَعُ الرَّجُلَ في المَسْجِدِ يَشْتُمُنِي فَأسْتَتِرُ مِنهُ بِالسّارِيَةِ؛ لِئَلّا يَرانِي. وقالَ: الرِّياءُ مَعَ المُؤْمِنِ شِرْكٌ، ومَعَ المُنافِقِ عِبادَةٌ.
وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، ومُجاهِدٌ: كانَتِ التَّقِيَّةُ في جَدَّةِ الإسْلامِ قَبْلَ اسْتِحْكامِ الدِّينِ وقُوَّةِ المُسْلِمِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَقَدْ أعَزَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَّقُوهم بِأنْ يَتَّقُوا مِن عَدُوِّهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا تَقِيَّةَ في القَتْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تَتَّقُوا قَطِيعَةَ الرَّحِمِ فَخالِطُوهم في الدُّنْيا.
وفِي قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا﴾ التِفاتٌ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَوْ جاءَ عَلى نَظْمِ الأوَّلِ لَكانَ: إلّا أنْ يَتَّقُوا، بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن أسْفَلَ، وهَذا النَّوْعُ في غايَةِ الفَصاحَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ نُهُوا عَنْ فِعْلِ ما لا يَجُوزُ، جَعَلَ ذَلِكَ في اسْمٍ غائِبٍ، فَلَمْ يُواجَهُوا بِالنَّهْيِ، ولَمّا وقَعَتِ المُسامَحَةُ والإذْنُ في بَعْضِ ذَلِكَ ووُجِّهُوا (p-٤٢٤)بِذَلِكَ إيذانًا بِلُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ، وتَشْرِيفًا بِخِطابِهِ إيّاهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُقاةً، وأصْلُهُ: وُقِيَّةً، فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً، كَما أبْدَلُوها في: تُجاهٍ، وتُكاهٍ، وانْقَلَبَتِ الياءُ ألِفًا؛ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهو مَصْدَرٌ عَلى فِعْلَةٍ: كالتُّؤْدَةِ والتُّخْمَةِ، والمَصْدَرُ عَلى فِعْلٍ أوْ فِعْلَةٍ جاءَ قَلِيلًا. وجاءَ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، إذْ لَوْ جاءَ عَلى المَقِيسِ لَكانَ: اتِّقاءُ ونَظِيرُهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولاحَ بِجانِبِ الجَبَلَيْنِ مِنهُ ∗∗∗ رُكامٌ يَحْفُرُ الأرْضَ احْتِفارًا
والمَعْنى: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم خَوْفًا. وأمالَ الكِسائِيُّ: تُقاةً، وحَقَّ تُقاتِهِ، ووافَقَهُ حَمْزَةُ هُنا وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وفَتَحَ الباقُونَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا أنْ تَخافُوا مِن جِهَتِهِمْ أمْرًا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ. وقُرِئَ: تَقِيَّةً. وقِيلَ لِلْمُتَّقِي: تُقاةٌ وتَقِيَّةٌ، كَقَوْلِهِمْ: ضَرْبُ الأمِيرِ لِمَضْرُوبِهِ انْتَهى. فَجَعَلَ تُقاةً، مَصْدَرًا في مَوْضِعِ اسْمِ المَفْعُولِ، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، لا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ إلّا أنْ تَخافُوا أمْرًا. وقالَ أبُو عَلِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تُقاةً، مِثْلَ: رُماةً، حالًا مِن: تَتَّقُوا، وهو جَمْعُ فاعِلٍ، وإنْ كانَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ فاعِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ تَقِيٍّ انْتَهى كَلامُهُ.
وتَكُونُ الحالُ مُؤَكِّدَةً؛ لِأنَّهُ قَدْ فَهِمَ مَعْناها مِن قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهُمْ﴾ وتَجْوِيزُ كَوْنِهِ جَمْعًا ضَعِيفٌ جِدًّا، ولَوْ كانَ جَمْعُ: تَقِيٍّ، لَكانَ أتْقِياءً، كَغَنِيٍّ وأغْنِياءَ، وقَوْلُهم: كَمِيٌّ وكَماةٌ، شاذٌّ فَلا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ المَصْدَرِيَّةِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] المَعْنى حَقَّ اتِّقائِهِ، وحَسُنَ مَجِيءُ المَصْدَرِ هَكَذا ثُلاثِيًّا أنَّهم قَدْ حَذَفُوا: اتَّقى، حَتّى صارَ: تَقِيَ يَتَّقِي تَقِ اللَّهَ فَصارَ كَأنَّهُ مَصْدَرٌ لِثُلاثِيٍّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ، وحُمَيْدُ ابْنُ قَيْسٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: تَقِيَّةً، عَلى وزْنِ مَطِيَّةٍ وجَنِيَّةٍ، وهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، وهو قَلِيلٌ نَحْوَ النَّمِيمَةِ. وكَوْنُهُ مِنِ افْتَعَلَ نادِرٌ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازَ مُوالاتِهِمْ عِنْدَ الخَوْفِ مِنهم، وقَدْ تَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا في التَّقِيَّةِ، إذْ لَها تَعَلُّقٌ بِالآيَةِ، فَقالُوا: أمّا المُوالاةُ بِالقَلْبِ فَلا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في تَحْرِيمِها، وكَذَلِكَ المُوالاةُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ مِن غَيْرِ تَقِيَّةٍ، ونُصُوصُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والنَّظَرُ في التَّقِيَّةِ يَكُونُ فِيمَن يُتَّقى مِنهُ ؟ وفِيما يُبِيحُها ؟ وبِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ؟ فَأمّا مَن يُتَّقى مِنهُ فَكُلُّ قادِرٍ غالِبٍ يُكْرَهُ بِجَوْرٍ مِنهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الكُفّارُ، وجَوَرَةُ الرُّؤَساءِ، والسَّلّابَةُ، وأهْلُ الجاهِ في الحَواضِرِ. قالَ مالِكٌ: وزَوْجُ المَرْأةِ قَدْ يُكْرَهُ؛ وأمّا ما يُبِيحُهُا فالقَتْلُ، والخَوْفُ عَلى الجَوارِحِ، والضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، والوَعِيدُ، وعَداوَةُ أهْلِ الجاهِ الجَوْرَةِ. وأمّا بِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنَ الأقْوالِ ؟ فَبِالكُفْرِ فَما دُونَهُ مِن: بَيْعٍ، وهِبَةٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا مِنَ الأفْعالِ: فَكُلُّ مُحَرَّمٍ.
وقالَ مَسْرُوقٌ: إنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ دَخْلَ النّارَ، وهَذا شاذٌّ. وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: التَّقِيَّةُ تَكُونُ في الأقْوالِ دُونَ الأفْعالِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ. وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: التَّقِيَّةُ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَرْكُها أفْضَلُ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتّى قُتِلَ فَهو أفْضَلُ مِمَّنْ أظْهَرَ، وكَذَلِكَ كُلُّ أمْرٍ فِيهِ إعْزازُ الدِّينِ فالإقْدامُ عَلَيْهِ حَتّى يُقْتَلَ أفْضَلُ مِنَ الأخْذِ بِالرُّخْصَةِ. قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: إنْ عُرِضْتَ عَلى السَّيْفِ تُجِيبُ ؟ قالَ: لا. وقالَ: إذا أجابَ العالِمُ تَقِيَّةً، والجاهِلُ يَجْهَلُ، فَمَتى يَتَبَيَّنُ الحَقُّ ؟ والَّذِي نَقَلَ إلَيْنا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ أنَّ الصَّحابَةَ وتابِعِيَهم بَذَلُوا أنْفُسَهم في ذاتِ اللَّهِ. وأنَّهم لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ ولا سَطْوَةَ جَبّارٍ ظالِمٍ. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّما تَجُوزُ التَّقِيَّةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ الحَقِّ والدِّينِ، وأمّا ما يَرْجِعُ ضَرُورَةً إلى الغَيْرِ: كالقَتْلِ، والزِّنا، وغَصْبِ الأمْوالِ، والشَّهادَةِ بِالزُّورِ، وقَذْفِ المُحْصَناتِ، واطِّلاعِ الكُفّارِ عَلى عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَغَيْرُ جائِزٍ البَتَّةَ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها مَعَ الكُفّارِ الغالِبِينَ، إلّا أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ: أنَّ الحالَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إذا شاكَلَتِ الحالَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ (p-٤٢٥)جازَتِ التَّقِيَّةُ مُحاماةً عَنِ النَّفْسِ، وهي جائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ والمالِ انْتَهى. قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا وِلايَةَ لِكافِرٍ عَلى مُسْلِمٍ في شَيْءٍ، فَإذا كانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ مُسْلِمٌ بِإسْلامِ أُمِّهِ فَلا وِلايَةَ لَهُ عَلَيْهِ في تَصَرُّفٍ، ولا تَزَوُّجٍ ولا غَيْرِهِ. قِيلَ: وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ لا يَعْقِلُ جِنايَةَ المُسْلِمِ، وكَذَلِكَ المُسْلِمُ لا يَعْقِلُ جِنايَتَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المُوالاةِ والنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَطْشَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: نَفْسَهُ أيْ: إيّاهُ تَعالى، كَما قالَ الأعْشى:
؎يَوْمًا بِأجْوَدَ نائِلًا مِنهُ إذا ∗∗∗ نَفْسُ الجَبانِ تَجَهَّمَتْ سُؤالُهُا
أرادَ: إذا البَخِيلُ تَجَهَّمَ سُؤالُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْهُودِ ما يَفْهَمُهُ البَشَرُ، والنَّفْسُ في مِثْلِ هَذا راجِعٌ إلى الذّاتِ. وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ لِأنَّ التَّحْذِيرَ إنَّما هو مِن عِقابٍ وتَنْكِيلٍ ونَحْوِهِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَهُ انْتَهى كَلامُهُ. ولَمّا نَهاهم تَعالى عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ، حَذَّرَهم مِن مُخالَفَتِهِ بِمُوالاةِ أعَدائِهِ. قالَ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: صَيْرُورَتُكم ورُجُوعُكم؛ فَيُجازِيكم إنِ ارْتَكَبْتُمْ مُوالاتِهم بَعْدَ النَّهْيِ. وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences