Abu HayyanAli 'Imran · 3:36–38

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:36–38, continued

﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلدُّعاءِ، وتَفْسِيرٌ لَهُ، وناداهُ بِلَفْظِ: رَبِّ؛ إذْ هو مُرَبِّيهِ ومُصْلِحُ حالِهِ، وجاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ: ”هَبْ“، لِأنَّ الهِبَةَ إحْسانٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَتِها شَيْءٌ يَكُونُ عِوَضًا لِلْواهِبِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَكادُ يَكُونُ عَلى سَبِيلِ ما لا تَسَبُّبَ فِيهِ: لا مِنَ الوالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولا مِنَ الوالِدَةِ لِكَوْنِها عاقِرًا لا تَلِدُ، فَكانَ وجُودُهُ كالوُجُودِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، أتى هِبَةً مَحْضَةً مَنسُوبَةً إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: مِن لَدُنْكَ، أيْ: مِن جِهَةِ مَحْضِ قُدْرَتِكَ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ. وتَقَدَّمَ أنَّ: (p-٤٤٥)لَدُنْ، لِما قَرُبَ، وعِنْدَ: لِما قَرُبَ ولِما بَعُدَ، وهي أقَلُّ إبْهامًا مِن لَدُنْ، ألا تَرى أنَّ عِنْدَ، تَقَعُ جَوابًا لِـ ”أيْنَ“، ولا تَقَعُ لَهُ جَوابًا لَدُنْ ؟ . (ومِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقٌ: بِهَبْ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِن: ”ذَرِّيَّةً“؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، فَعَلى هَذا تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والذُّرِّيَّةُ: جِنْسٌ يَقَعُ عَلى واحِدٍ، فَأكْثَرَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ هُنا واحِدًا؛ دَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا، ولَمْ يَطْلُبْ أوْلِياءَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيما قالَهُ الطَّبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُّرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا انْتَهى.

وفَسَّرَ: طَيِّبَةً، بِأنْ تَكُونَ سَلِيمَةً في الخُلُقِ وفي الدِّينِ تَقِيَّةً. وقالَ الرّاغِبُ: صالِحَةً، واسْتِعْمالُ الصّالِحِ في الطَّيِّبِ كاسْتِعْمالِ الخَبِيثِ في ضِدِّهِ، عَلى أنَّ في الطَّيِّبِ زِيادَةَ مَعْنًى عَلى الصّالِحِ. وقِيلَ: أرادَ: بِطَيِّبَةٍ، أنَّها تَبْلُغُ في الدِّينِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ مَدْلُولَها مِن كَوْنِها اسْمَ جِنْسٍ، ولَمْ يُقَيَّدْ بِالوَحْدَةِ، فَوَصَفَها بِطَيِّبَةٍ، واضِحٌ وإنْ كانَ أرادَ ذَكَرًا واحِدًا، فَأنَّثَ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، كَما قالَ:

؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بأدْرَدا

وكَما قالَ:

؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ

وفِي قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي﴾ دَلالَةٌ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ الصّالِحِ، والدُّعاءِ بِحُصُولِهِ، وهي سُنَّةُ المُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ والصّالِحِينَ.

﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمّا دَعا رَبَّهُ بِأنَّهُ يَهِبُ لَهُ ولَدًا صالِحًا، أخْبَرَ بِأنَّهُ تَعالى مُجِيبُ الدُّعاءِ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى السَّماعِ المَعْهُودِ، بَلْ مِثْلُ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. عَبَّرَ بِالسَّماعِ عَنِ الإجابَةِ إلى المَقْصِدِ، واقْتَفى في ذَلِكَ جَدَّهُ الأعْلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ ورَزَقَهُ عَلى الكِبَرِ، كَما رَزَقَ إبْراهِيمَ عَلى الكِبَرِ، وكانَ قَدْ تَعَوَّدَ مِنَ اللَّهِ إجابَةَ دُعائِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] ؟ .

قِيلَ: وذَكَرَ تَعالى في كَيْفِيَّةِ دُعائِهِ ثَلاثَ صِيَغٍ: أحَدُهُا: هَذا، والثّانِي: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] إلى آخِرِهِ. والثّالِثُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ تَكَرَّرَ مِنهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، بِهَذِهِ الثَّلاثِ الصِّيَغِ، ودَلَّ عَلى أنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ زَمانًا انْتَهى. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَكْرِيرُ الدُّعاءِ، كَما قِيلَ: لِأنَّهُ حالَةُ الحِكايَةِ قَدْ يَكُونُ حُكِيَ في قَوْلِهِ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩] عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى سَبِيلِ الإسْهابِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ. وهَذِهِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الصِّيَغِ إنَّما هي بِالمَعْنى، إذْ لَمْ يَكُنْ لِسانُهم عَرَبِيًّا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ واحِدٌ مُتَعَقَّبٌ بِالتَّبْشِيرِ، العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] وفي قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وظاهِرُ قَوْلِهِ في مَرْيَمَ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] اعْتِقابُ التَّبْشِيرِ الدُّعاءُ لا تَأخُّرُهُ عَنْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском